الجليد والنار
كان هذا هو عنوان لقاء الأخوين، فالورا التي كانت ما زالت جالسة على كرسيها تراجع الأوراق التي بين يديها، بينما داميان بابتسامته الماكرة كان قد جلس على الكرسي الملاصق لمكتب فالورا، واضعًا قدمًا فوق قدم بكل كبرياء.
فالورا بثباتها ومشاعرها الباردة، وداميان المندفع المتسلح بكلامه المعسول وحنكته العالية، كنار متأججة تندفع بلا هوادة... لكن احذر، فقد تلسعك.
ابتسم داميان وقال:
أنا سعيد برؤيتك يا أختي الكبرى.
قالت فالورا:
آه، هذا واضح. ما الذي أتى بك إليّ؟
ارتسمت تعابير الاستياء على وجه داميان، وقال بصوت تسوده الحنقة:
ما بالكم يا إخوتي؟ أولًا الأصغر كلّمني ببرود منذ أشهر، والآن أنتِ تكلّمينني بمثل طريقته. ألسنا إخوة أحبّاء؟
سادت البرودة الغرفة، وعمّها جوّ قاتم. قالت فالورا بصوت بارد، وقد تركت الأوراق ونظرت إلى داميان:
كفاك عبثًا يا أخي الصغير، وأفصح عمّا يجول في خاطرك.
قال داميان، وقد أمسك موضع قلبه وقبض عليه جيدًا:
أنتِ تحطّمين قلبي بكلامك يا أختي. حبي لكم يا إخوتي...
قالت فالورا، وقد تطايرت خصلات شعرها قليلًا، بصوت اخترق داميان كنصل حاد:
كذبة.
فوجئ داميان قليلًا، لكنه سرعان ما ابتسم وقال:
حسنًا حسنًا، لقد غلبتِني.
وضع يده على المكتب ذي السطح الأملس، وقال مفصحًا عن ابتسامته الماكرة التي أظهرت مكنون قلبه:
أردت سؤالك، لماذا انسحبتِ من صراع الخلافة وأنتِ المرشحة الأوفر حظًا؟
أعادت فالورا نظرها إلى الأوراق، وأمسكت قلمها المزيّن برسومات ورود زرقاء بارزة، وقالت:
إن كان هذا سؤالك، فآسفة، ستغادر خالي الوفاض. يمكنك أن ترحل.
قال داميان، وقد أنحى يديه:
إن كنتِ ستلزمين الرد، فليس باليد حيلة، لكن هذا يسهّل الأمر عليّ.
ابتسم داميان مظهرًا أسنانه البيضاء وقال:
أشكرك يا أختي، فقد سهّلتِ عليّ الطريق لبسط قبضتي على هذه العائلة. لكن ماذا ستفعلين حيال مجلس الشيوخ؟ الذي سرعان ما سيستغل الوضع ويبدأ بمحاولة بسط سيطرته على أقرب خليفة بعد انسحابك.
تنهد داميان وتابع كلامه:
أنا لا أقول إن هؤلاء العجزة يمكنهم أن يسيطروا عليّ...
لمعت عينا داميان وقال:
فهم أدنى من أن يلمسوا موطئ قدمي. لكن، وعلى عكسي، فقد يستطيعون السيطرة على أحد الإخوة. ما رأيك؟
قالت فالورا، وكانت قد أنهت عدة أوراق ووضعتها فوق بعضها، وأخذت ورقة أخرى:
أنت تعلم جيدًا أن الأب يعلم بمكائد المجلس، فلماذا تشغل بالك؟
قال داميان:
لهذا أنا قلق، فالأب يعرف ما يحوكه المجلس، لكنه لا يتدخل.
قالت فالورا:
لطالما كانت تصرفات أبينا غامضة.
قال داميان:
أصبتِ.
أمسك داميان أحد الأقلام وبدأ يفحصه، وقال بصوت متعب:
أختي، كل هذا الحديث الشيق قد جعل حلقي يجف. ما رأيك أن تطلبي لي مشروبًا؟
ردّت فالورا:
اطلب ما تريد.
قال داميان:
هذا جيد، أريد قهوة.
وبعد دقائق، طلبت خادمة الإذن بالدخول، فأذنت لها فالورا. دخلت الخادمة التي كانت ترتدي ملابس سوداء ومئزرًا أبيض، وكان شعرها الأسود منسدلًا، ووضعت القهوة بعناية على الطاولة أمام داميان، ثم استأذنت بالخروج.
ولما خرجت، أمسك داميان الكوب واحتسى رشفة وقال:
القهوة هي الأفضل دائمًا.
كانت فالورا قد أنهت كل الأوراق، وكانت مجموعة كبيرة حتى إنها كانت على ارتفاع كبير. شبكت فالورا يديها بعضهما ببعض ووضعت رأسها عليهما، ونظرت إلى داميان بعينيها الزرقاوين وقالت:
داميان، منذ متى وصلت إلى مستوى "المستيقظ الحقيقي"؟
كان داميان يرتجف رجفة من القهوة، فوضعها على المنضدة الزجاجية، وقال بمكر:
منذ مدة ليست بطويلة. لِمَ تسألين يا أختي؟
قالت فالورا:
على حد علمي، كنت في مستوى النجمة الرابعة منذ بضعة أشهر، فكيف قفزت مستويين بهذه السرعة؟
قال داميان وهو يحكّ رأسه ويبتسم:
يمكنك اعتباري عبقريًا.
قالت فالورا باستياء:
يبدو أنك لا تأخذني على محمل الجد. أنا لا أطلب منك أن تخبرني، بل هذا أمر.
قال داميان:
وأنا لا أمتثل لأوامر أحد.
تدفقت الهالة من الاثنين، وأصبح الضغط خانقًا في الغرفة، تطايرت الأوراق، وبدأت النوافذ الزجاجية تتشقق. قالت فالورا بغضب أزال عنها برودتها المعتادة:
داميان، ماذا فعلت؟ أخبرني!
قال داميان بسخرية:
أووه، الملكة الجليدية يعلوها الغضب! هذا ليس مشهدًا نراه كل يوم.
وضع إصبعه على فمه، وقال بعين مفتوحة وأخرى مغمضة:
كما قلت سابقًا، لن أخبرك.
ازداد الصدع في جميع نوافذ الغرفة حتى ظهرت التشققات بوضوح، وصوت تحطم آلاف القطع الزجاجية يتطاير في كل مكان، لكن لم تلمس واحدة منها أيًا من الاثنين، فقد حاوطا أنفسهما بالهالة. كان داميان قد أمسك بالكوب بالهالة قبل أن يتحطم، وبدأ بالشرب، ولما أبعده عن فمه قال بحزن:
كنتِ ستتسببين في إهدار تلك القهوة اللذيذة، هذا محبط يا أختي.
ومن خارج الغرفة، اندفع عشرات الحراس راكضين، ففتحوا الباب واستفسروا عن الوضع قائلين:
سيدتي، ما الذي يجري؟
نظر داميان إليهم وقد وضع الكوب بعد أن أنهاه:
يبدو أن حديثنا الشيق قد انتهى يا أختي. وداعًا.
تحرك داميان بين الحراس وهو يسير فوق الزجاج المحطم، وقد أفسحوا له المجال للعبور. نظرت فالورا إلى داميان وهو يغادر، وقالت في نفسها: "أمر مريب يحدث في الخفاء، يجب أن أُعلِمه." وأمرت الحراس بإحضار الخدم وتنظيف المكان.
وفي أزقة القصر، وبينما كان داميان يسير في الطرقة، ظهر بجانبه ظل أسود، شخص بعباءة سوداء لا يُرى من ملامحه غير عينيه البيضاء بالكامل. قال صاحب الرداء الأسود:
لقد اكتملت العملية بنجاح يا سيدي.
قال داميان بابتسامة، بينما يرفع شعره للوراء:
هذا جيد.
وفي مكان آخر، في معسكر فاميليان، كانت شمس الغروب قد اقتربت من الأفول. وفي هذا الوقت، عند الحلبة التي يتدرب عليها ليام ورفيقاه، كان كل من كايل ولوكس يحتميان من البخار المتصاعد من الحلبة. كان الدمار قد عمّ الحلبة، ولا يظهر من الغبار الكثيف إلا ظهر بارز لشخص أسود الشعر يغطيه العرق.
قال كايل:
لقد طلب هذا الأمر فجأة مني أنا ولوكس، لكن لم أتوقع أن ينجح الأمر. هذا مثير.
Salah