ساد الصمت أرجاء الغرفة الصغيرة المكدسة بالكتب من كل جانب، وكان إيرماند ينظر إلى ليام بعينين يملؤهما الذهول.
قال بصوت منخفض نسبيًا:
ليام، أتظن أن هذا وقت المزاح؟ ماذا تعني بأنك تود تعلم السحر؟
رد ليام:
أنا أعني هذا حقًا.
مال إيرماند قليلًا مستندًا إلى الجدار وقال:
فسر لي كيف ستفعل ذلك وأنت مستعمل هالة؟ كيف لفارس هالة أن يتعلم السحر وقد تحور جسدك لاستعمال الهالة دون سواها؟
قال ليام:
كما قلت سابقًا، لا يوجد وقت. فبدلًا من العناء في الشرح لك، سأجعلك ترى الأمر عمليًا.
قام ليام بخلع قميصه كاشفًا عن جسده، ثم قال لإيرماند:
أظن أنك بما أنك ساحر ذو مرتبة عالية، فستستطيع تمييز الجسد القابل لتعلم السحر عن غيره.
أومأ إيرماند موافقًا على كلام ليام.
تحرك إيرماند ناحية ليام، وأثناء سيره تنهد وقال:
حسنًا، لا ضير في التجربة.
وضع يده على ظهر ليام وأغلق عينيه، ثم طلب منه أن يظل ساكنًا.
أخذ إيرماند نفسًا عميقًا وبدأ يستشعر المانا وكيفية عملها داخل جسد ليام.
لاحظ أن المانا تسير بثبات دون أي تموج.
قال:
يبدو أنك مخطئ يا فتى. جسدك لا أستشعر فيه سوى المانا التي تتحول إلى هالة.
قال ليام:
لما أنت مستعجل؟ تمعن قليلًا.
تنهد إيرماند وقال بضجر:
حسنًا، حسنًا.
تمعن إيرماند مرة أخرى في جسد ليام.
أحس مجددًا بالمانا التي تسير باستقامة، لكنه شعر بشيء غريب.
المانا التي يستشعرها كانت موجودة في نصف جسد ليام فقط، أما النصف الآخر فكان يشعر وكأنه لا يعمل، وكأن المانا فيه لا تتخذ أي شكل، بل ساكنة دون حراك.
تعرق إيرماند من شدة التوتر وقال في نفسه:
"هذا غريب... كنت قد لاحظت أن الهالة المنبعثة من هذا الفتى قليلة، فأرجعت ذلك إلى قلة المانا لديه. لكن الآن بدأت أفهم الحقيقة. جسد هذا الفتى يعمل بنصف المانا فقط، أما النصف الآخر فلم يسلك طريق الهالة... وهذا يعني..."
رفع إيرماند يده عن ظهر ليام وابتعد عنه بضع خطوات.
كانت يداه ترتجفان من هول ما شعر به.
نهض ليام من على الأرض وارتدى قميصه.
وبينما كان يعدل ملابسه، نظر إلى إيرماند وقال:
- ما رأيك الآن؟ أبتّ تصدقني؟
قهقه إيرماند بصوت منخفض وقال:
آه، كنت على صواب مجددًا. لكن هذا مذهل.
رفع ليام حاجبه وقال:
وما المذهل؟
قال إيرماند:
أن يكون هناك من هو قادر على استخدام الهالة والسحر معًا. إن هذا بحق لأمر يبعث في نفسي القشعريرة.
ثم تابع:
ليام، أنا موافق على أن أعلمك السحر، لكن لدي سؤال واحد.
قال ليام:
ما هو؟
قال إيرماند:
كيف لجسدك أن يكون قادرًا على احتواء كل من الهالة والسحر؟
عقد ليام ذراعيه وقال:
بشأن هذا... أنا حقًا لا أدري. قد لا تصدقني، لكنني منذ أشهر قليلة لم أكن أستطيع حتى استخدام الهالة، لذا فالجواب هو: لا أعرف.
قال إيرماند:
أيمكن أن يكون هذا راجعًا إلى الوالدين؟
قال ليام:
أوضح مرادك.
قال إيرماند:
والدك هو سيد فاميليان، لذا فمن الطبيعي أن تستعمل الهالة. فماذا لو كانت والدتك...
صرخ ليام قائلًا:
توقف! لا تتابع كلامك. هذا أيضًا لا أعرفه، ومن فضلك لا تخض في هذا الحديث.
قال إيرماند:
آسف، لم أكن أقصد شيئًا. لكن هذا الأمر مربك ومحير لدرجة الجنون.
قال ليام:
كما قلت، هذا أمر محير، ولكن ليس لنا خيار سوى الانتظار، وستظهر الحقائق شيئًا فشيئًا.
ومع ذلك، كان في أعماق ليام شيء من الفضول.
فهو لا يدري إن كان هذا يتعلق بوالدته التي لم يرها قط، والتي قيل إنها ماتت أثناء ولادته، أم أن الأمر يتعلق بماجين.
أسئلة كثيرة، لكن دون جواب قاطع.
قطع إيرماند أفكار ليام وقال:
حسنًا، هذا جيد. فلنقم بالاستعداد.
قال ليام:
إلى أين؟
قال إيرماند:
إلى المكان الذي سأستطيع فيه تدريبك بأمان، دون أي إزعاج. إلى الغابة الشرقية للمدينة.
***
في تلك الأثناء، كان لوكس ما يزال في مستشفى المعسكر، لكنه استطاع منذ فترة التحرك على قدميه.
كان يسير في أروقة المستشفى وهو ينادي:
كايل! أين أنت؟ لقد حان وقت الغداء، لا تنس أن الطبيب أمرنا بتناول الطعام دون تأخير.
وأثناء بحثه عنه، وجده واقفًا يتحدث مع شخص ما.
لكن من تعابير وجه كايل بدا وكأنه يخوض محادثة غير ودية.
نظر لوكس إلى الشخص الذي كان يتحدث معه، فوجد أنها امرأة ذات شعر أزرق وعيون خضراء، وعلى ملابسها شارة مدرب معسكر.
قال في نفسه:
لماذا يتحدث كايل مع مدربة من معسكر آخر؟
ثم ضحك بخبث:
لن يضر شيء إن استرقت السمع، صحيح؟
اقترب لوكس من مكان يسمح له بسماع الحديث.
قال كايل:
ما الذي أتى بك إلى هنا يا ماريانا؟
قالت:
عجبًا، ألم آتِ لأطمئن على أخي الصغير؟
صدم لوكس وقال في نفسه:
كايل لديه أخت؟ بالتفكير في الأمر... إنهما يشبهان بعضهما كثيرًا.
تابع الاستماع.
قال كايل:
ها قد أتيت واطمأننتِ. غادري الآن.
تغيرت ملامح ماريانا وقالت:
حسنًا، سأغادر بعد أن أخبرك ببضع كلمات.
قال كايل بانزعاج:
أسرعي وأخبريني.
قالت:
جئت لأقول لك: انسحب من منافسة المعسكرات.
صرخ كايل:
ماذا تقولين؟ ومن أعطاك الحق لتملي علي أوامرك؟
قالت:
لا تسيء فهم الأمر. أنا أقول هذا لمصلحة والدنا. فلو خسر ابنه خسارة مذلة، فسيلحق هذا العار به، وقد يخل بمكانته داخل فاميليان. لذا آمرك أن تنسحب وألا تلطخ سمعة والدنا.
قال كايل بصوت يملؤه الغضب وهو يقبض على يده:
أتقولين إنني سأخسر؟ أي مزحة هذه؟
قالت ماريانا:
الأمر واضح للجميع. بحالتك الحالية وإصاباتك، وبالأشخاص الذين معك، ستخسر. لا، بل ستخسر خسارة مهينة تجعلك تدفن رأسك في التراب من شدة العار والخزي.
كانت تبتسم ابتسامة ساخرة وشامتة.
أما لوكس فكان مصدومًا مما يسمعه.
وفجأة سمع صوتها يقول:
وهذا الكلام موجه لك أيضًا، يا من تختبئ هناك.
ارتجف جسد لوكس بالكامل.
قال بخوف:
أنا؟
قالت ساخرة:
وهل هناك غيرك؟
ثم تابعت:
اسمح لي أن أعبر لك عن إعجابي. لقد لقنت أخي الصغير درسًا قاسيًا. لديك مستقبل باهر، لكن مع حالتكما المزرية، بالإضافة إلى عار فاميليان، فأنتم خاسرون.
قاطعها لوكس بغضب:
ومن تقصدين بعار فاميليان؟
قالت:
أليس هذا واضحًا؟ أقصد ليام.
قال لوكس:
اسحبي كلامك حالًا.
قالت ماريانا بغطرسة:
أنت؟ كيف تجرؤ على توجيه الأوامر إلي؟ أنا مدربة المعسكر الغربي.
قال لوكس بصوت ثابت:
لا أهتم برتبتك. اسحبي كلامك حالًا.
قالت:
إن أردت أن أسحب كلامي، فعليكم أن تفوزوا بمنافسة المعسكرات.
قال لوكس:
لهذا سنفوز.
وفي تلك اللحظة، لم تكن هناك منافسة كلامية فقط، بل كانت هالة كل من لوكس وماريانا تتدفق بقوة، وكأنهما في صراع خفي.
أدرك كايل خطورة الأمر، فأسرع وسحب لوكس من يده.
وقال:
هيا أيها الهمجي.
قال لوكس:
لما تسحبني؟
قال كايل:
غبي. لو أرادت لقتلتك دون أن ترمش.
كانت ماريانا تنظر إليهما وهما يغادران، وعلى وجهها ابتسامة راضية.
***
عند الغروب، كان لوكس وكايل جالسين على مقعد في حديقة المستشفى.
خيم الصمت بينهما لبعض الوقت.
ثم قال لوكس:
يبدو أنك وأختك لستما على وفاق.
قال كايل:
هذا شيء لا شأن لك به.
ثم تابع:
لكن ماريانا كانت محقة. فمع إصاباتنا التي لم تشف بعد، وأيضًا ذلك ليام، لا أظن أنه سيكون خير معين.
قال لوكس:
أنت مخطئ. إن كان هناك من سيقودنا نحو النصر، فسيكون ليام.
قال كايل:
لما أنت واثق به إلى هذا الحد؟
ابتسم لوكس وقال:
لأنه صديقي.
ثم تابع بعد لحظة:
صحيح أنه لم يقل لي بعد إنه يعتبرني صديقًا، لكن إلى أن يخبرني بذلك، فسأكون أول داعم له.
عقد كايل حاجبيه وقال:
الصداقة؟ هل هذه المشاعر السخيفة هي ما ستجعلنا ننتصر؟
وقف لوكس من مكانه وقال:
صحيح أنني لا أملك دليلًا، لكنني أؤكد لك أننا سننتصر.
***
وفي الغابة الشرقية للمدينة، كان ليام وإيرماند قد وصلا إلى وجهتهما منذ فترة.
لكن في تلك اللحظة كان إيرماند يركض نحو ليام.
أما ليام فكان ينزف الدم من فمه، وكانت رؤيته تتضاءل شيئًا فشيئًا حتى انعدمت تمامًا.
صرخ إيرماند:
ليام! تماسك!
Salah