كان لوكس يغط في نوم عميق، يستمتع بدفء سريره، لكن راحة نومه لم تدم طويلاً؛ إذ سرعان ما استيقظ على وقع ضجيج حاد وحركات عنيفة تصدر من الجانب الآخر للغرفة.
فتح لوكس عينيه بصعوبة، وقال بصوت يقطر انزعاجاً ونعاساً: «ألا تعلم كم الساعة الآن لتحدث كل هذه الضوضاء؟!».
أجبتهُ دون أن أوقف حركتي أو ينقطع نَفَسي: «لا يجب أن أضيع ثانية واحدة.. الوقت لا ينتظر أحداً».
تمتم لوكس بصوت غائب بفعل النوم: «وما ذنبي أنا لتُقلق نومي الثمين بتدريباتك الجحيمية هذه؟!»
لم أرد عليه، بل أكملتُ تمرين الضغط بقبضة واحدة وبتركيز كامل. استشاط لوكس غضباً من تجاهلي، وصرخ بصوت عالٍ: «ألم أقل لك أن تتوقف حتى أغط في نومي بسلام؟!».
وفجأة، تحول ذلك الفتى الخجول في رمشة عين! قفز لوكس من فوق سريره كالفهد، ولمحتُ في عينيه وميضاً حاداً. وقبل أن أستوعب حركته، أحكم قبضته على جسدي بقوة مرعبة لا تناسب سنه، وقام برميي وإخراجي خارج الغرفة تماماً، ثم هدر قائلاً وهو يغلق الباب بعنف: «اذهب وتدرب بعيداً عني.. وإياك وإيقاظي مجدداً وإلا قتلتك!».
وقفتُ في الممر الحجري وأنا أنفض الغبار عن جسدي، وابتسامة ساخرة ترتسم على شفتي. "هذا الفتى يمتلك مزاجاً مرعباً عندما يتعلق الأمر بنومه".
بعد ساعتين كاملتين من التدريب الشاق والطحن المستمر لعضلاتي، كنتُ أجلس في باحة التدريب الخارجية أستريح وأسترجع أنفاسي لاهثاً. في تلك اللحظة، وصل لوكس إلى الساحة، واقترب مني ثم نادى مستغرباً: «ليام.. لما لم تقم بايقاظي من أجل التدرب معك؟!».
نظرتُ إليه باستغراب شديد ورفعتُ حاجبي قائلاً: «لأنك أنت نفسك من هددني قبل ساعتين بأنك ستقتلني إن أيقظتك!».
اتسعت عينا لوكس بتعجب براءته المعتادة، وقال بحيرة: «أنا؟! متى قلتُ شيئاً كهذا؟!».
هززتُ رأسي بيأس وقلت: «لا.. لا تكترث لذلك أبداً». وقلتُ في ذهني مسترسلاً: "أنت حقاً غريب الأطوار يا لوكس.. شخصيتك تنقلب تماماً دون أن تشعر".
سألني لوكس وهو ينظر إلى الأثقال حولنا: «على ماذا تتدرب الآن؟».
أجبتُه وأنا أنهض: «كالعادة.. على التحمل البدني».
عقد لوكس حاجبيه وسأل بفضول: «لماذا تضع جل تركيزك على التدريب البدني الشاق أكثر من التدرب على تقنيات السيف؟».
قلتُ له بجدية: «يمكنك القول إنني أفتقر حالياً للقوة الجسدية المناسبة؛ فبنيتي الحالية ضعيفة ولا تتحمل الضغط الناتج عن استخدام الهالة بشكل متواصل».
لم يقتنع لوكس تماماً، وتابع: «سؤال آخر..».
قاطعتُه بانزعاج مصطنع: «هل جئت لتتدرب معي أم لتطرح الأسئلة فقط؟ اسأل يا طويل اللسان!».
قال لوكس وهو يتذكر نزالنا بالأمس: «بينما كنتُ أقاتلك، أحسستُ أنك تقوم بتنفيذ حركات سيف متقنة للغاية، لكنها لا تتماشى مع جسدك الحالي أو قوتك الجسدية المحدودة.. كأنك تمتلك خبرة مقاتل عتيق في جسد طفل!».
تصلب جسدي لثانية. نظرتُ إليه ببرود وقلت: «هذا السؤال بالذات.. سأمتنع عن الإجابة عليه. أسرع الآن واستل سيفك الخشبي لنتدرب قليلاً».
بينما كنا نسير نحو حلبة النزال، قادتني خطواتي وجسدي المنهك إلى دهاليز ذكريات حياتي الماضية.. الذكريات التي تحترق في صدري كالجمر.
في الماضي، وبسبب عدم قدرتي على إيقاظ الهالة، كنتُ مجرد منبوذ وحثالة في عيون عائلة فاميليان بأكملها. لكنني لم أستسلم حينها؛ تدربتُ على أقسى أنواع التمارين البدنية، وطحنتُ عظامي ليل نهار دون كلل أو ملل، ولكن دون جدوى.. فالجسد بلا مانا كان كالغمد بلا سيف.
حتى ظهر لي بصيص أمل مظلم؛ عندما قررت قيادة فاميليان إنشاء فيلق خاص من الأشخاص الذين فشلوا في إيقاظ الهالة. وفور إعلانها، انضممتُ إليها مسرعاً. كنتُ مدركاً في أعماقي للسبب الحقيقي وراء إنشاء هذه الفرقة؛ العائلة الحاكمة لم تكن تهدف لتدريبنا، بل كانت ترغب في الاستفادة من الأفراد عديمي النفع كأوراق محترقة لتنفيذ العمليات الانتحارية والقذرة من وراء الستار.
كان هذا التوجه جلياً حتى في الاسم المهين الذي أطلقوه علينا: "كلاب فاميليان".
لم يهمني الاسم، ولم يهمني النبذ. ظللتُ أنفذ المهمات الانتحارية مع الفرقة بدم بارد، وأرتقي فوق جثث الأعداء والرفاق، حتى وصلتُ بجهدي الخارق إلى منصب قائد الفرقة. في ذلك الوقت، شعرتُ بسعادة غامرة لأن نظرات الاحتقار تجاهي قد قلت، وظننتُ أنني أثبتُّ كفاءتي وأخيراً نلتُ احترامهم.. لكنني كنتُ واهماً.
في إحدى المهمات الكبرى، كُلِّفنا بمهمة اغتيال شخصية أزعجت وأضرت بسلطة فاميليان في الجنوب. الغريب في الأمر أن القيادة العليا أصدرت أمراً صارماً بحشد جميع أفراد الفرقة بلا استثناء. لم أفهم سبب هذا التحشيد المرعب لقتال شخص واحد، لكنني عرفتُ الإجابة فور لقائي به.
هل كان ذلك المخلوق إنساناً حقاً؟!
إن إطلاق لقب "وحش" عليه لا يعطيه حقه، ولا يظهر مدى وحشيته وشدة بطشه الأسطورية!
كنتُ أقف برفقة فرقتي المكونة من 2000 مقاتل من نخبة الأشداء. وفي غضون دقائق، سُحقنا بوحشية مرعبة.. تم تمزيق وتدنيس وتقطيع أطراف رجالي بأبشع الطرق، وأنا واقف أنظر إلى زملائي وهم يُبادون كالحشرات تحت أقدامه دون أن نتمكن من خدشه.
بجانبي، كان يقف رفيقي المقرب وعضو الفرقة "جين". لم يحتمل جين رؤية رفاقه يُدهسون ويموتون بهذه الطريقة، فانفجر صارخاً والدموع تختلط بالدماء على وجهه: «سأنتقم لرفاقنااا!».
اندفع جين بكامل قوته ووجه ضربة انتحارية، ونجح بالفعل في غرس سيفه في جسد ذلك الشيطان.. أو هكذا خُيِّل لي! فالسيف لم يخدش حتى بشرته الصلبة. التفت الشيطان ببرود، وأمسك بجين من عنقه بيده العملاقة، وبحركة واحدة.. فصل رأسه عن جسده وهو يطلق ضحكة هزت أرجاء المكان.
نظرتُ إلى رأس صديقي جين وهي تطير في الهواء.. الرأس التي كانت تبتسم لي يوماً عندما وعدنا بعضنا البعض بأننا سنبلغ قمة هذا العالم معاً.
تلاشى كل شيء. لم أستطع فعل أي شيء سوى النظر إلى ذلك الشيطان بجسدي المرتجف، وقلت بنبرة ميتة: «إذن.. لهذا السبب أمرت القيادة بحشدنا جميعاً.. لقد جعلونا كبش فداء وجداراً من اللحم لإضعافك واستنزاف طاقتك يا شيطان الجنوب.. ولكن يبدو أننا فشلنا حتى في ترك خدش طفيف عليك.. يا موركان».
انفجر موركان بالضحك، ونظر إليّ بعينيه المرعبتين قائلاً: «يبدو أنك ذكي بعض الشيء أيها الجرذ». وجه يده العملاقة النارية نحوي وتابع: «دعني أسألك سؤالاً.. ألا تشعر بالندم لأنك خدمت عائلتك بكل هذا الإخلاص، وفي النهاية قابلوه بالتضحية بك كقطعة لحم؟»
ابتسمتُ بمرارة والدماء تسيل من فمي، وقلت: «وهل سينفعني الندم الآن.. وأنا مقبل على فنائي؟»
لمعت عينا موركان باحترام مفاجئ: «لقد احترمتُك أيها الجرذ.. ودعني أخبرك باسمي الكامل كهدية لموتك؛ أنا أدعى موركان فالديفار!».
ابتسمتُ للمرة الأخيرة: «اسم يليق بشيطان مثلك..».
وجه موركان هجوماً ساحقاً بقبضته مستخدماً كمية مرعبة من المانا، أحدثت عصفاً هوائياً جعل جسدي يطير لمسافة بعيدة قبل أن يرتطم بالأرض ويغرق في الظلام الكلي. ظننتُ أنني لقيتُ حتفي وانتهت رحلتي..
لكن عندما فتحتُ عيني، وجدتُ نفسي مستلقياً داخل خيمة طبية، وأمامي طبيب المعسكر. وفور إدراك الطبيب لاستيقاظي، نادى على أحد يقف خارج الخيمة. دخل رجل من القيادة، ونظر إليّ قائلاً بنفاق مقزز: «نحن سعداء لأن السيد الشاب الخامس ما زال حياً! إن القيادة تشعر بالأسى الشديد لما حلّ بأفراد فرقتك..».
في تلك اللحظة، وددتُ لو أنني أنقض عليه وأمزق جسده إرباً أشلاءً كما فعل الشيطان برفاقي، لكنني.. كنتُ عاجزاً تماماً عن رفع يدي.
نظر إليّ الطبيب بأسف حقيقي وقال: «يؤسفني أن أقول لك هذا.. لكنك أصبحت عاجزاً تماماً عن استخدام يديك مجدداً.. لقد تحطمت أعصابك بالكامل».
صعقتُ من الكلمات، وضاقت أنفاسي، لكنني أطلقتُ ابتسامة مريرة ومجنونة وقلت: «لا تمازحني.. كنتُ عاجزاً من الأساس عن استخدام الهالة.. والآن أنا عاجز عن استخدام يدي؟! أي ظلم هذا؟!».
بعدها.. لم يواسني أحد، ولم يعزني أحد في مصيبتي. تم تركي في تلك الخيمة وحيداً دون معين كقطعة أثاث قديمة. وانتهى بي الأمر بالانغلاق على نفسي داخل إحدى غرف القصر المظلمة، غارقاً في ندم وجودي.. ليس لعجزي عن استخدام الهالة أو ذراعي، بل لعجزي عن الانتقام لرفاقي، ولعجزي عن تحميل ذنب ما حدث لهم لأولئك القادة الكلاب الذين رموهم إلى حتفهم بدم بارد.
«ليام!.. ليام!.. ما بك؟!».
قطع صوت لوكس الملحّ حبل أفكاري المظلمة. فتحتُ عينيَّ بقوة لأجد نفسي واقفا في ساحة التدريب للمعسكر الحالي، ولوكس يقف أمامي بملامحه البريئة ويده تلوح أمام وجهي بقلق.
قال لوكس: «ماذا دهاك؟ لقد كنت متسمراً في موضعك لفترة طويلة دون أن تحرك أي طرف منك، وكأن روحك غادرت جسدك!».
مسحتُ وجهي، وارتسمت على شفتي ابتسامة حادة وثابتة: «لا عليك.. مجرد شارد ذهني. لنتابع تدريبنا!».
اندفعتُ نحو الحلبة، وبينما كان العرق يتصبب مني بغزارة مع كل ضربة سيف وكل قفزة، أقسمتُ في أعماق نفسي قسماً غُلِّظ بالدم والحديد:
(أقسم أنني لن أبقى ضعيفاً في هذه الحياة.. وسأصبح قوياً بما يكفي لحماية كل ضعيف ومحتاج! أقسم ألا يبقى في هذا العالم منبوذ بائس يفقد الرغبة في العيش بسبب ظلم الطغاة.. وسأفعل كل ما يلزم لتنفيذ هذا القسم، ولو عنى ذلك أن أزهق روحي في سبيل هدفي!).
Salah