الهالة مفهوم لطاقة تتدفق في جسد الإنسان فتكسبه قوة هائلة، أو هكذا هو المفهوم العام، ولكن هي ليست بمجرد طاقة، هي كيانك، هي وجدانك، فالفارس الحق لا يتحرك ولا يندفع بسيفه، بل يدع هالته تعبّر عن مكنونه، أليس هذا مستوى آخر من الجمال؟
وفي الحلبة المحطمة التي سادها الغبار، يقف من هو تجسيد للهالة الثابتة التي تتقدم بهدوء وثبات. كان كايل يقف بذهول، بينما لوكس على غير العادة يبدي تعابير مذهولة مما رآه، فقد طلب ليام منهما طلباً أشبه بالانتحار، لكنه في النهاية نجح.
فمنذ بضع ساعات، كان الثلاثة يتدربون كالمعتاد حتى توقف ليام عن أرجحة سيفه. استغرب الاثنان من التوقف المفاجئ، نظر ليام إليهما والعرق ينهمر من وجهه وقال بصوت متعب:
"أريد أن أطلب منكما طلباً، وسأكون شاكراً إن وافقتما عليه."
قال كايل: "أدلِ بطلبك."
تكلم ليام بحزم: "أنا في النجمة الثانية منذ مدة، وأريد مساعدتكما من أجل التقدم."
قال كايل وقد عقد ذراعيه حول بعضهما: "أتقصد أن ندفعك لصحوة مفتعلة؟"
قال ليام: "أصبت."
نظر لوكس إليهما بحيرة وقال: "ما هي الصحوة؟"
قال كايل: "الصحوة هي دفع الجسد إلى كسر جدار المستوى الذي يقبع فيه، عن طريق وسيط خارجي."
قال لوكس وهو يحرك رأسه لأعلى وأسفل: "هكذا الأمر؟ لم أفهم شيئاً."
وضع كايل يده على وجهه باستياء وقال: "نسيت كم أنت غبي."
ضحك ليام ونظر إلى لوكس وقال له: "ببساطة، أن تضع يدك على ظهر شخص آخر وتدفع قوتك داخل جسده فيرتقي بالمستوى."
صاح لوكس: "فهمت! يبدو سهلاً."
قال كايل لليام: "إن كنت تعرف ما هي الصحوة، فأنت تعرف بخطورتها، فخمسة من كل عشرة يلقون حتفهم ويموتون."
قال ليام: "أنا على دراية بذلك، لكن هناك ما يدفعني للوثوق بأني سأنجو، فقد وصلت لمستوى نجمتين في غضون بضعة أشهر." اتخذ ليام وضعية مفتخرة وأضاف: "ألستُ عبقرياً؟"
قال كايل بينما كان ينظف سيفه: "لا تغتر بنفسك، فسبب تقدمك في المستوى بسرعة هو انحباس المانا في جسدك لفترة طويلة، وعندما أيقظت الهالة بدأت الطاقة التي كانت محبوسة لفترة طويلة بالاندفاع، مما أدى لتطورك بسرعة. أتعجب حقاً من أنك ما زلت حياً بعد تلك العملية."
حك ليام خده بإصبعه: "لقد كنت محظوظاً."
قال كايل: "لقد كنت هكذا بالفعل."
نهض كايل بعد أن أنهى تنظيف سيفه ووضعه جانباً وقال لليام: "حسناً، أنا موافق، لكني أُخلي نفسي من مسؤولية أي شيء يحدث."
رفع لوكس يده وقال: "وأنا أيضاً."
ابتسم ليام وقال: "كلاكما من المخادعين."
قال كايل: "كفاك ثرثرة، وأسرع واستلقِ على الحلبة."
توجه ليام إلى الحلبة وجلس على الأرضية الصخرية الباردة، وضع كايل يده على ظهر ليام، وقال للوكس أن يفعل مثل ما يفعل، وأمر ليام بالتركيز.
بدأت هالة الاثنين بالتدفق، ركز الاثنان طاقتيهما في يديهما ووجهاهما إلى ظهر ليام، بدأت الطاقة تتغلغل في جسد ليام، مزيج من الطاقة المتناقضة يتدفق ويخترق مسارات المانا الخاصة بليام، بدأت الطاقة تسود شيئاً فشيئاً، والعرق ينزل بغزارة من جسد ليام الذي بدأ يشعر بحرارة عالية. صاح كايل فيه وأمره بالتركيز.
لا تزال الطاقة تتغلغل في مسارات المانا حتى وصلت إلى القلب، مركز تدفق الهالة، الطاقة تتصاعد في القلب، وهج غريب ينتشر في جسد ليام، الجدران المنغلقة بدأت في التحطم. استوعب كايل الوضع، وأمر لوكس بالقفز بعيداً، فابتعد الاثنان في الحلبة.
ما زال الوهج ينتشر بقوة، اندفع من داخل ليام الذي صرخ بشدة من الألم، الحرارة ترتفع والجو أصبح خانقاً، بووم! انفجار حطم أرضية الحلبة لأشلاء، الغبار يسود في كل مكان، لا يُرى إلا البخار المتصاعد.
نظر لوكس إلى الحلبة بقلق، الغبار يتلاشى شيئاً فشيئاً، استفاق كايل من ذهوله وعاد إلى أرض الواقع، وهو الآن يرى شخصاً يظهر من بين الدخان المتصاعد، كان ليام بحضور مختلف، حضور مهيب، يسير ببطء ويتأمل جسده الذي تغير داخلياً أكثر من تغيره الخارجي، الهالة تتدفق بشدة، وبريق في عين ليام يبرز حماسته.
طلب كايل من لوكس أن يناوله سيفه الملقى على الأرض، رمى لوكس السيف لكايل الذي أخرج السيف من غمده، تحرك بسرعة بهجوم خاطف نحو ليام، هجوم كان ليام سابقاً سيعجز عن تفاديه، لكنه تحرك بخفة وتفادى ضربة سيف كايل.
نظر ليام إلى كايل الذي أصبح بجانبه: "أصبح هذا هجوماً عادياً."
ابتسم كايل وأعاد السيف إلى غمده: "جيد، لم تعد الضربات الطفولية تؤثر فيك."
قال ليام وهو يرفع شعره إلى الأمام: "هذا بفضلكما."
وبينما هما يتحدثان، سمعوا جميعاً صوت تصفيق عالٍ، بحثوا عن مصدره، وإذا بلوكس يتحسس شيئاً أشبه بالجدار من خلفه، لمسه بيده دون أن يلتفت بوجهه، كان ملمسه صلباً. استدار لوكس ونظر إلى الأعلى، كان المدرب ثيوكلس. ارتعب لوكس وقفز من الخوف، فأمسك ثيوكلس برأسه وقال بابتسامة مخيفة:
"ما بالك؟ أرأيت وحشاً أيها الطفل؟"
قال لوكس بإنكار: "لا لا..." لكن لوكس توقف عن الكلام وبدأ يشم شيئاً برائحة طيبة، نظر لوكس إلى المدرب ثيوكلس وعيناه تلمعان: "أيها المدرب، أمعك حلوى؟"
قال ثيوكلس وهو يخرج الحلوى من جيبه: "آه، يبدو أنك شممت رائحتها، لا يهم." رمى ثيوكلس الحلوى للوكس، فالتقطها بفرح وانقض عليها.
نظر ثيوكلس إليه باشمئزاز وقال لكايل وليام: "يبدو أنكم تُبلون حسناً في التدريبات، بعد كل شيء يجب أن تبذلوا كل ما لديكم." وضع قبضته في راحة يده وقال بابتسامة: "فلا يُسمح لكم بالهزيمة."
قال ليام: "ما الأمر أيها المدرب؟ أهناك شيء تريد أن تخبرنا به؟"
قال ثيوكلس وهو يحك ذقنه: "باستثناء أن منافسة المعسكرات بعد يومين، أردت أن أخبرك أنت بأن السيد سيعود غداً."
ارتسمت تعابير الذهول على ليام وقال: "إذاً سيعود والدي قريباً."
ودّع ثيوكلس الثلاثة، وضع ليام يده على موضع قلبه وقال في نفسه: "غريب، كنت متحمساً لليوم الذي سيعود فيه أبي، لكن لماذا الآن أشعر بغصة في قلبي؟"
وفي تلك الأثناء، الأعلام تُرفع في كل مكان، والتجهيزات على أشدها، فأرض فاميليان تستعد لاستقبال سيدها.
Salah