ساد صمت قاتل في أرجاء الحلبة، والهواء كان ثقيلاً لدرجة خانقة.
كانت جميع الأعين منصبة في كامل تركيزها على هذه الساحة؛ فـ لوكس وكايل كانا أشد من في المعسكر تركيزاً، وكل منهما قد وجه نظره نحو الآخر في ترقب تام.
وفور أن أعلن المدرب ثيوكلس بدء النزال..
بُـوم!
انطلق لوكس مستهلاً الهجوم؛ ضربة سريعة وخاطفة لدرجة أن عيناي لم تستطيعا مجاراتها بالكامل!
ولكن، بكفاءة ومرونة عالية، تصدى كايل للضربة بكل ثبات دون أن يتزحزح خطوة واحدة.
تراجع لوكس عدة خطوات للخلف، وافترت شفتاه عن ابتسامة حماسية وهو يوجه نصل سيفه الخشبي نحو كايل:
«أتعلم؟ لطالما أردت قتلاك بشدة!».
في تلك اللحظة، تبددت ملامح لوكس اللطيفة والفكاهية تماماً، وحلت مكانها ملامح حادة وباردة أشبه بوحش كاسر قد صب جل تركيزه على اصطياد فريسته.
عاود لوكس الهجوم بضراوة، وأنزل على كايل وابلًا من الهجمات السريعة والوحشية، وكان كايل يتصدى لكل منها ببراعة فائقة تشبه رقصة سيف مثالية.
وفجأة، غير كايل وضعية جسده إلى وضعية هجومية بحتة، وتحرك كبرق أزرق خاطف، موجهاً ضربة ثابتة وثقيلة نحو لوكس الذي صدها بصعوبة بالغة.
تشششش!
تطاير الشرر بغزارة نتيجة تصادم السيفين بعنف. ضحك لوكس بصوت عالٍ وقال:
«نعم.. هذا هو! هذا هو الشيء الذي أريده حقاً!».
اشتعلت هالة لوكس فجأة؛ كانت هالة حمراء قاتلة تحمل ضغط سفاح مرعب.
أدرك كايل بدوره خطورة الموقف، فقام بالقفز متراجعاً إلى الخلف ليعيد تقييم المسافة. نظر كايل إلى لوكس ببروده المعتاد وقال بنبرة هادئة لكنها لا تخلو من الاستعلاء:
«أعترف أنك خصم تستحق المواجهة.. لكن بمستواك الحالي ذاك، ما زلت لا أراك إلا حشرة!».
وفـوش!
انفجرت هالة كايل لتتدفق كأمواج زرقاء متوهجة طاغية. عاود الاثنان توجيه الضربات لبعضهما البعض، وكانا يتحركان على طول الحلبة وعرضها دون أن يتوقفا ولو لثانية واحدة.
بدأت أرضية الحلبة الحجرية تتصدع وتتشقق تحت وطأة أقدامهما وضغط طاقتهما، وما زال الاثنان يزيدان في مستوى قوتهما بشكل تصاعدي مرعب.
قفز لوكس عالياً في الهواء، وغلف سيفه بالهالة الحمراء الكثيفة وصاح:
«لنرى إن كنت ستستطيع صد هذه الهجمة!.. [نصل ناب الوحش]!».
بُـوم!
نتج عن هذا الاصطدام العنيف انفجار هائل وغبار كثيف غطى الحلبة بالكامل، مما جعل من الصعب على المتفرجين رؤية ما يحدث في الداخل.
بعد لحظات عصيبة، بدأ الغبار ينقشع تدريجياً. كنتُ متلهفاً للغاية لمعرفة النتيجة، وعندما وضحت الرؤية.. توسعت حدقتا عيناي ولم أصدق ما أراه!
كان لوكس يقف بصعوبة بالغة وهو يصد سيف كايل. هالة كايل الزرقاء الطاغية كانت تحيط بالمكان، وعيناه يتصاعد منهما الشرر، بينما كانت يدا لوكس تهتزان بعنف جراء الصعوبة والقوة الساحقة لضغط سيف كايل.
تحدثتُ في نفسي بتركيز:
"لقد توقعتُ هذه النتيجة.. فلوكس الذي يتسم بالاعتماد على الضربات الوحشية والتحركات الغريزية كان مذهلاً بالفعل، لكن ما رجح كفة كايل هو أسلوبه المتزن الذي يتسم بالهدوء والثبات المطلق، بالإضافة إلى أنه يفوق لوكس بمستوى نجمة كاملة".
لكن، ما قطع حبل أفكاري هو صوت ضحكات لوكس المتصاعدة وهو ينظر مباشرة في عيني كايل:
«مذهل.. مذهل.. مذهل! لقد أشبعت غريزتي تماماً يا كايل!».
وفجأة، بدأت هالة لوكس الحمراء بالاشتعال والتدفق بشكل مخيف وغير معقول، وتراجعت جزيئات الهواء حوله. استشعر كايل الخطر وابتعد فوراً عن لوكس الذي دخل في حالة هيجان كاملة.
سادت حالة من الصدمة والذهول أرجاء الساحة، حتى المدرب ثيوكلس نفسه تيبس في مكانه ولم يصدق ما تراه عيناه!
لوكس.. في حالة هيجانه تلك، قد اخترق مستواً سحرياً كاملاً في قتاله ووصل إلى مستوى النجمة الرابعة!
لقد كان هذا ضرباً من الجنون المحض. انقبض قلبي بحماس؛ فرؤية قتال بين عباقرة كهؤلاء لهو شرف حقيقي لأي مقاتل.
كان لوكس ما زال مبتسماً برغم الألم، وهو يقف على قدميه مائلاً بجسده نحو الأمام ويداه قريبتان من الأرض كوحش مستعد للوثوب.
لم يستوعب كايل ما رآه للوهلة الأولى، لكنه استعاد بروده سريعاً وقال باحتقار:
«أن تصل لمستوى النجمة الرابعة بتلك الطريقة الهائجة.. أنت أقرب للبرابرة منك إلى أن تكون فارساً يا لوكس!».
وميض!
تشابك الاثنان مجدداً، وكانت الضربات سريعة وصداها العنيف يملأ المكان ويزلزل الجدران. تارة يتفوق كايل بدقته، وتارة يكتسح لوكس بضراوته الهائجة؛ كان السجال بينهما على مستوى مرعب يفوق عمرهما بكثير.
اتخذ كايل وضعية هجومية نهائية، وتنفس بعمق مستجمعاً كل ذرة مانا في جسده وصاح:
«[التنين ماحق السماء]!».
توهجت عيناه الزرقاوان وهو يطلق تلك الهجمة المدمرة، وفي المقابل، رد لوكس بدوره مفرغاً كل طاقته الحمراء:
«[الهيجان]!».
بوووووووم!
اصطدام مرعب ومزلزل أدى إلى تدمير الحلبة كلياً وتفتتها إلى حطام.
ونتيجة لهذا الضغط والانفجار، تحطم سيفا الاثنين تماماً، وسقطا هما الاثنان بدورهما على الأرض غائبين عن الوعي.
النتيجة الرسمية: التعادل.
اقشعرت أبدان كل المتفرجين في الساحة، واقفين غير مصدقين لما شاهدوه للتو من مستوى قتالي أسطوري. ولكن، لم يكن هناك أي وقت للذهول؛ فكل من لوكس وكايل كانا في حالة يرثى لها والدماء تغطيهما.
حضر الأطباء راكضين بسرعة، وتم نقلهما على وجه السرعة لتلقي العلاج السحري والجسدي الطارئ.
صعد المدرب ثيوكلس وسط ركام وحطام الحلبة المدمرة، ونظر إلى الحشود قائلاً بصوت صارم:
«بهذا.. تم حسم واختيار الثلاثة الممثلين للمعسكر الشرقي رسميًا. وكان من المقرر أن يجتمع الثلاثة معاً للتدريب المشترك بدءاً من الغد..
ولكن، بالنظر لحالة كل من كايل ولوكس الحرجة، سيتم تأجيل التدريب إلى الأسبوع المقبل حتى يتماثل الاثنان للشفاء التام».
ثم التفت ثيوكلس بنظره نحوي وتابع:
«ليام.. من الآن وحتى الأسبوع القادم، لك كامل الحرية في الخروج والدخول من المعسكر كما تشاء، اعتبرها مكافأة وإجازة رسمية لك».
أجبته بسرعة وبتحية عسكرية:
«كما تأمر أيها المدرب».
صاح ثيوكلس بالبقية: «انصرفوا الآن إلى تدريباتكم اليومية!».
أسرعتُ بالذهاب، وكنت في غاية الفرح والارتياح من داخلي؛ فهذه الإجازة الرسمية أعطتني الوقت الكافي والغطاء المثالي للخروج نحو "الجبال السوداء" المحرمة دون إثارة الشبهات.
تحدثت في نفسي مبتسماً:
"شكراً لك يا صاحبي لوكس.. أخيراً استفدتُ منك في شيء! والآن.. هيا بنا إلى متجر العجوز أيرماند لوضع اللمسات الأخيرة".
وفي غضون ذلك، كان المدرب ثيوكلس ما زال واقفاً وحده يتأمل الحلبة المدمرة، وقد ظهر من خلفه ظل شخص يرتدي عباءة سوداء داكنة.
قال صاحب الظل بنبرة صوت ناعمة ومستهزئة:
«يبدو أن منافسة هذا العام ستكون مذهلة للغاية.. ألا تتفق معي في ذلك يا ثيوكلس؟».
التفت ثيوكلس بحسم ونبرة حادة كالشفرة:
«ما الذي جاء بكِ إلى معسكري أيتها الأفعى؟».
ردت النبرة بهدوء ودلال:
«هون عليك.. أتيتُ فقط لألقي نظرة على منافسيّ المحتملين في النهائي».
كشف الشخص عن عباءته، فظهرت امرأة فتية شابة ترتدي ملابس عائلة فاميليان الرسمية الفاخرة، وعليها شعار الأسد الفضي. كان أكثر ما يميزها هو شعرها الأزرق الساحر، وعيناها الحادتان، وابتسامتها الغامضة التي تحمل وراءها رعباً وقوة غير ظاهرة.
عقد ثيوكلس حاجبيه بقلة صبر:
«أن تأتي ماريانا، مدربة المعسكر الغربي بنفسها إلى هنا.. يبدو أن حظي ليس جيداً اليوم».
قالت ماريانا بابتسامة خبيثة:
«كما قلتُ لك سابقاً، أتيتُ لأرى منافسي طلابي.. وكما أنني أتيتُ أيضاً لأتفقد حال أخي العزيز كايل».
ضحك ثيوكلس بسخرية:
«أخوكِ العزيز؟ أراهن أنكِ في غاية السعادة والفرح الآن بسبب تعرضه لكل تلك الإصابات الخطيرة التي قد تعيق تقدمه!».
تلاشت ابتسامة ماريانا لثوانٍ، وقالت بنبرة باردة:
«لن تفهم أبداً طبيعة علاقة الأخوة بيننا.. لأنك تفتقر إلى وجود أي ذرة أخوة في حياتك من الأساس. أستميحك عذراً الآن أيها الدب القبيح.. فقد حان وقت مغادرتي».
وفي لمح البصر، اختفت ماريانا من مكانها كأنها لم تكن، دون ترك أي أثر وراءها.
نظر ثيوكلس إلى الفراغ وتمتم بغيظ:
«دب قبيح؟ هاه.. لطالما كنتِ سخيفة ومستفزة في اختيار الألقاب التي تنادين بها الناس!».
Salah