١١٤
.
.
.
.
.
منذ سبعة عشر عامًا، وفي منزل وائل، والد نجلاء، اجتمعت العائلتان في جلسةٍ عائلية حميمة، بمناسبة خاصة غمرها الشعور بالفخر والبهجة.. فكان وائل على وشك السفر إلى ألمانيا للمشاركة في حفل أوركسترا، كخطوة كبيرة ومفصلية في مسيرته الفنية، فامتلأ البيت بحركةٍ دافئة واستعداداتٍ لا تخلو من الحماسة.
في المطبخ، انشغلت ليلى ونيڨين والدة نجلاء، بتحضير الطعام وترتيب الملابس لوائل، إذ سيغيب لبضعة أيام، وكان حديثهما يتنقل بخفةٍ بين التفاصيل الصغيرة والقلق المحبب الذي يصاحب الوداع. وفي غرفته، كان وائل غارقًا في التدريب، يعيد المقاطع الموسيقية بإصرارٍ لا يمل، كأن أنامله تسبق خطاه نحو الحلم.
أما في الصالة، فجلس نوح، ابن العشرين عامًا، إلى جوار نجلاء ذات الستة عشر ربيعًا، يشرح لها مسائل الرياضيات بصبرٍ أخوي، تتخلله ابتسامات عابرة وتعليقات خفيفة، فيما يلف المكان دفء عائلي صادق، تتجاور فيه الأصوات والضحكات والانتظار، وتتشابك فيه التفاصيل الصغيرة لتصنع لحظةً مكتملة بالطمأنينة.
وأثناء انهماكه في الشرح، بدا الضيق يتسلل إلى ملامح نجلاء شيئًا فشيئًا، حتى أطلقت تبرمها دون مواربة، وكأن الأرقام أثقلت رأسها أكثر مما تحتمل.
_خلاص بقا يا نوح، تعبت.
رفع نوح بصره إليها وهو يقول مستغربًا:
_تعبتي ايه؟ أنا شرحت مسألتين بس.
قالت وهي تحاول أن تبرر إنهاكها بكل ما أوتيت من عناد طفولي:
_مهما مسألتين بطول صفحتين مع بعض! وبعدين أنا لسة راجعة من تلات دروس، فخليني أرتاح شوية.
_يا بت امتحانك بكرا.
حركت رأسها بلا مبالاة، وهي تقول:
_عادي بقا، دا امتحان درس مش مهم.
سكت نوح، وأطلق زفرة طويلة حملت بين طياتها قلقًا مكتومًا، ثم وضع قلمه على الطاولة، بينما حاولت نجلاء أن تبدد جو الجدية بكلمات أقرب إلى المزاح الصادق:
_بس والله شرحك أحسن من أكبر مدرس في مصر، إنت لازم تطلع مدرس لما تكبر.
ابتسم نوح ابتسامة لا تخلو من حيرة، وردّ وهو يهز رأسه:
_أنا مش شايف نفسي مدرس بصراحة.
تعلقت به نجلاء بنظرة فضول، وهي تقول:
_اومال شايف نفسك إيه؟
طال صمت نوح هذه المرة، صمت ثقيل يشبه التحديق في طريقٍ معتم بلا علامات.. ظل يحدق في الفراغ، قبل أن ينطق أخيرًا بصوت خافت:
_مش عارف... مش قادر استشعر مستقبلي عامل ازاي، وإنتِ؟
لم تتردد نجلاء لحظة، وجاء جوابها بسيطًا، مازحًا:
_لا أنا عايزة اتجوز واقعد في البيت معملش حاجة، وجوزي هو اللي يصرف عليا بقا.
في تلك اللحظة، التقطت ليلى الجملة من داخل المطبخ المفتوح، فتوقفت يدها لثوانٍ، ورمقت نجلاء بنظرةٍ خاطفة بها تحفظ عن مشاعرها الحقيقية من حديث نجلاء، قبل أن تعود سريعًا إلى ما كانت منشغلة به، وقد آثرت الصمت على التعليق. لم تفُت تلك النظرة على نيڨين، التي التفتت مبتسمة بسخرية خفيفة، وقالت بنبرة مازحة:
_بلاش الكلام دا يا نجلاء قدام عمتك، أصلها فيمنيست وهتزعليها.
انفجروا جميعًا بالضحك، ضحكًا عفويًا خفيفًا انسجم مع دفء اللحظة، ما عدا ليلى التي اكتفت بابتسامة بسيطة، وادعة، تحمل في طياتها شيئًا من التحفظ مجددًا. لم تلبث الأجواء أن هدأت حتى قطعها رنين هاتف نوح، فالتفت إلى الشاشة، وما إن رأى الاسم حتى زفر بضيقٍ واضح، كأن المكالمة جاءت في غير أوانها، ثم فتح الخط على مضض.
_الو..
جاءه صوت عبدالله بنبرة ثقيلة، مثقلة بالخمول، تتكئ على فتورٍ مستفز:
_إيه يا حبيب أخوك، أخبارك إيه؟
رد نوح بنبرة محايدة، تخفي نفاد صبرٍ مبكر:
_أنا الحمدلله..، بس واضح من صوتك إن أخبارك حلوة جدًا.
ضحك عبدالله ضحكة كسولة، ثم استطرد وكأنه يلقي عبئًا معتادًا:
_جدًا جدًا... لسة شارب حتة بوليفي تحفة، المهم ياخويا بس عايزك تكلم المدرس بتاع جمال على أساس إنك ولي أمره.. عشان مينفعش اسمّع الراجل الصوت اللي إنت بتسمعه دا.
سكت نوح لبرهة، وتقطيب خفيف ارتسم بين حاجبيه، قبل أن يرد بلهجة يشوبها الاستغراب:
_جمال مين؟
جاء رد عبدالله سريعًا، حادًا، ممتزجًا بالسخرية الفجة:
_يخربيت أهلك يا شيخ... يابني جمال أخويا، إنت متأكد إنك مش بتضرب حاجة؟ لإن النسيان الكتير دا غريب أوي ياعم، ما تقولي النوع اللي بتضربه عشان ينسيني حياتي كدة؟
امتعض وجه نوح، وتصلبت ملامحه، وقد نفد ما تبقى من صبره، فأجاب ببرودٍ قاطع:
_عبدالله أنا مش فاضيلك، شوف حد تاني يخدمك أنا خدمتك كتير... سلام.
أنهى المكالمة بعصبية مكتومة، وألقى الهاتف جانبًا، بينما بدت على وجهه معالم الامتعاض والتشوش، لا امتعاض اللحظة وحدها، بل ذاك المتراكم في صدره منذ زمن..
أخذ يفكر في حديث عبدالله، وظلت تتردد في رأسه بإلحاحٍ مؤلم.. لم يكن عبدالله هو المشكلة الحقيقية؛ بل ما يحمله حديثه من تكرارٍ اعتاد سماعه على ألسنةٍ كثيرة لسنين، تلوك المعنى ذاته وتعيده بلا رحمة، وملاحظات الناس عن نسيانه المبالغ فيه، وتعليقاتهم العابرة التي تنزلق بسهولة إلى الإهانة، وتلك الطريقة الفجة في إظهار كم ينسى، وكأنهم يتعمدون تعريته أمام نفسه قبل الآخرين، يصورونه شيخًا خرفًا أصابه الزهايمر، وهو لم يزل شابًا في مطلع العشرينات.
كانت مواقف صغيرة في ظاهرها، لكنها ثقيلة في أثرها، تتسلل إلى روحه وتضغط على صدره ببطءٍ خانق.
وفي تلك الأثناء، داخل غرفة وائل، كان يعزف عزفًا محتدمًا، متتابعًا، كأنه محاولة يائسة لطرد شيءٍ ما من رأسه. لكن أنامله بدأت تخف تدريجيًا، حتى انطفأت النغمة الأخيرة، فأنزل الكمان وقوسه ببطء، وراح يلهث لهاثًا خفيفًا، لا من فرط الجهد وحده، بل من ثقلٍ داخلي أربك أنفاسه. بدا عقله مشوشًا، لكن ليس بسبب حفل الأوركسترا المرتقب، ولا رهبة السفر، بل بسبب شيءٍ آخر، أعمق وأقسى.
في عيني وائل كان يقيم صبر محموم، وسخط مكبوح، وشعور خانق بالعجز يطبق على أنفاسه؛ مشاعر متراكمة تحكي مأساةً قديمة ظل شاهدًا عليها، بل شريكًا قسريًا في تفاصيلها، مأساة تخص أخته ليلى. تلك التي وقعت يومًا تحت قبضة عالمٍ مجنون، ولم يكن لوائل آنذاك سوى الوقوف على الهامش، يراقب ويُعين بقدر ما تسمح به يداه العاجزتان، فيما يتآكل داخله بصمت.
لكنه لم يعد ذلك الفتى ابن الثامنة عشرة، لم يعد مقيدًا بالضعف ذاته ولا بالصمت نفسه؛ لقد آن الأوان لأن يتحرك، وأن يتحول من شاهدٍ على الألم إلى فاعلٍ يقتحم مصيره بوعيٍ موجع وإصرارٍ لا رجعة فيه.
_ليلى!
نادى عليها بصوتٍ حاسم، وبعد برهة دخلت الغرفة، فاستدار نحوها، وثبّت عينيه عليها بنظرة جامدة، نظرة أقلقتها وأيقظت فيها خوفًا قديمًا تعرفه جيدًا.
_إيه يا وائل؟ أنا عارفة بصتك دي.. بتفكر في ايه؟
قال وائل بنبرة مباشرة، لا تحتمل مراوغة:
_أنا هاخدها معايا.
تبدلت ملامح ليلى في لحظة واحدة؛ ارتباك خاطف، وغضب مكبوت، وتماسك قسري يحاول الوقوف في وجه الانهيار:
_برضو يا وائل؟!
اقترب منها قليلًا، وخفض صوته حتى لا يتسرب إلى خارج الغرفة، لكن صرامته كانت أشد وضوحًا في الهمس:
_أيوة برضو! إحنا خلصنا كل الأوراق والباسبور بتاعها جاهز وإنتِ كنتي موافقة، إيه اللي رجعك في كلامك؟!
اهتز صوت ليلى، واندفع قلقها دفعة واحدة:
_وائل إنت متعرفش اللي هيحصلكم هناك!! هو أصلا عايش في المانيا هيمسكك يا وائل!
سكت وائل طويلًا، صمتًا مثقلًا بالتفكير، كأنه يمهد في داخله طريق الكلمات قبل أن ينطق بها:
_ومين قالك إني هروح المانيا أصلاً؟
انعقد حاجبا ليلى، واتسعت عيناها ذهولًا، وهي تقول:
_أومال هتروح فين؟!
_مش هقولك، مش هقولك إلا لما استقر معاها.
ظلت ليلى تنظر إليه بعمق، نظراتها خليطًا مضطربًا من القلق والغضب والامتنان والخوف العارم، حتى خرج صوتها مرتجفًا، مكسور الحواف:
_وائل.. أنا مش هستحمل اخسرك إنت وهي سوا..
اقترب خطوة أخرى، وصوته هذه المرة هادئًا على نحو موجع، كمن سلّم نفسه لحقيقة لا مفر منها:
_إحنا كدة كدة بنخسرها يا ليلى وبنخسر نفسنا... لو خسرتينا.. فعلى الأقل خسرتينا وإحنا بنحاول.
وفي تلك اللحظة، بينما كان نوح ونجلاء جالسين في الصالة، ونيڨين منشغلة في المطبخ بحركتها المعتادة، قطعت نجلاء الصمت بنبرة مترددة تحمل في طياتها تساؤلًا قلقًا:
_إنت مش حاسس إن الموضوع بقا مبالغ فيه؟
رفع نوح نظره إليها، وقد بدا عليه الشرود، وردّ دون اهتمام ظاهر:
_موضوع إيه؟
تنفست نجلاء بعمق، وكأنها تجمع أفكارها قبل أن تفرغها دفعة واحدة:
_كل ما الراجل اللي تحت دا يسافر بنودي البت للست اللي اسمها تغريد دي، وبعد ما يرجع بنرجع ناخدها ونوديهاله... اللي هو.. الراجل دا بيحتاجها ليه وبنوديها لتغريد بعده ليه؟ ما دام عمتو وبابا واثقين فيه وبيدوا نور ليه يبقا أكيد مبيعملش حاجة وحشة، بس برضو الموضوع غريب أوي، نور وحشتني والله تعالى مرة نروح نزورها عند طنط تغريد إيه رأيك؟
ظل نوح صامتًا، عيناه معلقتان بالفراغ، وكأن الكلمات مرت من جواره دون أن تستقر.. وبدا على ملامحه تحفظ وحيرة غير مفسرة، فراقبته نجلاء بقلق قبل أن تعاود سؤاله:
_إيه يا نوح؟
تردد لحظة، ثم قال بصوت خافت متحير:
_معلش فكريني، بتتكلمي عن مين تاني؟
_نور يابني، إنت مسمعتش؟
رفع نوح يده إلى رأسه، وأخذ يحك شعره بعصبية خفيفة، ثم قال محاولًا التبرير:
_لا سمعتك بس...، دي واحدة صاحبتك يعني؟
حدقت فيه نجلاء طويلًا، نظرة مشدوهة تحمل صدمة صامتة، قبل أن تقول ببطءٍ مثقل بالغضب:
_إنت بتهزر يا نوح؟ إنت نسيت اختك؟
ما إن وصلت الجملة إلى أذنيه، حتى ضرب نوح رأسه بيده، وكأنها أطلقت ما كان مكبوتًا في داخله، وانفلتت أعصابه دفعة واحدة، وارتفع صوته صارخًا بسخطٍ عارم:
_خلاص بقا خلاص مش كل مرة مش كل مرة!!!
كان صراخه عاليًا، فزع نيڨين ونجلاء معًا، ودفع ليلى ووائل إلى الخروج مسرعين من الغرفة المجاورة.. فصاحت نجلاء، وقد امتزج خوفها بغضبها:
_إنت بتزعقلي كدة ليه؟!
أجاب نوح وهو يقف وهو ما يزال يقذف غضبه بلا توقف، كأن الكلمات تنفلت منه عنوة:
_عشان انتوا مبتتهدوش!! مش كل مرة تقولوا نفس الموضوع مش كل مرة تبينوا إن عندي زهايمر، مش كل مرة تعاملوني اكني مجنون، خلاص فكروني من غير كلامهم الوسخ دا!!!
اندفعت نجلاء بدورها:
_وإنت بتلومنا؟! إنت ناسي نور اختك وعايزني مستغربش؟!
تدخل وائل بنبرة صارمة، قاطعة، لا تحتمل جدالًا:
_نجلاء! خلاص إنتوا هتتخانقوا قدامنا؟
ظل نوح واقفًا يلهث من شدة صراخه، وصدره يعلو ويهبط بعنف، كأن الهواء لم يعد يكفي رئتيه.. التفت فجأة، ورمق أمه بنظرة اخترقت سكون المكان، نظرة كانت كفيلة بأن تُرعش روحها قبل جسدها، ثم اقترب منها خطوةً تلو الأخرى، وصوته، وإن جاء في نبرة عتاب، كان مثقلًا بوجعٍ حاد واتهامٍ موجع:
_إنتِ مش عالمة عبقرية ودكتورة كبيرة؟ مش إنتِ طلعتي علاج للزهايمر؟ مش عايزة تعالجيني ليه؟! سايباني كدة بقالي اربع سنين ليه؟! عايزة الناس تضحك عليا؟!
ارتعشت ليلى، وامتلأت عيناها بالدموع، وانكسر صوتها وهي تحاول أن تحتضن الحقيقة بكلماتٍ واهنة:
_يا حبيبي إنت معندكش زهايمر، صدقني.
لكن نوح لم يعد يحتمل هذا التطمين الذي بدا له أجوف، فانفجر صارخًا في وجهها، وقد بلغ انفعاله ذروته:
_أومال عندي ايه؟؟!!
تحرك وائل بسرعة، واقترب من نوح محاولًا أن يضع حدًا لهذا الانهيار، أن يكبح اندفاعه قبل أن يتجاوز ما لا يُحتمل، لكن رمقه نوح بنظرة صامتة، نظرة مكتظة بالرفض والإنهاك، ثم استدار فجأة وترك المكان، متجهًا بخطواتٍ سريعة إلى الحمام.. ليسند جسده إلى الحوض، وينفرد بنفسه، ليلوذ بعزلةٍ مؤقتة هربًا من العيون والكلمات والشفقة.
وفي الصالة، ساد صمت ثقيل.. تبادل وائل وليلى نظرة طويلة، كانت نظرة وائل محملة بلومٍ قاسٍ لم تحتمل ليلى مواجهته، فخفضت عينيها، تاركة دموعها تنحدر بصمت، بينما ظل الاتهام معلقًا بينهما بلا حاجة إلى قول.
ومع انقضاء الساعات، وعند انتصاف الليل، كان القرار قد استقر بأن يبيت نوح وليلى في منزل وائل. سكن البيت وهدأت الأصوات، وبقيت الغرفة شاهدة على أرقٍ ثقيل لا يطاوع النوم.. كانت ليلى ممددة على السرير، جسدها ساكن وعقلها مستيقظ، فيما اتخذ نوح من أريكة الغرفة موضعًا له، يتصفح هاتفه في صمتٍ متقطع، غير قادر على إغماض عينيه. ولم يغب عنه اضطراب أنفاس أمه وحركتها المتكررة في نومٍ لم يكن نومًا كاملًا، بل تقلبًا يوحي بأن عينيها لم تغمضا بعد.
رفع نوح بصره إليها، ثم اعتدل جالسًا، يراقب ملامحها في العتمة، ملامح أنهكها السهر والقلق.. تردد لحظة، ثم قال بصوت خافت متكسر:
_ماما.. أنا آسف.
نظرت ليلى إليه، والتقت نظراتهما، لينهض نوح بهدوء، ويقترب منها، ثم يجلس إلى جوارها ويمسك يدها، كأنما يتشبث بها كي لا يغرق:
_أنا بس... تعبت، تعبت أوي.
جلست ليلى، وراحت تمرر يدها على شعره بحنانٍ معتاد، محاولة أن تجمع شتات نفسها قبل أن تطمئنه:
_استحمل يا حبيبي.. صدقني كل دا هيعدي.
تنهد نوح بعمق، ونبرته تحمل احتجاجًا موجعًا:
_دايما بتقوليلي استحمل وأنا مش عارف استحمل إيه؟ يا ماما أنا نسيت اختي! نور دي أنسى نفسي ومنساهاش! يعني إيه نسيتها في اللحظة دي يعني إيه؟
كانت ليلى تبتلع ريقها مع كل كلمة ينطق بها، كأنها تبتلع جمرًا يحرق قلبها ويقوض ثباتها.. قاومت ارتجاف صوتها، وحاولت أن تبدو أقوى مما هي عليه:
_حتى لو نسيتها يا نوح، فانت هتفتكرها تاني.. وهترجع عشان تحميها تاني زي ما بتحميها من أول ما اتولدت، مش عايزاك تخاف.
ظل نوح يحدق فيها طويلًا، نظرة فاحصة تحمل شكًا وألمًا، ثم قال بهدوءٍ حاد:
_نفسي تصارحيني باللي إنتِ بتمري بيه.
_أنا مبمرش بحاجة.
_وأنا مش غبي...
ساد صمت ثقيل، لم يعد يحتمل مزيدًا من الكلمات. نهض نوح بعدها، وعاد إلى الأريكة، وأدار جسده محاولًا النوم، تاركًا أمه غارقة في همٍ عظيم لا يقوى أحد على احتماله... وبعد دقائق من السكون المتوتر، نهضت ليلى على مهل، وتوجهت إلى الشرفة، تقف هناك وحدها، تستنشق بعض الهواء النقي، علّه يخفف وطأة ما يثقل صدرها.
خرجت ليلى، ومضت عبر الممر حتى مرت أمام المطبخ، فتوقفت فجأة حين لمحت نجلاء متجمدة في وضعيةٍ غريبة، كأنما باغتها توتر حاد أو نكبة مباغتة.. حدقت فيها بقلقٍ عابر، قبل أن تتبين أنها كانت تعد الطعام؛ مائدة كاملة تكاد تفيض بالأطباق، ومعها بعض الحلوى، التقت نظراتهما، فتضاعف ارتباك نجلاء على نحوٍ لا يليق ببساطة الموقف، ارتباك فاضح لا يخفى.. عندها ابتسمت ليلى ابتسامة هادئة، محاولة أن تنزع حدة التوتر، وقالت بنبرةٍ دافئة:
_لسة منمتيش؟
تلعثمت نجلاء، وصوتها خرج مترددًا:
_ل.. لا... أنا آسفة.
_على إيه؟
خفضت نجلاء بصرها، وكأنها تُدان على ذنبٍ غير مفهوم:
_إني باكل دلوقتي.. عملت أكل كتير... معلش.
احتاجت ليلى لحظة لتفهم موضع الاعتذار، ثم انفرجت ملامحها بلطفٍ صادق وقالت بهدوءٍ أمومي:
_كلي براحتك يا حبيبتي، أهم حاجة حاسبي يجيلك حموضة، استني الاكل يتهضم الاول بعدين نامي.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه نجلاء، ابتسامة امتنان خجولة. بعدها مضت ليلى تاركة المطبخ خلفها، واتجهت لتجلس عند الشرفة، تستقبل هواء الليل في صمتٍ ثقيل.. وبعد ما يقارب نصف ساعة، شعرت بحركةٍ إلى جوارها، فوجدت نجلاء تأتي وتجلس بقربها، التفتت إليها ليلى، وقالت مبتسمة:
_مرجعتيش اوضتك ليه؟
أجابت نجلاء ببساطةٍ طفولية:
_ما إنتِ قولتي استنى الأكل يتهضم الأول .
ابتسمت ليلى، وبقي الصمت بينهما لحظات.. ظلت نجلاء تحدق فيها بنظراتٍ طويلة، مزيج من التأمل والإعجاب الصافي؛ فليلى، في نظرها، لم تكن مجرد امرأة عادية، بل نجمة عالمية، فهي عالمة عظيمة تُشار إليها بالبنان، وكانت نجلاء من أشد معجبيها، تفخر في سرها بأن تكون هذه القامة الكبيرة عمتها، تجلس معها بهذه العفوية، تطهو مثلهم، ترتدي مثلهم، وتعيش ببساطةٍ مدهشة لا تشبه ما في الخيال، تواضعًا خالصًا يزيدها في عينيها عظمةً وقربًا.
مالت ليلى قليلًا نحو نجلاء، وصوتها خرج هادئًا دافئًا، يحمل رغبة صادقة في الاقتراب لا في الامتحان:
_إحنا صحاب يا نجلاء، مش كدة؟
أشرقت ملامح نجلاء بامتنان وبهجة صافية، وهي تقول:
_إنتِ شايفاني كدة؟
أجابت ليلى بابتسامة مطمئنة، دون تردد:
_أنا شايفاكي كدة، بس إنتِ شايفاني كدة؟
أومأت نجلاء برأسها بسرعة، وصوتها خرج حاسمًا مفعمًا بالفرح:
_أكيد! أكيد طبعا أنا صاحبتك.
ابتسمت ليلى، وظلت تنظر إليها نظرة طويلة متأملة، تختلط فيها الألفة بحزنٍ عميق يسكن عينيها.. ثم اعتدلت في جلستها، وكأنها تستعد لقول شيءٍ أكثر جدية، ووجهت كلامها إليها بنبرة رصينة:
_سمعتك بتقولي إنك عايزة مستقبلك يكون تقعدي في البيت وراجل يصرف عليكي.. دا حلمك فعلا؟
سكتت نجلاء لحظة، وتلاشى بريق الحماس من عينيها، قبل أن تجيب بصوتٍ متردد:
_معرفش..
مالت ليلى برأسها قليلًا، وقالت بهدوءٍ خالٍ من أي حكم:
_لو دا حلمك فمش عيب، دا حقك إنك تحلمي بأي حاجة إنتِ عايزاها.
تنفست نجلاء بعمق، ثم قالت بصراحة أقرب إلى الاعتراف:
_لا بصراحة مش دا حلمي، أنا كنت بهزر.
_أومال حلمك إيه؟
عادت نجلاء إلى الصمت، وبدا أن الكلمات تثقل لسانها.. وبعد برهة، قالت:
_عايزة أبقا زيك، امرأة ناجحة كدة والناس بتحبها.. وكله بيعتمد عليكي، بييجي في بالي كتير أبقا دكتورة لأني بحب العلم وبحب فكرة إن الناس تستفيد مني.
ابتسمت ليلى ابتسامة طيبة، غير أن حلقها انقبض، فابتلعت ريقها كما لو أنها تبتلع غصة قديمة تسكن صدرها.. ثم قالت بصوتٍ متزن، يحمل إيمانًا عميقًا رغم ما يعتريه من وجع:
_وأنا مؤمنة إنك تقدري تبقي زيي.. بس أنا دخلت الحياة دي بمعلومات أنا معرفهاش وبخبرة قليلة، فنوعا ما وديت نفسي في داهية بسبب كدة، ممكن اعرفهملك عشان متعمليش غلطي.
انعقدت ملامح نجلاء في حيرة صادقة، وسألتها بهدوء:
_زي إيه؟ مش فاهمة.
ظلت ليلى صامتة برهة، تحدق في الفراغ، ترتب الكلمات في ذهنها قطعةً قطعة، لا تدري من أين تبدأ، ولا كيف يمكن أن تُقال هذه الحكاية دون أن تُوجِع.. ثم تنهدت بعمق، وقالت ببطءٍ حذر، كمن يفتح جرحًا قديمًا وهو واعٍ بألمه:
_كنت زمان بتكلم مع يوسف وبعبرله عن انزعاجي من إن الفلوس اللي بتتصرف في البحث العلمي عن الصلع عند الرجالة أضعاف أضعاف الفلوس اللي بتتصرف على البحث العلمي عن علاج أمراض النساء، زي بطانة الرحم المهاجرة او تكيسات المبايض او التغدد الرحمي، قام قايلي مفيش مقارنة... لأن الصلع بييجي في الرجالة بنسبة ٨٥٪ منهم وبقية الامراض دي ٢٠٪ بس بتصيب الستات...، وأنا هنا حسيت بحرقة في قلبي جدًا.. لأنه عالم كبير وعارف كويس أمراض النسا دي بتعمل إيه في البنات، هو صحيح في حاجة واحدة وهي إن مفيش مقارنة بين صلع وأمراض خطيرة زي دي... لأن الصلع اللي بييجي للرجالة دا مش بيأثر على الإنجاب، مش بيخليهم يعيشوا بألم قاتل يوميا يأثر على أسلوب حياتهم، مش بيأثر على علاقتهم بالناس ولا نفسيتهم ولا بيجيبلهم تقلبات هرمونية قوية ومؤذية للجسم، مش بيسببلهم أمراض نفسية بشعة... بس رغم كدة، العالم والعلماء والدكاترة كلهم شايفين إن الصلع أهم من أمراض النسا، وبيتعبوا نفسهم وبيصرفوا فلوسهم عشان يعالجوه.
سكتت ليلى قليلًا، وكأن الكلمات استنزفتها، تحاول أن تُخفف حدة الغصة التي علقت بحلقها، ثم أردفت بصوتٍ أكثر ثقلًا، وقد بدا أن الألم الذي تتحدث عنه ليس نظريًا فحسب:
_وسبب الإهمال المقزز دا عشان ألم الستات اتوصف تاريخيا إنه طبيعي، شايفين إن الأنثى اتخلقت بالألم في طبيعتها البيلوجية في الدورة الشهرية والحمل والولادة... فببساطة ألمك المستمر دا طبيعة فيكي ومش هندور على حل ليه واتفلقي. سبب الاهمال دا عشان البحث الطبي مبيتعملش إلا على أجسام الرجالة وهما اللي ليهم ربح تجاري كبير عشان كدة ليهم الأولوية، صحة الستات في العالم دا عمرها ما هتبقا أولوية، ألمهم دايما بيستهونوا بيه وبيتم تجاهله بسبب إيمانهم ان دا طبيعة فيهم.
كانت نجلاء تستمع إليها في صمتٍ تام، وقد انسحب اللون من وجهها، وحل محله حزن ثقيل ودهشة موجعة، ثم قالت بصوتٍ خافت لا يكاد يصدق ما يسمعه:
_عمتو انتِ بتتكلمي بجد؟
توقفت ليلى لحظة، كأنها تمنح السؤال حقه، ثم أجابت بصوتٍ ثابت رغم ما يهتز داخله:
_ايوة بجد، قرأت كتير عن الMedical gaslighting او التعنيف الطبي اللي الستات دايما بتتعرض له حوالين العالم.. ودول مش حالات فردية، ده نظام كامل تاريخيًا مبني على إن جسم الراجل هو النموذج الأساسي وده خلق أثر في الطب لسة موجود لحد دلوقتي. ودا ليه تبعيات ايدولوجية من سنين السنين، زمان لما كان العلم لسة في بدايته كان في تصور إن الست مش ثابتة هرمونيا، معقدة، عندها هيستيريا.. وده اللي خلاهم يحكموا عليها أنها مش مناسبة للتجارب العلمية. بالتالي اغلب ابحاث القرن العشرين كانت على رجالة بس.. حتى في المعامل كانوا بيختاروا فار ذكر عشان الانثى دورتها الشهرية هتلغبط النتايج، ده اللي أدى أن برتوكول المجال نفسه والادوية والاسعاف وما إلى ذلك.. كله أتبنى على جسم الراجل، والست كانت الاستنثاء.
توقفت ليلى مجددًا، وابتلعت ريقها، تستجمع أنفاسها التي ثقلت فجأة، ثم أكملت بنبرة أخفض لكنها أكثر حدة:
_الدكاترة حتى من غير ما يحسوا متبرمجين أنهم يحقروا الألم النسائي، علم النفس بيسمي ده implicit Bias يعني التحيز الضمني، الدكتور نفسه مش واعي أنه بيتعامل معاكي بشكل أقل جدية.. وده اللي غالبا هتسمعيه لما تروحي لدكتور على طول هيفترض أنها لغبطة هرمونات، توتر او قلق، مشاكل في القولون... هيفترض افتراضات كتير قبل ما يتطرأ للمحاليل والاشعة.
ساد صمت قصير، ثم أردفت ليلى، وهي تضرب مثالًا أخيرًا لا يمكن تجاهله:
_يعني مثلا مرض بطانة الرحم المهاجرة، دا بيقعد مع المريضة لحد ١٠ و ٨ سنين عشان يتشخص.. رغم إن الستات بتوصفه إن وجعه أسوء من الولادة، بس الدكاترة اتعودوا على أنهم مجرد ما يسمعوا أن دورتك متاخرة، او في انقباضات في الرحم أي ألم ناتج عن ده يكون عادي.. واللي أدى إليه ان تكون اغلب التجارب مبنية على جسم الراجل، كانت نتيجة طبيعية إنه يوصل لسوء فهم جسم المرأة، فلحد دلوقتي أدوية كتير بتظهر فيها اعراض جانبية كتيرة للستات قبل الرجالة بسبب إن جسمهم بيستقبلها بطريقة مختلفة.
سكتت ليلى أخيرًا، ونظرت إلى نجلاء، فرأت في عينيها إحباطًا ثقيلًا، كأن الحديث أسقط عنها ستارًا كانت تتكئ عليه.. اعتدلت ليلى في جلستها بسرعة، وكأنها تخشى أن تكون قد كسرت شيئًا بداخلها، وقالت بنبرة أكثر لطفًا واحتواءً:
_تقدري تقولي فهمتي من كلامي دا ايه؟
سكتت نجلاء برهةً بدت أطول مما هي عليه، كأن الكلمات تعثرت في صدرها قبل أن تجد طريقها إلى لسانها، ثم قالت بصوتٍ خافت يحمل يقينًا مكتومًا وتجربةً لم تُعش بعد لكنها مفهومة بالفطرة:
_إن الستات بيتم اهمالهم حتى في الطب.
أومأت ليلى برأسها ببطء، إيماءة عارفة لا تحمل دهشة ولا إنكارًا، بل اعترافًا ثقيلًا خرج من رحم التجربة، ثم قالت وقد استقرت نبرتها بين الصراحة والحرص، وبين القسوة والشفقة، وهي تضع الحقيقة عارية أمام من تحب دون أن يجرحها عمدًا:
_إنتِ كبنت هيتم اهمالك والتقليل من جميع جوانب حياتك، من الناحية الاجتماعية، والطبية، والنفسية، وأنا مبقولش الكلام دا عشان تكرهي الرجالة او عشان اشيل في قلبك حقد او كراهية، أنا بقولك الكلام دا عشان يبقا عندك وعي للحياة والمجال اللي هتخشيه، خلي مساعدتك للبنات أولوية يا نجلاء.. ومتتوقعيش أي تشجيع او مساندة من العالم دا لما تنجحي! نجاحك لنفسك وللضعفاء وللبنات.. استغلي أي فرصة عشان تساعديهم، أما العالم.. فلو انتظرتي منه تقدير وتشجيع.. فإنتِ كدة هتدمري نفسك.. لأنك مستحيل تشوفي دا منهم وإنتِ بنت.
كانت الكلمات تخرج من ليلى مثقلةً بتاريخٍ طويل من الخيبات، لا تحمل غضبًا صاخبًا، بل وعيًا مؤلمًا نُحت على مهل.. فلم تكن تحذر نجلاء بقدر ما كانت تضع بين يديها خريطة نجاة، خريطة كُتبت بالخذلان والخذل، وبمحاولات الصعود رغم الانكسار.
نظرت إلى نجلاء بعينٍ يختلط فيها الأمل بالخوف، كأنها ترى فيها نفسها قبل أن تُصقلها القسوة، وقبل أن تتعلم أن العالم لا يمنح النساء شيئًا، وأن ما يؤخذ منه يؤخذ انتزاعًا، لا انتظارًا.
كانت تلك الليلة، بكلماتها الخارجة من فم ليلى، نقطة التحول الحاسمة في حياة نجلاء، حديثها كان شرارة أعادت تشكيل وعيها، وأعادت رسم بوصلتها الداخلية، وحددت ملامح أهدافها القادمة.. الخريطة التي وضعتها ليلى أمامها لم تبقَ حبرًا في الذاكرة، بل صارت طريقًا اختارت نجلاء أن تسير عليه بوعيٍ كامل، رغم ما يحمله من مشقة وخطر.
ومع مرور الأعوام، أصبحت نجلاء واحدة من أمهر طبيبات النساء، الاسم الذي تلجأ إليه السيدات المنسيات حين تخذلهن الأنظمة، وحين يعجز الآخرون عن الإصغاء. تميزت بتشخيصٍ دقيقٍ أنقذ كثيرات من الألم والضياع، لا لأنها أكثر علمًا فحسب، بل لأنها كانت ترى ما وراء الأعراض، وتفهم ما يخفيه الصمت.
تحولت إلى وجهٍ بارز من أوائل وأشهر من وقفوا علنًا ضد بيع البشر، والدفاع عن الفتيات اللواتي سُلبت حياتهن وبِيعن تحت مسميات قذرة.. أطلقت حملة «اعتني بالجوهرة»، حملة لم تكن شعارًا أجوف، بل فعلًا حقيقيًا خفض نسب بيع الفتيات، وامتد أثرها ليشمل شبابًا مسحوقين، وجدوا فيها وعيًا وحمايةً وأملًا.
شاركت نجلاء في المؤتمرات والحملات، ووقفت في الصفوف الأمامية لدعم الناجين من سجن دارين، والنساء اللواتي خرجن منه محملات بالكسور، فوفّرت لهن برامج طبية ونفسية، لم تكن علاجًا للجسد وحده، بل محاولة جادة لإعادة ترميم الإنسان من الداخل. كان طريقها طويلًا، مليئًا بالاستنزاف، لكنه كان واضح المعنى.. دافعت عن الضعفاء بدينها، بإنسانيتها، وبعلمها، ورفعت صوتها في التلفاز، وعلى المنصات، وفي الميادين، دون أن تساوم أو تتراجع.
وإلى جوارها، وقف زوجها، لا كظلٍ تابع، بل كرفيق طريق، يدعمها ويكمل مسيرته هو الآخر في الدفاع، في معركةٍ لا تنتهي بسهولة.
ومع كل إنجاز، ومع كل معركةٍ خاضتها، كانت نجلاء تعود إلى سؤالٍ واحد يطاردها في صمتها.. يا ترى كيف تنظر ليلى إليها الآن؟ هل أدّت ما عليها كما يجب؟ هل قصّرت في موضعٍ ما؟ هل كانت على قدر الوصية؟
لكن يبدو أن الدليل القاطع على أنها سارت في الطريق الصحيح، وأنها لم تخن المعنى ولا تراجعت، كان ذلك الاستهداف الدائم لها من سردار ونور.. فالأعداء لا يلاحقون إلا من يشكل خطرًا حقيقيًا، ولا يحاولون إسكات إلا من قال الحقيقة كاملة.
ويبقى السؤال معلقًا، لا إجابة له بعد..
هل سيكون مصير نجلاء امتدادًا لمصير ليلى؟
أم أنها، بخطواتها الواعية، ستنجو حيث سقطت من قبلها؟
.
.
.
.
***********
ما إن وقعت عينا نجلاء على ذلك الرجل، صاحب الشعر الطويل والجسد الضخم، الذي سبق أن رأته من قبل من أشهر حين يغيب مصطفى عنها، وهو يخرج من الخزانة وينقضّ عليها، حتى أُظلم العالم من حولها دفعةً واحدة، كستار أسود أُسدل على الوجود كله بلا إنذار.
شعرت كأن دوامة هائلة من الماء ضربتها، اجتذبتها إلى عمق بلا قرار، ثم فتحت عينيها فجأة على ضوءٍ قاسٍ وبياضٍ مطلق يبتلع كل شيء. أغمضت عينيها سريعًا، وقد وخز الضوء حدقتيها بوخزٍ مؤلم، ثم انتظرت دقائق ثقيلة حتى اعتاد بصرها على تلك القسوة الضوئية.
وحين فتحتهما من جديد، رأت المشهد أوضح.. لم يكن الضوء هو المشكلة، بل البياض نفسه.. الجدران، الأرض، الفراغ... كل شيء أبيض إلى حدّ الفقد، غرفة خالية من الأثاث، خالية من الحياة، بلا روح ولا ملامح، كأنها مساحة من العدم صيغت على هيئة مكان.
كانت نجلاء ممددة على الأرض، جسدها مثقل، وأنفاسها متقطعة، وألم قاتل ينفجر من أسفل ظهرها ويمتد كالنار إلى منطقة الحوض.. حاولت النهوض، فاستندت على ذراعيها بصعوبة، وما إن وقفت حتى اندفع ماء حملها بين ساقيها، وتضاعف الألم حتى كاد يمزقها شطرين.
كان ألم المخاض...
ألمًا مهلكًا، قاتلًا، مدمّرًا، سلب حتى قدرتها على الصراخ، وشلّ تفكيرها، وبدد احساسها بالزمن... لم تستطع حتى أن تجمع أفكارها، كل ما كانت تشعر به هو هذا التحول الجنوني المفاجئ.. قبل لحظات كانت في غرفة آمنة، وفي غمضة عين أصبحت هنا، في هذا الفراغ الأبيض الغريب، وابنها يطالب بالخروج الآن، دون انتظار، دون رحمة.
بدأت تسير مترنحة، تسند نفسها بيدٍ مرتجفة على الجدار الأملس، وهي تلهث بشدة، أنين منخفض يخرج منها رغمًا عنها، وأسنانها مشدودة بقوة من هول ألمٍ لا تُجدي معه الكلمات. خلعت نقابها وقد غمر العرق وجهها ورقبتها، وضربت الجدار بقبضتها في يأسٍ أعمى، تبحث عن باب، عن شق، عن أي مخرج، عن أي فرصة تنجو بها هي وطفلها.
كانت تريد النجدة، تريد أن تصرخ، تريد أن يسمعها أي أحد... فهي على وشك أن تلد روحًا في تلك اللحظة، روحًا كاملة، وتحتاج إلى يد، إلى صوت، إلى بشر.. لكن لا أحد، كانت وحيدة، وحيدة تمامًا، محبوسة في هذا البياض القاسي، ومعها روح أخرى محبوسة داخلها، تضرب بجدران رحمها مطالبة بالتحرر ايضًا، تريد الخروج مثلها، تريد النجاة مثلها.
بلغ الألم حدًّا لا يُحتمل.. تكسرت مقاومتها قطعةً قطعة، ولم يعد في جسدها ما يحتمل الوقوف أو الانتظار، فجلست نجلاء على الأرض ببطءٍ منهك، وقد خارت قواها تمامًا، وخلعت عباءتها بيدين مرتعشتين.
في تلك اللحظة، اتخذت قرارها الأخير... قررت أن تلد نفسها بنفسها.
************
وفي منزل يوسف...
صعد يوسف من القبو بخطواتٍ هادئة، واتجه نحو الصالة، فإذا بمصطفى يقف هناك مشدود القامة، وجسده كله في حالة استعدادٍ قصوى، وما إن وقعت عينا يوسف عليه حتى بادره مصطفى، فور أن التقت نظراتهما، بنبرةٍ حازمة لا تحتمل التأجيل:
_بروفيسور، أنا لازم أمشي.
تأمله يوسف لحظة، ثم أجابه بصوتٍ هادئ:
_بس أنا قولتلك يا مصطفى إن فيه موضوع عايز اكلمك فيه.
قال مصطفى وهو يحاول أن يبقي صوته تحت السيطرة:
_أظن الموضوع دا ينفع يتأجل، مش كدة؟
_وإنت ليه قلقان أوي كدة؟ ما إحنا اتطمنا عليهم.
تقدّم مصطفى خطوةً نحوه، والمسافة بينهما تقلّصت، وصوته خرج هذه المرة مثقلًا بالريبة:
_ليه علا وسليم مشيوا بسرعة كدة؟ عرفوا إيه؟
أجابه يوسف ببرودٍ محسوب:
_هيكونوا عرفوا إيه يعني؟
وهنا لم يعد مصطفى قادرًا على كبح ما بداخله، فارتفعت نبرة الغضب في صوته، حادة كحد سكين:
_معرفش، عرفني إنت!
ثبت يوسف نظره عليه بنظرة طويلة، ساكنة، كأنها تختبره أو تنتظر انكساره.. وساد الصمت بينهما لثوانٍ ثقيلة، قبل أن يتنهد مصطفى بعمق، ويُجبر صوته على الهدوء، ويقول وهو يعيد ترتيب ملامحه:
_جزاك الله خيرًا، بفضل ربنا ثم بفضلك إحنا بخير دلوقتي.. عشان اسمحلنا نشوف أهلنا بخير ولا لا، السلام عليكم.
استدار مصطفى، وأشار برأسه إلى هاجر لتلحق به، وقد بدا مصممًا على الرحيل دون الالتفات خلفه.. لكن صوت يوسف أوقفه قبل أن يبتعد:
_أنا بس كان عندي فضول أعرف، إزاي نجلاء تقبلت الموضوع؟
توقف مصطفى في مكانه، والتفت وعلى وجهه دهشة خفيفة ممزوجة بالحذر، ثم قال وهو يحدق في يوسف مباشرة:
_موضوع إيه؟
قال يوسف بنبرته التلقائية الباردة، تلك التي تخلو من أي تعاطف أو تردد:
_في كل الأحوال، أرواح القوى لما الجسم الأصلي بيبقا جاهل بيها بتتصرف تصرفات غير منطقية، خصوصًا لما الجسم ميقدرش يتحكم فيها.. فأكيد عذرتك.
تصلب مصطفى في مكانه، وظل يحدق في يوسف بعينين مشدودتين، يحاول أن يلتقط المعنى الهارب بين الكلمات، أن يفهم الغرض الكامن خلف هذا الحديث الموارب، لكن الغموض كان أثقل من أن يُحتمل. وقبل أن ينبس بشيء، دوى صوت السيوم في رأسه، حادًا، آمرًا، كصفارة إنذار:
~مصطفى، سيبك منه وامشي.
تحرك مصطفى خطوة إلى الأمام، اقترب من يوسف أكثر، وصوته خرج مشوبًا بالحذر والارتباك:
_أنا مش فاهم قصدك.
عقد يوسف حاجبه قليلًا، وقال بتعجبٍ بارد، كأن جهل مصطفى هو الأمر الغريب الوحيد في المشهد:
_إنت متعرفش ولا ايه؟
عاد صوت السيوم يلحّ، أشد حدة، وأشد فزعًا، يريد أن يوقف كارثة وشيكة:
~مصطفي متسمعوش! امشي!
ابتلع مصطفى ريقه، وأجاب بصوتٍ حاول أن يبدو ثابتًا:
_معرفش إيه بالظبط؟
هنا قال يوسف، بصراحةٍ جارحة وهدوءٍ مخيف:
_إن أم نجلاء.......
انفجر صوت السيوم داخل رأس مصطفى، صراخًا هستيريًا لا يحتمل التأجيل:
~مصطفى امشي!!!
تشنج جسد مصطفى، وضرب رأسه بيده وهو يصرخ من أعماقه:
_اسكت بقا!!
انتفضت هاجر، وضاقت عيناها دهشة من هذا الانفجار المفاجئ، بينما ظل يوسف ثابتًا في موضعه، لم يتحرك، لم يبدُ عليه أي دهشة، فقط صمت بارد يراقب الانهيار أمامه. ثم قال بهدوءٍ خالٍ من الرحمة:
_واضح إنك متعرفش، عشان كدة هو بيحاول يمنعك من إنك تعرف الحقيقة، مع إن معرفة الحقيقة بتبقا أفضل دايمًا.
رفع مصطفى رأسه ببطء.. عيناه كانتا ثابتتين على نحوٍ مخيف، كأنهما تتهيآن لتلقي صدمة يعرف أنها قادمة ولا يملك مهربًا منها. وقال بصوتٍ منخفض، مشدود:
_وهي إيه الحقيقة اللي معرفهاش يا بروفيسور؟ إيه الحقيقة اللي تخص أم نجلاء؟
ولم يمنحه يوسف أي تمهيد، لم يترك له فرصة للتراجع أو الاستعداد، بل ألقى الحقيقة مباشرة، عارية، قاطعة:
_إن إنت اللي قتلتها.
تجمد مصطفى في موضعه تمامًا، كأن الزمن انكسر عند تلك الجملة.. اتسعت عيناه بشكل طفيف في نظرة صدمةٍ جامدة، مشدوهة، تحمل إنكارًا فطريًا يرفض أن يتسلل المعنى إلى وعيه، فيما واصل يوسف حديثه بنفس النبرة الباردة التي لا تعرف الرحمة ولا التراجع:
_هو مش إنت بالظبط... هو السيوم اللي جوا جسمك، كان ملك متميز بطباع مختلفة عن بقية الملوك، والطباع دي بتساعده على التحكم في الطبيعة، لكن واضح لما بقا في جسم إنسان.. نوعًا ما الطباع دي اترجمت على هيئة غضب أعمى، ولكن دا قبل ما تقدر تتحكم بيه.. دلوقتي بعد ما اتحكمت بيه أعتقد هو هدي، خصوصا إنه في جسم راجل عقلاني زيك... يعني لو بقا في جسم حد زي نوح مثلا كانت القيامة قامت.
كانت هاجر تنظر إلى مصطفى، تراقب جسده الذي لم يتحرك شبرًا واحدًا، وعيناه المصدومتان، المفجوعتان، لم تطرفا طوال حديث يوسف، كأنهما فقدتا القدرة على الرمش.. بدا وكأنه غرق دفعة واحدة في قاعٍ سحيق من الصدمة والذنب والأسى، عالمٍ داخلي انهار عليه بلا إنذار.. فحقيقة كهذه ليست سهلة أبدًا. أن يكون هو قاتل أم حبيبته، بيديه، ولو لم يكن وعيه حاضرًا.. كيف يُحتمل ذلك؟
انسحب مصطفى إلى داخله، وغرق في ذكرياته كغريقٍ يُسحب إلى الأعماق. عاد المشهد يتكون أمام عينيه من جديد؛ اللحظة التي قالت له فيها نيڨين إن نجلاء قد تزوجت مروان... تلك الجملة التي ما إن استقرت في أذنه حتى أظلم العالم من حوله، انطفأ الضوء فجأة، كأن عقله أُغلق قسرًا. وبعد ثوانٍ ضائعة لا يتذكر منها شيئًا.. يجد نفسه بعدها خارج العمارة، تتعالى من حوله أصوات الصراخ والهرج، صراخٍ يخترق الصدر ويبعث القشعريرة.
ويصعد الدرج، خطوة تلو الأخرى، مدفوعًا بقوةٍ لا يعرفها، ليواجه المشهد الذي ظلّ يطارده طوال سنوات.. جثة نيڨين.. وكل شبر منها مقطّع.
أهو من فعلها حقًا؟ هل عاش كل تلك السنين يرى حبيبته تبكي على أمها، يواسيها، يحتضنها، يطمئنها.. بينما القاتل هو؟ القاتل هو الذي كان يمسح دموعها، ويعدها بالحماية والانتقام لها؟
شعور خانق التفّ حول صدره، ذنب أسود ثقيل لا يُحتمل، وصمت داخلي أشد ضجيجًا من أي صراخ خارجي.. تحطم شيء ما في داخله إلى الأبد، شيء لا يمكن إصلاحه، ولا حتى الهروب منه.
أمسك مصطفى برأسه بيده، شعر أن جمجمته تضيق بما فيها، وشعر فجأة أنه فقد القدرة على التنفس؛ كأن الصدمة عصرت رئتيه عصرًا قاسيًا، وسحبت الهواء من صدره دفعة واحدة. تراجع جسده لا إراديًا، واهتز وقوفه، وعيناه زائغتان تبحثان عن شيءٍ يستند إليه، عن حقيقةٍ تنفي هذا الانهيار، عندها اتت اليه هاجر، وقد لاحظت أن حالته تتدهور سريعًا، فقالت بنبرةٍ امتزج فيها الخوف بالغضب ومحاولة التماسك:
_مصطفى... مش عشان الراجل دا انقذنا مرتين تلاتة نصدقه... اجمد كدة!
رد يوسف ببرودٍ جاف:
_يقدر يتأكد من أقرب مراية.
التفتت هاجر نحو يوسف بنظرةٍ مستشيطة بقا غضبٍ صريح من قسوته، من إصراره الغريب على تعميق صدمة مصطفى وتمزيق جرحه المفتوح. لكن كلمة يوسف كانت كشرارةٍ سقطت في جسد مصطفى المتهالك؛ أشعلته دفعة واحدة.. فجأة اندفع من مكانه وسار مسرعًا، فنادته هاجر محاولة إيقافه، لكنه لم يتوقف، لم يسمع، أو لم يعد قادرًا على السماع.
اندفع مصطفى بخطواتٍ قوية سريعة، تضرب الأرض بعنفٍ يشي بما يعتمل داخله، حتى دخل أقرب غرفة، وأغلق بابها خلفه بقسوةٍ اهتزّ لها المكان، استدار بعينين مستشيطتين، وبصدرٍ يعلو ويهبط بجنون، وحدّق في أقرب مرآة... عندها صاح بزمجرةٍ وحشية، خرجت من أعماقه، رجرجت أركان المنزل:
_السيووم!!!
***********
قبل ذلك بدقائق...
وفي حديقة منزل يوسف، ما إن استدار عصام حتى فوجئ بسعدية تقف أمامه فجأة؛ فتجمد جسده في مكانه، وتخشّب عقله، وانقبض قلبه. كانت هي ثابتة في موضعها، تبتسم بهدوءٍ وهي تقترب منه خطوةً خطوة، بينما تحولت ملامح الدهشة على وجهه سريعًا إلى حزنٍ عميق وقهرٍ مكبوت، وقال بصوتٍ متهدّج يحمل رجاءً يائسًا:
_ياريت لو اللي أنا فيه دا حقيقي...
توقفت سعدية لحظة، وقد بدا الارتباك على ملامحها؛ إذ لم تفهم قصده، بينما كان عصام يظن أنه ما يزال أسير هلاوسه، وأن عقله يخدعه مجددًا.
اقتربت منه أكثر، ومدت يدها تمسك بيده برفق، وجعلته يلمس وجهها.. عندها فقط، انقلبت نظرة عصام إلى صدمةٍ عاتية، كبرقٍ ضرب وعيه فجأة، وراح يتحسس ملامحها بأنامل مرتعشة، وعيناه تتسعان في ذهولٍ لا يصدق، وهو يقول بصوتٍ مخنوق:
_هو إنتِ حقيقية؟! إنتِ بجد سعدية؟! إنتِ بجد؟!
ابتسمت سعدية وأومأت برأسها بهدوء، فتسارعت أنفاس عصام على نحوٍ مخيف، وتراجع إلى الخلف بسرعة، يحدق فيها من رأسها حتى قدميها، يلتهم كل تفصيلة بعينيه كمن يحاول إقناع عقله بما يراه.
انفجرت الدموع من عينيه بلا سيطرة، وتشددت ضربات قلبه حتى خُيّل إليه أن صدره يتمزق، وقلبه دخل في نوبةٍ هستيرية. يتنفس بعنف، والدموع تنهمر وتحرق وجنتيه، بينما وقفت سعدية أمامه قلقة، تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالخوف عليه.
صرخ فجأة، بصوتٍ متكسر يختلط فيه الذعر بالألم:
_بتبصيلي كدة ليه؟! متبصليش كدة!!
ازداد اندهاش سعدية من رد فعله، وبدأ يتضح لها أن صدمة عصام لم تكن في وجودها وحده، بل في مواجهتها وحضورها بذاتها.. ابتعد عنها خطوةً أخرى، ومشاعر الخذلان والعار تنهش صدره بلا رحمة، تحرقه كما تحرقه دموعه الساقطة على جلده. أهي هنا لتعاتبه؟ أهي هنا لتعاقبه؟ لم يكن يعرف.. لم يكن يعرف كيف يواجهها أصلًا، كان الإحراج يطبق عليه، ويعريه من أي شجاعة، ويتركه ضعيفًا، منكسرًا، عاجزًا عن النظر في عينيها.
لم يفهم لماذا تنظر إليه بكل تلك الحنية، ولم يفهم لماذا تحاول أن تطمئنه بعينيها قبل كلماتها.. كل ما كان يعلمه، في تلك اللحظة الثقيلة، أنه لا يستحق هذا الدفء.. لا يستحقه أبدًا.
_مصطفى حكالي عنك كل حاجة، كنت بحلم بيكي كتير بس... عمري ما كنت مستعد إني أشوفك كدة...
ظلت سعدية تنظر إليه في صمتٍ عميق، صمتٍ لا يخلو من امتلاءٍ مؤلم.. لم تُجب، بل أخرجت هاتفها بهدوء، وراحت تكتب، ثم اقتربت منه خطوة، ورفعت الهاتف أمام عينيه لتُريه ما كتبته:
<أنا بس كنت عايزة أشوفك.>
انحنى عصام برأسه قليلًا وهو يقرأ الجملة، وظل صامتًا لثوانٍ، ثم خرج صوته واهنًا، محملًا بالذنب والإنكار الذاتي:
_وإنتِ ليه عايزة تشوفي حد زيي؟ أنا معملتلكيش حاجة تنفعك واذيت امك.. إنتِ عايزة تشوفيني ليه؟
عادت للكتابة مجددًا، وأصابعها تتحرك بثباتٍ هادئ يناقض العاصفة التي تضرب قلبه. رفعت الهاتف مرة أخرى، لتظهر الجملة أمام عينيه:
<عارفة، بس أكيد بعد كل اللي مريت بيه هتنفعنا وهتبقا أب كويس ليا صح؟>
تجمد عصام وهو يحدق في الكلمات، ونظرته مشوشة خلف ستارٍ كثيف من الدموع التي ملأت عينيه حتى غيمت الرؤية. أعاد قراءة الجملة أكثر من مرة، كأنه لا يصدق أن أحدًا يكتب عنه بهذا اليقين، بهذا الرجاء.. ثم رفع بصره ببطء إلى عيني سعدية.
وفي تلك النظرة، رأى ما لم يره في نفسه يومًا؛ أملًا صافياً لا يطالب ولا يُدين، طموحًا هادئًا ينبع من فتاةٍ مرّت بمصاعب قاسية كان من شأنها أن تحطمها، لكنها بدلًا من ذلك صقلتها، ومنحتها إصرارًا على الحياة لا يعرف الانكسار.. كانت تنظر إليه كفرصة، لا كخطيئة، كإمكانية للنجاة، لا كذكرى للذنب.
تلك النظرة وحدها رجّت روح عصام رجًّا عنيفًا، زلزلت داخله كل ما بناه من احتقارٍ لذاته، وكل ما أقنع به نفسه أنه لا يستحق الخلاص، لم ينظر إليه أحد من قبل بهذه الطريقة.. لم يره أحد يومًا كما رأته هي الآن.
فجأة جثا عصام على ركبته، وانحنى ليقبّل قدمها في اندفاعٍ يائسٍ مشبعٍ بالذنب والتكفير، فابتعدت سعدية فورًا بخطوةٍ سريعة تمنعه من ذلك، ثم هبطت على ركبتيها هي الأخرى أمامه، في حركةٍ عفوية تحمل رفضًا لتصرفه. رفع عصام رأسه إليها وهو يمسك بيدها بقوة، وصوته يخرج متكسرًا، مخنوقًا بالبكاء، لكنه صادق حدّ الوجع:
_أنا مستعد أعمل أي حاجة عشانك! عشانك انتِ! هبقا أحسن راجل في الدنيا دي وهخليكي فخورة بيا دايما، هعمل كل حاجة نفسك فيها وهحققلك كل اللي بتتمنيه، وهحميكي وهحطك جوا قلبي وضلوعي يا روح عيني، ومستحيل اخذل ثقتك فيا، مستحيل!
كانت كلماته تتدفق بلا توقف بوعود ولدت من رحم الندم.. دمعت عينا سعدية وهي ترى انكساره العاري، وبكاءه الصادق الذي لا يشبه، فاقتربت منه دون تردد، وضمت رأسه إلى صدرها، واحتضنته بقوةٍ ثابتة، بينما كانت يداه المرتجفتان تطوقانها كطفلٍ يخشى أن يُنتزع من الأمان الذي وجده أخيرًا.
كان المشهد حميميًا، مكثفًا، مشحونًا بغفران صامت، ووعد غير منطوق، والتقاء روحين في لحظة صدقٍ نادرة... ومن كان يشهد هذا كله في الخفاء.. كان أحمد، الذي جلب سعدية إلى هنا تنفيذًا لطلب يوسف.
وقف أحمد بعيدًا، مختبئًا خلف شجرة من أشجار الحديقة، جسده ثابت لكن داخله يعجّ بالاضطرابات. كان يراقب المشهد كاملًا، ويراقب معه صوت أبيه المكسور وهو يرتجّ بالبكاء، يتردد في الفضاء كصدىٍ ثقيلٍ لا يريد أن يخبو.. وكانت ملامح أحمد ثابتة على جفافٍ قاسٍ، نظرة حانقة متصلبة، رغم الدموع التي وقفت عند مقلتيه ورفضت السقوط.
لم يكن في نظرته شفقة، ولا راحة، بل خليط خانق من الغضب والخذلان والمرارة... وبعد لحظةٍ طويلةٍ من التحديق الصامت، التفت ببطء، ثم سار مبتعدًا بخطواتٍ ثابتة تخونها رعشة خفيفة.
أخرج سيجارة من جيبه، أشعلها بيدٍ بدت أكثر توترًا مما أراد لها، وسحب نفسًا عميقًا، ثم تمتم بكلمةٍ واحدة، هامسة، لكنها خرجت من أعماقه، صغيرة في لفظها، هائلة في قسوتها:
_غبية.
***********
يتذكرها... يتذكرها يوم جاءت إلى دارين...
كانت طفلة كلامها واهنًا متكسرًا تحت وطأة الصدمة، لا تدري لِمَ هي هنا، ولا لماذا يُفعل بها كل هذا.. كانت عيناها تائهتين، مذعورتين من العالم بأسره، ولم تطمئن إلى أحدٍ قط سواه.
عاش سنواتٍ طويلة وهو يستمع إلى صراخها الذي يمزق الليل، ويرى جسدها المُنهك يُنتهك من التجارب القاسية، ومع ذلك، كلّما كانت معه، كانت تبتسم؛ ابتسامة صغيرة، عنيدة، كفعل مقاومة أخير في وجه كل ما يحاول قتلها.
ويتذكر صوتها الضعيف وهي تنطق كلمة "بحبك"، تلك الكلمة التي خرجت مرتعشة لكنها صادقة حدّ الوجع... يتذكر صراخها وهي تستغيث، تنادي أمها، وتنادي نوح.. يتذكر، ولا يستطيع أن ينسى، تلك اللحظة الملعونة التي أخرجوه فيها، وأجبروه على حمل جثتها وبطنها ممزقة، وجسدها ساكن على نحوٍ يناقض كل صراخها القديم.
مستحيل أن ينسى... هذا الألم لا يُمحى، ولا يهدأ، ولا يشيخ، ولم يتوقع إبراهيم يومًا، ولا في أكثر أحلامه جنونًا، أن يراها مجددًا... واقفة على قدميها، حية، تنظر إليه بعينين لم يطفئهما الموت.
ها هو إبراهيم يقف أمام سيارته، ساكنًا كتمثالٍ نُحت من الصدمة، وأمامه نور... شابة يافعة، كاملة الملامح، كالتي بُعثت من موتها بعثًا جديدًا. لم تطرف عيناه من شدة الصدمة، وكانت نظراته لامعة، لا ببريق الفرح، بل بوميض الانكسار والذهول والاسى. ظل جسده متيبسًا، وعقله يرفض التصديق، إلى أن اقتربت نور خطوة، ثم أخرى، ونطقت بصوتها الذي لم ينسه يومًا:
_إزيك يا إبراهيم.
استمر إبراهيم في التحديق فيها، والكلمات لا تجد طريقها إلى فمه، ثم خرج صوته أخيرًا متهدّجًا، محمّلًا بثقل المشاعر المتضاربة:
_أنا شيلت جثتك بإيدي...
ارتسمت على وجه نور ملامح الأسى والحزن، حزن هادئ عميق، لا يشبه الدهشة ولا الاعتذار، ثم اقتربت منه واحتضنته بقوّة. تردد جسده للحظة، قبل أن يحيطها بذراعيه على غريزةٍ لا يفهمها، وهو ما يزال عاجزًا عن استيعاب ما يحدث.
وحين احتضنها، انسابت أنامله على غير وعي بين خصلات شعرها، حتى وصلت إلى خلف عنقها، فتوقف جسده فجأة.. وتحسّس شيئًا غريبًا، شكلًا مستقيمًا بالعرض، ملمسه بارد قاسٍ، كملمس البلاستيك الصلب أو الزجاج، شيء لا ينتمي إلى الجسد البشري، شيء يشبه تمامًا القطع الملحقة بالروبوتات.
أغمض إبراهيم عينيه بقوة، كمال لو أن اغلاقها قد يمنع الفهم، أو يؤجله.. لكن الاستيعاب جاء كاملًا، قاسيًا، لا يرحم، فكانت الورطة التي يعيشها الآن أثقل من أن تُحتمل. فتح عينيه ببطء ونظر إلى نور، فسبقته بالكلام، وكأنها قرأت كل ما دار في رأسه، وقالت بصوتٍ حاسم يحمل تبريرًا يائسًا:
_أنا عملت كدة عشان دا كان القرار المناسب، كان لازم أعمل كدة يا إبراهيم!
سكت إبراهيم، وظل يحدق فيها بعينين لا تزالان معلقتين بين الشك والذهول، ملتزمًا صمتًا ثقيلًا فالكلمات عصيّة على الخروج. وبعد جهدٍ بدا واضحًا في انقباض ملامحه، قال بصوتٍ خافت متردد:
_أنا عندي أسئلة كتير...
أجابته بهدوءٍ حاسم، لا يحمل ترددًا ولا اعتذارًا:
_أقدر اجاوبك عليها، بس لما نركب.
اتجهت نور نحو السيارة بخطواتٍ واثقة، فاستوقفها إبراهيم بصوتٍ متحفظ:
_نركب لفين بالظبط؟
توقفت، ثم التفتت إليه، ونظرت إليه بثباتٍ يشي بعزمٍ لا يلين، وقالت بثقةٍ باردة:
_لعمر.
ثم ركبت السيارة دون أن تضيف شيئًا. تبعها إبراهيم بعد لحظة، وجلس خلف المقود وهو يقول، محاولًا الإمساك بخيطٍ مألوف وسط هذا الاضطراب:
_عمر مش في بيته دلوقتي.
قالت بلا اكتراث:
_مش مهم.. هستناه
دخلت السيارة فدخل بعدها وأدار المحرك، وانطلق بها، بينما كانت الحيرة تعتصر عقله وتشلّ قدرته على التفكير السليم. ظل يقود في صمتٍ قصير، ثم انفلت سؤاله أخيرًا، محملًا بالريبة والقلق:
_عرفتي إزاي إن يوسف عامل نموذج لنور كدة...؟ وليه هو عاملها؟
أجابت نور وهي تحدق عبر نافذة السيارة، عيناها ثابتتان على العتمة الممتدّة أمامهما، وصوتها يخرج ببرودٍ قاطع:
_عرفت وقت ما أنا واختك كنا مخطوفين ويوسف اخدني لعنده، أما بالنسبة لليه... فهنعرف قبل ما أدبحه بإيدي.
ساد الصمت من جديد، صمت أثقل من السابق.. وبعد برهة، قال إبراهيم بصوتٍ مشوبٍ بالحذر:
_ودا هدفك بعد ما بقيتي في جسم ناضج كدة زي ما كنتي حابة؟
التفتت نور إليه، ونظرت إليه نظرةً مباشرة لا تعرف الالتفاف:
_هدفي مش يوسف، هدفي هو كلهم.. أنهى عليهم كلهم، واخد حقي.
_قصدك حق نور.
ثبتت نور نظرها فيه، وقالت بلهجةٍ قاطعة لا تحتمل الجدل:
_أنا ونور واحد!
حرك إبراهيم رأسه نافيًا، حركة بطيئة مثقلة بالإنكار والعجز، فبادرت نور بالكلام، كأنها كانت تنتظر هذه الإشارة:
_أنا مش مهتمة بموضوع الملوك والكوكب إللي كنت عايشة فيه زمان، كل دول انتهوا وهيختفوا مع الوقت، أنا مش هفضل اعيط على حاجات راحت. أنا دلوقتي مبقيتش منتمية ليهم... أنا اتولدت من جديد في هيئة بنت اتظلمت واتعذبت، ورجعت لجسم البنت دي تاني عشان انتقم، حتى لو الجسم مش إنساني، بس هو فيه المقومات اللي تخليه إنساني كفاية.
ظل إبراهيم صامتًا، يحدق في الطريق أمامه، صدره مثقل بكلماتها، وصمته مشبعًا بالهمّ، لا يجد ردًّا، ولا يعرف من أين يبدأ الفهم.. فأكملت نور، وقد لان صوتها قليلًا، واختلطت حدّته بصدقٍ موجع:
_أنا عيشت خمس سنين في جسم نور، خمس سنين خلتني أحب كوني نور، خلتني أحب فكرة إني عايشة لمرة واحدة. كل العذاب اللي واجهته خلى فكرة إني أتمسك بهويتي كنور أقوى، وخلاني أقدر أعمل أي حاجة عشان أرجع حياتي في الخمس سنين دول من تاني!
قال إبراهيم بصوتٍ منخفض من ثقل ما يتفوه به:
_يعني إنتِ هتوري نفسك لنوح؟
ارتبكت نور فجأة، فسؤاله أصابها في موضعٍ هشّ لم تكن مستعدّة له.. أشاحت ببصرها إلى النافذة، وتيبّس جسدها قليلًا، ثم ساد صمت تام، صمت كشف أكثر مما أخفى.. عندها قال إبراهيم بهدوءٍ ممتزج باليأس:
_شكلك مشتتة.. ودا حقك. عموما عمر هو أكتر حد يقدر يرتب أفكارك، فاختيار كويس إنك تروحيله أول واحد.
تغيرت نبرة نور فجأة؛ بعد أن كانت حادة جادة، تسلل إليها شيء من العاطفة، شيء دافئ ومكشوف:
_لا، أنا مش عايزة أروحله عشان أرتب أفكاري... هو بس وحشني.
نظر إليها إبراهيم باستغرابٍ صريح، فالتفتت نحوه وقالت بسرعة، كأنها تدافع عن نفسها قبل أن يُتَّهِمها:
_إيه؟ مكانش ينفع أشوفه كتير وأنا في جسم مريم. انا دلوقتي اتحررت، أقدر أشوفه وأحبه براحتي!
عاد إبراهيم بنظره إلى الطريق، وهو يقول:
_المشكلة مش هنا.
أومأت نور برأسها، وهي تفهم مقصده، ثم أجابت بثقة:
_فهماك، بس صدقني، عمر مر بحاجات أغرب من فكرة إن روبوت تحبه.. متقلقش.
استمر إبراهيم في الصمت، وقد اشتدّ تلاطم أفكاره حتى غدا السكوت أهون عليه من محاولة لملمة هذا الخراب الداخلي، كان يشعر أن الجالس بجواره ليس إنسانًا، بل قوة مدمّرة؛ كسلاحًا نوويًا وُضع بمحاذاته، يكفي أن يُمسّ أو يُستفز حتى ينفجر العالم ويمحى بما فيه.
راحت الأسئلة تنهش عقله بلا رحمة.. كيف ستنقلب الأحوال حين تُظهر نفسها للعامة؟ وحين تقف أمام نوح تحديدًا، ماذا ستفعل؟ أي وجه ستختاره؟ وكيف ستشارك في إسقاط أدهم وسردار ونور؟ ثم ماذا عن عمر؟ كيف سيتعامل معها؟ وهل ستُحمّله عبء إخبار نوح، أم ستتركه وحيدًا أمام هذه الحقيقة المفزعة؟
بدأ يحك فروة رأسه كمن يحاول أن يوقظ نفسه من كابوسٍ يقظ.. ثم، بعد مقاومة قصيرة، قرر الاستسلام؛ أن يترك الأيام تقول كلمتها، وأن يكفّ عن مطاردة احتمالات لا تنتهي.. زفر ببطء، وقال أخيرًا بصوتٍ خرج منه مُنهكًا:
_إنتِ عارف عنوان عمر؟
أجابته دون تردد:
_أيوة، ومتسألنيش عرفته إزاي.
قال بهدوءٍ بارد، محاولًا التكيّف مع العبث الذي أصبح واقعًا لا مفر منه:
_مش هسألك.
***********
ما إن نادى مصطفى على السيوم وحدق في وجهه المنعكس في المرآة، حتى انسحب الوجود من حوله لينتقل إلى نقطة اللقاء.
وفي لحظةٍ واحدة، وجد نفسه مجددًا في ذلك العالم الداكن ذاته، التفت بسرعة وبحث بعينيه حتى وقعتا على السيوم... واقفًا في سكونٍ مريب، ملامحه متماسكة، وجسده ثابت، كأنه أعدّ نفسه مسبقًا لأي حوارٍ قد ينشب بينهما.
لكن نظرات مصطفى المستشيطة كانت تنطق بما هو أبعد من الحوار؛ كانت نذر انفجارٍ وشيك، وسخطٍ لم يعد يحتمل التأجيل.. اقترب منه بخطواتٍ محسوبة، وصوته يخرج هادئًا في ظاهره، لكن تتخلله زمجرة مكبوحة، كثيفة، تُطحن بين أسنانه:
_كلام يوسف صحيح يا السيوم؟ كلامه صحيح؟!
ظل السيوم ينظر إلى مصطفى بعينين هادئتين، تسكنهما غلالة خفية من حزنٍ ثقيل وندمٍ صامت، ثم قال:
~أيوة يا مصطفى... كلامه صحيح.
تسارعت أنفاس مصطفى على نحوٍ غير منتظم، وتراجع خطوة ثم أخرى، ورفع يده ليطبق بها على رأسه، كمن يحاول حبس الصدمة داخل جمجمته قبل أن تمزقه.. راح يردد، بصوتٍ مرتجف، مأخوذ بهول الفاجعة:
_إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون.
~مصطفى.
انفجر مصطفى صراخًا، وقد اجتاحه احتدام أعمى وحنقٌ عارم، كأن كل ما كُبت داخله لسنوات قرر أن يخرج دفعة واحدة:
_اخرس!! عايز تقول إيه؟! هتدافع عن نفسك؟! ولا هتدافع عني؟! هتقولي مش إنت يا مصطفى اللي قتلتها؟! هتقولي مكنتش عارف اتحكم في قوتي؟! هتقول إيه يا السيوم هتقول إيه؟!!، هتقولي إيه الحاجة اللي هقولها لنجلاء عشان تخلي النار اللي في قلبها تهدى؟ نجلاء اللي بقالها عشر سنين بتعيط على امها وكل مرة أخدها في حضني واقولها إن أنا اللي هنتقم اللي قتل أمها بإيدي...، ويطلع أنا؟! أنا اللي قتلتها في الآخر؟! ودي هقولها لنجلاء إزاي؟! هتسامحني إزاي؟! هتقتص مني إزاي؟!
ظل السيوم يراقب انهيار مصطفى مراقبة العارف بثقل ما يسمع، كمن يشهد انهدام جبل دون أن يملك وسيلة لإيقافه، وكل حرفٍ من كلماته يُترك أثرها العنيف على ملامح السيوم؛ قهر كثيف، وأسى ضاغط، لكنه تماسك، واستجمع ثباتًا بدا قاسيًا على قلبه قبل أن يكون قاسيًا على الموقف، وقال:
~مصطفى، يوسف قالك حاجة قديمة زي دي عشان يشوشك.. مش عايزك تروح لبنتك ومراتك، حاول تمسك نفسك كدة ونتطمن عليهم بعدين اعمل فيا اللي إنت عايزه.
رفع مصطفى رأسه ببطء، وأنفاسه تلهث من شدة الغضب، وعيناه تقدحان بشررٍ لا يهدأ.. وفي تلك النظرة المتوحشة، كان ثمة تساؤل صامت، التقطه السيوم على الفور. تردد لبرهة، ثم أجاب بنبرةٍ ارتجفت بحزنٍ خافت، لكنها بقيت متماسكة:
~أيوة... إنت تقدر تقتص مني، تقدر تقتلني.. وقتها مش هتشيل هم تقول لنجلاء حاجة، إنت أكتر واحد عارفها، وأكتر واحدة هتتفهم الموضوع.
ثبت مصطفى نظره عليه طويلًا، وهو يزن كلمات السيوم جيدًا، يحسب العواقب، ويقلب الاحتمالات في رأسه.. شيئًا فشيئًا، بدأ غضبه يهدأ، لا لأنه خمد، بل لأنه انكفأ إلى الداخل. وبعد صمتٍ طال حتى صار أثقل من الصراخ، قال:
_هيحصلي حاجة لو قتلتك؟
سكت السيوم، والتردد يمر في عينيه مرور ظلٍ بارد، ثم قال:
~معرفش، عمرها ما حصلت... دايمًا الجسم هو اللي بيتقتل وروح القوة هي اللي بتعيش.. بس المرة دي، ممكن روح القوة تموت والجسم هو اللي يعيش.
أومأ مصطفى برأسه ببطء، كمن اتخذ قراره بالفعل، وقال بصوتٍ حاسم:
_طيب... لو كدة... فأقتص منك دلوقتي.
ثبت السيوم في مكانه، واستولى عليه الصمت، وانعكست في عينيه دهشة ثقيلة، وحزن عميق، وأسىً لم يعرف له مخرجًا.
فلم يكن ينظر إلى مصطفى بوصفه مجرد شريكٍ في رحلةٍ قاسية، ولا حتى رفيق دربٍ عابر؛ كان يراه روحًا توأمًا، قرينًا لا ينفصل، صديقًا هو امتداد للذات، ونفسًا أخرى تسكنه كما يسكنها... كل ما كان يصيب مصطفى، كان يرتد عليه كأنه يُصيب نفسه، وكل ألمٍ يراه في عينيه، كان يشعر به مضاعفًا في صدره.
رغم هذه اللحظة على قسوتها، لكنها كشفت له حقيقةً لم يكن قد تجرأ على الاعتراف بها من قبل.. وهي أن مصطفى كان أعز عليه من نفسه، وأحب إليه من روحه ذاتها.
وفي تلك اللحظة الفاصلة، قال مصطفى، كأنما قرأ ما يعتمل في صدر السيوم:
_أنا حبيتك يا السيوم، وساعدتني في حاجات كتير أوي، وأنا عارف صدق حبك ليا، إنت جزء مني وانا جزء منك، بس عند روح إنسان بريء... الموضوع يختلف.
سكت السيوم، وشعر بغصةٍ حادة تعتصر حلقه، وبأسىً ثقيل سببه إصرار مصطفى الذي لا يلين.. بدا وكأن الرجاء يتآكل داخله ببطء، قبل أن يقول:
~وإنت مفكرني ماتوبتش عاللي عملته دا؟
أجابه مصطفى بثباتٍ صارم، وإصرارٍ لا يعرف المساومة:
_توبتك بينك وبين ربنا، ماليش دعوة.
تلقى السيوم الكلمات كضربةٍ أخيرة، ثم قال بنبرةٍ حاول أن يجعلها عملية، وإن كانت تنزف في عمقها:
~ماشي يا مصطفى.. بس إنت محتاج قوتي، أجّل الموضوع لحد ما نخلص من مشاكلنا بعدين اقتلني براحتك.
لكن مصطفى لم يتراجع، ولم يتسلل التردد إلى صوته، بل قال بحسمٍ قاطع:
_بعد ما تخلص مشاكلنا إنتوا كدة كدة هتموتوا... وأنا مش هسيبك تموت من نفسك، أنا اللي هقتلك!
تنفّس السيوم بعمقٍ مشوبٍ بضيقٍ خانق، وقد استُنزفت المقاومة من روحه، وبدأ يستسلم لما هو آتٍ. وفي اللحظة ذاتها، اجتاح مصطفى دوار عنيف، كأمواجًا هائجة اصطدمت بوعيه دفعةً واحدة، فاختل توازنه، وأُغلقت عيناه قسرًا، وسقط أرضًا على ركبتيه... لكن ما إن لامست يداه الأرض حتى يكتشف أن الملمس ليس صلبًا كما كان.. بل رملًا ناعمًا ينزلق بين أصابعه.
فتح عينيه، ورفع رأسه ببطء، ليكتشف أن قد تبدل كل شيء.
لم يعد العالم الداكن كما عرفه؛ بل انبسطت أمامه صحراء شاسعة، غارقة في رمالٍ أرجوانية لامعة، تتلألأ كمسحوق من نجوم، تعلوها سماء قرمزية مشتعلة، وفي مواجهة هذا المشهد الغريب، وقف السيوم، يراقبه بنظرةٍ لا تحمل تفسيرًا واحدًا.
قال السيوم هنا:
~المكان دا أسهل مكان نوصله لوعيكم وتحسوا بيه، أكيد نوح شافه كتير..، تقدر تقتلني من هنا.
المعروف أن الهيئة الكاملة لإلسيوم هو أنه كائن يتجاوز طوله الثلاثة أمتار وعشرات السنتيمترات، لذلك تسلل التردد إلى مصطفى للحظة، كيف يمكن قتل شيءٍ بهذا الحجم، بهذه الطبيعة؟ أخذ يلتفت حوله بعينين متحفزتين، يبحث عن أي وسيلة، أي أداة، أي احتمال.
وهنا جاء صوت السيوم، هادئًا على نحوٍ يثير القلق:
~تعرف إيه أصعب مكان منقدرش نوصله لوعيكم؟
رفع مصطفى بصره إليه، فتابع السيوم دون انتظار:
~البحر.
نهض مصطفى من جلسته ببطء، فيما استرسل السيوم، وكأن الكلمات باتت ضرورة أخيرة:
~استعجبت جدًا من مايا لما وصل لمعلومة الأخوات السبعة في الحضارة الاغريقية، لانهم بيشبهونا بشكل كبير اوي، مش بس في فكرة العنقود والنجوم، بس في فكرة انهم كانوا مرتبطين بالطبيعة والبحر بالذات. لو تلاحظ فمعظمنا قوانا متعلقة بالطبيعة، زي قوتي، وقوة الجاذبية، وقوة الذرات، وقوة الكائنات الحية، وقوة الموت اللي تقدر تعمل كل دا.
ساد الصمت بعد ذلك، وكان المكان يشهد اعترافًا أخيرًا قبل فعلٍ لا رجعة فيه. سكت مصطفى برهةً، وقد التقط من نظرات السيوم ما يفصح عن رغبةٍ خفية في دردشةٍ أخيرة، كأنه يتشبث بما تبقى من إنسانية اللحظة قبل الانفصال الحاسم.. لذلك سمح له مصطفى، ثم قال بصوتٍ ثقيلٍ مهموم:
_سمعت نظريات كتير بتقول إن عمق بحرنا هي عبارة عن بوابة لعالم تاني.
ابتسم السيوم ابتسامةً وادعة، وقال:
~دي حاجة مش مستبعده مش كدة؟ إحتمال ايديكا وصل للكوكب دا من كدة، بعد ما شاف انعكاسه... لقي نفسه بيعوم ولما طلع للسطح.. شاف نفسه في كوكب تاني.
أطرق مصطفى قليلًا، ثم قال:
_عشان كدة بنحس بشعور الموج لما بنفقد وعينا، لما تتحكموا إنتوا في جسمنا.
وفي تلك اللحظة، لمح مصطفى وميضًا حادًا يلمع إلى جواره، شيئًا لم يلحظه من قبل، فاقترب منه بحذر، لينكشف له رمح ضخم، غليظ البنية، غريب الهيئة، شديد الحِدّة، يوحي بأنه لم يُخلق ليكون أداةً عادية، بل حكمًا نهائيًا. أمسكه مصطفى، فشعر بثقله يمتد إلى روحه قبل ذراعيه، بينما قال السيوم بنبرةٍ داعبة تخفي خلفها مرارةً واضحة:
~قولتلك كام معلومة حلوين أهو تقولهم لاخواتك.
رفع مصطفى بصره إلى السيوم، وفي عينيه نظرة تحسرٍ وحزنٍ صامت، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة طفيفة، موجوعة، قبل أن يعيد نظره إلى الرمح. عندها قال السيوم:
~صحيح مسألتوناش قبل كدة الملوك فعلا اخوات ولا إيه صلة قرابتهم.
توقف مصطفى، ثم نظر إليه وقال:
_صحيح... ايه صلة قرابتكم؟
ابتسم السيوم ابتسامةً تحمل شيئًا من السخرية الهادئة، وقال:
~مايا خلفنا إحنا الستة.
عقد مصطفي حاحبيه بتعجب، لكن السيوم بادره قبل أن يتشكل السؤال كاملًا:
_متقولش دا لنوح بقا لاحسن مايا يزعل، لإن الفكرة دي في كوكبكم غير كوكبنا خالص.
ضحك السيوم ضحكةً قصيرةً مشوبةً بالألم، ولم يستطع مصطفى كبح ابتسامته، لكن تلك الابتسامة الحزينة جاءت مثقلةً بدموع القهر والأسى، فانحدرت سريعًا من عينيه دون مقاومة. عندها قال السيوم، وابتسامته المنكسرة ترتجف على شفتيه:
~هتوحشني يا مصطفى.
ابتلع مصطفى ريقه بصعوبة، وأغمض عينيه لحظةً تحت وطأة الوجع، ليجمع شتات نفسه قبل الانهيار، ثم فتحهما ونظر إلى السيوم، واستجمع شجاعته، واستقام ظهره وقال بصوتٍ ثابتٍ رغم ارتعاش روحه:
_وإنت كمان يا السيوم.
رفع مصطفى الرمح ببطء، وخطا خطوات إلى الخلف، بينما بسط السيوم ذراعيه على اتساعهما، مستسلمًا، متقبلًا قصاصه بصدقٍ كامل، دون مقاومة أو تردد.
وفي اللحظة الفاصلة، اندفع إلى ذهن مصطفى مشهد نجلاء وهي تبكي على أمها، بكاءً محملًا بالحسرة والانكسار.. رأى عينيها الغارقتين في الدموع، وسمع صوتها الباكي يتردد في أذنيه كصدىٍ لا ينقطع، وتذوق مرارة قهرتها العالقة في حلقه منذ سنوات... كل وجعٍ عاشته، وكل ليلةٍ احتضنها فيها وهي ترتجف، وكل وعدٍ قطعه عليهل، تراكم في صدره نارًا صامتة تحولت إلى عزيمةٍ قاطعة لا تعرف التراجع.
شد مصطفى قبضته، وألقى الرمح بكل ما يملك من قوةٍ وغضبٍ وأسى، فانطلق مخترقًا الهواء ليستقر في صدر السيوم، ويغوص في قلبه اختراقًا تامًا، حاسمًا، لا يحتمل التأويل.
وفي تلك الثانية، انفجر وميض أبيض قاسٍ ضرب عيني مصطفى بعنف، أعقبه صوت صفيرٍ حادٍ عالي تردد في أذنيه بشكلٍ مؤذٍ، ثم.. أطبق الظلام، وابتلع العالم كله.
***********
بين الأضواء البيضاء المتداخلة، لمح نوح وجهًا يعرفه معرفة الروح للروح... كان وجهًا اعتاد أن يراه شاحبًا، مطفأً، غارقًا في العتمة، لكن هذه المرة رآه ناصعًا، مضيئًا، تزينه ابتسامة هادئة كالوعد..
كان وجه نور.
لم يكن وعيه مكتملًا؛ جسده عالق بين الغياب والعودة، ورؤيته مشوشة كحلمٍ يتفكك، ومع ذلك.. عرفها دون تردد، شعر بلمسةٍ خفيفة تتحسس شعره بحنان، وابتسامة دافئة تلوح له، فاهتز صوته بصعوبة وهو يقول:
_ن..نور..؟
لم تُجبه، ولم تقل شيئًا، فقط اكتفت بابتسامةٍ أخيرة، ثم بدأت تبتعد ببطء، تتلاشى في الفراغ الأبيض كما لو أنها لم تكن سوى ضوءٍ عابر. ارتبك قلبه، وراح صوته يتكسر وهو يناديها بإلحاحٍ يائس:
_نور... نور... استني... نور.
وفجأة، انشق البياض وانفتحت عينا نوح بعنف، وانطلق نَفَسه لاهثًا كمن نجا للتو من الغرق، وهنا حين سمع فياض يقول:
_نوح.. إنت كويس يابني؟
نظر نوح حوله باضطرابٍ وحيرةٍ عميقة، وبدا انه أفاق في المكان ذاته الذي لمح فيه نور قبل لحظات، فاختلط عليه الحلم بالواقع. جاءه صوت فياض ثابتًا يحاول أن يطمئنه:
_إحنا في بيت يوسف..
تقلّص صدر نوح وهو يسأل بلهفةٍ مكبوتة:
_هما فين؟
_موجودين يابني وكويسين.
جلس نوح بصعوبة، وقال بصوتٍ منهكٍ مثقل بالقلق:
_اتطمنتوا على غادة والباقي؟
_اتطمنا يابني من ساعة كدة.
نهض نوح رغم الإعياء الذي ينهش أطرافه، وقال بعزمٍ لا يقبل التراخي:
_طب يلا عشان نروحلهم.
نظر إليه فياض بترددٍ حريص:
_مش محتاج ترتاح شوية؟
_معندناش الرفاهية لكدة
وفي الصالة، وبعد لحظات من صعود مصطفى، كانت هاجر ترمق يوسف بنظرةٍ باردة ساخطة، مشبعة بالشك والريبة، ثم قالت بلهجةٍ قاطعة:
_شكل كل الكلام اللي أدهم كان بيقوله عليك هيطلع صح...
رفع يوسف نظره إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة طبيعية لا تخلو من غموض:
_وكان بيقول عليا إيه بقا؟
ردت عليه بنبرةٍ حادة:
_وإنت مهتم ليه؟ عايز تدافع عن نفسك؟
قال يوسف بنبرةٍ متهكمة خفيفة:
_لا بس عايز اتأكد لو هو معجب بيا ولا لا
ظلت هاجر تحدق فيه ببرودٍ وعدم ارتياح، وكأنها تحاول أن تنفذ إلى ما وراء ملامحه، وفي تلك اللحظة لمحت فياض ونوح وهما يخرجان من القبو ويدخلان إليهم، فسارعت نحو نوح، والقلق يسبق خطواتها:
_نوح إنت كويس؟
مد نوح يده، وأمسك برأسها بحنانٍ صادق، ثم قبّل رأسها وقال بصوتٍ مطمئن رغم ما يعتريه:
_أنا زي الفل يا حبيبتي، فين الباقي؟
_سليم وعلا مشيوا، وعصام قاعد في الجنينة ومصطفى...
تصلّب وجه نوح فجأة، وسأل بقلقٍ واضح:
_ماله مصطفى؟
في تلك اللحظة شقّ المكان صوت مصطفى، بصرخة مزمجرة خرجت كأنها اقتُلعت من أعماقه:
_السيووم!!!
انتفض الجميع دفعةً واحدة، وارتفعت رؤوسهم نحو الطابق العلوي بوجوهٍ شحب لونها، وقال نوح باضطرابٍ واضح:
_هو في إيه؟
التفتت هاجر إلى يوسف، ونظرة سخطٍ معاتبة مشتعلة في عينيها، وهي تحمله مسؤولية ما قد يحدث، وقالت بحدةٍ مهدِّدة:
_لو مصطفى حصله حاجة أنا هسلخك!!
وانطلقت راكضةً نحو الطابق العلوي، فلحق بها نوح مسرعًا، وكاد فياض أن يتبعهم، لولا أن يوسف أمسك بذراعه فجأة بحركة خاطفة وغريبة، وقال بنبرةٍ هادئة على نحوٍ غير متناسب مع التوتر المحيط:
_خليك يا فياض..أنا محتاجك.
استدار فياض نحوه بقلقٍ وانزعاج:
_مش وقته يا يوسف.
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة، وأجاب بهدوءٍ واثق:
_وهو هيبقا وقته امتى؟ أنا مبشوفكوش كل يوم يعني، متقلقش مصطفى بخير... تعالى إنت بس.
بقي فياض واقفًا بين الرغبة في اللحاق بالآخرين، والإحساس الثقيل بأن يوسف لا يستوقفه عبثًا، وأن ما سيقال الآن... قد يكون أخطر من الصرخة ذاتها.
***********
قرابة السادسة صباحًا، كان سليم قد أوصل علا إلى نقطةٍ متفقٍ عليها، حيث يتكفل جمال بإيصالها إلى منزلها، بينما يتجه هو إلى منزل سهام ليطمئن على ديميت.
وخلال الطريق، وبينما كان جمال يقود السيارة بهدوءٍ حذر، دار بينهما حديث متقطع، بينما كانت علا قابضةً على قلبها، مثقلةً بما واجهته في ذلك المنزل، وبالكلمات التي قالها لها يوسف، كلمات لم تستطع ولا أرادت أن تُخرجها إلى النور بعد.
وأثناء الحديث، سألها جمال عن ذلك الشيء الذي لمحته يسقط من بين طيّات سترة يوسف:
_وإيه اللي شوفتيه؟
ساد صمت طويل، كان فيه علا تحدق في الطريق أمامها، تراقب الخط الإسفلتي وهو يبتلع المسافة، ثم قالت أخيرًا بصوتٍ خافتٍ مثقل:
_لو مكانش إبراهيم وصفه، مكنتش هعرف هو إيه دا ولمين...، بس أنا فاكرة وصف إبراهيم كويس، لما شاف سردار لابسه، كان نص ماسك اسود بيخبي الجزد اللي فوق من الوش.
ساد الصمت مجددًا، وهذه المرة كان أثقل.. حاول جمال أن يجمع خيوط المعنى، أن يستخرج تفسيرًا من هذه الاشارة المبهمة، ثم قال:
_دا معناه إن يوسف وسردار متعاونين؟
حركت علا رأسها في صمت، ثم قالت:
_كل حاجة واردة.
مضت دقائق أخرى في صمتٍ متوتر، حتى وصل جمال إلى منزل علا. أبطأ السيارة، وأخذ يتفحص المكان بعينيه من بعيد، يراقب الشارع، الزوايا، أي حركة قد تحمل شبهة أو خطرًا، ثم قال بصوتٍ منخفض:
_مفيش مخبرين أو أي حد..
_واضح إن الجيش مخدش مسؤولية القبض علينا من الرئيس بس بل من الشرطة كمان.
توقف جمال أمام المنزل، وانطفأت همهمة المحرك، لكن علا لم تتحرك، ظلت جالسة في مقعدها، يداها متشابكتان في حجرها، وبدت عتبة النزول أثقل من أن تُجتاز بسهولة.
التفتت إليه هنا ونظرت إليه نظرةً طويلة، وفي عينيها رجاء صادق يشفّ عن ضعفٍ لم تعتده في نفسها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_تعالى معايا.
نظر إليها جمال باستفهامٍ صامت، فتابعت وهي تحاول أن تثبّت نبرتها:
_مش متطمنة وأنا لوحدي، خليك معايا لحد ما حد من اخواتي ييجي.
بقي جمال برهةً يفكر، وعيناه معلقتان بعينيها، يقرأ فيهما ما لم يُقل؛ رأى القلق المتراكم، والإجهاد الذي لم يمحُه الفجر، ورأى خلف الرجاء حاجةً حقيقية للأمان.. لانَت نظراته قليلًا، لكن ملامحه ظلت جادة حين قال:
_تمام.
ارتسمت على وجه علا ابتسامة ارتياحٍ خفيفة، كأن عبئًا انزاح عن صدرها، ثم ترجلا معًا. وما إن دخلا الساحة حتى استقبلتهما عشرات القطط التي تعتني بها علا؛ اندفعت نحوها بمواءاتٍ متداخلة، تلتف حول قدميها في ألفةٍ اعتادتها.
توقف جمال لحظةً يراقب المشهد، ثم انحنى ليربت على إحداها، وقرر أن يطعمهم، بينما اتجهت علا نحو الداخل.. صعدت الدرج ببطءٍ، وكل خطوةٍ كانت تحمل ثقل الليلة الماضية، حتى بلغت غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
وقفت في صمتٍ قصير، تستند إلى الباب، ثم تنفّست بعمق.. كان عقلها يكاد ينفجر من وطأة التفكير، وحرارة قلبها تتصاعد في صدرها كجمرٍ لا يخمد، تتقاطع فيه الصدمة والارتباك والخذلان. جلست على طرف السرير، تحدق في الفراغ، تحاول أن ترتب الفوضى التي بداخلها، غير أن كل شيءٍ فيها كان ما يزال مضطربًا.
خلعت حجابها ببطءٍ، ثم تنهدت تنهدًا عميقًا، وراحت تتحسس عنقها بأصابع مرتجفة..كانت تأمل أن تزول الغصة التي تخنق أنفاسها مع انزلاق القماش عن رأسها... لكن الخنقة بقيت، عنيدةً، مستقرةً في حنجرتها كشوكةٍ لا تُنتزع.
رفعت بصرها إلى المرآة ببطء، فرأت وجهًا شاحبًا، وعينين مثقلتين بأسئلةٍ لم تجد طريقها بعد. نهضت وتقدمت خطوةً أخرى، حتى صارت أقرب إلى انعكاسها، تحدق فيه كما لو أنها تفتش عن شخصٍ ضاع منها، كانت تحاول أن تتعرف على تلك الفتاة الواقفة أمامها.. أن تعاتبها، أن تستفهم منها، أن تنتزع منها اعترافًا صريحًا بما يعتمل في الداخل.
طال التحديق... حتى بدأ المكان من حولها يبهت ويتحول، تبدلت الجدران، وانسحبت الألوان، وانتقلت إلى نقطة اللقاء؛ ذلك المكان الأرجواني المعتم الذي طالما كانت تراه كساحة للاستجواب، ومحرابًا للصدق القاسي مع النفس، حيث لا مجال للهرب ولا مواربة.
التفتت ببطء، فوجدت تاجيتي جالسةً كما لو أنها كانت تنتظرها منذ زمن، نظرتها ثابتة، متفهمة، لا تحمل حكمًا ولا شفقة، بل معرفةً صامتة بكل ما يدور في صدرها. تقدمت علا بخطواتٍ مترددة، وقلبها يخفق على نحوٍ مسموع، فيما ظلت تاجيتي تحتفظ بتلك النظرة الهادئة.
توقّفت علا أمامها، وابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت بصوتٍ اختلط فيه الرجاء بالخوف:
_هو كلام يوسف صحيح يا تاجيتي؟
ظلت تايجيتي واجمةً برهة، وعيناها غائرتان في عمقٍ لا يُدرك، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ يحمل ثقل ذاكرةٍ موجعة:
_لو قصدك على اللي قتل ابنك.. فهو كلامه صح، أنا معملتش أي حاجة.. ومش أنا اللي عملت الجريمة بجسمك، بس لو قصدك إن أفكارك المستقلة هي اللي قررت في إنك تقتليه من غير تدخل مني.. فمعرفش.
_يعني ايه؟
تنهدت تايجيتي بعمق، تنهدًا مثقلًا بالهمّ، ثم قالت ببطءٍ كمن يفتح بابًا صدئًا على ماضٍ مظلم:
_لغبطة نومنا أنا وإنتِ سببها طريقة التخدير المفاجئة اللي عملها حماكي فيكي عشان يغتصبك، إنتِ نمتي... بس أنا لا. شوفت كل حاجة بس إنتِ مشوفتيش، مكنتش فاهمة وقتها هو بيعمل كدة ليه، بس أنا كان عندي مشاعر بغض شديدة ناحيته من بعدها.. ومن بعد ما خلفتي كان عندي إحساس إن دا إبنه، بس أنا معرفش إذا كان إحساسي أثر علي تفكيرك ولا لا، لو الحقيقة هتبقا قاسية عليكي.. ممكن تخففيها في إنك تصدقي إحتمال أكون أنا الدافع اللي خلاكي تقتليه. بس اقدر اقولك من بعد الموضوع دا مكنتش بسيب فرصة لأي حد يقرب منك.. فلو قتلتي أي حد من بعد ابنك.. أكيد هيكون مني أنا، زي الميلشيات اللي حاولوا يغتصبوكي.
كانت الكلمات تسقط في قلب علا كحجارةٍ باردة.. ظلت تستمع، وعيناها تفيضان بدموعٍ صامتة، تنحدر على وجنتيها بلا شهقات، لكن بقهرٍ شديدٍ يُسمع في ارتجاف أنفاسها... تشعر أنها تقف عاريةً أمام حقيقةٍ لا يمكنها التراجع عنها.
رفعت رأسها قليلًا، وصوتها مبحوح من شدّة الألم:
_أنا مش هصدق احتمالات وافتراضات تاني... كنت دايمًا بحس بشعور الهروب من غير سبب.. وطلع في الآخر الإحساس دا جاي من هروبي من نفسي دايمًا، أنا فعلا قتلت ابني. أنا إزاي هعيش بالذنب دا وازاي هواجه جمال بيه.
قالت تاجيتي بحدةٍ خفيفة:
_على أساس إن جمال ملاك معملش حاجة وحشة في حياته؟
ردت علا بسرعةٍ موجوعة:
_مهما عمل مش هتيجي جنب القتل يا تاجيتي!
ساد صمت قصير، ثقيل، ثم قالت تايجيتي بنبرةٍ أكثر صرامة، وقد تخلّت عن التعاطف لصالح الواقعية:
_إنتِ عندك امور أهم من كل دا دلوقتي، متسيبيش يوسف يشتتك عنها، فكري في المصايب اللي هتحصلكم دلوقتي أو بعدين، ومشغليش بالك من حاجة تانية.
في الوقت نفسه، وبعد أن فرغ جمال من وضع الطعام للقطط في الساحة، دخل إلى المنزل وأغلق الباب خلفه بهدوء.. وضع كيس الطعام جانبًا، ثم وقعت عيناه على إحدى المناضد الجانبية، حيث اصطفت مجموعة من الصور البارزة داخل إطاراتٍ قديمة.
تقدم ووقف أمامها يتأمّلها، وسرعان ما ارتسمت على شفتيه ابتسامة تلقائية حين وقعت عيناه على صورة لعلا وهي طفلة؛ كانت ملامحها صغيرةً بريئة، وعيناها الواسعتان الاسيويتان تلمعان بضحكةٍ صافية، كأن الدنيا يومها لم تكن تعرف سوى الخفة.
في تلك اللحظة، نزلت علا من الطابق العلوي وقد ارتدت جلباب الصلاة المريح، ولمحت جمال واقفًا أمام الصور، يتأملها في صمتٍ حميم، فتقدمت نحوه بخطواتٍ هادئة، ليلتفت إليها، وقال:
_أسف.
هزّت رأسها بخفة، وقد رق وجهها قليلًا:
_متعتذرش، أقدر اجيبلك خمس البومات لو حابب نتفرج عليهم لحد الضهر.
اتسعت ابتسامة جمال، وقال بشيءٍ من الدعابة الصادقة:
_أول مرة أشوف صور حقيقية ببراويز كدة، مكنتش بشوفهم غير في مسلسلات التسعينات.
ضحكت علا، ضحكةً قصيرة دافئة، وقالت:
_ماما كانت اولد سكول شوية، كانت مبتحبش التكنولوجيا المبالغ فيها وبتحب الذكريات تبقا ملموسة..
أومأ جمال برأسه وهو يتأمل الصور من جديد، بينما ظلت علا تحدق فيه دون أن تطرف؛ كانت تنظر إليه كما لو أنها ترى فيه ملاذًا، وحين شعر بنظراتها، التفت إليها، فارتبكت وأشاحت ببصرها سريعًا، وأشارت إلى إحدى الصور قائلةً بصوتٍ خافتٍ مثقل:
_عمري ما فكرت ولو لثانية واحدة إن كل اللي في الصور دي يروح في أقل من سنة.
تعلقت عيناها بصورة هيثم وهو طفلًا، فترقرقت عينيها، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
_جثته لسة في الشقة؟
نظر إليها جمال بنظراتٍ متعاطفة، عميقة، وقال بهدوءٍ يحمل وقار الألم:
_لا.. وصيت الجيران بيه وغسلوه ودفنوه.. لو ظروفنا مختلفة كنت غسلته بنفسي، ربنا يغفرله ويرحمه ويجعل قبره روضة من رياض الجنة.
لم تحتمل عينا علا ثقل الكلمات، فانهمرت دموعها حارقةً، تخرج من عمق القهر لا من سطح الحزن.. فأخرج جمال منديلًا، فظنت غلا كما في كل مرة أنه سيمدّه إليها لتتولى أمر دموعها بنفسها.. لكنه هذه المرّة لم يفعل.
مد يده إليها، وبدأ يمسح دموعها بنفسه برقةٍ شديدة، كأنه يخشى أن يؤلمها بلمسة.. وقال لها بصوتًا هادئًا، ذو البحّة خفيفة التي تضعفها:
_أصبري واحتسبي، هو شهيد بإذن الله، متزعليش، أنا جنبك... كلنا جنبك.
ظلت علا تتأمله بعينيها الداكنتين اللامعتين، بنظرة طويلة ساكنة، وفي عينيها امتزاجٌ غريب بين الحنان والفضول والرهبة.. وحين اندمج جمال، دون أن يشعر، في بحر سوادهما الهادئ، ارتبك وأشاح ببصره كأنه أفلت من شيءٍ كاد يجرفه، ثم وضع المنديل في جيبه بحركةٍ متحفظة.
وقالت علا بصوتٍ خفيض، يحمل فضولًا صادقًا:
_عمرك ما كلمتني عن عيلتك... عندي فضول أعرف عنهم، لإن دايمًا بشوفك لوحدك معندكش حتى قرايب من بعيد، اكنك مقطوع من شجرة.
ساد صمتًا ممتدًا، كان يستجمع فيه شتات ذكرياتٍ لا تُروى بسهولة.. وبقي جمال واقفًا، نظره شارد، وأنفاسه أعمق من المعتاد، ثم بدأ يتكلم ببطءٍ محسوب:
_لا مش مقطوع من شجرة، أبويا وأمي عايشين عادي.. بس كل واحد عايش في دنيته، اتطلقوا سابوني أنا وعبدالله أخويا لما كان عنده اربعتاشر سنة، وقتها أنا كنت تلات سنين، بعد طلاقهم كل واحد فيهم عمل عيلته الخاصة اللي شافها تناسبه.. إنما إحنا.. ولا اكننا موجودين، عبدالله اشتغل تمن شغلانات وهو لسة اربعتاشر سنة عشان يصرف عليا، وأول ما بدأت أعرف أتكلم وأعرف اصلب طولي بدأت أشتغل كمان، أول ما بقيت ست سنين.
توقف لحظة، وبلع ريقه بصعوبة.. ومد يده إلى المنضدة واستند إليها، بدا ثابتًا كما اعتادته، قوي الملامح، مستقيم الظهر، لكن الذكريات كانت تُذبذب ذلك الثبات الخفي في عينيه، وترسم ظل ارتعاشةٍ لا تكاد تُرى.
كانت علا تنظر إليه باهتمامٍ عميق، لا تقاطعه، لا تواسيه بكلمة، فقط تُصغي إصغاءً كاملًا. فتابع بصوتٍ أكثر خشونة، وقد ثقلت الكلمات في حلقه:
_مفيش وصف في المعجم العربي يقدر يوصف الجحيم اللي ممكن يعيشه طفل لما يخش عالم الكبار، يتعامل معاهم الوحش منهم والحلو، ويعمل نفس هما اللي بيعملوا، يستحمل معاملتهم غير الإنسانية من إذلال وتحرش وشتايم وإهانة... بيواجه كل دا في نفس الوقت بيلاقي اللي من نفس سنة بيتدلع وبيلعب وبيضحك وبيتعامل معاملة حذرة عشان نفسيته متتإذيش.
تنهد طويلًا، تنهدًا خرج من صدرٍ مثقل بسنواتٍ لم تُعش كما ينبغي، ثم أكمل:
_عبدالله شاف أضعاف الجحيم اللي شوفته في الدنيا، هو مدخلش مدرسة بس انا دخلت مع شغلي.. جدتنا حاولت تساعد في الموضوع دا، بس فكرة إنه بيعاني أكتر دا ميدلش إنه كان إنسان قوي... بالعكس. كان دايما يقولي إن أنا السبب في كل حاجة وحشة بتحصله.. وإن أبونا وامنا مكانوش عاملين حساب خلفتي يعني أنا جيت غلطة، كان بيتهان برا البيت وييجي يعيد كل الإهانات اللي أخدها فيا، بدأ يدمن لما دخل عشريناته... الشقة اللي كنا عايشين فيها صاحبها أخدها منا عشان معرفناش ندفع الايجار فبقينا عايشين في بيت لكل اللي مالوش بيت، وبسببه أنا جربت كل حاجة جربها.. حتى الكفر..
كان علا تستمتع وقلبها يعتصر ألمًا على ما مر به، كانت تشعر أن كل كلمةٍ ينطقها تترك أثرًا في صدرها، فلم ترَ أمامها الرجل الصلب الذي يواجه المخاطر دون ارتجاف، بل رأت طفلًا صغيرًا دُفع مبكرًا إلى قسوة العالم، طفلًا تعلّم أن يكون رجلًا قبل أن يُسمح له أن يكون طفلًا.
وفي عينيه الآن بريق غامض؛ ليس دموعًا صريحة، بل أشبه بظلّها.. وكان في ملامحه مزيج من الكبرياء والألم، كأنه يرفض أن ينكسر أمام الماضي، لكنه لا يستطيع إنكار ما تركه فيه من ندوبٍ لا تُرى.
قالت برفقٍ خافت، محاولةً أن تربط الخيوط التي سمعتها من قبل:
_هاجر حكتلي عنك، وإنك كنت عارف مامتها.
أومأ جمال برأسه ببطء، وارتسمت على وجهه مسحة امتنانٍ قديم، وقال:
_كانت عايشة معانا في نفس البيت، وهي الوحيدة طول الخمستاشر سنة من عمري وقتها اللي اهتمت بيا ونصحتني وخافت عليا بجد، عشان كدة عمري ما هنساها... عمري.
سكت لحظةً، ثم عاد يقول بصوتٍ تغيرت نبرته قليلًا، وقد امتزج فيه الامتنان بالدهشة:
_لحد ما شوفت اخوكي صدفة، اللي من أول حوار دار بيني وبينه حياتي اتغيرت فيها تماما، مصطفى كان ملاك حرفيا ربنا بعتهولي عشان ينقذني من نفسي، مصطفى عمل معايا اللي معملهوش أي حد في الدنيا دي... عشان كدة أنا مستعد أموت عشانه.. وعشان أي حد هو بيحبه.
كان يتكلم عن مصطفى بعينين تلمعان بإخلاصٍ صافٍ، إخلاصٍ لا يُصطنع.. وشعرت علا هنا بحرارة ذلك الوفاء، فابتسمت بخفةٍ مشاكسة، وهي تقول:
_آه يعني إنت بتحبني عشان أخويا بقا، مش عشاني كعلا.
ابتسم جمال تلقائيًا، تلك الابتسامة التي لا تكسر صلابته، وقال:
_لو مكنتش بحبك عشانك كعلا، فمكنتش هخطبك من أول حوار دار بيننا.
ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيها، وقالت وفي نبرتها شيء من الدعابة الرقيقة:
_عارفة متقلقش، إنت شخص عندك وسواس في العلاقات الاجتماعية، وبتحب تنقي أي حد يخش حياتك كويس، فكرة إني اكون خطيبتك دا إنجاز كبير.
تبادلا ضحكاتٍ خافتةً خفيفة، كهمسات روحين تلامستا على استحياء، في فضاءٍ يغمره ضوء واهن ينساب من النوافذ على الجدران، فيكسو المكان دفئًا رقيقًا لا يُرى بقدر ما يُحَسّ. كان السكون من حولهما مطواعًا لتلك اللحظة، حتى بدا كأن الضوء نفسه يتواطأ مع نبضيهما، يشعل في الأجواء دفئًا من نوعٍ آخر، دفئًا لا يتصل بحرارة المكان، بل بحرارة القرب.
كانا وحدهما... لا شيء يفصل بينهما سوى مسافةٍ قصيرةٍ تتآكل مع كل نظرة، وكل ابتسامةٍ مرتعشة. وجمال، الذي طالما احتمى بحاجزٍ صلبٍ أقامه بينه وبينها، شعر بذلك الحاجز يتصدّع بصمت، وحين انتبها إلى وضعهما، كانا واقفين على مسافةٍ تقل عن متر؛ مسافةٍ تسمح للأنفاس أن تتعانق، وللحرارة أن تتبادل.
في لحظة الإدراك تلك، انتبه جمال فجأةً إلى خطورة القرب، وإلى انزلاق المشاعر، فقرر أن ينسحب قبل أن يتورط أكثر، قبل أن تخونه قدماه أو يخونه صوته.. وسرعان ما استأذنها والتفت، وكاد أن يخطو مبتعدًا، هاربًا من ارتباكه ومن دفءٍ يخشى أن يستسلم له.
لكنها أمسكت بيده في عفويةٍ صريحة، بلمسه مباشرة لا لبس فيه، تماسّ أربكه أكثر مما أربكه القرب نفسه. ومع قبضتها الرقيقة، جاء صوتها، مزيجًا من رجاءٍ وإصرار:
_لا، خليك معايا.
تجمد في موضعه، والتفت إليها بدهشةٍ واضحة.. انحدرت نظراته أولًا إلى يدها التي تطوق يده دون حائل، ثم ارتفعت إلى عينيها. كان في عينيه ارتباك عارٍ، وفي نظرتها جرأة لم يعهدها منها من قبل.. لتقتربت خطوةً أخرى، حتى ضاقت المسافة أكثر، وقالت:
_خلينا ننتهز الوضع اللي إحنا فيها دي، ونبقا أقرب لبعض يا جمال، إحنا عمرنا ما كنا قريبين كدة.
ظل جمال ينظر إليها، وقد امتزج في ملامحه توتر طفيف بصرامةٍ يحاول استدعاءها من أعماقه.. وكان صدره يعلو ويهبط ببطءٍ غير منتظم، بدا بداخله معركةً صامتة بين رغبةٍ في البقاء، وواجبٍ يدفعه إلى الفرار. ثم قال، وصوته مشوب بحزمٍ خافت:
_الوضع اللي إحنا فيه مش مختلف، هي هي يا علا، في الحالتين حرام.
لم تتراجع، بل واجهته بسؤالٍ مباشر، كأنها تختبر صلابة يقينه:
_إيش عرفك؟
انعقدت حواجبه قليلًا، وبدت في عينيه جدية صارمة، كأنه يستند إلى قناعةٍ يخشى أن تتزعزع إن أطال النظر في عينيها. ثم قال، ونبرته أكثر ثباتًا:
_إنتِ شايفة اللي إحنا فيه دا مش حقيقي؟ إحنا لو بنلعب لعبة بشخصيات وهمية وعملنا بيهم كدة هناخد ذنب برضو.
_بس مش نفس ذنب لما نكون حقيقيين.
ظلّا يتبادلان نظراتٍ هادئة في ظاهرها، ساكنة القسمات، رصينة الملامح، لكن باطنها كان يموج بعواصف مكتومة، مشاعر متأججة تتصادم في الأعماق وتختبئ خلف جفنٍ مرتعش ونَفَسٍ متثاقل.
كانت علا قابضةً على يد جمال بقوةٍ لا تخلو من رجاءٍ مستتر، وجمال لا يقاوم.. لا يسحب يده، ولا يعترض، كأن مقاومته كلها انحصرت في صدره وحده، تضرب جدرانه من الداخل.
اقتربت منه أكثر بخطوة تذيب ما تبقى من مسافة، وجمال لا يقاوم.. كان وعيه حاضرًا، لكنه مُثقل، وإرادته تغوص في دفءٍ آسر.. رفعت يدها الأخرى ببطءٍ مهيب، ولمست وجنته في رفقٍ حميم، ثم مرت بأصابعها على لحيته الخفيفة، تتحسسها كأنها تتأكد من حقيقته، من دفء بشرته، من كونه أمامها فعلًا بهذا القرب لأول مرة، فارتجف شيء في داخله، وتهاوى جزء آخر من حصونه.
قال جمال بصوتٍ امتزج فيه الاستسلام بالمقاومة، نبرتان متضادتان تتصارعان في حرفٍ واحد:
_علا.... أنا مفيش حاجة بتضعفني في الدنيا دي كلها قدك، محتاجك تساعديني، لإن أنا لو سبت نفسي.....
كانت كلماته تتعثر عند الحافة، عند ما لا يريد أن ينطقه، عند الاعتراف الذي يخشاه.. لكنها لم تترك له فرصة الاكتمال، فقاطعته بنبرةٍ خافتة لكنها حاسمة:
_دي مرة واحدة بس، لو صدقت إننا مش حقيقيين هتبقا مرة خفيفة عليك.
ارتعشت عينه عند لفظها، وكأنها تدفعه إلى منطقةٍ رمادية بين الوهم والحقيقة، فتمسّك بما تبقى له من يقين، وقال بصوتٍ أكثر وضوحًا، وإن ظل مثقلًا بالضعف:
_بس إحنا حقيقيين.
نظرت إليه نظرةً طويلة، نظرةً تختبر منطقه وتزعزع ثباته، ثم قالت:
_إنت متعرفش دا.
في تلك اللحظة، مال رأسه إلى أسفل، ورفعت هي رأسها في المقابل، حركة متقابلة تختصر صراعهما؛ هو يهبط تحت وطأة التردد، وهي ترتقي بدافع الرغبة في اقتناص اللحظة.. اقترب وجهها من وجهه، واقترب هو رغمًا عنه، حتى صارت المسافة بين شفتيهما خيطًا واهيًا من هواءٍ دافئ، لحظةً معلقة بين الإقدام والرجوع، بين السقوط والنجاة.
وقبل أن تتلامس الشفاه، قبل أن يُحسم الصراع لصالح أحدهما، دوّى جرس الباب فجأة، كصفعةٍ أيقظتهما من غيبتهما. انتفضا معًا، وتراجع جمال بسرعةٍ ملحوظة، كمن أفلت لتوّه من حافة هاوية، بينما قالت علا، تحاول استعادة نبرتها الطبيعية:
_هروح أفتح.. ممكن حد من اخواتي جه.
ابتعدت بخطواتٍ سريعة، وتركته واقفًا في مكانه، صدره يعلو ويهبط باضطراب، يلهث كأنه خرج من سباقٍ خفي. أخذ يستغفر ربه على نحوٍ متلاحق، يكاد يكون هستيريًا، يمسح وجهه بكفه مراتٍ متتابعة، والعروق في يده بارزة، تنبض بما يعتمل في داخله من خوفٍ وندمٍ وارتباك.. كان يحاول أن يمحو آثار اللحظة عن بشرته، عن أنفاسه، عن قلبه.
وفجأة، اخترق سكونه صوتها من جهة الباب، مشوبًا بدهشةٍ واضحة:
_يامن؟!
************
دخل كلّ من فياض ويوسف إلى مكتب الأخير في منزله، وأُغلِق الباب خلفهما وبدا كأنه فصل تامّ بين ما في الخارج وما سيُقال في الداخل.
تقدّم فياض خطواتٍ قليلة حتى وقف في منتصف الغرفة، منتصب القامة، متحفز النظرات، أما يوسف فرقف أمام مكتبه واسند بظهره عليه، وقال بنبرةٍ هادئة تحمل شيئًا من التلطف المصطنع:
_إتفضل أقعد إرتاح.
أجابه فياض بصوتٍ حذر، وعينيه لا تفارقان وجه يوسف:
_ليه هو الموضوع هيطول؟
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة، وقال:
_دا عايد عليك، أنا بس عايز ادردش معاك، بس لو متجاوبتش معايا فالموضوع هيطول.
ضاقت عينا فياض قليلًا، وقال ببرودٍ محسوب:
_وعايز تدردش في إيه بقا؟
سكت يوسف لحظة، ثم نظر إليه نظرةً استفهامية عميقة، وقال:
_يا ترى أخو أدهم بنفسه واقف قدامي.. هعوز ادردش معاه في إيه مثلا؟
لم يُجب فياض.. بقي صامتًا، لكن كان صمته هنا تحديدًا كالدرع، فتابع يوسف:
_أنا شخص صعب يتفاجئ، بس إنت وجودك فاجئني.. ومش وجودك بس.. بل حضورك برضو.
انعقد حاجبا فياض قليلًا:
_حضوري؟
اقترب يوسف خطوة بسيطة، وصوته ثابتًا، وعينيه تلمعان بفضولٍ حاد:
_المرة الوحيدة اللي معرفتش استخدم قوتي فيها كانت قدام شخص واحد... وهي ليلى، بس إنت ظهرت فجأة من العدم عشان أعرف إنك أخو أدهم وبتبطل قوانا كمان زي ليلى بالظبط.
بقي فياض محتفظًا بصمته، بكن ملامحه ازدادت تحفّظًا.. فكلما سمع إسم ليلى يشعر وكأنه في ساحة محاكمة، لا في حديثٍ عابر، رغم ذكل فلم يمنح يوسف ما يريد من ردة فعل.
واصل يوسف بنبرته الثابتة، لكنها باتت تحمل نغمة استجوابٍ واضحة:
_واضح إن ليلى كانت بتحبك أوي عشان تديك الحاجة اللي كانت بتحميها مش كدة؟ احكيلي كان بيدور إيه بينكم؟ وازاي وصلتلك واتواصلتوا مع بعض ازاي؟
كانت المواجهة الآن مباشرة، بلا التفاف؛ عاد يوسف يستند إلى مكتبه بثقة من يظن أنه يمسك بالخيوط، وفياض يقف في منتصف الغرفة كجدارٍ صامت، لا يمنح يوسف مدخلًا سهلًا، وبينهما اسم ليلى.. حاضر بقوة، كأنه الثالث في الغرفة، يُثقل الصمت ويشعل التوتر.
بلع فياض ريقه ببطء، ثم قال بصوتٍ متماسكٍ رغم ما يعتمل داخله:
_مكانش فيه بيننا تواصل مستمر، وجودها في الأغلب كان بيبقا عشان أبويا وأمي.. بس لما هي اكتشفت إن دماغهم ناشفة ومش عايزين يساعدوا نفسهم بحاجة قررت تلجألي.
كان يوسف يومئ برأسه طوال حديثه، إيماءاتٍ هادئة متزنة، توحي بإصغاءٍ عميق لا يفوته تفصيل، وعيناه مثبتتان على وجه فياض، لا تقاطعان، لا تتعجلان، بل تتركان له مساحة الحديث ليظهر أنه من يملك زمام الحوار.
ثم قال، بنبرةٍ ما زالت لينة لكنها مشبعة باستفهامٍ مدروس:
_أه وكانت بتكلمهم في إيه بقا؟ وتلجألك في إيه.. أظن إنت كنت لسة طفل في اعدادي تقريبًا؟
تمهلت أنفاس فياض لحظة، وظل يرمق يوسف بنظرة شكٍ صريحة، ثم قال ببرودٍ حذر:
_إنت عارف اسئلتك الكتيرة دي بتزيد من الشكوك ناحيتك.
ارتسمت على شفتي يوسف ابتسامة لا مبالية، ابتسامة من لا يشعر بالتهديد، وقال بنبرةٍ خفيفة:
_شكوك مين اللي تزيد ناحيتي؟ شكوكك؟
كان في بروده وتلقائيته وليونة حديثه ما يربك الأعصاب حقًا، لم يبدُ مستفزًا، ولم يبدُ مدافعًا.. بل بدا كمن يجلس في موقعٍ آمن تمامًا، ازداد توتر فياض، لكنه آثر الصمت، ومجددًا لم يمنحه ردا، ولم يمنحه انفعالًا.
فأردف يوسف، وهو يغير وقفته قليلًا، وصوته لا يزال هادئًا:
_أنا مش مهتم عموما مين يشك فيا ومين ميشكش... أنا أقرب حد كنت لليلى ولأدهم كمان، فاظن مش غريبة خالص أحاول أتعرف عليك وعلى أي حاجة ليها علاقة بيهم صح؟
بقي فياض صامتًا، صمته هذه المرة مشدود، ولكن هذه المرة اختفت ابتسامة يوسف تدريجيًا، وكأن قناع الود انسحب خطوةً إلى الخلف.. وتغيرت نبرته؛ لم ترتفع، لكنها ازدادت حزمًا وهدوءًا على نحوٍ ينذر بشيءٍ غير مرئي:
_صح؟
في تلك اللحظة، شعر فياض بأن هالة يوسف تغيرت فجأة.. لم يكن تغيرًا ظاهرًا في الملامح، بل في الإحساس، فاكتفى بأن يومئ برأسه في صمت، إيماءةً قصيرة حذرة.
وعادت ابتسامة يوسف، كما لو أنه استعاد ما أراد، وقال بنبرةٍ أخف:
_تمام.. لو إنت شخص كتوم، فممكن نأجل الدردشة في التفاصيل بعدين، ومش هسألك برضو عن المادة اللي اديتهالك ليلى عشان طبعًا مش هتعرفها. أنا بس عندي سؤال واحد هتجاوبه بكلمة واحدة دلوقتي.
رفع فياض نظره إليه مباشرةً، وقال باقتضاب:
_اتفضل.
اقترب يوسف خطوة بطيئة، وعيناه تلمعان بشيءٍ يصعب تفسيره، ثم قال:
_قالتلك عن أم نور مش كدة؟
كان السؤال أشبه بصخرةٍ هوت فجأةً على رأس فياض؛ لم يكن مستعدًا له، ولم يتوقعه حقًا، رغم دهشته لكن ملامحه بقيت جامدة، صلبة، وحافظ على صمته، وعلى هدوءٍ تدرب عليه طويلًا، لكن يوسف التقط الصدمة.
لم تكن الصدمة في كلمةٍ قالها فياض، بل في ومضةٍ عابرةٍ في عينيه، في انقباضةٍ طفيفة عند زاوية فمه، في نصف ثانيةٍ تأخر فيها النفس.
أردف يوسف فورًا، بنبرةٍ هادئةٍ تكاد تكون واثقة أكثر مما ينبغي:
_قالتلك صح؟ إنت عارف مين أم نور... وعرّفت نوح على كدة؟
ازدادت نبضات فياض في صدره، لكنه أبقاها حبيسة.. ثم قال بصوتٍ ثابتٍ قدر الإمكان:
_امها نانسي.. دا المعروف.
ساد صمت قصير.. ثم ارتسمت على شفتي يوسف ابتسامة صامتة، لم تكن ابتسامة ارتياح، ولا دهشة، كان واضحًا من تلك الابتسامة أنه لا يصدق ما قاله فياض، لكنه استمتع بالمشهد، بمقاومة فياض، بمحاولته الإمساك بالكذب دون أن يرتجف.
كانت ابتسامته ساخرة، يسخر من المحاولة، من بساطتها، من ظن فياض أن الأمر سيمر بكذبته بهذه السذاجة.
في تلك اللحظة المشحونة، شقّ السكون صوت ارتطامٍ ثقيل أتى من الطابق العلوي، كجسد يهوي على الأرض بقسوة، أعقبه صراخ مذعور يتردد في أرجاء البيت.. كان صوت نوح وهاجو يهتفان باسم مصطفى.
لم يتبادلا نظرةً واحدة؛ اندفعا معًا نحو السلم سريعًا، وفي اللحظة نفسها، كان عصام وسعدية قد دخلا المنزل على وقع الصراخ، وسرعان ما هرعا صاعدين، والقلق يشدّ أطرافهما شدًّا.
اقتحم الأربعة الغرفة دفعةً واحدة، ليجدوا مصطفى مطروحًا أرضًا، جسده ممدد بلا حراك، وملامحه شاحبة على نحوٍ يبعث القشعريرة.. وكانت هاجر جاثيةً بجانبه، تهزه بذعر، بينما يحاول نوح إفاقته بصوتٍ متهدج، تتكسر فيه الكلمات من فرط الرعب. وحين همّ نوح بأن يحمله، امتدت يد عصام بسرعةٍ حازمة، وصوته يجلجل بأمرٍ قاطع:
_لا متشيلوش إحنا منعرفش حصله إيه! حطوا أي حاجة عالية تحت رجليه بس، خليهم مرفوعين.
ارتبكت هاجر للحظة، ثم استجابت على الفور، دفعت كرسيًا قريبًا ورفعت قدمي مصطفى فوقه، ثم اندفع يوسف مسرعًا وركع إلى جواره، وقد اختفت كل ملامح التهكم من وجهه، وحل محلها تركيز حاد..
بدأ يستمع الى نبض قلب مصطفى ليجده بطيئًا، واهنًا، غير منتظم، قام بفتح جفنيه بيديه، ليظهر بياضهما كاملًا، بلا سواد، بلا حياةٍ تبصر.
وبحركة سريعة، أمسك يوسف بقميص مصطفى، ومزّق أزراره ليفتحه عند الصدر.. وما إن انكشف موضع القلب حتى تجمّد الهواء في الرئات... فكان في منتصف صدره، عند موضع الخفقان، ظهرت بقعة داكنة، كثيفة كجلطةٍ متخثرة، لكنها لم تكن ساكنة... كانت تتسع ببطءٍ مرعب، تتمدد كما لو أنها كائن حي، وتتفرع منها خطوط دقيقة، أشبه بعروقٍ غريبة، تنتشر تحت الجلد، تزحف على جسده في مساراتٍ متشعبة.
ارتد فياض خطوةً إلى الوراء، وقد تكسر صوته في حلقه وهو يهتف بذعرٍ صريح:
_إيه دا؟!
مرر يوسف يده في شعره، ليزيحه عن جبينه المبتلّ بعرقٍ بارد، وعيناه معلقتان بذلك المشهد الذي يتجاوز حدود الطب والمنطق. شعر كأنه محاصر في ورطةٍ لا يملك لها تفسيرًا، ولا يجرؤ على الاعتراف بعجزه أمامها.. ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال بصوتٍ خفيضٍ مثقلٍ بإدراكٍ موجع:
_مصطفى... مصطفى قتل روح قوته.
تجمدوا جميعًا في أماكنهم، كأن الصدمة صبّت في عروقهم جليدًا دفعةً واحدة.. الخوف تسلّل إلى ملامحهم، وانعقدت الحيرة في أعينهم، فقطع نوح ذلك الجمود بصوتٍ متكسر، يتنازع فيه الرعب والإنكار:
_دا معناه إيه؟! هو كمان هيموت؟؟!
التفتت الأنظار إلى يوسف، بوصفه آخر خيطٍ يتعلقون به.. ليحرك رأسه ببطءٍ مثقل، وكل حركةٍ منه اعتراف بالعجز، وقال بصوتٍ خفيضٍ متوتر:
_معرفش.. عمرها ما حصلت، الموضوع المفروض كان مستحيل، اكنك بتقتل قرينك بالظبط.
ارتعشت شفتا عصام، وانفلت صوته مبحوحًا، وهو يردد حقيقةً يخشى أن ينطقه:
_القرين لما بيموت، الأصل بيموت.....
كانت الجملة كالسقوط الثاني في الغرفة.. لينهض نوح فجأة، بعزمٍ متفجر، وتحول رعبه على أخيه في داخله إلى قرارٍ قاطع:
_مش هسيب دا يحصل طبعًا!
لكن قبل أن يتحرك أحد، كانت هاجر قد انتفضت من موضعها، وبدا أن الألم أشعل فيها نارًا لا تُحتمل.. تقدمت بخطواتٍ عاصفة، ويدها تمتد إلى عنق يوسف، وتقبض عليه بعنفٍ مفاجئ، وتجبره على النهوض، ثم دفعته بقوةٍ إلى الحائط ليرتطم جسده به ارتطامًا عنيفًا، فيما كانت هي تصرخ في وجهه، وصوتها يخرج مزمجرًا من أعماق موجوعة، والدموع تتلألأ في عينيها احتقانًا:
_كله بسببك يا *****، قعدت تضغط عليه لحد ما عمل كدة في نفسه!! استفدت إيه يا **** دلوقتي؟؟!! أقسم بالله لو مأنقذتوش دلوقتي حالا أنا هقتلك!
كانت أصابعها تعتصر عنقه اعتصارًا، غضبها يمدها بقوةٍ جامحة تشبهها.. اختنق يوسف تحت قبضتها، وحاول أن ينتزع يدها وهو يقول بصوتٍ متقطع من شدة الاختناق:
_أنا مكنتش أعرف اصلا.... إن فكرة روح القوة تتقتل تكون حاجة موجودة! إزاي.... هجيبلك حل لحاجة عمرها ما حصلت؟!
لم تلِن قبضتها، بل اشتدت، وعيناها تشتعلان بوعيدٍ أعمى:
_خلاص.. يبقا آخر حاجة هتشوفها هي وشي يا *****
كادت أن تفقد سيطرتها تمامًا، ليهرع نوح إليها، ويمسك بذراعها، وهو يقول:
_هاجر، سيبيه مش هتستفيدي حاجة لما تقتليه، احنا محتاجينه!
قالت له وهي لم تزحزح بصرها من على يوسف، تحدق فيه بعينين غارقتين بالدموع، لكن الدموع لم تُطفئ سخطها، بل زادته حدة.. وكان القهر يتفجر من صوتها، والاختناق يعصف بصدرها:
_لا هقتله يا نوح! هو السبب في اللي مصطفى فيه دا!! مصطفى هيموت بسببه!
حاول يوسف أن يستخدم قوته لينتشل نفسه من قبضة هاجر التي أطبقت على عنقه ككماشةٍ من صخر.. لكنه لم يستطيع أبدًا.
رفع عينيه بصعوبةٍ نحو فياض، فوجد في عينيه نظرةً مستشيطة، متقدةً بغضبٍ صامت، يحضورًا طاغيًا يفرض ثقله.. فوجود فياض وحده كافيًا ليُشلّ قوة يوسف، فبقي تحت قبضة هاجر، يختنق أكثر فأكثر، وصدره يعلو ويهبط باضطرابٍ عاجز، بينما أصابعها لا تعرف الرحمة.
في الجهة الأخرى، كان عصام جاثيًا إلى جوار مصطفى، يحاول بيأسٍ أن يتشبث بأي معرفةٍ إسعافيةٍ يملكها.. يضغط على صدره، يتحسس نبضه، يراقب وجهه الذي ازداد شحوبًا، والحياة تنسحب منه خيطًا خيطًا.
وفجأة، وسط الفوضى والأنفاس المتكسرة، سمع نوح صوت مايا يتردد في داخله واضحًا:
~نوح، السيوم ماماتش، لساله قلب واحد، هو موجود في صوره روح في مكان من الأماكن دلوقتي ولو رجع لمصطفى مصطفى هيصحى، لازم تحاولوا تخلوه مايموتش الفترة دي لحد ما نعرف السيوم فين ونرجعه لجسمه.
تجمد نوح لوهلة، ثم وضع يده على رأسه، كأن عقله يعجز عن استيعاب هذا القدر من التوتر والورطة معًا... التفت إليهم بسرعة، ونقل إليهم ما سمعه.
قال عصام الدموع تترقرق في عينيه دون أن يمنعها بصوتٍ مكسور، وهو يراقب انتشار البقعة الأرجوانية التي تزحف:
_الجلطة بتنتشر في جسمه كله، وقلبه بيدق بالعافية وبطل يتنفس... هنجيب روح القوة دي إزاي.... مصطفى بيروح منناا!
جزّت هاجر على أسنانها بقوةٍ أشد، وقبضتها على عنق يوسف ازدادت إحكامًا، وعيناها تقدحان بشررٍ من قهرٍ لا يُحتمل. وفي تلك اللحظة، اندفع نوح خارج الغرفة بسرعة، ليقرر أن يغوص في نومٍ قسري، ويستخدم قوته ليبحث عن السيوم في تلك المساحات التي لا تُدركها الحواس، ونادى على فياض ليعاونه، ويقيم بعض الطقوس التي ستساعده وتُرخي وعيه، لعل النوم يأتي سريعًا.
وبرغم أن فياض لم يعد في الغرفة، ولكن انقطاع أنفاس يوسف تحت قبضة هاجر، جعله يفقد قدرته تمامًا على استدعاء أي قوة.. كان ضعيفًا، مختنقًا، عاجزًا، وصوت تنفسه المتحشرج يملأ الفراغ القريب منه.
أما سعدية، فكانت واقفةً تراقب ما يحدث، ملامحها متوترة بشكل طفيف، لكنها بقيت ثابتة على نحوٍ غريب.. كانت تمتص المشهد بعينيها.
ووسط الفوضى المختنقة، وبين أنفاسٍ تتسارع وأخرى توشك أن تنقطع، لمحها عصام تأتي وتجلست أمامه فجأةً إلى جوار مصطفى... رفع عينيه المغرورقتين بالدموع نحوها، وفي نظرته دهشة مشوبة برجاءٍ أخير.
كانت سعدية هادئة على نحوٍ مغاير لكل ما في الغرفة.. فمدت يدها، ووضعتها فوق صدر مصطفى، تحديدًا عند موضع القلب الذي كانت البقعة الأرجوانية قد اتخذته مسكنًا، وبدأت تتمتم بكلماتٍ خفيضة، لم تتجاوز همس الشفاه، كلماتٍ لم يلتقط أحد حروفها.
ثوانٍ بدت أطول من أعمارهم، ومن بعدها...
شهقة قوية انفجرت من صدر مصطفى، كأن رئتيه استعادتا الهواء بعد غرقٍ طويل، وارتفع جسده قليلًا عن الأرض، وعاد بؤبؤ عينيه بعدما كان البياض قد ابتلعهما بالكامل. في اللحظة ذاتها، أفلتت هاجر يوسف من قبضتها، فسقط أرضًا وهو يسعل بعنف، يلتقط أنفاسه بصعوبة، وصدره يشتعل من أثر الخنق.
لم تلتفت إليه، بل اندفعت نحو مصطفى، جلس مصطفى فجأة، يلهث بعنف، يضع يده على صدره وهو يشعر بألمًا حادًا تغلغل من الداخل، كانت أنفاسه متكسّرة، وجبينه مبللًا بعرقٍ بارد. احتواه عصام فورًا، سحبه إلى صدره، وهو يربت عليه ويهمس بكلمات تهدئةٍ متقطعة، وصوته يرتجف بين البكاء والحمد.
في الخارج، كان نوح قد سمع الضوضاء فعاد مسرعًا هو وفياض إلى الغرفة.. وتوقفا عند العتبة لوهلة، ليروا هذا المشهد.
مصطفى حيّ.. يلهث بقوة وهو مستندًا برأسه إلى حضن عصام، لكن شيئًا آخر لفت نظر نوح.
كان عصام يحدق في سعدية، التي وقفت مبتعدةً قليلًا، ملامحها ساكنة على نحوٍ لا ينسجم مع العاصفة التي مرّت منذ لحظات.. في عينيه سؤال كبير، وامتنان ممزوج بدهشةٍ لا تجد تفسيرًا. التفت نوح إلى سعدية ببطء، وحدق فيها طويلًا، وقد فهم من نظرة عصام ما لم يُنطق به أحد... هي من فعلت ذلك.
التقت عيناهما لبرهة، نظرت إليه نظرةً سريعة، عابرة، ثم أشاحت ببصرها، كأنها لا تريد أن يُفتح هذا الباب الآن، ولا أن تُسأل عن شيءٍ لا وقت له.
عندها تذكر نوح يوسف، الذي كان ما يزال على الأرض، يسعل بقوةٍ ويكافح لالتقاط أنفاسه.. تقدم إليه، ومد يده ليعينه على النهوض.
وفي خضمّ هذا كله، بدأت البقعة الأرجوانية على صدر مصطفى تتلاشى وتتراجع تدريجيًا حتى اختفت تمامًا، وعادت أنفاسه إلى إيقاعها الطبيعي، ودقات قلبه إلى انتظامٍ مألوف. بعدها أغمض عينيه ببطء، وقد بدا عليه إنهاك عميق، كمن عاد من ساحة حربٍ طاحنة.. رغم جسده الحي، لكن روحه ما تزال تستعيد توازنها.
تبادل عصام ونوح نظرةً صامتة، ثم حملاه معًا بحذرٍ شديد، ووضعاه على السرير برفق.. مدداه بعناية، وغطّياه، ووقفا لحظةً يتأملان وجهه الهادئ الآن.
هدأت الغرفة شيئًا فشيئًا، لكن أثر العاصفة بقي معلقًا في العيون والصدور، كانوا يعلمون جميعًا أن ما حدث لم يكن نهاية الخطر.. بل بداية سؤالٍ أكبر، وسرٍّ لم يُكشف بعد.
**********
فتحت علا الباب وهي لا تزال تحمل في صدرها بقايا ارتباك اللحظات السابقة، لكن ما إن وقع بصرها على الواقف أمامها حتى تجمدت ملامحها في دهشةٍ صريحة، وهي تقول:
_يامن؟!
كان يقف أمامها بهدوءٍ لافت، ملامحه مرتبة، وابتسامة طفيفة مألوفة ترتسم على شفتيه، ثم قال بنبرةٍ ودودة، وكأن الأمر عابر لا يستحق كل هذا التعجب:
_معلش إني جيت كدة فجأة.. بس أول ما عرفت إنك رجعتي بالسلامة، قولت لازم اتطمن عليكي.
ارتبكت نظراتها، وتداخلت الأسئلة في رأسها.. ثم قالت بملامح مشوشة، يحكمها حذرٌ خفي:
_وإنت عرفت إزاي؟
سكت لحظةً قصيرة، لم تتبدل فيها ابتسامته، ثم قال بالهدوء ذاته:
_ينفع أخش؟
ترددت، وشعرت بانقباضٍ غامض يتسلل إلى صدرها، لكنها تماسكت وأجابت بسرعةٍ:
_لا أكيد، أنا لوحدي.. بس شكرًا مكنتش تتعب نفسك، كنت تتصل بيا أحسن.
في تلك اللحظة، وعلى بُعد خطواتٍ خلف أحد نصف الجدران التي كانت في منتصف الصالة، كان جمال قد اقترب برفقٍ حذر،وقف خلف الجدار في الظل، يراقب المشهد بصمتٍ حذر، وعينيه معلّقتان بترقب الجندي الماهر.
عندها، تبدل شيء.. فبعدما قالت له علا ذلك اختفت ابتسامة يامن فجأة، كما تُطفأ شمعة بلمسة إصبع.. لم تتدرج، لم تبهت، بل سقطت عن وجهه سقوطًا غريبًا، تاركةً خلفها ملامح جامدة، باردة، وقال بصوتٍ خالٍ من الدفء، يحمل نبرةً غير مفهومة:
_مهو موجود جوا معاكي، اشمعنى أنا؟
اتسعت عينا علا، وتفاقمت حيرتها... لم يكن السؤال طبيعيًا، ولا النبرة مألوفة، فبدأت تتفحص عينيه، تبحث فيهما عن يامن الذي تعرفه.. لكن ما رأته لم يكن كذلك، فكانت عيناه.. ساكنتين على نحوٍ مرعب، بلا عمق، بلا ارتعاشة حياة، لا دفء فيهما، نظرة مصمتة، كأنها لا تنتمي إلى بشر.
لتقول هنا وقد بدأ الإدراك يتشكّل داخليًا كصاعقة:
_إنت مش يامن...
في اللحظة ذاتها، وبحركة تلقائية خالية من التردد، أخرج يامن مسدسًا من خلفه، ورفعه بثباتٍ مقلق، موجهًا فوهته مباشرةً إلى رأس علا.. لم ترتجف يده، ولم يتغير تعبيره، بل قال بنبرةٍ هادئة على نحوٍ أشد رعبًا من الصراخ:
_دخليني.
صُدمت علا صدمةً مكتومة، وتراجعت خطوةً إلى الخلف، ثم أخرى، وعيناها معلقتان بفوهة المسدس التي تستقر أمام جبينها بثباتٍ بارد..
تقدّم يامن خطوةً إلى الداخل، دافعًا الباب خلفه بقدمه ليغلقه، وفي اللحظة ذاتها، ومن خلف الجدار القريب، أخرج جمال مسدسه من حزامه بحركةٍ مدروسة، وأمسكه بثباتٍ مشدود، وعضلات ذراعه متيبسة، وأنفاسه بطيئة قسرًا.. وكان يراقب المشهد بعينين لا ترمشان، ينتظر اللحظة التي يُجبر فيها على التدخل.
بدأ يامن يتحدث، وصوته خالٍ من الاضطراب، هادئًا على نحوٍ يبعث الرعب:
_البصة اللي في عينك دي المفروض متبقاش موجودة، المفروض تبقي عارفة ومتوقعة كويس نتيجة قراراتك هتبقا عاملة إزاي.
ارتجفت شفتا علا، لكنها تماسكت، وحاولت أن تنقذ إلى ما تبقى من يامن داخل ذلك الجسد:
_يامن.. إنت لازم تفوق، مستحيل تكون في وعيك.
لم يتغير تعبيره، بل قال ببرود:
_بالعكس.. أنا خليت يامن في كامل وعيه.. بعد ما كان مغيب بعشقك.
تسارعت أنفاسها، واتسعت الفجوة بين الفهم والخوف داخلها، فسألته بصوتٍ اختلط فيه الذهول بالتحدي:
_إنت مين بالظبط؟!
ابتسم ابتسامةً باهتة، لا حياة فيها، ثم قال:
_إنتِ اختارتي تنقذي جمال عن انك تنقذيه، ودا كافي على إني أقدر اتحكم في يامن، لإنه عارف إنك فضلتي جمال عنه... وعارف إنك مهتمتيش تشوفيه بيموت رغم كل اللي عمله عشانك. أنا مختارتش يامن عشان إنتِ نجدتي جمال بقوتك بس... لا أنا اختارت يامن... لأن مفيش حد عنده كمية القهر والخذلان والوحدة اللي موجودة في قلبه، المشاعر دي كلها سهلت عليا اتحكم فيه، وكله بسببك... بسبب إنه عاش معظم حياته معاكي غير مرغوب فيه من أكتر واحدة حبها في حياته.
كانت الكلمات تتسلّل إليها كسكاكين حارقة، بل تنغرس في أعماقها ببطءٍ موجع. لقد فهمت حديثه تمامًا، بل فهمت ما وراءه، وعاد إلى ذهنها تلك الليلة في الكهف، حين كانوا ثلاثتهم، وظهر ذلك الكائن الذي استحوذ على جمال ويامن معًا، وقررت أن تنقذ جمال أولًا، في لحظةٍ خاطفة لم تحتمل التفكير. والآن حين علمت ما وصل إليه يامن بسبب هذا القرار.. شعرت بثقل الذنب يضغط على صدرها حقًا.
طوال حديثه، كانت تتراجع ببطءٍ محسوب، خطوةً إثر خطوة، بينما كان هو يتقدم بالوتيرة نفسها. حتى توقفت علا بجوار نصف الحائط الحاجز للصالة، وقفت على مسافةٍ منه، بحيث صار في زاوية بصرها ما وراءه.. لم تحتج أن تلتفت؛ بطرف عينها فقط رأت ان جمال يقف خلفه.
جسده مشدود، كتفاه متيبسان، ويديه قابضتان على مسدسه في استعدادٍ صامت.. انزلقت عينا علا نحوه خلسةً، نظرةً سريعة لا تتجاوز طرف البصر، لكنها كانت كافية.. رأت السلاح في يده، ورأت الثبات الذي يشد ملامحه، وفهمت أنه جاهز.
هنا لمح يامن التفات عينيها إلى جهةٍ أخرى، فاستدار على الفور، رافعًا مسدسه في اتجاه جمال.. ولم يحتج الأمر أكثر من ومضة؛ إذ كان جمال قد رفع سلاحه بالفعل وبحركةٍ سريعة خاطفة، أطلق رصاصةً استقرت في يد يامن، فأجبرته على إسقاط مسدسه، وانفرجت أصابع يامن قسرًا، وارتد السلاح إلى الأرض مصطدمًا بها، بينما قبض هو على يده المصابة متألمًا، وقد ارتسم الألم على ملامحه ارتسامًا فاضحًا، واختلط في عينيه الوجع بالحنق.
في تلك اللحظة اندفعت علا مبتعدة، بينما تقدم جمال راكضًا وفي يده مسدسه وضرب وجه يامن بمقبضه ضربةً عنيفة أربكته وأفقدته اتزانه، فترنح وكاد يهوي أرضًا، لكنه تماسك في اللحظة الأخيرة، ثم التفت إلى جمال، ووجه إليه عدة لكمات متتابعة، مثقلةً بالغيظ والإذلال، غير لكن جمال تفاداها بخفةٍ يقظة، يتحرك بخطوات محسوبة، وعيناه لا تفارقانه.
لكن يامن باغته بركلةٍ مباغتة أصابت قدمه، فاختل توازن جمال وسقط، وانفلت مسدسه من يده واندفع بعيدًا.. كانت لحظةً خاطفة، إلا أن يامن اقتنصها دون تردد، وانطلق نحو السلاح.
لكن مد جمال يده فأمسك بقدم يامن، ليسقط يامن هو الاخر، في صراعٍ متشابك الأنفاس والأذرع... ورغم ذلك، استطاع يامن أن يبلغ المسدس أولًا، فقبض عليه والتقطه بسرعة، ثم وجّهه إلى رأس جمال.
في تلك اللحظة ثبت جمال في مكانه، ونهض يامن ببطءٍ محسوب، والسلاح مصوب بثباتٍ إلى جبهة خصمه، وصدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متوترة.
وقال بصوتٍ مشدودٍ تختلط فيه القسوة باضطرابٍ خفي:
_أنا مش جاي هنا عشان اقتلك... أنا ممكن اسيبك واسيب علا، بس بشرط إنك تفسخ خطوبتكم ومتشوفوش بعض ابدًا، ومش بس كدة... تسيب شغلك مع مصطفى وتبعد تمامًا عن العيلة دي.
كان المشهد مشدودًا إلى أقصاه؛ مسافة خطوةٍ واحدةٍ تفصل بين الحياة والموت، وبين الكرامة والانكسار. ظل جمال يرمق يامن بنظرةٍ ثابتةٍ واثقة، لا ارتعاش فيها ولا استعطاف، ثم نهض برفق وعيناه لا تتزحزحان عنه.. كانت ثقته وثباته أشد خطرًا من المسدس المصوب إلى رأسه؛ إذ بدا كمن تجاوز خوفه منذ زمن، ولم يعد للسلاح في قاموسه المعنى ذاته.
ثم قال بنبرةٍ ثابتةٍ لا تشوبها رجفة:
_الموت عندي أهون...
لم يتردد يامن.. لم يمنح اللحظة فرصةً لأن تتنفس أو تتراجع... ضغط الزناد، فإنطلقت الرصاصة واستقرت في رأس جمال، ثم تهدل جسده في اللحظة نفسها، وانطفأت تلك النظرة الواثقة التي كانت منذ ثوانٍ تتحدى الموت... سقط أرضًا بلا مقاومة، جثةً هامدة، وقد انفرط من بين ملامحه كل أثرٍ للحياة.
انطلقت صرخة علا ممزقة، صرخةً خرجت من أقصى قهرها، واندفعت نحوه بعينين متسعتين من قسوة الصدمة، لكن يامن لم يترك لها فسحةً للحزن، ولا حتى لالتقاط أنفاسها.. أدار المسدس ببرودٍ قاسٍ، وصوبه إلى رأسها، ولم ترتجف يده حتى.
دوّى إطلاق ثانٍ، أقصر، وأحسم... وسقطت علا في لحظتها، وقُطعت الصرخة من حلقها قسرًا، وترك جسدها يتهاوى إلى جوار جمال، في مشهدٍ متجاورٍ من السقوط الأخير.
ظل يامن واقفًا، يحدق في الجثتين أمامه.. وعيناه جامدتين، خاليتين من الاضطراب، فما حدث لم يكن سوى تنفيذٍ لقرارٍ مؤجل. أخذ يتأمل السكون الذي خلّفه، ويتتبع ببصره الدماء الذي تدفق من تحتهما، زاحفًا على الأرض في مسارٍ بطيءٍ.
أخرج هاتفه والتقط صورةً لكل جثة على حدة، ثم أرسل الصورتين إلى سردار، كما يُرسل تقريرًا مقتضبًا عن مهمةٍ أُنجزت.. ثم أعاد الهاتف إلى جيبه، وألقى بالمسدس بعيدًا عنه بإهمالٍ جاف، كما يتخلص من أداةٍ فرغت مهمتها.
وفجأة، ارتعش جسد يامن فجأة وأغمض عينيه بقوةٍ حتى كادت أجفانه تنغرس في عظام وجهه.. ودوى في أذنيه صفير حاد، يخترق رأسه كإبرةٍ مسمومة، وتبعه دوار عاتٍ، كموجًا هائلًا ابتلعه دفعةً واحدة وأخذ يقذفه في عتمةٍ لُجّية لا قرار لها.. تمايل جسده، واختل توازنه، ثم سقط أرضًا، لكن السقوط لم يكن استسلامًا بل كان صراعًا.
ارتجفت أطرافه، واشتدت أنفاسه، وبدا كمن يُنتزع من داخله انتزاعًا.. لم يستسلم للغفلة القاتلة التي راودته، ولم يخضع لذلك الشيء الغامض الذي ينهض في أعماقه كظلٍ يريد أن يبتلعه... هذه المرة قاوم، قاوم بعنادٍ شرس، بعضلاتٍ مشدودة، وبإرادةٍ تتشبث بالحافة الأخيرة من وعيها... كان يقاتل غفلةً لو استسلم لها لابتلعته بلا رجعة.
وفجأة فتح عينيه....
كان يلهث، كغريقٍ خرج توا من تحت الماء، صدره يرتفع ويهبط بعنف، وكفّاه تستندان إلى الأرض... احتاج ثواني معدودات ليستعيد كامل وعيه، ثواني بدت له دهرًا كاملاً، ثم حاول أن ينهض. وقف بصعوبة، ساقاه لا تكادان تحملانه، والتفت ببطءٍ ثقيل... فرآهما... جثتا علا وجمال أمامه.
جحظت عيناه حتى خُيّل أنهما ستخرجان من محجريهما، وأخذ بؤبؤاه يدوران في هلعٍ محموم، ينتقلان من وجهٍ إلى وجه، من بقعةٍ إلى أخرى، كأنه يبحث عن خطأٍ في المشهد، عن خدعةٍ بصرية، عن تفصيلةٍ صغيرة تقول له إن ما يراه وهم عابر... لكن كل شيء كان ثابتًا، صامتًا، قاطعًا.. والحقيقة كانت هناك، باردة، نهائية.
تسارعت أنفاسه أكثر، وبدأت الصدمة تتسرب إليه ببطءٍ قاتل، لم يعرف كيف يستوعب هذا المشهد... إن حاول أن يستوعب موت علا وجمال، فلن يقدر أن يتحمل الحقيقة الأفظع.. أنه هو من قتلهم، هو من أنهى حياتهما بالفعل... كما أنهى من قبل حياة شيماء وهيثم.
ارتعشت يداه، ورفع كفيه إلى رأسه، قابضًا عليها كأنه يريد أن ينتزع الفكرة من جمجمته، وأخذ يردد بنبرةٍ مرتجفة، مغرورقةٍ بالانكسار:
_يارب... يارب... يارب....
لم يستطع أن ينطق بسواها... كانت الكلمة الوحيدة التي بقيت له في مواجهة هذا الخراب، تراجع إلى الخلف بخطواتٍ متعثرة، هلوعًا من الجثتين، كأنهما تلاحقانه بنظراتٍ لا تُرى.. كان يبتعد عنهما، لكنهما كانتا تقتربان من داخله، من ذاكرته، من ضميره.
وحين مرّ أمام مرآة، لمح انعكاسه للحظة... لكن ما رآه لم يكن هو.
رأى كائنًا أرجوانيًا يحدق فيه من عمق المرآة، نظرةً ثابتة، عارفة، كأنها تنتظره منذ زمن.. تجمد الدم في عروقه، فسمع صوت داخل رأسه، واضحًا، باردًا:
_متزعلش عليهم... دا اللي يستحقوه.
شهق شهقةً ممزقة من شدة الفزع، وتراجع خطوةً.. لم يحتمل المشهد، ولا الصوت، ولا نفسه، وعقله يتشقق تحت وطأة ما يرى وما يتذكر.
استدار فجأة، وركض بأقصى ما تبقى فيه من قوة، يفرّ كما لو أن المكان يطارده.. أنفاسه تتكسر في صدره، مكبوحة بصعوبة، تختنق برغبةٍ عارمة في الصراخ، في البكاء الهستيري، في تمزيق الهواء من حوله، لكنه لم يفعل، لم يخرج صوته، كان يركض فقط.
يهرب من الجثتين... ويهرب، قبل كل شيء، من ذلك الكائن الذي لم يعد متأكدًا إن كان يسكن المرآة.. أم يسكنه هو.
***********
بعد مضي نحو ساعة على تلك الحادثة، كان سليم يقود سيارته، متجهًا إلى منزل مهاب، بعد أن غادر منزل سهام مطمئنًا على ديميت وريان.. كانت الطرقات شبه خالية، غير أن رأسه لم يكن كذلك؛ كان يعجّ بأفكارٍ متشابكة، وقلقٍ يتنامى دون أن يجد له اسمًا واضحًا.
وبينما كان يثبت نظره على الطريق، رن هاتفه.. لمح اسم غادة، فانقبض صدره دون سببٍ محدد، وأجابها على الفور، وما إن سمع كلماتها الأولى حتى تبدلت ملامحه، واشتد قبضه على المقود، وارتفع صوته بحدةٍ لم يحاول كبحها:
_إيه اللي بتقوليه دا يا غادة؟! ياسر إزاي يعني؟! أنا لسة ماشي من عندكم مفيش ساعة حصل كل دا فجأة؟!
كان الغضب في نبرته مزيجًا من دهشةٍ وإنكار، جاءه صوت غادة من الطرف الآخر متوترًا، تحاول أن تبدو متماسكة رغم القلق الذي يتسرب بين كلماتها:
_معرفش يا سليم، بس مش عايزاك تقلق لأنهم كانوا محترمين معاها وجابلوها عربية مخصوص، فاعتقد هما مش ناويين على شر.
زفر سليم زفرةً طويلة ممتعضة، فلم تكن الحجج المطمئنة كافية لتهدئة حدسه القَلِق. في تلك اللحظة كان قد وصل إلى منزل مهاب، فأوقف السيارة، وفتح الباب وهو لا يزال ممسكًا بالهاتف، وقال وهو يترجّل:
_اخدوا موبايلها ولا سابوه عندك؟
_سابوه للأسف.
توقف سليم لحظةً في مكانه، وامتلاء عقله وقلبه بالحيرة والغضب والشكوك المتضاربة، بعدها قال وصوته هذه المرة أخفض، لكنه مشدود:
_مش عارف أقلق ولا لا، بس أنا هخلص مع مهاب وهرجع أكلمك، لو لسة مرجعتش أنا هعمل مصيبة.
سكتت غادة قليلًا، ثم قالت بنبرةٍ يغلّفها التوتر والرجاء:
_سليم... أرجوك طمني، أكيد هنكون نجحنا صح؟
سكت سليم برهة، ولان صوته حين أجاب، واختفى من نبرته ذاك الحدة الأولى، وحل محلها يقين هادئ:
_أنا عمري ما شكيت في قدرتك ونجاحك، من أول ما كنتي طالبة عندي.. لحد دلوقتي، أنا واثق اننا نجحنا.. وبسببك.
أغلق سليم الخط، ثم اتجه إلى باب المنزل بخطواتٍ محسوبة.. ضغط زر الجرس، فامتدت لحظات الانتظار ثقيلة متوترة، قبل أن يُفتح الباب.
ظهرت شهد، ووجهها مشدود بنظرات استحقارٍ صريحة، لم تحاول حتى إخفاءها.. كانت عيناها تلمعان بحدةٍ جارحة، وصوتها يخرج مثقلاً بالسخط:
_البيت بقا فندق أبوكم، مجايب غادة بقت كتير وهييجي يوم مش هخليكم تدخلوه تاني!
لم يتبدّل وجه سليم.. نظر إليها ببرودٍ صافٍ، لا غيظ فيه ولا اعتذار، ثم قال بنبرةٍ ثابتةٍ منخفضة، لكنها حاسمة على نحوٍ أربكها وألقى في قلبها شيئًا من الخشية:
_دخليني من غير رغي.
ترددت لحظة، ثم زفرت بضيق، وابتعدت خطوة لتفسح له المجال. دخل سليم، بخطوات سريعة منضبطة، تكاد تُسمع فيها نغمة التصميم.. لم يلتفت يمينًا أو يسارًا، بل توجه مباشرةً إلى المختبر الداخلي.
فتح الباب ودخل، ثم تقدم إلى إحدى الغرف الجانبية، ووجد مهاب جالسًا أمام حاسوبه، ما إن شعر بدخوله حتى نهض، وفي اللحظة نفسها بادره سليم بالسؤال، وصوته يحمل استعجالًا لا يُخفى:
_هما فين؟
أجابه مهاب بهدوءٍ مطمئن:
_فوق في الأوضة اللي في آخر الكوريدور.
ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة خفيفة، مترددة، كأنها لا تصدق ما تسمعه، أو تخشى أن يكون في الأمر وهم آخر. لاحظ مهاب ذلك، فابتسم هو أيضًا، وقال بنبرةٍ يغلب عليها الارتياح:
_كلهم كويسين متقلقش، إحنا نجحنا.
اتسعت ابتسامة سليم أكثر، لكنها لم تكن ابتسامة انتصارٍ صاخب، بل كانت ارتخاءً عميقًا لشيءٍ ظل مشدودًا في داخله طويلًا. استدار سريعًا، وغادر المختبر، متجهًا إلى السلم بخطواتٍ تسبقها لهفته.
صعد إلى الطابق العلوي، وسار في الممر الطويل، والجدران من حوله صامتة، تراقب اقترابه. لم يُنكر لنفسه أن دقات قلبه كانت تتسارع على نحوٍ مؤلم، حتى خُيّل إليه أن ضلوعه تتألم منها.. كلما اقترب من الباب في آخر الممر، ازداد الإيقاع حدّةً، بدا أن قلبه يخشى المفاجأة بقدر ما يتوق إليها.
توقف أمام الباب. مد يده إلى المقبض، وبقيت أصابعه عليه لحظةً قصيرة، كأنها تستجمع شجاعتها. ثم أدار المقبض وفتح الباب...
انساب ضوء النهار الهادئ إلى عينيه، ممتزجًا بألوان الغرفة المريحة التي تبعث طمأنينةً دافئة، وكان المشهد ساكنًا على نحوٍ يكاد يكون حلمًا.. فعلى السرير، كانت مريم نائمةً كالملاك، ملامحها هادئة، أنفاسها منتظمة، وجهها غارق في سكينةٍ بريئة، وبجوارها جلست علا، تتحسس شعرها برفقٍ حانٍ، تخشى أن تزعج نومها بهجرها أو توقظ ألمًا لم يُشفَ بعد.
حين فتح الباب ودخل رفعت علا رأسها، وما إن وقع بصرها عليه حتى اتسعت ابتسامتها بحبور صافي، ونهضت في حركة اندفاعية، وركضت نحوه دون تردد، فاصطدمت بصدره وارتمت في حضنه.
وتلقاها سليم بذراعين مفتوحتين، وضمها بقوة، وضحك ضحكةً خفيفةً خرجت من عمق ارتياحه، وهو يتمتم بحمدٍ لله، فكان قلبه معلقًا بخيطٍ رفيعٍ وانقطع عنه الخوف أخيرًا. أبعدها قليلًا، وأمسك بوجهها بين كفيه، يتأمل ملامحها بعينين تمشطان كل تفصيلة، كأنه يتأكد أنها أمامه حقًا، حية، كاملة.
_إنتِ كويسة يا حبيبتي؟ حاسة بإيه؟
قالت علا مبتسمة، ودموع لامعة تستقر في عينيها:
_جالي صداع شوية بس بدأ يروح... مكنتش أعرف إننا هنحس بوجع الطلقة.
ارتسم على وجه سليم ظل قلقٍ عابر، فالتفت إلى مريم النائمة على السرير، وسأل بصوتٍ أخفض:
_على كدة هي اتوجعت جامد؟
أجابت علا، وعيناها تذهب إلى الصغيرة بحنانٍ مشوب بأثر خوف لم يندمل تمامًا:
_أه، قعدت مدة كبيرة تعيط وهلوست شوية، بس مهاب ادالها مهدئ ونامت مرتاحة.
في تلك اللحظة، تسلل إلى الغرفة صوت خطواتٍ قادمة من خلف سليم، خطوات واثقة، هادئة. التفت سليم على الفور، فإذا بجمال يقف أمامه بكامل صحته، ملامحه سليمة، وجسده ثابت.. لم يتمالك سليم نفسه؛ انفجر ضاحكًا ضحكةً صافية هذه المرة، وتقدم نحوه يعانقه بحرارة، فبادله جمال العناق، وضمه مبتسمًا.
بعدها ابتعد سليم ونظر إلى جمال، وقال:
_من النهاردة لازم تعمل حسابك، إن حياتك هتتغير من اليوم دا.
رمقه جمال بنظرة استفهامية، تتأرجح بين الفضول والترقب. عندها نظر سليم إليه، ثم إلى علا، ثم إلى مريم النائمة، ليضعهم جميعًا في كفةٍ واحدة قبل أن ينطق:
_إنتوا دلوقتي قدامهم ميتين بشكل رسمي.. وإحنا هنكمل اللعبة دي معاهم، عشان كدة إنتوا التلاتة لازم تقعدوا في مكان مخفي عنهم لان جيش النوفريين في كل مكان والتجسس عندهم ولا تجسس المخابرات الروسية، وخلاص بعد الحرب اللي عملتوها إنت وإسماعيل مع نور، سردار مش هيسكت ولا هيستنى.. عشان كدة لازم نعمل حسابنا لأي حاجة.
سادت لحظة صمتٍ مشدود، بدت فيها الكلمات كأنها أعادت رسم مصيرٍ كامل في الهواء.. امتعض جمال برهة، ثم قال بصوت يشي بروحٍ لا تعرف الانسحاب:
_سليم، أنا جندي، أنا مش بتاع إني استخبى من غير ما أعمل حاجة... مينفعش.
أومأ سليم برأسه، وقال بنبرةٍ متفهمة، لكن حاسمة:
_فاهمك، وإحنا مش هنسيبكم مستخبيين وبس بالعكس إحنا هنستفيد منكم خصوصا إنت... بس بطريقة غير الطريق الاعتيادية.
توقف قليلًا، وهو يهيأ نفسه لما سيقوله بعد ذلك الذي سيكون، بل بداية فصلٍ جديد كامل.. ثم أردف:
_أول حاجة إن إنت وعلا هتتجوزوا، هتكتبوا كتابكم وهنشوفلكم مكان تقعدوا فيه مع مريم ومن بعدها هنقرر وظيفتكم.
سكنوا تمامًا بعد أن استقرت كلمات سليم، لم يعترض أحد، ولم يُبدِ أحد أي دهشة صاخبة، لكن الصمت الذي أعقب قراره كان أبلغ من أي رد.
تبادل جمال وعلا نظرةً ثابتة، طويلة، صامتة.. لم تكن مجرد تلاقي عينين، بل كانت حوارًا كاملًا بلا كلمات.
كانت مشاعرهما تتنازع في داخلهما كمدٍّ وجزرٍ متلاحق؛ سعادة زواجٍ يأتي أخيرًا، ممزوجة بترقب حذر لمستقبل لن يكون عاديًا.. لم يكن قرار سليم وعدًا بالاستقرار، بل إعلانًا بمرحلةٍ أشد تعقيدًا؛ زواج يولد من رحم الخطر، واختباء يُفرض كضرورة، وحياة تبدأ تحت اسم الموت.
انزلقت نظراتهما نحو مريم النائمة بسلامٍ بريء، فاشتد في صدريهما إحساس آخر، أعمق من الحب وأثقل من الفرح.. المسؤولية. لم تعد المسألة مسألة نجاتهما وحدهما، بل صارت حماية طفلةٍ لا تعرف شيئًا عن الجيوش المتربصة، ولا عن الأسماء التي تُحاك حولها المؤامرات.. كان عليها أن تنام مطمئنة، مهما اضطرا أن يسهرا.
وفي سكون الغرفة، بين ضوء النهار الهادئ وأنفاس الطفلة المنتظمة، ولد شعور جديد.. ليس فرحًا خالصًا، ولا خوفًا خالصًا، بل مزيج معقد من الاثنين، يشبه تمامًا الحياة التي تنتظرهم.
ROMISAA