زميل الغرفه

زميل الغرفه

42 0

عدتُ إلى حيث يتجمع المتدربون، فوجدتُ أن الجميع قد استهلوا تدريباتهم بالفعل بعمليات الإحماء، قبل أن يتوجهوا إلى حلبات النزال للتدرب على القتال الفعلي. في تلك اللحظة، لاحظتُ أن النظرات الساخرة والهمسات المقيتة التي كانت ترمقني قد اختفت تماماً؛ ليس لأن صورتي قد تغيرت في نواظرهم فجأة، بل لأن القوة في "فاميليان" هي العقيدة والميزان الوحيد. لم يكن من صالح هؤلاء المتدربين إضاعة ثانية واحدة في السخرية من شخص منبوذ؛ ففي هذا المكان، كل ثانية تمر دون استغلالها هي بمثابة حياة مهدرة تم تضييعها بلا فائدة.

​أما أنا، فقد انغمستُ بدوري في التدريب بكل جوارحي. كنتُ مدركاً تماماً لنقاط ضعف بنيتي الجسدية الحالية؛ لذا، وقبل أن ألمس أي سيف، ركزتُ كامل جهدي على التدريبات البدنية الشاقة؛ من رفع الأثقال، إلى الجري لمسافات طويلة، والتدرب على الحركة بخفة ومرونة عالية.

​أثناء تدريبي الشاق، شعرتُ بنظرات تخترقني. التفتُّ بطرف عيني لأرى فتى ذا شعر بني وعينين بنيتين بملامح بريئة للغاية، كان يتأمل تدريبي بذهول خفي. انتبهتُ له، لكنني لم أعره أي اهتمام وتابعتُ طحن عظامي في التدريب.

​عندما انتهى وقت التدريب القاسي، عاد جميع المتدربين إلى مساكنهم مجهدين. كنتُ أسير في الممرات أبحث عن غرفتي الخاصة التي كانت تحمل الرقم (17). قلتُ في نفسي مسترسلاً: "أتساءل عن نوع الشخص الذي سيشاركني هذه الغرفة؟ على أية حال، لا أهتم بشخصيته.. الأهم ألا يزعجني".

​بعد بحث طويل في الممرات الحجرية، وجدتُ نفسي أخيراً أمام الباب. استأذنتُ بالدخول وفتحتُ الباب، لتتسع عيناي بذهول طفيف؛ لقد كان الشخص الجالس داخل الغرفة هو نفسه الفتى الذي كان يراقبني في الساحة!

​أشرتُ بيدي نحوه مباشرة وقلت: «أنت.. الغريب الأطوار الذي كان يراقبني أثناء التدريب!»

​أصيب الفتى بالارتباك ونفى كلامي بسرعة محاولاً التملص، لكنني أصررتُ على موقفي بابتسامة حازمة. تنهدتُ وقلت بلهجة أهدأ: «على كل حال، دعنا نتعرف على بعضنا.. أنا أدعى ليام، وأنت؟»

​رد الفتى بتردد خفيف وخجل واضح: «لـ.. لوكس. أُدعى لوكس، سيد ليام».

​استغربتُ من نبرته وتوقفتُ عند كلمته الأخيرة: «سيد؟! هذه أول مرة يناديني فيها أحد باحترام منذ فترة طويلة.. لقد جعلتني كلماتك أتذكر أخيراً أنني أنتمي للنسل المباشر لهذه العائلة الحاكمة. على أية حال، ما سبب مراقبتك لي أثناء التدريب؟»

​أجاب لوكس بسرعة ملوحاً بيديه خوفاً من سوء الفهم: «صدقني، لم أكن أضمر أي نوايا سيئة تجاهك! كل ما في الأمر.. أنني معجب بك حقاً».

​رفعتُ حاجبي الأيسر مستنكراً وسألت بفضول: «معجب بي؟ أنا؟! ومن أي ناحية بالضبط؟»

​قال لوكس وعيناه تلمعان بصدق: «معجب بإصرارك وتفانيك؛ فبالرغم من كل ما تواجهه من نبذ، وكره، وازدراد من الجميع هنا، لم تبدِ أي انزعاج، ولم تعترض حتى على طريقة معاملتهم السيئة لك».

​صمتُّ للحظة، ثم أطلقتُ تنهيدة باردة وقلت: «صحيح أنني لا أظهر أي اهتمام بمن يسخر مني، إلا أنك مخطئ في شيء واحد يا لوكس.. كوني لا أعترض حالياً على معاملتي كحشرة، ليس لأنني راضٍ عن هذا الوضع، بل لأنني ببساطة لا أمتلك القوة الكافية لردع معاملتهم الجافة تجاهي في هذه اللحظة. لكني لن أبقى على هذا الحال أبداً.. ففور امتلاكي للقوة الكافية، سأقوم بسحق رأس كل شخص عاملني أو نظر إليّ بطريقة لم ترق لي!»

​توهجت عينا لوكس ببريق مرعب إثر كلماتي، وضاعت ملامح خجله للحظة وهو يقول بصوت عالٍ وحماسي: «سيد ليام! كيف لي أن أصبح مثلك؟!»

​دهشتُ من سؤاله المفاجئ وغير المتوقع، لكنني نظرتُ إلى عينيه وأجبته بجدية: «بالتفكير في الأمر.. كل ما يمكنك فعله هو ألا تستسلم أبداً مهما كانت الظروف، ومهما واجهت من مصاعب.. وحتى لو بدا أنك لن تصل لما تصبو إليه، إياك والاستسلام!»

​انحنى لوكس برأسه شاكراً: «شكراً لك على هذه النصيحة العظيمة، سيد ليام».

​ابتسمتُ ومددتُ يدي نحوه قاطعاً التكلف: «على الرحب والسعة.. وشيء آخر، نادني "ليام" فقط، فنحن زملاء غرفة الآن».

​هز لوكس رأسه موافقاً بابتسامة واسعة، ومد يده ليتصافح كفانا بقوة. في تلك اللحظة، التقت أعيننا، وكان البريق الذي يحمله كل منا في عينيه كفيلاً بهدّ أشد وأعتى صعاب هذا العالم.

​حلّ اليوم التالي، وانضم لوكس إلى تدريباتي الصباحية. بعد فترة طويلة من التدريب البدني القاسي والطحن المستمر لعضلاتنا، قررنا الانتقال إلى تدريب السيف الفعلي.

​وقفنا معاً في منتصف حلبة النزال، وكل منا يمسك بمقبض سيفه الخشبي بقوة، وجل تركيزنا منصب على القتال المحتدم. استهللتُ النزال باندفاع سريع ووجهتُ ضربة سيف مستقيمة وشرسة، لكن لوكس فاجأني؛ تجنبها بخفة مذهلة واستدار استدارة بسيطة وناعمة، مناوراً حركتي بالكامل، ليوجه ضربة خاطفة نحو نقطتي العمياء!

​بدون أن أستدير، وبفضل غريزة القتال التي صُقلت في حياتي الماضية، وجهتُ سيفي مباشرة نحو ظهري لأتصدى لضربته في الوقت المناسب تماماً.

​*كلاش!*

​ارتد سيفانا، وابتعد كل منا عن الآخر بضع خطوات. تنفس لوكس بإعجاب وقال: «أنت مذهل بحق، ليام!»

​مسحتُ العرق الذي كان يتصبب مني بغزارة وقلت بنبرة لاهثة: «لا تمازحني.. أنت هو الشخص الأكثر إذهالاً هنا!» كنتُ أقول ذلك وأنا أشعر بالتعب، على عكس لوكس تماماً؛ إذ لم تظهر عليه أي ذرة إرهاق وكأنه بدأ النزال للتو!

​تحركتُ بسرعة مستخدماً كامل خفتي لأباغته من زاوية ميتة. لمحني لوكس وقال بثقة: «هذا لن يجدي نفعاً!»

​لكنني في تلك اللحظة قمتُ بتفعيل هالة النجمة الأولى (المسار الصلب) التي أيقظتها بالأمس! تدفقت الطاقة في قدمي وسيفي، مما منحني دفعة سرعة مرعبة وخاطفة. وجهتُ ضربة كادت أن تطيح بسيفه، ليتراجع لوكس بصعوبة بالغة وهو يتنفس الصعداء.

​اتسعت عيناه بذهول وقال: «ظننتُ أنك لم تكن قادراً على إيقاظ الهالة في اختبارات الصحوة !»

​ابتسمتُ بسخرية وقلت: «لسوء حظك اليوم.. بتُّ قادراً على استخدامها الآن».

​تغيرت ملامح لوكس فجأة، وارتسمت على وجهه ابتسامة حماسية غريبة: «إذن.. لن أتهاون بدوري!»

​وقف لوكس وقفة مستقيمة صارمة، ورفع سيفه الخشبي بمحاذاة طول جسده، ثم أغلق عينيه لثانيتين فقط. وما إن فتحمها.. حتى اختفى من مكانه!

​"ما هذه السرعة؟!" صرختُ في نفسي بذهول، وعقلي بالكاد استوعب حركته الخاطفة.

​قبل أن أتمكن من اتخاذ وضعية الدفاع، كان لوكس قد ظهر أمامي تماماً، موجهاً ضربة عمودية ثقيلة تقطر بقوة مرعبة. رفعتُ سيفي بصعوبة بالغة لأصدها، لكن مع توالي ضرباته السريعة والساحقة، فقدتُ ثباتي واهتز توازني لثانية واحدة فقط.. ثانية كانت كافية للوكس!

​استغل لوكس الثغرة ببراعة، ووجه ضربة خاطفة بقدمه استقرت مباشرة في بطني!

​*بوف!*

​تراجعتُ للخلف وسقطتُ على الأرضية الخشبية للحلبة، ممسكاً ببطني من شدة الألم والضغط. تقدم لوكس نحوي فوراً، وتلاشت تلك الهالة الطاغية لتعود ملامحه البريئة الخجولة، ومد يده ليساعدني على النهوض وهو يبتسم بأسف.

​أمسكتُ يده ووقفتُ وأنا أتحسس بطني، ثم نظرتُ إليه بذهول حقيقي وقلت: «يا رجل.. أي قوة مرعبة أظهرتها قبل لحظات؟! إلى أي مستوى قد وصلت بالضبط؟!»

​رد لوكس بخجل وهو يحك مؤخرة رأسه: «أنا.. في النجمة الثانية حالياً، وقريباً جداً سأصل إلى النجمة الثالثة».

​تجمدتُ في مكاني غير مصدقٍ لما أسمعه: «النجمة الثانية وتقترب من الثالثة؟! أنت عبقري وحش مخفٍ بحق يا رجل!»

​احمرّ وجه لوكس وقال مرتبكاً: «دعك مني الآن.. لقد سمعتُ من الشائعات أنك لم تكن قادراً على إيقاظ الهالة أبداً، فكيف استخدمتها الآن ووصلت أيضاً للنجمة الأولى؟»

​أجبتُه باختصار محاولاً عدم الدخول في تفاصيل حياتي السابقة: «لقد نجحتُ في إيقاظها قبل فترة قصيرة فحسب.. لكن يا لوكس، هناك شيء غريب ومريب جداً فيك! عندما التقيتك لأول مرة كنت تبدو كشخص خجول للغاية وصاحب شخصية مهتزة.. فما الذي حدث للحظات؟»

​ضحك لوكس بقلة حيلة وقال: «أنا في الواقع هكذا دائماً.. لكن كل ما في الأمر، أنني عندما أمسك بمقبض السيف، أشعر وكأنني أتحول إلى شخص آخر تماماً، شخص قوي لا يحتاج للاكتراث بأي شيء يدور من حوله!»

​ابتسمتُ باحترام حقيقي وعلقت: «عجيب أمرك حقاً..»

​بينما كنا نتبادل أطراف الحديث ونسترجع أنفاسنا، قاطع خلوتنا صوت مألوف جداً لسمعي. التفتنا معاً نحو مصدر الصوت، وما إن وقعت عيناي على صاحبه حتى قلقت عيناي بضيق: «لحظة.. أنت!»

​أجابني الآخر بغطرسة وكبرياء: «نعم، أنا هو!»

​قلتُ بسخرية واضحة: «أنت الشخص صاحب الأسنان الصفراء المقززة التي تمنيتُ تحطيمها بالأمس في المبنى الرئيسي!»

​انفجر لوكس بالضحك والقهقهة إثر كلماتي المستفزة، في حين اشتعل وجه صاحب الأسنان الصفراء بالغضب العارم وصاح بي: «كيف تتجرأ؟! هذه إهانتك الثانية لي! ولعلمك.. أنا أدعى جيبال!»

​لوحتُ بيدي بلا مبالاة: «حسناً، حسناً.. وماذا في الأمر يا صاحب الأسنان الصفراء؟»

​صرخ جيبال حتى كادت عروق عنقه تنفجر: «قلتُ لك اسمي جـيـبـال! جيبال!!»

​أجبتُه ببرود مستفز: «أجل، أجل.. جيبال. على أية حال، ماذا تريد؟»

​وجه جيبال إصبعه نحوي بوعيد وقال وعيناه تتطايران شرراً: «لقد جئتُ إلى هنا لأتحداك رسمياً في نزال داخل الحلبة! لكي أعلمك بعض الآداب التي تفتقدها أيها المنبوذ! لذا، إن لم تكن جباناً رعديداً.. فلا تتجرأ على الرفض!»

​ابتسمتُ ابتسامة واسعة، فهذا هو بالضبط ما كنتُ أحتاجه لإفراغ بعض الطاقة. قلتُ: «حسناً، لن أهرب.. متى موعد هذا النزال؟»

​أجاب جيبال بثقة وعجرفة: «بعد أسبوع من الآن!»

​أومأتُ برأسي موافقاً: «موافق.. نلتقي بعد أسبوع». استدار جيبال وغادر الحلبة وهو يتوعدني بنظراته السامة.

​التفت إليّ لوكس وقال بابتسامة تملؤها السخرية: «يبدو أنك ستكون مغناطيساً حقيقياً للمشاكل في هذا المعسكر، ليام».

​رددتُ عليه ضاحكاً وأنا أضع السيف الخشبي مكانه: «معك حق في هذا.. وأيضاً، قد أتى هذا النزال في وقته تماماً؛ فأنا أشعر ببعض الإحباط من هزيمتي الساحقة على يديك قبل قليل، وأحتاج لشخص مثل جيبال لأرفه عن نفسي بسحقه وتفريغ غضبي فيه. لنذهب الآن ونحتسي مشروباً دافئاً نجدد به طاقتنا».

​ابتسم لوكس وقال بانتهازية مضحكة: «أنا موافق تماماً.. لكن بشرط، أن يكون المشروب على حسابك الخاص!»

​نظرتُ إليه بذهول مصطنع وقلت: «يالك من بخيل.. ، اراهن ان معك مءات العملات في جيبك!»

​ضحكنا معاً وخرجنا من الحلبة، بينما كانت خيوط المؤامرة والمواجهة القادمة تُغزل بعناية في الخفاء بعد سبعة أيام.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمرد على القدر

المؤلف Salah
2026/06/05 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة