١١٥
.
.
.
منذ ما يقارب ثلاثة أعوام، بعد موت والدة فريدة ويامن بنحو سبعة أشهر، كانت الحياة قد استقرت في قالب رتيب قاسٍ، أشبه بدورة يومية لا تتوقف؛ واجبات تتوالى فوق أكتافٍ لم تكن يومًا معدّة لحمل هذا القدر من الثقل.
كان ذلك اليوم قد بدأ كغيره من الأيام.. عاديًا، مألوفًا، استيقظت فريدة مع خيوط الصباح الأولى، تتحرك في البيت بحضور ثابت، كعمود الخيمة الذي لا يحق له الانحناء. تولت خدمة إخوتها واحدًا تلو الآخر؛ توقظهم، تعد لهم ما يحتاجونه، وتدفعهم إلى مدارسهم قبل أن تنطلق إلى عملها.. وقبل أن تغادر، حملت زياد الصغير إلى جارتها، تاركة إياه في رعايتها حتى تعود.
وبعد بضع ساعات عادت منهكة ولكنها لم تسمح للإرهاق أن يظهر؛ فأخذت زياد بين ذراعيها واعتنت به، ثم انشغلت بإعداد الطعام وترتيب المنزل وغسل ملابس اخوتها، وتدور في البيت كآلة لا تعرف التوقف. حتى اقترب وقت المغرب، هنا كانت قد أتمّت ما عليها، لتغادر مجددًا إلى عملها الآخر، بعد أن عاد إخوتها من مدارسهم وعملهم واستقروا في المنزل.
كان كل شيء يسير وفق هذا النظام الصارم الذي فرضته الضرورة، إلى أن جاء الليل واقترب انتصافه.
في تلك الساعة، كان يامن جالسًا في غرفته، منكبًا على حاسوبه، يحاول أن يركز في عمله، لكن الضجيج المتصاعد في أرجاء البيت كان كعاصفة لا تهدأ.. بكاء زياد المتواصل، وصراخ بسنت ومنة وهما تتشاجران أثناء اللعب، وكريم ومحمد يتجادلان بصوتٍ عالٍ.
تسللت الفوضى إلى أعصابه شيئًا فشيئًا، حتى شعر أن رأسه يكاد ينفجر من شدة الأصوات، فنهض أخيرًا، دافعًا باب غرفته بعصبية وهو يخرج إلى الصالة، وقد نفد صبره.
_إيه الدوشة دي؟؟ في إيه؟!
أجاب كريم بوجهٍ ممتعض وصوتٍ يفيض بالضيق:
_بسنت قطعت رسمة منة، ومنة عايزة تكسرلها عروستها ياعم، ومحمد مش راضي يهدي ولا واحدة فيهم عمال يتفرج على الكارتون بتاعه ولا في باله حاجة، وزيادة عمال يعيط مش عارفين نعمل الرضاعة بتاعته، فين اختك ياعم اتأخرت ليه عايزين نخلص.
صرخ محمد معترضًا:
_إسمه أنمي مش كارتون!
تنهد يامن بعمق بذلك الزفير الثقيل الذي يخرج حين تتراكم المسؤوليات فوق القلب دفعةً واحدة، ثم رفع صوته صارخًا في محمد ومنة وبسنت، مجبرًا إياهم على التوقف والتزام الأدب، ثم اتجه إلى المطبخ بخطواتٍ سريعة ليعد حليب زياد بنفسه.
وفي تلك اللحظة، بينما كان البيت غارقًا في ضجيجه الداخلي، بدأ صوت آخر يتسلل من الخارج.. في هدوء الحارة الليلي، حيث الأزقة الضيقة التي تضخم أي صوتٍ يمر فيها، ارتفع صراخ حاد يتبعه شجار عنيف بين فتاتين، كان الصوت يجلجل بين الجدران القديمة وبدأت الحارة كلها تصغي.
اقترب الإخوة من النافذة بدافع الفضول والقلق، يتزاحمون حولها لينظروا إلى مصدر الجلبة. وفجأة صاحت منة بصوتٍ مرتجف:
_فريدة!
هناك في الأسفل، تحت ضوء المصباح الشاحب، ظهرت فريدة، كانت تمسك بذراع رضوى بقوةٍ
واضحة، تجرها خلفها في احتدام، بينما رضوى تحاول أن تفلت منها وهي تصرخ وتقاوم بعنف.
كان المشهد مشحونًا بالتوتر؛ فريدة تتحرك بصرامة قاسية، ورضوى تقاومها بصراخٍ يملأ الحارة.
وحين رفعت فريدة رأسها ووقعت عيناها على إخوتها عند النافذة، اتسعت نظرتها لحظة، ثم صاحت بحدة:
_خشوا جوا!!
بدا صوتها كأمرًا عسكريًا؛ فدخل الإخوة إلى الداخل في رهبةٍ فورية، وقد ارتسم القلق على وجوههم.
لم تمض لحظات حتى سُمعت خطوات سريعة غاضبة، ثم انفتح باب الشقة فجأة، ودخلت فريدة وهي تدفع رضوى أمامها بعنف، قبل أن تغلق الباب خلفها بقوةٍ جعلت الجدران ترتجف، وتجمع الإخوة في الصالة بلا وعي، يحدقون فيها بقلقٍ وخوف.
رمقتهم فريدة بنظرة صارمة، نظرة تحمل من الشدة ما يكفي لإسكات أي كلمة قبل أن تُقال، ثم صاحت بصوتٍ حازم لا يقبل نقاشًا:
_خشوا اوضكم!، كريم خد زياد ورضعه لحد ما أخلص شغلي مع اختك! يلا!!!
أطاعوا أمرها دون نقاش؛ فقد كان في صوتها ذلك الحزم الذي لا يترك مجالًا للاعتراض، امسك كريم زجاجة الحليب التي كان يامن قد أعدها، ثم انسحب الإخوة واحدًا تلو الآخر إلى غرفهم، وفي لحظاتٍ قليلة خلت الصالة إلا من ثلاثة.. فريدة، ويامن، ورضوى.
وقفت رضوى في منتصف المكان، صدرها يعلو ويهبط بسرعةٍ من أثر الغضب والاحتدام، بينما ظلت فريدة قبالتها، ثابتة في مكانها، كجدار صلب يتكثف فيه القهر والغضب معًا.
تقدم يامن نحوهما، وهو ينظر إليهما بنظرةٍ متسائلة مشوبة بالانزعاج، ثم قال:
_في إيه؟! فرجتوا الشارع عليكم! في إيه؟
لم تتردد رضوى لحظة، بل اندفعت كلماتها ساخطة حادة، وهي تريد أن تسبق الاتهام باتهامٍ أشد:
_اختك غيرانة مني، وعايزة تبوظ سمعتي عشان تلمّع في سمعتها!!
كانت فريدة واقفةً كما هي، لكنها لم تكن ساكنة في الحقيقة.. كان وجهها مشدودًا بقسوة، وعيناها مثبتتين على رضوى بنظرة جامدة، نظرةٍ باردةٍ حد التصلب، حتى بدا الغضب والقهر قد تجمدا فيها.
ثم خرج صوتها أخيرًا، وهي تقول بمرارة لاذعة:
_انتِ هتسيبي الواد دا امتى؟ هتعرفي امتى انه بيلعب بيكي؟! هتستوعبي امتى يا غبية انه مش عايز غير جسمك؟؟!!!
اتسعت عينا يامن فجأة في صدمةٍ حادة، ثم سرعان ما اشتعل السخط في ملامحه، والتفت فورًا نحو رضوى بسرعة، وقد تغير صوته تمامًا وهو يقول بحدةٍ لا تخطئها الأذن:
_شهاب تاني يا رضوى؟ هو أنا مش ضربت إبن الكلب دا خمس مرات قبل كدة عشان يبعد؟ رجعتيله تاني؟!!
رضوى لم تتراجع، بل اندفعت وهي تصرخ:
_آه رجعتله تاني!! عشان أنا مبحسش إني سعيدة ومتطمنة إلا معاه!! أنا مبحسش إني عايشة وإن الحياة حلوة غير معاه!! وبعدين إنتوا بتعاملوه كدة ليه؟ هو عمره ما اذاني ولا لمسني ولا عملي أي حاجة!
عندها قالت فريدة بنبرة تهديد ساخطة:
_طب خليني ساكتة، عشان مش عايزة اقول لأخوكي أنا شوفتكم إزاي!!
تلك الكلمات صدمت يامن صدمةً عنيفة رجرجت أعصابه دفعةً واحدة.. فقد جحظت عيناه فجأة واندفع نحو رضوى في خطوةٍ سريعة، وقبض على ذراعها بقوةٍ قاسية حتى كادت أصابعه تغور في لحمها، واهتز صوته باحتدام متأجج وهو يقول:
_عملتي إيه يخربيت اهلك!!! عملتي معاه ايه يا **** ؟؟!!
وفي لحظةٍ خاطفة بدون أن يترك لها فرصة للرد، ارتفعت يده وصفعها صفعةً قوية دوت في المكان جعلها تصيح متألمة، لكن رضوى لم تكن من النوع الذي يستسلم هكذا، فدفعته بعنف بيديها، اثناء ما ينفلت منها صراخ حاد، فتحول المشهد في لحظات إلى شجارٍ محتدم بحركتهما عشوائية، كأن كليهما فقد السيطرة على نفسه، حتى بدا أن الأمر قد يتجاوز مجرد شجارٍ عابر.
وفي خضم هذا الاحتدام، اندفعت فريدة بينهما فجأة وهي تصرخ بصوت حاد صارم، تأمرهم بالتوقف بنبرة حملت من السلطة ما يكفي ليخترق الفوضى،
ليتوقف يامن لحظة، وأنفاسه متلاحقة وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما تراجعت رضوى خطوة إلى الخلف، شعرها مبعثر ووجهها مشتعل بالسخط والمهانة.
وقفت رضوى وهي تنظر إليهما بنظرةٍ مليئة بالحقد والاحتقار، ثم قالت بصوتٍ مرتجف من شدة السخط:
_أقسم بالله إنتوا كلاب!!! أنا معملتش حاجة
واردفت وهي تشير الى فريدة:
_اختك اللي بتتبلي عليا، إنت مش عايز تفهم إن البت الحرباية دي مش مستحمله تشوف واد بيحبني عشان هي عانس وبايرة مفيش حد بيبصلها!!! هي بتقذفني عشان غيرانة مني!!!
ارتعش وجه فريدة لحظة، من قسوة الحديث ومن خبث نية رضوي، فقالت فريدة وارتجف صوتها لحظة من شدة القهر:
_يا غبية أنا عايزة أحميكي يا متخلفة!! أنا مش هستحمل أي حاجة وحشة تحصلك!!
_تحميني من إيه؟ وإنتِ مين أصلاً؟ إنتِ صدقتي نفسك يابت؟ أمي ماتت بسببك وبسبب جبروتك ودلوقتي بتحاولي تعملي نفسك أم؟!
تصلبت ملامح فريدة هنا تمامًا، وحدقت في رضوى بذهولٍ غاضب، وقد شعرت بحرارة الدم تصعد إلى رأسها، ثم صاحت بصوتٍ مرتفع وجسدها كله بدأ يرتجف من شدة الاحتدام:
_أعمل نفسي أم؟ أنا مبعملش حاجة في حياتي دي غير إني أبقا أم من يوم ما اتولدت! ودلوقتي مبقيتش أم بس لا بقيت أم وأب كمان!!، عشان كدة محدش في البيت دا هيمشي على كلمة غير كلمتي!! محدش تعب قدي لا أبوكي ولا أمك تعبوا قدي!!!
_مش هيمشوا عليا البقين دول يابت! إنتِ مبتعمليش حاجة في حياتك غير إنك تعملي نفسك مهمة ومتعصبة علينا دايمًا وتؤمرينا دايمًا وخنقانا في كل حاجة! أمي كان عندها حق في إنها تكرهك! كانت دايما تقولنا إنها ندمانه على إنها خلفتك ومكانتش بتحبك ابدًا، وكنت أقولها حرام ياما دي بتتعب معانا وبتساعدك بس طلع عندها حق! إنتِ واحدة مريضة! أقسم بالله الواحد مقهور إو أبويا وأمي ورباب اللي راحوا وإنتِ اللي فضلتي!! ياريتك إنتِ اللي موتي ولا اتباعتي مش هما!
ظلت فريدة تستمع إليها بجسدٍ ساكن ولسانٍ أخرس؛ فلم تتحرك، ولم ترد، ولم تمتلك حتى القدرة على وضع حدٍّ لها.. فقط ظلت تحدق في رضوى بعينين اتسعتا بذهولٍ مؤلم، والدموع قد تجمعت فيهما، لامعةً على أطراف المقلتين، لكنها لم تسقط..
اما يامن فتأجج في عينيه غضبًا ثقيلًا ممزوجًا بحماية غريزية لفريدة.. فاندفع نحو رضوى فجأة، وقبض على شعرها بعنف، يجرّها خلفه وهي تقاوم وتصرخ، بينما هو يسحبها نحو غرفتها.
كان صوته قاسيًا، حادًا، وهو يقول:
_إبقي شوفي مين بقا يا وسخة اللي هيخليكي تخرجي من البيت دا! إنتِ محتاجة تتربي تاني خشي!!
أدخلها يامن الغرفة بعنفٍ مكبوت، وما إن أُغلق الباب حتى انفجر صوت رضوى من الداخل، تصرخ وتضرب الباب بقبضتيها ضرباتٍ متلاحقة، وظل صراخها يتردد في الشقة لحظاتٍ قبل أن يخفت تدريجيًا...
عاد يامن إلى الصالة ووجد فريدة واقفة في نفس موضعها الذي تركها فيه، ولم تتحرك خطوة واحدة منذ لحظة الشجار، عيناها مسمرتين إلى الأرض، ساكنتين على نحوٍ مريب، وجسدها ثابتًا بلا أدنى حركة.
اقترب منها بخطواتٍ هادئة، وفي صوته محاولة خجولة لاحتواء الموقف:
_يلا يا فريدة عشان ترتاحي، سيبك منها.
رفعت فريدة رأسها قليلًا، ثم بلعت ريقها بصعوبة، ومدت يدها تمسح الدموع التي بقيت عالقة عند أطراف عينيها. وحين تكلمت، كان صوتها هادئًا بصورةٍ غريبة، كأن شيئًا لم يحدث قبل قليل:
_لسة معملتش عشاكم.
ثم استدارت ببساطة وتركته واقفًا مكانه، واتجهت إلى المطبخ... لم تخلع حذاءها بعد، ولم تبدل ملابسها، ولم تمنح نفسها حتى لحظة لتجلس أو تستعيد أنفاسها، فقط بدأت تتحرك في المطبخ مباشرة، تشعل الموقد، وتخرج الأواني، وتعد الطعام بإيقاعٍ آلي هادئ، وبدا أن جسدها قد تبرمج ليؤدي واجبه على أكمل وجه، حتى وإن كان قلبها مكسورًا.
ظل يامن واقفًا يراقبها من بعيد، وصدره يضيق بشعورٍ وخم من الحسرة.. كان يرى بعينيه كيف انهال عليها قبل قليل أقسى حديثٍ قد يسمعه إنسان عن نفسه، كلمات تمزق القلب، كلمات كان من الممكن أن تحطم أي شخص مهما كانت قوته.. ومع ذلك ها هي تقف هناك، تواصل ما اعتادت عليه، تخدمهم كأن شيئًا لم يمسها... وقد اثبتت بتصرفها هذا أن الألم ليس رفاهية مسموحًا لها بها.
ومرت الساعات ببطءٍ ثقيل الى أن انتهى العشاء، وجمع كل واحدٍ منهم أغراضه، ثم انسحبوا تباعًا إلى غرفهم، وأطفئت الأنوار في أرجاء البيت شيئًا فشيئًا، حتى غرق المكان في هدوء الليل المعتاد.
في زاويةٍ من الصالة كانت فريدة جالسة على الأريكة، وزياد الصغير مستقر في حضنها وهي تهدهده برفقٍ متكرر بحركة هادئة تتكرر بلا توقف، حتى يغلبه النعاس.
وأثناء جلوسها، لمحت بسنت تخرج من الحمام ونادتها فريدة لتأتي إليها، فتقدمت الفتاة الصغيرة، لتقول فريدة لها:
_غسلتي سنانك؟
أجابت بسنت بطاعة:
_أه غسلتها.
_شممني بقك.
فتحت بسنت فمها، فانحنت فريدة قليلًا وشمّت فمها، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة دافئة وقالت:
_شطورة، روحي بقا والحقي نامي عشان المدرسة بكرا.
أومأت بسنت برأسها ثم استدارت الصغيرة ومضت إلى غرفتها.. وعادت الصالة إلى صمتها.
بقيت فريدة وحدها في مكانها، تواصل تهدئة زياد، حتى غلبها النعاس.. وانخفضت حركة يدها تدريجيًا، وأثقلت جفونها، حتى أغلقت عينيها أخيرًا واستسلمت للنوم، بينما الطفل ما يزال بين ذراعيها.
ومر ما يقارب الساعة....
فُتح باب إحدى الغرف ببطء وخرج يامن منها، ليقع بصره على فريدة نائمةً في موضعها فتقدم نحوها في هدوء.. ومع ذلك، أحسّت بقدومه رغم استغراقها في النوم، فاستيقظت على الفور وفتحت عينيها ببطء، ثم رفعت نظرها إليه.
اقترب منها وهو يمد ذراعيه قائلًا:
_هاتيه يلا، عشان تنامي.
هزّت فريدة رأسها نافية، وقالت بهدوءٍ خافت:
_لا سيبه.. روح إنت نام، إيه اللي صحاك دلوقتي؟
سكت يامن لحظة ثم قرر الجلوس بجانبها، وظهر في ملامحه ثقل واضح، ثم قال بعد تردد:
_أنا معرفش ايه اللي بتفكري فيه دلوقتي بس.... أكيد إنتِ عارفة إن رضوى دماغها تعبانة من زمان، ف...كلامها مبيتاخدش بعين الاعتبار.
ابتسمت فريدة ابتسامة صغيرة باهتة، واهنة، ثم قالت بهدوءٍ حزين:
_أنا مش مصدومة من كلامها.. أنا عارفة إن أمي كانت بتكرهني، أصل مفيش أم تخلي بنتها خدامة بالشكل دا.. متخافش، كلامها مأثرش فيا بحاجة متشغلش بالك.
كان يامن يحدق في وجه فريدة محاولًا أن يقرأ ما خلف تلك ملامحها الهادئة؛ فقد شعر بالغصة الثقيلة التي تستقر في صدرها.. غصة مكتومة لا تريد أن تسمح لها بالخروج.. كان يعرفها جيدًا، يعرف كيف تخبئ ألمها داخلها حتى يبدو كأنه لم يوجد قط.
وحين شعرت بنظرته المعلّقة عليها، أدركت أنه يريد أن يستخرج منها ما تخفيه، فأردفت بصوتٍ مكتوم وكأن الكلمات تخرج رغمًا عنها:
_مش زعلانة من كلامها بس... ، مش قادرة أصدق إزاي الإنسان يقدر ينكر... سنين كتيرة من حياته كدة.
التفت يامن نحوها بكامل انتباهه، ثم أكملت:
_لو رضوى مش هتفتكر أول ست سنين من عمرها، لما كنت بغيرلها وبحميها وبعلمها المشي وبلعب معاها ومبنامش الليل عشان هي تقدر تنام براحتها... فاكيد لازم تفتكر السنين اللي بعد كدة، لما كنت ببقا جنبها في مرضها، ولما بوصلها لمدرستها، ولما بدي من مصروفي عشان تجيب الحاجة الحلوة اللي هي عايزاها، ولما بطبخلها اكلتها اللي هي حباها، ولما بسهر معاها اذاكرلها واحفظها عشان تجيب درجة حلوة في الإمتحانات... كل دي حاجة صعبة أوي تتعمل بس سهل اوي تتنسي، ليه؟
كان في هدوء حديثها حسرة عظيمة، وفي تذبذب نبرتها قهرة إنسانة ترى سنوات عمرها تتلاشى في ذاكرة من ضحّت لأجلهم..
شعر يامن بانقباضٍ مؤلم في صدره وهو يسمعها.. فقال محاولًا التخفيف عنها:
_زي ما قولتلك... هي دماغها تعبانة متركزيش كتير في كلامها، إحنا كلنا مستحيل ننسى اللي إنتِ عملتيخ عشاننا، دي بسنت ومنة بيقولولك ماما معظم الوقت.
ابتسمت فريدة ابتسامةً صغيرة شاحبة، ثم قالت بنبرةٍ خفيفة حاولت أن تجعلها مازحة:
_بس فكرة إني ابيع نفسي دي حلوة والله.
رد يامن بسخرية مريرة:
_آه بأمارة أبونا اللي باع نفسه وعمنا لهط الفلوس بتاعته.
_بس أنا لو بعت نفسي فلوسي هتبقا ليكم، ومش هيقدر ياخدهم.
ارتبك يامن فجأة من إصرارها غير المتوقع، وانعقد حاجباه وهو ينظر إليها بقلقٍ واضح:
_فريدة... متخوفنيش بقا.. إنتِ بجد عايزة تعملي كدة.
ابتسمت فريدة ابتسامةً أخف قليلًا، وقالت محاولة طمأنته:
_ياعم بهزر متقلقش أوي كدة، اكيد لا طبعا مش هسيبكم، هتعلموا إيه يعني من غيري دا إنتوا هتاكلوا في بعض.
ظل يامن ينظر إليها طويلًا وهو يتأمل وجهها في صمت، وكأن ذكريات سنواتٍ كاملة تمر أمام عينيه.. تعبها، سهرها، شقائها، الحياة الثقيلة التي حُملت على كتفيها منذ أن كانت صغيرة. تذكر كيف تحولت حياتها إلى سلسلةٍ متصلة من المسؤوليات التي لم تخترها، وكيف بدت أيامها دائمًا كأنها ليل طويل بلا فجر.
ثم قال بعد لحظة تفكيرٍ عميق:
_بس بجد يا فريدة.... عمرك فكرتي تسيبينا كلنا وتمشي؟
_أمشي فين؟
_مش قصدي تمشي بجد... قصدي يعني...
سكت يامن مانعًا نفسه عن سرد الفكرة، ففهمت مقصده هنا وقالت ببساطةٍ هادئة:
_انتحر يعني؟ ومين فينا مفكرش إنه ينتحر، بذمتك مش كلنا فكرنا فيها؟
ابتسم يامن ابتسامة حزينة، وأومأ برأسه ببطء، فقالت فريدة مازحة محاولة أن تكسر ثقل الحديث:
_رغم إننا فكرنا في كدة كتير، أتمنى محدش فيكم ينفذها... مش بعد كل التعب دا عليكم تموتوا قبلي، استنوا لما أموت قبلكم.
ضحك يامن بخفةٍ ممزوجة بحزن، ثم مدّ يده وأمسك بيدها برفق، وقال:
_بعد الشر عليكي.
.
.
.
.
تلك الذكرى، ومئات سواها مما يخص فريدة، ظلت تعبر ذهن يامن على امتداد طريقه، تتقاطر عليه كطيفٍ لا يهدأ، وتتشابك في صدره كخيوط من ألم قديم لا ينفصم.. وها هو، بعد ثلاثة أعوامٍ من توسل فريدة إليه ألا يُزهق روحه، وأن ينتظر حتى تسبقه هي إلى الموت، يجد اللحظة قد أزفت...
ظل يامن يسير بين شوارع القاهرة تحت الشمس الحارقة وهي تصهر ما تبقى فيه من صبر، وقد جفّت عيناه من الدموع حتى غدتا كأرضٍ قاحلةٍ لفظت ماءها. تمر السيارات من حوله، ويعبر الناس إلى أشغالهم بوجوه ثابتة لا تحمل شيئًا من فوضاه الداخلية، وكان من المفترض أن يكون الآن جالسًا في مكتبه بالجريدة، غارقًا في سطور الأخبار، لا في هذا التيه الثقيل، لكنه قرّر أن يُنهي كل شيء...
والعالم من حوله يمضي في نظامه المعتاد، غير عابئٍ بأن واحدًا منهم على وشك أن ينسحب منه بإرادته، بصمتٍ لا يُرى.
~هتعمل إيه؟ هتموت نفسك؟ مفكر إنك كدة هتخلص مني؟ مفكر إنك كدة هتهرب من الجرايم اللي عملتها؟ مفكر إنك مش هتشوف علا في جهنم معاك؟
كان ذلك المسخ القابع في أعماقه يثرثر بلا انقطاع، صوته كدبيبٍ لزجٍ يزحف على جدران عقله، لا يكلّ ولا يرحم، مما جعله يتشبّث أكثر بفكرة انتحاره، فهي النجاة الوحيدة من هذا الحصار الداخلي، نفسه، وضميره، وعقله، وذلك الكائن المتطفل.. جميعهم ينهشونه نهشًا، يمزقون ما تبقى فيه من تماسك، حتى لم يعد يحتمل هذا الصراع المستعر في صدره.
وفوق ذلك، كلما وقعت عيناه على يديه، تخيلهما مخضبتين بدماء علا وجمال وشيماء، وربما ضحايا أكثر يجهلهم، ويشعر أن اللعنة لم تغادر جلده.. لذلك بدا له أن اللحظة قد حانت.. أن يغسلهما، أن يطهرهما، ولو كان الثمن أن يغرق هو نفسه إلى الأبد.
وعند أحد الكباري الممتدة فوق النيل، توقف يامن، وقد انعقدت قدماه وشُلّت إرادته فجأة، وراح يحدق في صفحة الماء الممتدة أسفله.. كانت لألأة ضوء الشمس تنكسر على السطح في ومضاتٍ راقصة، توحي للناظر بحبور خفيف وانتعاش خادع.. لكن هو لم يرَ في ذلك الامتداد سوى قبرٍ مفتوح، ولا في ذلك البريق سوى رماد ضحايا طمس كل ضوء كان يسكن عينيه يومًا.
تقدم بخطواتٍ وئيدة مثقلة، حتى بلغ السور، فاستند إليه ثم وقف فوقه، والمارّة يرمقونه بنظراتٍ عابرة تتعثر عنده لحظة ثم تمضي بلا اكتراث، وفي رأسه كان روح القوة يثرثر بلا انقطاع ليحاول أن ينتزعه من قراره… لكنه حسم أمره، واستعد للقفز بخطوة واحدة في الهواء تنتهي بها كل شيء.
لكن على عكس ما ظن، لم يسقط....
في اللحظة التي خطى فيها قدمه نحو الفراغ، امتدّت يد قاسية أمسكته بعنف، سحبته إلى الخلف بقوة خاطفة، حتى ارتطم بالأرض ارتطامًا موجعًا، وسقط إلى جواره من أنقذه.. ارتجف جسده، والتفت فورًا بعينين مذهولتين، ليجد عمر بجانبه على الارض.
تراجع يامن ونهض مذعورًا على عجل، وصوته يخرج متهدجًا بين الرجاء والانهيار:
_سيبني يا عمر!! سيبني!! أنا قتلت مراتك وابنك سيبتي أموت!! سيبني!!!
سرعان ما نهض عمر أمامه وقبض على كتفيه بقوة، ليثبته في الحياة رغمًا عنه، وعيناه تموجان بألمٍ دفين، وردد بصوت مختنق لكنه حاسم:
_أنا عارف! أنا عارف! دي مش غلطتك صدقني، دا كان غصب عنك، اهدي وتعالى معايا.
لكن الكلمات لم تبلغ إليه وكانت تتكسّر على جدار فوضاه الداخلية، فصرخ يامن بأعلى صوته:
_سيبني يا عمر!! مش هستحمل، والله العظيم مش هقدر!! سيبنيي بقولك!!
وفي ذروة هذا الانفجار.. ظهر إسماعيل، يندفع برفقة رجال نبراس وخلفهم سيارة تقف على مقربة، كأنها تنتظر نهاية هذا المشهد منذ البداية.. وما إن وقعت عينا يامن عليهم، حتى تضاعف هلعه واتسعت ملامحه في فزعٍ هستيري، وارتد صوته باكيًا بحرقةٍ تمزق القلب:
_سيبني أموت يا إسماعيل!! أنا قتلتهم!!! قتلتهم!!! قتلت جمال وعلا!!
فجأة تحجر إسماعيل في موضعه، وتحولت ملامحه تحولًا حادًا؛ اتسعت عيناه في صدمة خاطفة سرعان ما تلبسها فزع مكتوم، وانسحب الدم من وجهه حتى بدا شاحبا كمن تلقى طعنة نازفة.. فتقدم بسرعة نحو يامن، وصوته يخرج مرتجفًا، متقطعًا بين الإنكار والرعب:
_إنت بتقول إيه؟! ج.. جمال مات؟ جمال مات؟؟!!
لم يحتج يامن إلى كلماتٍ إضافية.. اكتفى بأن يومئ برأسه، ودموعه تنهمر بقهر وندم قاتل، بينما أيدي رجال نبراس تمسك به وتسحبه نحو سيارة المؤسسة، وهو مستسلم كجسدٍ أنهكته المقاومة، لا يقوى حتى على الاعتراض.
تحرك الرجال به سريعًا، بينما ظل إسماعيل للحظةٍ مكانه، كما لو أن قدميه غُرستا في الأرض من ثقل الصدمة على قلبه.. لكنه قاوم واندفع خلفهم فجأةً، وانفلت صوته صارخًا حادًا، يطارد يامن وهو يقول:
_هو فين؟؟!! هو فين؟؟!!
قام يكرر بجنون، وحين نطق يامن بعنوان علا انطلق إسماعيل راكضًا نحو السيارة ليتجه إليه..
وفي الجهة الأخرى، وقف عمر لحظةً، يتابع المشهد بقلبٍ مثقل، وقد اختلط القلق بالحزن في عينيه اختلاطًا موجعًا.. رأى إسماعيل وهو ذاهبًا لجثة رفيق دربه، ويرى يامن وينظر إلى انكساره، إلى انهياره الذي لم يعد يُخفى، ثم اتجه نحو سيارة نبراس، ليأخذه بنفسه إلى المؤسسة..
**********
في الوقت ذاته.. وفي منزل يوسف، كان السكون يخيم على الأجواء بوطأةٍ ثقيلة..
فلم يزل كل من نوح، ومصطفى، وعصام، وهاجر، وفياض، وسعدية مجتمعين فيه، تتوزعهم ظلال القلق والترقب، منتظرين استيقاظ مصطفى في أي وقت.
هنا يهبط عصام إلى القبو، حيث المعمل... وهناك في عمق المكان، حيث تختلط رائحة المعادن بالبرودة العقيمة، وحيث الضوء أبيض قاسٍ لا يرحم، توقف أمام إحدى الغرف التابعة ليوسف وفتح الباب بعد أن طرقه طرقًا خفيفًا، ليجد يوسف جالسًا في غرفةٍ تشبه غرف العمليات؛ كل شيءٍ فيها منظم بدقةٍ مقلقة.
كان يوسف جالسًا ممسكًا بدفترٍ بين يديه يرسم شئٍ ما، رفع عصام صوته بنبرة متهكمة:
_بقولك يا يوسف، البت عايزة تفطر، عادي نستخدم المطبخ ولا هنلاقي يورانيوم في التلاجة؟
ارتسمت على شفتي يوسف ابتسامة خفيفة، لم تكتمل، وبقيت عيناه معلقتين بما يرسم وهو يقول:
_لا متقلقش، كلوا واعملوا أي حاجة براحتكم.
أومأ عصام برأسه ايماءة طفيفة ونظرته لم تفارقه، ظل يرمقه لبرهةٍ طويلة، كأنه يحاول أن ينفذ إلى ما وراء ذلك الهدوء المريب.. ففي داخله شيء لا يستريح، وبعد لحظة صمتٍ قصيرة، انزلق سؤاله، حادًا رغم هدوء نبرته:
_إيه اللي جابها هنا بالمناسبة؟ وليه؟
لم يرفع يوسف رأسه، بل جاء صوته عاديًا، بسيطًا حد الاستفزاز:
_هي مقالتلكش؟
أجابه عصام، وقد بدأ الضيق يتسلل إلى ملامحه:
_لا رافضة تقول...
أومأ يوسف برأسه كمن استوعب الأمر دون أن يهتم، ثم قال بتلقائيةٍ باردة خالية من أي تمهيد:
_طلبت من أحمد يجيبها فجابها.
سأل عصام بتلقائية بدون أي شك:
_أحمد دا السواق بتاعك؟
اتّسعت ابتسامة يوسف قليلًا، ورفع بصره أخيرًا نحوه بنظرة مباشرة تحمل في طياتها شيئًا لا يُطمئن، وقال بهدوء يكاد يكون قاسيًا في بساطته:
_أحمد ابنك يا عصام.
حينها.. شعر عصام ببرودةٍ جارفة تسري في جسده، كأن الدم قد انسحب من أطرافه فجأة، ارتبك، واختل توازنه الداخلي بعنف رغم ثباته، وابتلع ريقه بصعوبة محاولًا أن يتمسك بما تبقى من رباطة جأشه، بينما الكلمات تتعثر في حلقه قبل أن تخرج:
_إنت.. إنت بتتواصل معاه؟
جاءه الرد سريعًا، هادئًا، كأنه يتحدّث عن أمرٍ اعتيادي لا يحمل أي ثقل:
_أه.. هو بقا تبعي يعتبر، من أول ما هرب من عندك وأنا باخد بالي منه..
عقد عصام حاجبيه، وانحنت ملامحه انحناءةً قاسية، بينما أخذ الغضب يتسرب إلى صوته تدريجيًا، متدرجًا من دهشةٍ مضطربة إلى احتدامٍ مكتوم:
_إنت اللي خليته يعيش معاك مش سردار؟
_اه..
ذاك الرد كان كشرارةٍ سقطت على هشيمٍ متراكم، فاشتعلت في صدر عصام أسئلة أثقل من أن تُحتمل.. شد على فكه، وتصلّبت نبرته وهو يقول، وقد حاول عبثًا أن يكبح ما يتصاعد فيه:
_أحمد السبب في إن رحمة تتقتل.. إنت اللي امرته يعمل كدة؟!
لم يتغير شيء في ملامح يوسف بل ظل على بروده المعتاد، ثم أجاب بصوتٍ مستوٍ، منطقي في ظاهره، قاسٍ في جوهره:
_وأنا هستفيد إيه لما رحمة تموت؟ أه أنا سهلت عليه فكرة إنه ينتقم منك لأنك تستحق.. بس الموضوع صادف يكون فيه واحد تاني عايز يقتل رحمة، فهو اتصرف بنفسه، شاف إنها فكرة حلوة لما يحرق قلبك عليها... أنا مش البوص بتاعه عشان اأمره، أنا سهلت عليه الوسيلة مش أكتر، حتى هو قرر يسيبني ويحارب مع مصطفى ويعيش مع جمال وإسماعيل ووليد... وأنا اكيد مش همنعه يعني.
هبطت كلمات يوسف على مسمع عصام بألمٍ قاتل، كل كلمة كرصاصة تلو الأخرى، تستقر في صميم روحه لتحدث ثقوباً من الصدمة، فتجمد في مكانه بينما احتقنت عيناه بوهجٍ مرير؛ مزيج من الانكسار والذهول أمام الحقيقة العارية.. كان يريد أن يظهر رد فعله عن هذا الامر لكن خذله لسانه، وغصّت حنجرته بكلماتٍ لم يجد لها سبيلاً...
رفع يوسف بصره إليه، ونظر إليه نظرة طويلة ثابتة، كأنه يتفحص ما آل إليه، أو ينتظر لحظة الانهيار الكاملة، ثم قال:
_إيه؟ هتلوم ابنك؟ هتتهمه بالإجرام عشان ممنعش قتل رحمة واستخدمها في انتقامه؟
ارتجف صوت عصام حين أجاب، نطق بكلمات غير متماسكة، مبللة بانكسارٍ لم يعد يُخفى، وانسابت دمعة من عينه رغمًا عنه:
_هي ملهاش ذنب... هي أطهر وأنقى وأحسن من إنها تموت بسبب واحد زيي...
لم يتأخر رد يوسف، وجاء قاطعًا:
_وأحمد كان شايف أمه أطهر وأنقى وأحسن من إنها تموت بسببك برضو.
تلقى عصام العبارة كصفعةٍ صامتة.. فزفر بضيقٍ خانق، والتفت بجسده ليغادر، هاربًا من هذا الثقل الذي لم يعد يُحتمل ومن هذا الحوار الذي لم يترك فيه موضعًا سليمًا.
لكن صوت يوسف أوقفه وهو يمسك بالدفتر الذي كان يرسم فيه:
_استنى يا عصام، تعالى قولي إيه رأيك.
توقف عصام في موضعه ثم التفت بفتور بحركةٍ لا مبالية تُفصح عن عدم رغبته في استكمال هذا الحوار، وما إن وقعت عيناه على ما يعرضه يوسف إليه، حتى تبدلت ملامحه تبدلًا حادًا؛ انكمش حزنه وتقلص قهره لحظةً، ليفسحا المجال لدهشة مشوبة بتقزز واستغراب كثيف، انعقدت معه حاجباه وهو يقول:
_إيه اللي إنت راسمه دا؟!
_اناتومي...
حدق فيه عصام طويلًا، نظرة يختلط فيها عدم الفهم بنفورٍ متزايد، ثم أجاب بنبرةٍ يغلب عليها الضيق:
_طيب؟ بتاخد رأيي في هوايتك الغريبة دي ليه مش فاهم؟
انفرجت شفتا يوسف عن ضحكةٍ خفيفة تحمل استخفافًا خفيًا، ثم قال:
_دي مش هواية... أنا بس براجع الحجم الحقيقي عشان لما اعالجك ميبقاش مختلف عن قبله.
استمر عصام في التحديق فيه، وقد بدأ الإدراك يتسرب إليه ببطءٍ مقلق، ثم قال:
_تعالجني؟ يعني إيه؟ حالتي مستحيل تتعالج.
_هي مستحيل تتعالج في الطب وبالأبموف، بس عندي أنا فمفيش حاجة مستحيلة بقوتي...
بدا التوتر يطفح تدريجيًا على ملامح عصام.. تشتتت نظرته، واضطربت أنفاسه قليلًا، وانعكس في عينيه تردد لم يستطع إخفاءه؛ فهو لم يرى في العرض إغراء بل تهديد مبطّن، وفكرة أكبر من أن تحتمل.. ليشيح ببصره إلى الأرض، فارًا بعينيه من مواجهة ما يُعرض عليه، أو من احتمال تصديقه.
فلاحظ يوسف ذلك ومال برأسه قليلًا وهو ينظر إلى وجه عصام المطأطئ، وقد ارتسمت على وجه يوسف لمحة استغراب وهو يقول:
_كنت بحسبك هتفرح يعني...
جاء رد عصام منخفضًا مثقلًا بالاستسلام:
_أنا الأحسن أكون كدة...
توقف يوسف لحظة، ثم سأله بنبرةٍ تحمل فضولًا باردًا أكثر من أي تعاطف:
_الأحسن من ناحية إيه؟ اعتقد يعني لو ربك اللي كتب اقدارك زي ما بتقولوا وعارف البلاوي اللي هتعملها، كان خلقك بنت من الأول يعني.
اخرج عصام زفرة عميقة خرجت محملة بنفاد صبرٍ وامتعاضٍ واضح، وبدأ الحوار يستنزف ما تبقى فيه من تماسك، ثم قال:
_يعني إوت منين تساعد أحمد على إنه يعمل فيا كدة وفي الآخر ترجع تعالجني يعني؟
_أنا مالي بأحمد؟
ظل عصام صامتًا دون رد وبدون مواجهة.. عندها، وضع يوسف الرسمة جانبًا في هدوء محسوب ونهض من مقعده بحركة متأنية، ثم اقترب منه بخطواتٍ ثابتة، وقال بصوت ثابت:
_قولي يا عصام؟ إنت توبت عشان اتصابت الإصابة دي ولا توبت عشان إنت عايز تبطل فعلا وحابب فكرة التوبة؟
رفع عصام بصره إليه بنظرة مثقلة بالعجز، حائرة أمام هذا السؤال الذي جاءه من حيث لا يتوقع. لم يُجب، لكن صمته كان كافيًا ليمنح يوسف مساحة أوسع للاسترسال، فأردف بنبرة أكثر حسمًا، وأشد تعريةً:
_أعتقد التوبة الحقيقية والإختبار الحقيقي هو لما تكون سليم وتمنع نفسك بالفعل، إنما إنت... إنت مش شخص تايب إنت مجرد راجل ناقص ومتصالح مع الفكرة، وخايف ترجع راجل كامل لترجع زي الأول، بس دا مش تفكير شخص تائب "توبة نصوحة" زي ما بتقولوها... إنت متوبتش يا عصام إنت متعايش مع نقصانك بس وشايف إنك كدة نجحت في توبتك.. التوبة الحقيقية هو إنك تمنع نفسك من حاجة إنت اصلًا قادر عليها يا عصام.
ومجددًا تتوغل كلمات يوسف في أعماق عصام ببطءٍ قاسٍ، وتنقّب في مناطق حاول طويلًا أن يطمسها، وتعيد تشكيل أفكاره على هيئة لم يألفها. ظل ينظر إلى يوسف، لكنّ عينه لم تكن تبصر يوسف قدر ما كانت تحدق في مرآة ذاته المنهكة؛ ومع كل حرفٍ يُلقى، كان صرح يقينه القديم يتداعى، ليبرز من بين الحطام كيان جديد غامض.
ثم قال يوسف، بعد لحظة قصيرة من الصمت:
_إنت اتعاقبت بما فيه الكفاية... وجه وقت تخلص فترة عقابك وتخش فترة توبتك الحقيقية.
وأشار بعينيه نحو سرير العمليات القابع في زاوية الغرفة، ذلك السرير الذي بدا في نظر عصام فجأة كحدٍّ فاصل بين نسختين منه، لا كقطعة أثاث جامدة.. وتبعت عيناه الإشارة، واستقر بصره عليه، بينما واصل يوسف حديثه، بنبرةٍ هادئة تحمل في طياتها عرضًا لا يخلو من التهديد:
_ممكن تبقا تجربة مؤلمة أكتر من ألم الاصابة... بس تستحق إنك تستحمل عشانها.
ظل عصام واقفًا، ينظر إلى السرير، والأفكار تتصادم في رأسه بعنف، تتنازع، تتشظى، وتتكون من جديد. هل يترك نفسه ليعود رجلًا طبيعيًا، كاملًا كما كان، بلا نقصٍ يُذكّره، بلا قيدٍ يردعه؟ هل يختبر توبته حقًا، كما قال يوسف، في مواجهة القدرة لا العجز؟
أم يرفض ويتمسك بعقوبته؟ بذلك النقص الذي صار جزءًا من تعريفه لنفسه، كدرعٍ يحميه من السقوط مجددًا، وكشاهدٍ دائم على ما كان، وعبرةٍ لا تُمحى؟
تشرذم بين نقيضين، ودار في حلقةٍ مفرغة أكلت زوايا استقراره، فلم يعد يملك من أمره وقوفاً ولا رحيلاً، لكن.. وبعد طول صراعٍ صامت استقر داخله على قرار، قرار لم يكن راحة، بل اختيارًا بين ألمٍ وألم، بين مواجهةٍ لا مفر منها، وهروبٍ لم يعد يُجدي.
***********
في غضون هذا الوقت..
كان ياسر جالسًا في أحد قصور الرئاسة غير الأساسية، داخل مكتبه الواسع الذي يغمره صمت ثقيل، جالسًا أمام حاسوبه، وقد انعقد تركيزه على ما يتابعه في الشاشة.. وهنا جاء طرق خافت على الباب، تبعه دخول الحارس بخطواتٍ منضبطة، وقال بنبرةٍ رسمية:
_ديميت شاهين وصلت، فخامتك.
رفع ياسر رأسه ببطء، وصحح بنبرةٍ هادئة لا تخلو من حدة خفيفة:
_الدكتورة... الدكتورة ديميت شاهين. دخلها.
أومأ الحارس وانصرف، ولم تمضِ لحظات حتى فُتح الباب مجددًا، ودخلت ديميت معصوبة العينين، تقاد بخطواتٍ حذرة، لكنها لم تكن مهتزة.. فكان في وقفتها رغم العتمة المفروضة عليها شيء من الثبات والكبرياء.
نهض ياسر من مقعده، واتجه نحوها بخطواتٍ موزونة، ثم مد يده ونزع العصبة عن عينيها... فتحت عينيها ببطء، ثم رفعتهما نحوه مباشرة بنظرةٍ جامدة قاسية الحواف، تختلط فيها لمحة الغضب بترقبٍ حذر...
ابتعد ياسر خطوةً إلى الخلف ليمنحها مسافةً متعمدة، وقال بنبرةٍ مهذبة:
_إزيك يا دكتورة، أتمنى رحلة القدوم متعبتكيش.
لم تُجبه، ولم تُبدِ أي مظهرٍ من التخفيف.. ظلت عيناها مثبتتين عليه، حادتين، تراقبانه في صمتٍ مشحون، قبل أن تقول بصوتٍ منخفضٍ لكنه صلب:
_يا ترى اللي خطفوا عيالي هيحتاجوا مني إيه؟
ارتسمت على شفتي ياسر ابتسامة خفيفة، أقرب إلى محاولة امتصاص حدة الموقف منها إلى تعبيرٍ حقيقي، ثم استدار واتجه نحو حاسوبه وأمسكه وأداره باتجاهها، كاشفًا لها ما عليه، وقال:
_أنا مخطفتش حد، والغلط اللي حصل بغفلة مني.. أنا صلحته.
تقدمت ديميت بنظرها نحو الشاشة، واستقرت عيناها على الخبر المعروض.. وكان عبارة عن براءة الست أخوات وعمهم بشكل كامل، رغم ذلك فلم يتغير وجهها كثيرًا.
فرفعت بصرها إليه مجددًا، وقالت بصرامةٍ هادئة، محسوبة الكلمات:
_لأ حضرتك مصلحتش حاجة، ما دام اللي خطفوهم عملوا حاجة من ورا ضهرك ومخافوش من رد فعلك ولا عقابك، ونشروا الخبر على العلن من غير ما تسمح ليهم... يبقا كدة فيه فشل حصل منك وهيبقا صعب تصليحه.
ظل ياسر واقفًا، مستندًا إلى حافة المكتب وكانت نظراته مبهمة، لا تُفصح عما يدور خلفها، وعيناه تتابعان ديميت في صمتٍ متماسك، صمتٍ لا يخلو من حسابٍ دقيق لكل كلمةٍ صدرت عنها.. لم يقاطعها، لم يظهر اعتراضًا، بل ترك حديثها ينتهي كاملًا، وحين سكتت، بقيت لحظة من السكون المشحون، قبل أن تردف ديميت، بنبرةٍ ثابتة لا تزال تحتفظ بحدتها:
_حضرتك جايبني ليه؟ عشان توريني الخبر دا بس؟
لم يتحرك ياسر من موضعه، لكن صوته خرج هادئًا:
_أنا جيبتك عشان أشوف رد فعلك من اللي حصل.. وتفكيرك ولغة جسمك ونبرة صوتك.. وكل حاجة أنا توقعتها إنتِ عملتيها يا دكتورة، عشان لما أصلح الدنيا كويس.. هجيبك تاني عشان أشوف رد فعلك وندمك على كل اللي قولتيه، غير كدة أنا عاين ليكي دور كبير في خدمة الدولة... مستحيل اسيب واحدة عندها علم كبير، فوق كدة تكون بنت سردار أكبر داهية في التاريخ الحديث.
في حديثه مزيجًا غريبًا من الثقة والتحدي، من التقييم البارد والرغبة في الاحتواء، بدا أنه لا يخاطبها كشخص فحسب بل كعنصر في معادلة أكبر يسعى لإحكامها.. ولم ترد ديميت هنا فورًا بل سكتت قليلًا لتزن ما قيل، ثم رفعت نظرها إليه وقالت، بصوتٍ أقل حدّة، لكنه لا يزال يحمل صرامةً واضحة:
_طب أنا استأذنك تبدأ تصليحك في إنك تدور على نجلاء... بقالها أكتر من ست ساعات مختفية.
في تلك اللحظة، تبدّل شيء خفي في ملامح ياسر.. كان قلقًا طفيفًا تسلل إلى عينيه، كأنّ الخيط الذي، ثم استقام قليلًا عن المكتب، واستعاد نبرته العملية سريعًا، وقال:
_هخليهم يبدأوا التحرك الأمني فورًا، وهنأمن مؤسساتها وأي ملفات كانت بتديرها، هي مننا برضو. تقدري تمشي دلوقتي.. وابقي تابعي الأخبار.
**********
وصل إسماعيل سريعًا إلى منزل علا، وما إن توقف بالسيارة حتى اندفع منها يركض بخطواتٍ متعثرة، وتتسارع أنفاسه حتى كادت تختنق في صدره.
لمح البوابة مفتوحة، وعبرها دون تردد متجهًا نحو باب المنزل، وراح يطرق عليه بعنفٍ متزايد، يضغط على الجرس مرارًا بلا انقطاع، بينما صدره يعلو ويهبط بعنف وقلبه يخفق بجنونٍ يكاد يُصمّ أذنيه، فوق مفاصله التي تتقفقف من شدة التوتر.
كان يتمتم بالأذكار والدعوات بشكلٍ متلاحق، ويرجو بكل ما تبقى فيه أن يكون جمال مصابًا فقط.. لم يحتمل الانتظار فدار حول المنزل، عيناه تجولان على النوافذ بقلقٍ محموم، الى أن وصل لإحدى النوافذ وهنا رآهم...
جمال وعلا.. ملقيان على الأرض، ساكنان والحياة انسحبت منهما تماماً. رأس جمال مهشمة من قوة الطلقة، كذلك علا، وكلاهما غارقان في دمائهما، التي امتدت حولهما كالبركة.
في تلك البرهة، انفصل إسماعيل عن حواسه؛ ساد سكون مطبق في عروقه حتى خُيل إليه أن مضخته قد كفت عن الحراك.. تجمدت نظراته في ذهولٍ متحجر، واحتقنت عيناه ببحيرة من الدموع الحبيسة، وتحولت عيناه زجاجاً يعكس فظاعة ما يرى.. يحدق بنظرات لا تشاهد مشهداً، بل ترقب انهيار عالمٍ بأسره.
مرّت ثوانٍ كالدهور وهو يحدق في جثتيهما، قبل أن يعود الهواء مجددًا إلى صدره فلهث بعنف، وتراجع جسده بلا وعي ذأطرافه لم تعد تطيعه فخارت قواه وسقط جالسًا على الأرض، وصوته يخرج متهدجًا مكسورًا:
_إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، والله فانية.. فانية يا جمال... فانية يا حبيبي.
لم يستطع البكاء.. لم تُسعفه الدموع في تلك اللحظة؛ كانت الصدمة أكبر من أن تُترجم إلى انفعالٍ مفهوم، كل ما استطاع فعله أنه أخرج هاتفه بيدٍ ترتجف ارتجافًا خفيفًا، محاولًا طلب الشرطة، لكن نظره تعثّر عند شاشة الهاتف.. ورأى عشر مكالماتٍ فائتة من سليم وفي اللحظة ذاتها، عاد الهاتف يرن برقمه.
رفع إسماعيل يده إلى رأسه وهو يشعر بورطة جامحه،لا يعلم كيف سيخبره، كيف ينطق بما رآه، كيف يقول إن أخته قُتلت... تثاقلت أنفاسه لكنه أجبر نفسه على التماسك، وفتح الخط.
_إسماعيل.
جاءه صوت سليم، عاديًا على نحوٍ مريب، فقال إسماعيل، والدموع أخيرًا تنساب من عينيه ببطءٍ ثقيل:
_سليم... محتاجك تسمعني.
_هسمعك لما تقابلني... أنا بعتلك لوكيشن شوفته؟
ارتجف صوته أكثر، وهو يحاول أن يتمسك بما تبقى له من قدرةٍ على الكلام:
_سليم بالله عليك، بالله عليك اسمعني متصعبش الموضوع عليا، عايزك تستودع ربك في أختك....
قاطعه سليم بنبرة طبيعية صادمة:
_إسماعيل أنا عارف...
تجمد إسماعيل في مكانه وتوقفت دموعه للحظة وهو لا يفهم شيء، وسمع سليم يردف:
_عارف إنك هتقولي إن علا وجمال ماتوا... بس الموضوع مش كدة، هما ماماتوش... روح للوكيشن اللي بعتهولك وهتعرف كل حاجة.
ثم اغلق سليم الخط.. وظل الهاتف في يد إسماعيل، بينما بلع ريقه بصعوبة محاولأ ابتلاع ما سمعه وتفسيره وربطه بما يراه أمامه.. لكنّ المعنى كان يتفلّت منه. رفع بصره ببطء، والتفت نحو الجثتين بنظرة مثقلة بحيرةٍ تمزق العقل، لم يستطع أن يتركهما.. لم يستطع أن يغادر هذا المشهد الذي سلب منه كل شيء.
لكن كلمات سليم ظلت تتردد في رأسه، وتفرض نفسها رغم كل ما يناقضها.. ولكن بعد كل هذا التردد نهض ببطءٍ متثاقل، وتحرك ذاهبًا.. لا لأنه اقتنع، بل لأنه لم يعد يملك رفاهية الاختيار.
**********
~أصحى.. الموضوع مش نافع.
تردد صوت مايا في عقل نوح قائلًا تلك الجملة ففتح عينيه، ونهض جالسًا وهو يلهث؛ فكان ممددًا إلى جوار مصطفى على السرير، في محاولة منه للبحث عن روح إلسيوم عن طريق النوم، لكن المحاولة كغيرها انتهت إلى لا شيء.
مرر نوح يده على وجهه في حركةٍ مشوبةٍ بالاستياء وخيبة الأمل، بينما تردد صوت مايا في رأسه، بوضوح لا يرحم:
~قدرتك ضاعت خالص يا نوح... العلاجات اللي اخدتها أثرت بشكل كبير.
تنفس نوح بعمق من صدره المثقل، والتفت ببطء نحو مصطفى النائم، يتأمله طويلًا.. كان وجهه ساكنًا، بلا تعبير، غارق في عالمٍ بعيد لا سبيل للوصول إليه. ارتسمت على ملامح نوح حسرة عميقة، وقال بصوتٍ خافتٍ يحمل مرارة العجز:
_يعني هيفضل في غيبوبة لحد ما إلسيوم يرجعله؟
~أيوة.. بس مينفعش نقعد متطمنين إن إلسيوم هيرجعله بمزاجه، نور الديب أكيد عنده القدرة معرفة مكان روح القوة ويجذبها ليه..
اشتد التوتر في ملامح نوح، ومسح على وجهه مرة أخرى في محاولة لاستعادة تماسكه، بينما الشعور بالتورط ونفاد الصبر يتصاعدان داخله.. فلم يعد هناك وقتٌ للانتظار، ولا مساحة للخطأ.
في تلك اللحظة فُتح الباب، ودخلت هاجر وحين رأته مستيقظًا قالت:
_إيه؟ عرفت مكانه؟
حرك نوح رأسه نافيًا بصمت دون أن ينطق، فجاء ردها زفرة طويلة تعبر عن ثقلٍ يتراكم فوق الجميع. وساد صمت قصير، قبل أن تقول بعد برهة:
_غادة اتصلت بيا عشان نروحلها عند سهام، بس قبلها هنروح لسليم ومعانا مصطفى نروحله لبيت مهاب.
رفع نوح نظره إليها، وسأل:
_وعصام؟
أجابت هاجر بنبرة يغلب عليها الضيق:
_معرفش دا يروح في أي داهية، بقالي نص ساعة أصلاً مشوفتوش، معرفش بيعمل إيه.
عاد نوح ينظر إلى مصطفى الراقد، ثم قال:
_ماشي اجهزي، بس بلاش نقول ليوسف إننا هنروحل لمهاب.
ابتسمت هاجر بسخرية خفيفة، وقالت:
_على أساس إن يوسف ميعرفش؟ صدقني هيطلع عارف كل حاجة وسايبنا على عمانا.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب مرةً أخرى، ودخل عصام... لكن بدا حضوره مختلفًا؛ وجهه محمرّ، وعيناه دامعتان بلمعانٍ خافت.. كأنه خرج لتوه من صراع لم يُرَ. وقف عند المدخل لحظة، ثم قال بصوتٍ يحاول أن يبدو طبيعيًا:
_إيه يا نوح؟ توصلت لحاجة؟
تبادل نوح وهاجر نظرة سريعة ثم عادا يحدقان فيه، ونظراتهما تحملان تساؤلًا صريحًا لم يُنطق. شعر عصام بالارتباك، وتحركت عيناه بينهما، وقال متلعثمًا:
_ا.. إيه في إيه؟
سألته هاجر:
_اختفيت فين فجأة؟ ورجعت عامل كدة ليه؟
ابتلع عصام ريقه، وبدا للحظة كأنه يبحث عن إجابةٍ مقنعة، ثم قال:
_هو الراجل مينفعش يبقا لوحده شوية؟
تبادل نوح وهاجر النظرات مرةً أخرى، قبل أن يتدخل عصام سريعًا لقطع هذا المسار:
_فياض عرفني على الاماكن اللي عايزين تروحوها، فاتصلت بياسمين وشوية وهتيجي بعربيتي عشان اوصلكم.
نظر إليه نوح بتركيز، وسأله:
_وهتبقا معانا؟
_آه هبقا معاكم...، وفياض قالي أنه هيوصل سعدية للمؤسسة.
وبعد مرور ما يقارب نصف الساعة، وصلت ياسمين تقود سيارة زوجها، أوقفتها سريعًا، ثم تناولت هاتفها واتصلت بعصام ليخرج مع أخوته.. لم تمضِ لحظات حتى رأتهم يخرجون؛ عصام يتقدمهم وهو يحمل مصطفى بين ذراعيه.
ترجلت ياسمين مسرعة وفتحت الباب الخلفي فاقترب عصام ووضع مصطفى برفقٍ داخله، ثم جلست هاجر إلى جواره وتبعهما نوح، وركب عصام خلف المقود وقال نوح لاخيه:
_بعتلك لوكيشن مهاب، هو قريب من هنا مش هناخد وقت.
تحركت السيارة، وانساب صوت المحرك قبل أن يقول عصام، وقد التفت قليلًا بنظرةٍ مستغربة:
_بيت مهاب قريب من هنا؟
_اه..
ومض في عقل عصام فجأة شعور بالشك القوي فور أن علم بتلك المعلومة، وتسلل إليه شعور خفي بالريبة، لكنه كبح ذلك الشعور، وقرر الصمت مؤقتًا.
وبالفعل، لم تمضِ سوى دقائق.. أقل من ربع ساعة حتى ووصلوا إلى المنزل. توقفت السيارة وترجلوا سريعًا، حمل عصام مصطفى مجددًا بينما تقدم نوح بخطواتٍ سريعة نحو الباب، وبدأ بطرقه بإلحاحٍ واضح.. لم يتأخّر الرد، إذ فتح الباب لتظهر شهد.
عقد نوح حاجبيه في دهشةٍ صريحة، وقال دون تمهيد:
_إنتِ لسة عايشة؟
ردّت شهد بنبرةٍ مشحونة بالضيق:
_إنت عايز إيه إنت كمان؟
وقبل أن يتصاعد التوتر، ظهر مهاب وتدخّل سريعًا، وسحب شهد قليلًا بعيدًا عن المدخل، ثم فتح الباب على اتساعه مشيرًا لهم بالدخول، ليدخل عصام حاملًا مصطفى، بينما تقدم مهاب يرشده نحو مختبره، وحين دخلوا احدى غرف المختبر أشار إلى أحد الأسرة ووضعه عليه بحذر.
ما إن استقر مصطفى، حتى التفت نوح إلى مهاب وقال:
_سليم قالك على حالته؟
_أيوة.. بس معنديش فكرة إزاي ممكن وعيه يرجع تاني.
تقدمت هاجر خطوة، وصوتها يحمل قلقًا واضحًا:
_طب تعرف تكشف عليه تشوف حالته مستقرة ولا لا؟
هز مهاب رأسه قليلًا، وأجاب بصراحةٍ بدت خالية من الزيف:
_أنا مفهمش في الأمور العضوية دي، غادة اللي تقدر تفهمها مش أنا...
في تلك اللحظة، انفتح الباب ودخل سليم، وقد التقط آخر كلماتهم، وقال بنبرةٍ مباشرة:
_أقدر أعمل أشعة عليه وأطلع منهم أي معلومة.
التفتت الأنظار إليه دفعةً واحدة، وسارع نوح بالسؤال وصوته يسبق قلقه:
_سليم، علا ومريم كويسين؟
_كويسين.
دخلت الراحة قلوبهم، وهنا القى عصام سؤال وهو يجيل نظره في المكان من حوله، بنبرة المحقق الفضولي:
_وهو مهاب عنده نوعية الأجهزة اللي بتعمل الاشعة؟
ابتسم مهاب ابتسامة بدت أقرب إلى التفاخر، وقال:
_أنا عندي جميع أنواع الأجهزة.
نظر إليه عصام بطرف عينه.. نظرة تحمل عدم ارتياح واضح،قبل أن يعود ليتفحص محيطه بعينين حذرتين.. كان ثمة هاجسٌ خفي يتسرب إلى مسامه، قلقٌ مبهم ينمو مع كل تفصيلة يقع عليها بصره؛ فتلك الهندسة الصارمة للغرف، وتراصُّ الأدوات بهذا الجمود، وذلك النظام الذي يقطر برودًا.. كلها تشبه إلى حدٍ مقلق مختبر يوسف.
وفي خضم هذا التوتر الخفي، قال سليم، موجّهًا حديثه إليهم جميعًا:
_بخصوص علا.. أنا محتاجكم قبل ما تروحوا لغادة، وكلمت فياض ييجي هنا بعد ما يوصل سعدية.
التفت إليه نوح، وقد انعقد القلق في ملامحه:
_ليه خير؟
رد سليم سريعًا بلا تمهيد:
_هنجوّز علا دلوقتي.
التفت عصام صوب سليم بسرعة تحت وطأة الكلمات التي اخترقته بصدمتها، وتزامنت معها نظرات هاجر ونوح التي انحبست فيها دهشة عارمة... كان للقرار وقع الصاعقة؛ إذ كيف لخطوةٍ كهذه أن تولد من رحم هذا الخراب وفي هذا الوقت بالذات؟ لقد كان لغزًا استعصى على الفهم، وشرارة زادت من حيرتهم حقًا.
***********
بعد مرور ما يقارب الساعة والنصف...
وصل إسماعيل إلى منزل مهاب، وفور رؤيته للبوابة المفتوحة اندفع داخلها بلا تردد، كان صدره لا يزال يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه متقطعة تحمل بقايا الفاجعة التي لم تغادره بعد، تقدم نحو الباب، ورفع يده ليطرقه...
_إسماعيل.
تجمّد في موضعه فور ان سمع تلك النبرة تناديه، ثم التفت بسرعة، ليقع بصره على مصدر النداء.. كان جمال، الذي رآه بعينيه منذ ساعةٍ تقريبًا جثةً هامدة غارقًا في دمه.
اتّسعت عينا إسماعيل وحدق فيه بحدة قوية كأنه يحاول أن يخترق الصورة ليتأكد من حقيقتها.. حدق فيه بأعين لم تجف دموعها بعد حتى آثارها لا تزال على وجنته، اثار شاهدة على صدمة لم تندمل. لوهلةٍ، تزعزع يقينه بكل شيء.. هل يخدعه عقله؟ هل بلغ به الألم حد الهلوسة؟ أم أن ما أمامه حقيقة تتجاوز الفهم؟
تقدم جمال نحوه بخطواتٍ حذرة، وقال بصوتٍ هادئ في محاولة واضحة منه لاحتواء حالة إسماعيل:
_إسماعيل... مش عايزك تقلق.
عقد حاجبيه، وعيناه لا تزالان معلقتين عليه بجمودٍ مذهول، وصوته خرج منهكًا مثقلًا بالصدمة وهو يقول:
_يعني إيه؟ يعني إيه؟
بدأ جمال يتحدث برفق، وهو يختار كلماته بحذرٍ شديد:
_كانت خطة، غادة صنعت مادة بتستنسخ الناس.. فهما عرفوا إن يامن هييجي يقتلنا انا وعلا فاستنسخونا، يعني الجثتين اللي شوفتهم مزيفين... متقلقش.
تحولت نظرات إسماعيل في لحظة، من ذهولٍ مجمد إلى غضبٍ جامح، فاندفع صوته محتدمًا:
_مقلقش؟! إنت بتستهبل!! وإنت متقوليش ليه؟؟ متقوليش لييه؟؟؟
تقدم بعدها خطوة عنيفة، وأمسك جمال من قميصه وقبضته مشدودة بقوة تقيس سخطه:
_أنا شوفت جثتك بعيني!!! شوفتهاا!!!
_مكانش المفروض تشوفها يا إسماعيل!!!
انفجر إسماعيل أكثر، وصاح وهو يهزه بعنف:
_دي غلطتي يعني؟؟!! ليه متقوليش؟؟ ليه تسيبني على عمايا؟؟!! ليه تفجعني بالشكل دا ليه؟؟!
ازداد سخط إسماعيل مع كل حرف ينطقه لسانه، لكن كان في ذلك السخط في حقيقته صورة أخرى من قهر عارم عاشه قبل قليل، قهر الفقد الذي لم يبرأ بعد، بل انقلب فجأةً إلى صدمةٍ مضاعفة. لم يحتمل جسده ذلك التراكم، فانفجر دفعةً واحدة عن طريق لكمه قوية في وجه جمال جعلت جسد جمال يتراجع خطوةً إلى الخلف، متأثرًا بوقع الضربة وثقلها.
وعاد إسماعيل يصرخ:
_إنت عارف إني ماليش غيرك إنت ومصطفى!!! ليه متبلغنيش يا جمال حرام علييك!!! حرام مسلم يروع مسلم يا أخي حرام!!
في تلك اللحظة، لم يجد جمال ردًّا، ولا تفسيرًا كافيًا، ولا حتى محاولةً للدفاع عن نفسه.. أدرك أن الكلمات لن تجدي، وأن ما أمامه ليس غضبًا يُناقش، بل ألمًا يحتاج أن يُحتوى.. فتقدم نحوه، وأمسك رأسه بكلتا يديه ثم جذبه إليه بقوة، واحتضنه احتضانًا شديدًا، في محاولة منه أن يعيد تثبيته في الواقع.
فتلوى إسماعيل بين ذراعيه وهو يحاول الابتعاد، ويقاوم هذا القرب الذي لا يزال غير مستوعب له، وصرخاته تتجدّد، لكن جمال تمسّك به أكثر، وثبت ذراعيه حوله، وصوته يخرج مبحوحًا متوسلًا:
_خلاص يا إسماعيل خلاص! خلاص وحد الله أرجوك، الحرب خدعة... وأنا مكانش في نيتي تقع إنت كمان في الخدعة دي... أنا اسف، خلاص بالله عليك سامحني خلاص.
وببطء.. بدأ التوتر يتسرب من جسد إسماعيل، خفت مقاومته تدريجيًا وانكسرت حدة صوته، حتى سكن أخيرًا.. يلهث وأنفاسه متلاحقة، والدموع لا تزال على عينيه.
في تلك اللحظة، انفتح الباب، وخرج إليهما نوح.. ووقعت عيناه عليهما، فثبت لحظة، يقرأ المشهد بصمتٍ سريع قبل أن يتقدّم قليلًا.. التفت إليه كل من إسماعيل وجمال، فتباعد إسماعيل خطوة، ومسح دموعه بيده على عجل، ليحاول استعادة شيءٍ من تماسكه في حضور نوح.
قال نوح، بنبرة تحمل قلقًا واضحًا:
_إنت كويس؟
أومأ إسماعيل برأسه، دون أن ينظر إليه مباشرة، فتابع نوح، نظرًا لأنه لا يريد إطالة الوقوف عند هذا الحد:
_طب يلا عشان المأذون مستني.
ثبت إسماعيل لوهلةوعقد حاجبيه في استغراب صريح، وحدق في نوح، ثم التفت إلى جمال بنظرةٍ مليئة بالحيرة، فقال نوح قبل أن يسأل بنبرة مختصرة:
_هشرحلك وإحنا داخلين... يلا.
تقدم جمال بخطواتٍ ثابتة نحو الداخل، بينما تبعه نوح وسار إلى جواره إسماعيل، الذي لا يزال في وقع الصدمة، كان يتحرك بجسده فقط أما عقله فلا يزال عالقًا خلفه... وفي خضم هذا الاضطراب، سأله نوح:
_أخبار رشا إيه؟
نظر إسماعيل إليه ببطء، ورد بصوتٍ شارد:
_رشا؟
_مش كنت في بيتها بعد الحرب اللي حصلتلكم دي؟
خرج إسماعيل من شروده، ثم قال متلعثمًا وهو يحاول ترتيب أفكاره:
_ا.. أه.. هي تمام الحمدلله.
لم يعلق نوحبل استأنف السير، وبدأ يشرح له الأمر.. وما حدث، وما يراد له أن يحدث، كانت الكلمات تتدفق تباعًا؛ عن خطة سليم، عن موت جمال وعلا المزيف، عن الخدعة التي نُسجت بإحكام، وعن القرار الذي وُلد من قلب الفوضى.. وهو تزويجهما.
كان إسماعيل يستمع، لكن كل جملة كانت تثقل صدره أكثر، لا لأنه يرفضها بل لأن عقله لم يلحق بعد بكل هذا التبدل.. فمنذ ساعة فقط، كان ينهار أمام جثتين.. وها هو الآن يُقاد إلى مشهد تزويجهما.
واصلوا السير، حتى بلغوا الصالة.. وهناك، رأى المأذون جالسًا بالفعل، وإلى جواره فياض، وإخوة علا، وجوه متباينة بين الترقب والتوتر والسعادة. وكانت علا هناك.. حيّة جالسة، لا ممددة، لا غارقة في دمها، بل حاضرة تنبض بالحياة.. واستمر إسماعيل في التحديق في كل شيء، بعينين لم تستوعبا بعد ما تراه.
جلسوا جميعًا، وقد خيّم على المكان سكون مهيب لا يقطعه سوى خشخشة الأوراق بين يدي المأذون، وهو يتفحص الثبوتيات ويخطّ في الدفاتر الرسمية بتركيزٍ رتيب، وهو يمهد لحظةً فاصلة ستبدل مصائرهم.
وما إن فرغ من إجراءاته حتى شرع في مراسم عقد القران، فامتدت الأيدي وأمسك يد جمال بيد فياض، في مشهدٍ تتشابك فيه الأقدار كما تتشابك الأصابع، وبدأ يُلقنهم صيغة الإيجاب، بصوتٍ وقورٍ يتردد صداه في صدور الحاضرين قبل جدران المكان.
كانت الأجواء مشحونة على نحوٍ دقيق، تتأرجح بين فرحٍ يكاد يفيض من العيون، وترقبٍ خفي يسحب الأنفاس.. رغم ذلك فما استقر ظاهرًا على أعين نوح وبقية الإخوة وإسماعيل كان ذاك الفرح الصافي، كما لو أنهم يتشبثون به ليُنعشوا أرواحهم التي أنهكها الوجع طويلًا، كانت الوجوه جميعها مشرقة، إلا وجهًا واحدًا اختار أن ينحاز إلى الظل.
حيث في تلك اللحظة، لمس صدر عصام شعور غامض بالابتعاد، إحساس خفي بأن اكتمال هذا الفرح قد يقتضي تراجعه خطوة إلى الوراء.. لم يكن حزنًا ولا نقصًا في سعادته، بل إدراك مربك بأن حضوره قد لا ينسجم تمامًا مع اكتمال الصورة... فانسحب ببطء، خطواتٍ قليلة لكنها ثقلة بما لا يُقال ثم التفت مبتعدًا..
لكن عيني علا لم تغفلا عن حركته، فلاحظته وهو يذهب مبتعدًا.. ولعل عصام قد استشعر نظرتها، فتوقف على حين غفلة والتفت إليها، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه يكسوها اعتذار صامت، ثم أومأ برأسه إيماءةً وديعة قبل أن يستدير من جديد، ويكمل ابتعاده.
في تلك اللحظة، امتدت يد لتقبض على يد علا، فالتفتت لتجد ياسمين، وقالت بابتسامتها الدافئة:
_متركزيش معاه... أهم حاجة تفرحي، كلنا حواليكي.
ابتسمت علا وربتت على يد ياسمين بيدها الأخرى، وهنا ارتفع صوت المأذون حاسمًا تلك المسافة بين القلق واليقين:
_بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.. الفاتحة.
فانطلقت الفاتحة على ألسنتهم، وما إن انتهوا حتى فجرت ياسمين زغرودة جلجلت في الأرجاء، فاهتز المكان بفرحٍ صاخب، وانفرجت الوجوه عن سعادةٍ صادقة، وتدفقت التهاني كالسيل.
وكان نوح أول من اندفع، يعانق أخته علا بعاطفةٍ غامرة، يقبل رأسها بحنوٍ غلمر، ثم يأتي دوره فياض يضمها بذات الحرارة، وبدا في تلك اللحظة انها جمعت ما بعثرته الأيام من مشاعر.
وقف جمال وعلى شفتيه ابتسامة هادئة، يرقب بها تلك الأجواء المبهجة التي أخذت تتسع من حوله كدوائر ضوءٍ متتابعة، يتردد فيها صدى الفرح بين الوجوه والأنفاس.. ويتأمل المشهد ليحفره جيدًا في ذاكرته؛ فلحظة كتلك طال انتظارها حتى كادت أن تُنسى، فإذا بها الآن تتجسد أمامه بكل هذا الامتلاء.
وفي خضم ذلك، لمح إسماعيل يقترب منه، وعلى وجهه ابتسامة لا تخطئها العين وتحمل بقايا ما كان بينهما منذ قليل، وما انقلب في لحظةٍ إلى شيءٍ آخر تمامًا. لم تطل بينهما النظرات ولم يتبادلا مقدمات أو كلمات عابرة، فكليهما يدرك أن ما بينهما أعمق من أن يُمهد له، حتى باغته إسماعيل وجذبه نحوه في عناقٍ قوي، اندفع فيه بكل ما اختلج في صدره.
_ألف مبروك يا جمال، ربنا يتمملك على خير ويرزقك الذرية الصالحة يارب.
ارتسمت على وجه جمال ابتسامة دافئة، وهو يربت على ظهر إسماعيل بحب صادق، وحين انفصلا عن ذلك العناق وقع بصره على إسماعيل وهو يمسح عينيه، في مشهدٍ لم يخلُ من مفارقةٍ أثارت دهشته، فقال مستغربًا:
_إيه ياعم، إنت بتعيط تاني؟
حرك إسماعيل رأسه في ضيق ممزوج بعجزٍ لطيف، وقال:
_مش عارف يا عم إيه دا! بسببك عيطت من الزعل ومن الفرح في نفس الساعة، دا محدش عملهالي في حياتي.
انفلتت ضحكة صافية من جمال، فالتقطها إسماعيل سريعًا وضحك هو الآخر، وعندها قال جمال بنبرة مازحة:
_لا لا، إنت بقيت رقيق أوي يالا.
ابتسم إسماعيل لكن ابتسامته هذه المرة حملت عمقًا مختلفًا، ولمعت عيناه بشيءٍ أكثر صدقًا، قبل أن يقول:
_يا إما بقيت رقيق... أو إنت مهم عندي لدرجة مشاعري تتحول بالسرعة دي بسببك.
أصابت كلمات إسماعيل موضعًا في وجدان جمال لم يكن مستعدًا له، فبقي لوهلةٍ صامتًا، تاركاً للمعنى أن يرسب في قاعه ببطءٍ مهيب، فيما بدا صدق تلك العاطفة أضخم من أن يُستوعب دفعة واحدة.. فتحول اللفظ البسيط إلى اعترافٍ ثقيل الوطأة بصداقة قوية، محطماً جدار الفكاهة العابر، ليضعه في مواجهةٍ مكشوفة مع حقيقةٍ كانت حاضرة دائماً، لكنه لم يقرأها بهذا الوضوح إلا الآن.
وفي خضم ذلك، لمح فياض يقترب وإشارته الهادئة تدعوه إلى الانفراد به، فتقدّم جمال مع فياض بخطواتٍ هادئة مبتعدين قليلًا عن صخب التجمع. توقّف فياض ثم التفت إليه، ونظرة رزينة استقرت في عينيه، قبل أن يقول بصوتٍ يحمل من الوقار بقدر ما يحمل من الحسم:
_ألف مبروك يابني، سليم قالي على كل حاجة.. وإنت مسؤوليتك دلوقتي متتقارنش أبدًا بمسؤولية نوح ولا سليم.. إنت هتحمي علا ومريم يا جمال، أغلى اتنين عندنا سليم خلاهم تحت حمايتك إنت ، عايزك تستوعب دا كويس.
أومأ جمال برأسه في هدوء، وعينيه حملتا عزيمة بدأت تتشكّل، وقال بنبرةٍ واثقة:
_مش عايز حضرتك تشيل هم، ربنا يرزقني القوة في السعي لحمايهم، ووالله أنا مستعد أضحي بروحي بس عشان احمي شعراية منهم.
تغيرت ملامح فياض قليلًا ولمعت في عينيه مسحة أبوية صادقة، فهز رأسه نافيًا وقال بنبرةٍ رزينة حاسمة، ليعيد ترتيب مفهوم التضحية في ذهنه:
_لأ.. مش عايزك تضحي بروحك، إحنا مش في الجيش هنا، عشان تشيل المسؤولية كويس يا جمال.. لازم تشوف روحك مهمة زيهم، تشوف روحك مهمة عشانهم مش عشانك، فاهمني يابني؟ وجودك وروحك هو الفارق اللي هيحميهم مش العكس.
توقف جمال عند هذه الكلمات، وهو يستوعب ذلك المفهوم.. أن القوة ليست في أن يفني نفسه، بل في أن يحافظ عليها لأجلهم. أدرك جمال المعنى فمال برأسه إيماءة فهمٍ صامتة، وقد استقر في داخله إدراك جديد، أكثر نضجًا واتزانًا.
ساد صمت قصير، ثم استأنف فياض بنبرةٍ أقل حدة، لكنها لا تقل وضوحًا:
_وعايز اأكد عليك برضو، إن علا خلاص بقت حلالك... أكيد فاهمني.
ارتبك جمال قليلًا، فقال بحذر:
_مش أوي يعني لسة...
قاطعه فياض بقوله:
_مفيش لسة، هي خلاص مراتك وحلالك من غير أي حاجة حرام... وإنت عرّف أي حد من أهلك وخلاص كدة تمت.. متصعبش الأمور عليك وعليها ماشي؟
ابتلع جمال ريقه، وشعر بحرارةٍ خفيفة تتصاعد إلى وجهه، مزيجٍ من التوتر والحياء وأومأ برأسه في صمت مجددًا.. عندها، دس فياض يده في جيبه وأخرج مفتاحًا صغيرًا، ثم قال وهو يمدّه إلى جمال:
_خد دي شقتكم اللي هتقعدوا فيها الفترة دي، مكتوبة بإسم إبن خالي وهو مديهالي بعد موته لإن معندوش عيلة، يعني واحد بعيد تماما عننا فمفيهاش شك.
تلقّى جمال المفتاح ببطء، رفع نظره إليه وسأله:
_تمام، فين الشقة دي؟
فأجابه فياض بهدوءٍ مقتضب، كمن يسدل الستار على مفاجأةٍ لم تكتمل بعد:
_في إسكندرية.
***********
في الوقت ذاته...
وصل عمر أخيرًا إلى عمارته، بعد أن أوصل يامن إلى مؤسسة نبراس، حيث تم التعامل مع حالته وإخضاعه للمهدئات ليستقر الآن في سباتٍ ثقيل.. أما عمر، فعاد بجسد منهك وروح متعبة، تتوق إلى ملاذها الخاص بشوقٍ يكاد يبلغ حد الألم، بعد أيام من الغياب منذ سفرته مع سهام، أيامٍ بدت أطول مما ينبغي.
انفتح باب المصعد، وخرج منه بخطواتٍ بطيئة تحمل أثر الإرهاق، وما إن بلغ طابقه واتجه نحو شقته، حتى توقف فجأة، حين لاحظ احدهم...
هناك عند السلم، كانت تجلس فتاة.. مظهرها غريب على نحوٍ يثير القلق أكثر مما يثير الفضول، كانت حافية القدمين، ورداؤها غير مألوف، تمسك بكتيّبٍ صغير وتقرأ فيه بانغماسٍ هادئ.
تجمد عمر في مكانه، وامتد الذهول في عينيه بصمتٍ ساكن، لم يستطع في لحظته الأولى أن يحدد ما إذا كانت حقيقةً ماثلة أمامه، أم هلوسةً عابرة صنعها عقله المرهق.. واستمر فيها، وهو يحاول أن يلتقط أي تفصيل يُثبت واقعيتها، أو ينفيها.
وحين التقطت أذناها صوت اقترابه، رفعت رأسها ونظرت إليه مباشرة، عندها شعر عمر بشيءٍ غريب غاص إلى إدراكه... ملامحها بدت مألوفة على نحوٍ مربك، كأن ذاكرته تعرفها بينما وعيه يعجز عن استحضارها. ازداد تركيزه عليها، وتعمق استغرابه حين ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة واثقة، كأنها كانت تنتظره تحديدًا.
تردد لحظة، وحين لم تبادر هي بالكلام تقدم هو خطوةً خفيفة، وقال بصوتٍ يحمل حذرًا ممزوجًا باللباقة:
_محتاجة مساعدة حضرتك؟
اتسعت ابتسامتها قليلًا، ثم نهضت من موضعها بخفّة وتقدمت نحوه بخطواتٍ ثابتة، قبل أن تشير إلى شقته قائلة:
_أه، عايزة أخش معاك.
ظل عمر ينظر إليها، وابتسامة مرتبكة ارتسمت على وجهه لا تخفي حيرته بقدر ما تعلنها.. ثم انزلقت عيناه إلى تفاصيل مظهرها ليحاول أن يفكك هذا الغموض قطعة قطعة؛ كان رداؤها قطعةً واحدة، بنطالًا وقميصًا متصلين، بلونٍ أبيض ناصع يخلو من أي علامة، لا جيوب، لا شعار، لا ما يدل على هوية أو انتماء. لم يلحظ هاتفًا، ولا حقيبة، ولا أي أثر لشيء شخصي.. كأنها خرجت إلى العالم بلا ماضٍ يحمله جسدها.
رفع نظره إليها مجددًا، وقال بذات الابتسامة التي تخفي وراءها يقظة حادة، ونبرة تومئ بفراسةٍ حذرة:
_إنتِ تبع مين؟ خلينا نخلص.
جاءه ردها بسيطًا مباشرًا، لكنه حمل من الغرابة ما يكفي ليزيد ارتباكه:
_أنا مش تبع حد... إنت متعرفنيش؟
انطفأت ابتسامته تدريجيًا وحل محلها ضيق خافت، قبل أن تتجه عيناه إلى الكتيّب الذي لا تزال تمسكه. فمد يده نحوه بإشارةٍ هادئة، وهو يقول بنبرة تحمل أمرًا ضمنيًا:
_هاتي اللي في إيدك دا كدة.
ابتسمت ابتسامة غامضة، ثم ناولته الكتيّب دون تردد.. أخذه عمر، وفتحه على الصفحة التي كانت تقرأ فيها، لتقع عيناه على نصٍّ باللغة الإنجليزية، يتوسطه شرح غريب، ورسومات توضيحية دقيقة.
<يُتيح هذا النموذج وظيفة الإرضاع فقط بعد توليده باستخدام اللبن الصناعي. تتم عملية التهيئة عبر أنبوبين مخصصين متصلين بالجهة الخلفية للنموذج، وذلك بعد فتح المنفذ المخصص للتغذية. ينبغي التأكد من تركيب الأنابيب بشكل صحيح قبل بدء الاستخدام لضمان كفاءة التشغيل.>
وهناك رسومات تعليمية مرتبة، توضح خطوات فتح ظهر الروبوت وآلية ضخّ اللبن الصناعي داخله، بطريقةٍ باردة، منهجية، تخلو من أي حس إنساني.
انعقد حاجبا عمر بشدة، وقد باغته هذا المحتوى بما يفوق توقعه، إذ لم يكن ينتظر في هذه اللحظة تحديدًا أن يواجه شيئًا بهذا القدر من الغرابة واللا منطق.
رفع بصره إليها، دون أن يرفع رأسه تمامًا من فوق الكتيّب، ونظر إليها نظرة حادة، تتفحصها من جديد، فإذا بها تقابله بثبات، بعينين مميزتين، فيهما شيء مألوف حد الإرباك، كأنهما تحملان ظل معرفةٍ قديمة مثلًا.
قال، وقد اختلط في صوته الاستغراب بالحذر:
_إيه دا؟
فأجابته بهدوء بسيط، كأنها تقول أمرًا بديهيًا لا يثير التساؤل:
_بحاول اتعرف على نفسي أكتر.
بدأ عمر يحك شعره في اضطراب مشوب بالحيرة، وعقله يراوح مكانه عاجزًا عن إدراك ما يُعرض عليه، ثم بدأ يقلب صفحات الكتيب حتى صُدم من الصفحة الأولى؛ إذ واجهته صورة نور، وتحتها بيانات..
<نور داغر
العمر: ٢١ سنة
الطول: ١٦٩ سم
تاريخ التصنيع: بعد يومين من الوفاة
التصنيف: النموذج الأول – ضمن نماذج عائلة ليلى وأبناء أدهم>
حينها.. تحجرت عينا عمر، لا من فرط الذهول فحسب بل من قسوة الحقيقة حين تُلقى دفعةً واحدة؛ فغامت رؤيته وانعقدت ملامحه على صدمةٍ غائرة، ورفع بصره نحو نور، يحدق فيها بيفتش في تفاصيل وجهها عن ثغرة واحدة، عن كذبة تمنحه حق النجاة من هذا الهذيان المكتوب. لكن ملامحها انتصبت أمامه كجدارٍ من يقين؛ صمتها كان ناطقاً، وحضورها كان حياً لدرجةٍ مرعبة جعلت من الإنكار مستحيلاً.
وفجأة، شق سكون المكان صوت باب شقته وهو يُفتح من تلقاء نفسه، فالتفت إليه عمر، ثم عاد بنظره إلى نور، ليدرك أنها هي من فتحته بقوتها..
_ينفع نخش بقا؟
عندها، لم تبقَ الصدمة على هيئتها الأولى؛ بل ذابت سريعًا في داخله، متحولة إلى شعور ثقيل بالذبول، إرهاق عميق ينهش أطراف روحه، وتبرّم مكتوم يطفو على ملامحه، فقد استهلكته الدهشة حتى فقدت أثرها، والمصائب قد ألفت طريقها إليه حتى لم تعد تفاجئه بقدر ما تُثقل عليه، تتشبث به في كل مرة، وتعيد نفسها عليه حتى يغدو الألم عادة، والكارثة تكرارًا مملاً لا نهاية له.
***********
أثناء احتفالهم بزواج جمال وعلا، كان عصام على النقيض تمامًا، يسير متسللًا في خفيةٍ محسوبة إلى مختبر مهاب...
ولأول مرة منذ زمنٍ ليس بالقصير، شعر عصام بشيءٍ دفينٍ ينهض في داخله... كأنه يعود إلى جوهره الأول، إلى تلك النسخة التي كان عليها يوم كان محققًا تُحسب له الحسابات، يمتلك من الذكاء حدةً كالنصل، ومن الفراسة ما يجعله يرى ما لا يُرى، ويقرأ ما بين السطور قبل أن تُكتب..
دلف إلى الداخل بحذرٍ بالغ، ثم رفع بصره وهو يفتش بنظراته لتقع عيناه على كاميرات المراقبة المعلقة في الزوايا.. عندها توقف موضعه لبرهة، وانكمش ذلك الاندفاع في صدره، ليتراجع خطوةً صغيرة بوعيه كله.
فهو لم يعد كما كان... لم يعد ذلك الضابط الذي يعلو فوق القانون، يتجاوزه متى شاء ويطوّعه حيث أراد، لم يعد صاحب النفوذ الذي تُمحى زلاته قبل أن تُسجل وتُغفر أخطاؤه قبل أن تُدان.
الآن، هو مجرد محققٍ خاص... اسم باهت في مجتمعٍ لا يعترف بمهنته، يتحرك خارج الإطار الرسمي بلا حمايةٍ ولا غطاء، بل وفوق ذلك كله، فاسمه أصبح هدف معلق في مرمى أعين الحكومة، تُراقبه وتترصده.. بمجرد لقطةٍ عابرة من تلك الكاميرات وهي تظهر محاولة تفتيش غير قانونية، كفيلة بأن تعيده إلى السجن مرةً أخرى.
زفر عصام زفرةً مثقلة بالتبرّم، واستدار بجسده قليلًا، ليعود ولكن استوقفه فجأة صوت خافت مهتز، يخرج من إحدى الغرف القريبة... كان صوت مريم.
توقف في موضعه وأرهف سمعه دون إرادةٍ منه، وسمعها تقول:
_يارب تصحى يا بابا يارب، ويارب ماما ترجع في نفس الوقت اللي إنت تصحى فيه.. عشان مش عايزة أشوفك خايف وقلقان.. تبقوا مع بعض، يارب بابا يصحى وماما ترجع يارب.. يارب أنا خايفة.
اقترب عصام من باب الغرفة والذي كان مفتوحًا وآها.. كانت مريم نائمة إلى جوار والدها، وقد أسندت رأسها الصغير على صدره، تُلصق أذنها به في إنصاتٍ عميق لخفقات قلبه، تستمد منه طمأنينة غريزية.
لم تكن تبكي... لم ترتسم على ملامحها تلك الفوضى المعتادة للخوف أو الذعر، بل بدت ساكنة على نحو يبعث القلق، سكون أثقل من البكاء ذاته، فبدا أن ما مرت به فاق قدرتها على التعبير، أو أن عقلها قد عجز عن ترجمة هول ما تعيشه إلى مشاعر مفهومة. ربما لم تعد قادرة على الإحساس كما ينبغي... أو لعل الإحساس ذاته قد تآكل فيها، بعدما توالت عليها الفواجع حتى استنفدت طاقتها على الألم.
رفع عصام يده وطرق الباب برفقٍ بالغ، فرفعت رأسها ونظرت نحوه، ثم اعتدلت في جلستها ببطء وقالت بصوتٍ خافت:
_عمو... مقدتش معاهم ليه؟
ارتسمت على شفتي عصام ابتسامة حانية مشوبة بشيءٍ من الأسى، وهو يجيبها في رفق:
_كنت هسألك نفس السؤال.
حولت مريم بصرها إلى مصطفى، ثم قالت:
_أنا قاعدة مع بابا، ممكن يصحى في أي وقت.. عشان أسلم عليه قبل ما امشي.
ابتلع عصام ريقه بصعوبة، وكأن الجملة البسيطة أثقلت صدره أكثر مما ينبغي، ثم قال محاولًا أن يُغلف صوته بالثبات:
_هيصحى يا حبيبتي، وهيبقا ييجي يزورك، متقلقيش.
ساد صمت قصير، وبعد لحظة تكلمت مريم بنبرةٍ هادئةٍ على نحوٍ مقلق:
_معرفش بس... حاسة إن دي هتكون آخر مرة اشوفه فيها، هو وماما.
هنا اقترب منها خطوةً، وقال برفق:
_إنتِ خايفة مش أكتر، وطبيعي تخافي بس متخليش خوفك دا يسيطر عليكي كدة، إنتِ عارفة دي مش أول مرة تحصل أزمة كدة مع مصطفى أو نجلاء وفي الآخر الأمور بترجع زي ما كانت، مش كدة؟
أومأت مريم برأسها في صمت بإيماءة خفيفة لا تحمل اقتناعًا كاملًا، بل أقرب إلى محاولة لمجاراة ما يُقال لها. عندها، حاول عصام أن يبدل مسار الحديث، فاقترب أكثر وجلس مقرفصًا أمامها ليكون في مستوى نظرها، محاولًا أن يخلق مساحةً أكثر دفئًا، وقال بنبرةٍ أخف:
_ينفع اسألك سؤال يا مريم؟
صمتت مريم طويلًا، ثم قالت:
_سؤال حلو ولا وحش؟
_سؤال حلو.
_ماشي.
تردد عصام لحظة، ثم بلع ريقه مرةً أخرى، وبدا السؤال الذي سيطرحه أثقل عليه مما توقع، وقال:
_إنتِ بدأتي تحسي إن إحنا عيلتك فعلا ولا لسة قلقانة مننا؟
نظرت إليه مريم نظرة حائرة بين الصدق والخجل، ثم قالت:
_يعني... شوية وشوية.
_إزاي؟
_يعني أنا اتعوت على عمو نوح وعمتو علا وهاجر.. بس.. حضرتك إنت وعمو سليم لسة قلقانة منكم شوية، أصل أول مرة اشوف ناس عيونهم وشعرهم ملون بالقرب دا بصراحة، حساكم اجانب.
انفلتت من عصام ضحكة قصيرة، فارتسمت على وجه مريم ابتسامة بسيطة، ثم قال لها:
_وعلا مش اجنبية؟
_لا يابانية.
أومأ عصام برأسه وقد بقيت على وجهه تلك المسحة اللطيفة من الابتسام. هنا انفتح الباب فجأة، لتدخل شهد وهي تحمل في حضورها توترًا مكتومًا وعجلة لا تخفى، فتعلقت بها أعينهم في آنٍ واحد، وقد قالت دون تمهيد:
_يلا، عشان هنشطب.
نهض عصام من موضعه ببطء، وقد انعكست على ملامحه مسحة انزعاج خفيف ممتزجة بشيءٍ من الاعتراض المكتوم، وقال:
_عايزة إيه يعني؟
ردت شهد ببرود مشوب بإصرار واضح:
_اخواتك هيروحوا، فجه الوقت تروح معاهم بقا.
التفت عصام بنظره نحو مريم ومصطفى، ثم عاد ونظر لشهد وهو يقول:
_ومريم وأبوها؟
وقبل أن يتلقى جوابًا، انفتح الباب مرة أخرى ودخل سليم يتقدمه مهاب، وما إن وقعت عين مهاب على شهد حتى قال بنبرة خفيفة يغلفها عتاب لطيف:
_مش ممكن يا شهد إنتِ دايما سبقانا كدة؟ ارجعي يا حبيبتي يلا وارتاحي.
رمقته شهد بنظرة نافذة تحمل في طياتها غضبًا مكبوتًا لم ترد الإفصاح عنه، ثم استدارت دون كلمةٍ أخرى وغادرت المختبر بخطواتٍ سريعة، وساد صمت قصير، لم يلبث أن كسره عصام وهو يلتفت إلى سليم، بنظرة متسائلة يغلفها القلق:
_إيه يا سليم؟ هنعمل ايه؟
تنهد سليم ببطء، ليرتب في داخله خيوط تلك الخطة اامعقدة قبل أن يخرجها إلى النور، ثم قال بنبرةٍ متزنة:
_هاخد علا وجمال ومريم لبيتي الأول لمدة تلات أيام، التلات أيام دول اللي هنعمل فيهم عزا مزيف لعلا وجمال في المنطقة بس كدة، ومن بعدها هيسافروا بمريم لبيت يخص فياض في إسكندرية، والوقت دا هنكشف على مصطفى ونشوفله طريقه نصحيه بيه، وهنكون بندور على نجلاء برضو.
سكت عصام برهة، في صمت مشحون بتفكير متسارع يتقاطع فيه القلق مع الحذر، ثم ألقى نظرة سريعة نحو مهاب بنظرة خاطفة في محاولة منه لالتقاط رد أو قراءة موقف، قبل أن يعيد بصره إلى سليم، وقال بنبرةٍ يغلب عليها الشك:
_وإنت مفكر إن لعبة الموت المزيف لعلا وجمال دي هتمشي على سردار ونور؟
أجابه سليم بتلقائية وثقة:
_لا طبعا، هيعرفوا أكيد إنهم لسة عايشين، لكن إحنا بالخطة دي اخدنا أقوى جندي كانوا بيستخدموه.
_يامن؟
هز سليم رأسه نافيًا، ثم قال بتركيز أعمق:
_لأ.. اللي جواه، الروح اللي جواه كانت بتتصرف قبل ما يخش جوا يامن بكتير، وكان بيروح لعمر وشيماء في الغالب... يعني كان سردار مديه مهمات قوية وقريبة جدًا مننا ودا يدل على قوته.
عاد عصام يسأل، وقد بدا عليه أنه لم يقتنع بعد:
_ولو كدة كدة سردار هيعرف إن علا وجمال عايشين، لازمتها إيه يسافروا اسكندرية؟
_لأنهم مش هيسافروا عشان يستخبوا... هيسافروا عشان يستكشفوا جزء ضايع مننا هناك.
توقف عصام عن الرد، والتفت بعينيه نحو مريم، ثم أعاد نظره إلى سليم، وقال:
_وإنت شايف إن الأجواء دي مناسبة تكون مريم معاهم فيها؟ خلي مريم هنا معانا عشان لما يصحى مصطفى وترجع نجلاء تكون معاهم.
_مريم مينفعش تكون هنا يا عصام، مريم مينفعش تكون مع أبوها وأمها، أه هما أبوها وأمها... بس هما أخطر عليها من أي حد، وإحنا كمان أخطر عليها من أي حد، وكل ما عددنا زاد كل ما الخطر عليها هيزيد، هي محتاجة تبعد.. وتبقا بين عدد قليل مش أكتر من اتنين، كدة هيبقا سهل حمايتها وسهل العين تبقا عليها من ناحيتنا.
تحرك رأس عصام في رفضٍ واضح، وقال:
_هو مين وافق على كلامك دا؟
جاء رد سليم سريعًا حادًا في واقعيته:
_مفيش وقت حد يوافق أو يرفض فيه يا عصام..، إنت مش واثق في علا وجمال إنهم هيحموها ولا إيه؟
لم يتردد عصام ولم يجمّل إجابته، بل قالها صريحة:
_لأ مش واثق.
هنا قال سليم بنبرة حادة فيها من الغضب الذي لم يعد يخفيه:
_أومال عايز مين يحميها غيرهم؟ نوح المجنون؟ ولا هاجر الطايشة؟ ولا تكونش إنت اللي عايز تحميها؟ إنت عرفت تحمي مين في حياتك أصلاً؟ لا مراتك ولا ابنك ولا بنتك ولا رحمة عرفت تحميهم، في الآخر عايز تحمي مريم؟
هنا نظر مهاب إلى سليم بنظرة تحمل لومًا صامتًا، واعتراضًا على قسوة ما قيل.. أما عصام فوقف يرقب شقيقه بنظرةٍ مُثقلة بيأسٍ هادئ، متجاوزاً حدود الانفعال نحو انكسارٍ أعمق.. وتسللت الكلمات إلى أعماقه بوضوحٍ فج؛ ورغم فداحة وقعها، انزلقت من لسان أخيه ببرودٍ غريب ونطقها بيسرٍ موحش، نظرًا لأنها حقائق بديهية لم يعد ثمة حاجة لمواراتها خلف التمهيد.
اكتفى عصام بأن يومئ برأسه إيماءةً خفيفة صامتة، تحمل في داخلها استسلامًا لا يُعلن، ثم مر بجانبهم وسار ليخرج من الغرفة ومن المختبر كله، اتجه لياسمين كي يعودا لمنزلهم.
وبعد أن ودّعهم جميعًا، اصطحب ياسمين معه ثم ركبا السيارة وانطلق بها نحو منزلهما يشقّ الطريق في صمتٍ كثيف.. الأنوار تنساب على زجاج السيارة في خطوطٍ متقطعة، بينما جلس عصام خلف المقود محدّقًا في الطريق أمامه بنظرةٍ جامدة، يخفي خلفها ما يضطرب في داخله.
هنا التفتت ياسمين نحوه، وقد التقطت ذلك الهمّ المستتر في ملامحه، وقالت محاولةً كسر هذا السكون:
_إيه الحاجة اللي في جوازه علا خلتك بالنكد دا؟
أدار عصام وجهه نحوها لوهلة بنظرة سريعة ثم أعاده إلى الطريق، وقال بنبرةٍ متماسكة حاول أن يجعلها عادية:
_قصدك إيه؟ أنا مش متنكد عشان جوازها طبعا لا... أنا بس اتخانقت مع سليم عادي.. مفيش حاجة مهمة يعني.
أومأت ياسمين برأسها في صمت، لكن في تلك اللحظة تبدل شيء في ملامح عصام فجأة، حيث تذكر أمر مهم على حين غفلة، فأضاءت وجهه بابتسامةٍ تلقائية لم تستمر طويلًا، وقال:
_صحيح.. أنا عاملك مفجأة الليلة.
نظرت إليه ياسمين بشيءٍ من الحذر، وقد ارتسم على وجهها قلق خفيف، وقالت:
_عصام، أنا مبحبش المفجآت.
_متقلقيش يابت، مفجأة حلوة ان شاء الله.
لم يبدُ عليها الاطمئنان، بل زاد ذلك من حيرتها فقالت:
_متأكد إنها حلوة وهتعجبني؟
تردد عصام للحظةٍ قصيرة، وتلاشت ابتسامته شيئًا فشيئًا، وقال بنبرةٍ أقل يقينًا:
_معرفش.. بس يعني.. أكيد هتعجبك، هي عجبتك قبل كدة.. فأكيد هتعجبك دلوقتي.
انعقدت ملامح ياسمين في حيرةٍ واضحة، وازداد انزعاجها من هذا الغموض الذي لا يفضي إلى شيء، وقالت بنبرةٍ مشدودة:
_قبل كدة من امتى بالظبط؟
تنفس عصام بضيق، وأسئلتها بدأت تضغط على أعصابه، فرد بنبرةٍ امتزج فيها الضجر بمحاولة إنهاء الحديث:
_يابت ما تستني المفجأة واسكتي، مالك خايفة كدة ليه؟ أنا ممكن اوريهالك دلوقتي بس مش هينفع يعني... لما نرجع البيت هتطمني لما تعرفيها متقلقيش.
وقبل أن يتبدد التوتر بينهما أو يتفاقم، دوى رنين هاتف عصام فجأة.. كان الهاتف في يد ياسمين، فنظرت إلى الشاشة لتجد المتصل "رقم مجهول" فناولته له، ليمسكه عصام ويحدق فيه ويقول مترددًا:
_أرد ولا ايه؟
_رد.. ممكن يبقا حد مهم.
ضغط على زر الاتصال، ووضع الهاتف على أذنه، لتأتيه الكلمات مباشرة جافة، بلا مقدمات:
_عصام شرف.
_أيوة مين معايا؟
_اتبعتلك لوكيشن ياريت تروحه في خلال الساعتين دول بأسرع وقت.
تبدلت ملامح عصام وانعقد حاجباه، وقد استشعر نبرة الأمر في الصوت، فقال بحدةٍ خفيفة:
_وإنت مفكرني هسمع كلامك يعني؟
جاءه الرد ببرودٍ يحمل تهديدًا مبطنًا:
_دا أمر من سيادة الريس، أرفض الأمر وشوف هيحصلك إيه.
ثم انقطع الخط فجأة، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من السابق.. ظل عصام ممسكًا بالهاتف، ناظرًا إليه لثوانٍ كأنما يحاول أن يستوعب ما سمع، بينما تسللت إلى داخله موجة من التعجب المشوب بقلقٍ مكبوت، وحذرٍ غريزي بدأ يتمدد في صدره ببطء..
************
بعد أن دخل عمر ونور إلى المنزل، قررت هنا أن تروي كل شيء... كل ما جرى، بكل تفاصيله الدقيقة، بلا اقتطاعٍ أو مواربة.
وجلس عمر بجانبها ساكنًا في هيئته، يُصغي إليها بتركيزٍ حاد، وحين انتهت، لم يجد في داخله جوابًا واحدًا مكتملًا، بل وجد نفسه غارقًا في رمالٍ متحركة من الأسئلة.
فرفع بصره إليها، وقال بعد لحظة صمتٍ مثقلة بالتفكير:
_وإنتِ كروح قوة، إزاي تم استنساخك مع جسم مريم؟
_لا أنا مستنسختش... ودا خلاني أستغرب برضو.
ازداد التباس الأمر في ذهن عمر فسأل:
_يعني إيه؟
سكتت نور برهة، محاولة جادة لالتقاط تشبيهٍ يقارب مالما عاشته، وتبحث عن كلمات تطوّع بها تجربة لا تخضع للغة. ثم قالت:
_معرفش بس... حسيت الموضوع كان شبه إنك تقلع هدوم وتلبس هدوم تانية، أول مرة أحس بكدة لأن نقل الروح مش بالساهل كدة أبدًا... بس المرادي الموضوع كان أسهل من الأكل.. لقيت نفسي بنتقل لنسختها، ووقتها جاتلي الفكرة إني اطلع من غير ما أموت أنا كمان، لأن أنا فاضلي قلب واحد، فجه في بالي لو حسيت بنفس احساس نور وهي بتقطع بطنها هقدر أخرج، وخليت مريم تعمل كدة وقدرت فعلاً بس هي ماتت بالغلط، بس عادي مش مشكلة المهم إن مريم الأصلية سليمة.
كان عمر يستمع إليها بإسلوب الطبيب المختص.. فهو لم يكتفي بفهم الكلمات بل يراقب الطريقة التي تُقال بها، ولفت انتباهه أسلوب سردها؛ حماس واضح في السرد، شغف يكاد يطفو بين العبارات، رغم أن ملامحها بقيت هادئة إلى حدٍ كبير، كان الأمر أشبه بشخص يحكي قصة تهمّه، لا مأساة عاشها... فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، لا تخلو من دهشةٍ صامتة، قبل أن يقول:
_دلوقتي لما بقيتي في جسم منفرد، بقا عندك الحرية تظهري بشخصيتك الحقيقية وتعملي كل اللي عايزاه، مش كدة؟
ابتسمت نور، ابتسامة حملت في طياتها شيئًا من الانعتاق، وحركت رأسها في تأكيد وهي تقول:
_أخيرًا... أنا كنت مكتومة في جسم مريم.
_طب... ما دام واضح عليكي إنك مش ناوية شر لأي حد من العيلة، ليه خليتي مريم تعيش العذاب اللي نور عاشته.
اختفت ابتسامة نور وتبدلت ملامحها إلى جديةٍ أثقل، وسكتت برهةً بدت أطول مما هي عليه، تحاول أن تفتش في داخلها عن إجابة لا تدينها بالكامل ولا تبرئها تمامًا، ثم قالت بصوتٍ محمل بما تراكم في صدرها:
_كنت فاقدة الأمل يا عمر، كنت حاسة بوحدة وبقهر، كان في قلبي طاقة كراهية كبيرة لأني كنت متأكدة إن محدش هيصدقني فكنت بخليها تعيش اللي أنا عيشته وتهلوس عشان أجذب انتباه اللي حواليها ويعرفوا قصتي وقصة نور، أنا مش شريرة بس... استخدمت أساليب غلط على بنت ملهاش ذنب مش أكتر، ولما نجلاء قالتلي إنها عارفة كل حاجة عن نور ومش منسية زي ما ظنيت أنا بطلت أعمل أي حاجة وحشة لمريم.
ظل عمر صامتًا بعدها، وانزلقت ذاكرته إلى مشاهدٍ قديمة شعر أنها حدثت بالأمس، وقبل أن ينطق سبقته نور، وكأنها قرأت أفكاره:
_عارفة إنك بتفتكر دلوقتي وقت ما قتلت البنات ووقت ما إنت دفنتهم... أنا مش ندمانة عمومًا على دا.
_دول اطفال..
جاء ردها سريعًا، خاليًا من التردد:
_ومريم طفلة برضو..
توقّف عند هذه النقطة، إدراكًا منه بأن الجدال لن يفضي إلى شيء، فسكت وترك الصمت يتمدد بينهما قليلًا، قبل أن يقطعه بسؤالٍ آخر:
_طب... إنتِ جيتيلي ليه؟ وهتوري نفسك لنوح إزاي أو هتعملي إيه في أي حاجة؟
صمتت نور برهة، ثم قالت:
_أنا لسة مخططتش لأي حاجة دلوقتي، بس أنا جيتلك عشان مفيش غيرك اللي....
وانقطعت عبارتها... فنظر إليها عمر وقال:
_مفيش غيري اللي إيه؟
ترددت مرةً أخرى، ثم قالت:
_يعني.... مظنش إنك هتعترض إني أعيش معاك صح؟
ظل عمر يحدّق فيها بدهشةٍ جامدة، ممزوجة بشيءٍ من التبرّم، وقال بعد لحظة:
_تعيشي معايا بمناسبة ايه؟
_أنا هدفي أشارك في إني اقتلهم كلهم... يوسف، سردار، حتى أدهم، وأنا عارفة كويس إنك عايز تقتل أدهم فممكن، نبدأ نخطط لكدة.
عقد عمر حاجبيه قليلًا، وقد بدا عليه أنه لا يربط بين ما تقوله والنتيجة التي وصلت إليها، فقال:
_وحاجة زي دي هتحتاج إنك تعيشي معايا؟
شعرت نور بارتباكٍ لم تتوقعه، ونظرت إليه وهي لا تفهم سبب رفضه، وقالت:
_حساك مش حابب الفكرة.
جاء رده مباشرًا، بلا مواربة:
_أكيد مش هحبها.. إزاي يعني اخلي واحدة تقعد معايا في البيت؟
_أنا روبوت يا عمر... زيي زي التلاجة يعني مفرقتش.
هنا تغير شيء في نبرة عمر، وصارت أكثر حزمًا ووضوحًا، وقال وهو يهز رأسه:
_لأ مش زي التلاجة، إنتِ كائن حي، إنتِ نسخة من اخت نوح... الموضوع مش عادي!
امتعضت نور، فصمتت صمتًا مشوبًا بهمٍ ثقيل انعكس في انكسار نظرتها وخفوت بريق عينيها.. وبقيت على حالها لحظة، لا تتحرك.. لتحاول تشكيل خططها المستقبلية من الصفر بسبب قرار عمر.
نظر إليها عمر هنا، وقد التقط ذلك الانكسار، فقال بنبرةٍ هادئة، تحمل قدرًا من الشفقة بقدر ما تحمل من الحذر:
_نور، أنا عارف مشاعرك ناحيتي من غير ما تقولي، الموضوع واضح، وأنا مش هحب أفتح سبيل لحاجات مش منطقية... أنا عملت حاجات مش منطقية كتير بما فيه الكفاية.
لم تحتمل نور هذا التأويل، فالتفتت إليه، وقالت بنبرةٍ يختلط فيها الدفاع بالصرامة الهادئة:
_وأنا مش جاية هنا عشان أخليك تعمل حاجات مش منطقية، أنا أصلاً مش طالبة منك أي حاجة... أنا كدة كدة مش هعيش كتير في العالم دا، حياتي قصيرة وممكن تروح في لحظة، عشان كدة عايزاك تسيبني أبقا جنبك الفترة المحدودة دي بس، مش عايزة أي حاجة تانية، مش عايزة قصة حب... أنا بس عايزة أبقا معاك في كل حاجة هنواجهها في المستقبل.. عشان نواجهها مع بعض.
لم يترقع عمر أن تحمل كلماتها صدقًا بسيطًا وعاريًا من الزخرفة بهذه الطريقة، فأخذ يتأمل ملامحها في صمتٍ طويل بنظراته المنهكة،من ثقل ما يحمله في داخله ونفسيته.. كان يحدق في عينيها تحديدًا، تلك العينان الذي كانا كمرآة لشيء أعمق، شيء يعرفه جيدًا ولا يريد أن يعترف به.
ظل على حاله هكذا، حتى قال أخيرًا بصوتٍ خافت، يجرّ خلفه إرهاقًا نفسيًا واضحًا:
_إنتِ إزاي نسخة منهم كدة؟
_نسخة من مين؟
أجابها وهو لا يزال غارقًا في تأمله:
_منهم كلهم. كلكم شبه بعض، إنتِ نسخة من نوح ونوح نسخة من أدهم، عندكم نفس العيون.. العيون اللي بتيجي في كوابيسي دايمًا، ومببقاش عارف دي عيون نوح ولا أدهم... واديكي التالتة هتخشي معاهم..
في تلك اللحظة، قطع رنين الهاتف ذلك التوتر المتراكم، فنظر عمر إلى الهاتف، ثم أجاب:
_الو... أيوة يا سهام، عاملة ايه؟
_الحمدلله، وإنت؟
أجاب وهو يحاول أن يستعيد شيئًا من هدوئه:
_رجعت من المؤسسة، وأنا في بيتي أهو هريح شوية وهجيلك عشان أخد حبيبة.
ساد صمت قصير على الطرف الآخر بدا أنه تمهيد لشيءٍ ما، ثم قالت سهام بنبرةٍ حذرة:
_تمام بس.. أنا قولت أقولك إن نوح هييجي يشوفها برضو، هو لسة ميعرفش وجاي في نيته ياخدها هو كمان... فأقوله ولا اعمل ايه؟
اجتاح الارتباكُ عمر، فغصّت حنجرته بريقٍ جاف، وغرق في صمتٍ ثقيل تلاطمت فيه أفكاره دون مرسى.. وكانت عيناه تتحركان في فراغٍ مضطرب، ثم توقفتا عند نور... وكأنه يبحث في ملامحها عن مخرج، عن فكرةٍ جاهزة تقولها بأعينها... لكنها لم تفهم تلك النظرة، ولم تقرأ ما وراءها.
ثم بعدها قطع هو هذا الصمت أخيرًا بصوت متردد متقطع :
_متقوليلوش حاجة... ب.. بصي أنا... سيبني أفكر شوية...
أغلق الخط وألقى الهاتف جانبًا، ثم عاد بجسده إلى الخلف مسندًا ظهره بإرهاقٍ واضح، ورفع يده إلى رأسه، قابضًا عليها كأنما يحاول أن يمسك بأفكاره الهاربة.. لم يكن يفكر بقدر ما كان يغرق في دوامةٍ من الاحتمالات، كل منها أكثر تعقيدًا من الآخر، وكل قرارٍ يجر خلفه عواقب لا يُحمد مآلها.
راقبته نور لحظات ثم سألته عمّا حدث، فشرح لها في كلماتٍ مقتضبة، فصمتت بدورها قليلًا، غارقةً في تفكيرٍ سريع مركز، ثم رفعت قالت بنبرة تحمل قدرًا من الثقة كفيلًا بأن يخفف اضطرابه بشكل بسيط:
_بص.. خليها تقوله إنها عرفت أبو حبيبة بس متقولوش مين، تقوله بس إنه جاي النهاردة يشوفها وبعدها روح إنت.
اعتدل عمر في جلسته فجأة، وقال مستنكرًا:
_أروح إزاي دلوقتي؟ أشوفه وش لوش إزاي؟!
أجابته دون تردد وبثبات واضح:
_هو الموضوع صعب.. بس دلوقتي انسب وقت، روح دلوقتي عشان تشوفها ومنها تعرّف نوح إن بقا ليها أب خلاص من غير أي مماطلة.
تردد عمر، وانعكس التوتر على نبرته وهو يقول:
_نور، الكلام دا سهل يتعمل لو مكنتش قطعت علاقتي بيه...
_مفيش الكلام دا... علاقتكم مينفعش تتقطع، وحبيبة هي اللي هترجعكم سوا..
ظل عمر ينظر إليها بعمق كأنه يرى شخصًا آخر من خلالها.. لم يكن الشبه في الملامح وحده ما أربكه، بل تلك النبرة، ذلك اليقين الهادئ، النظرة الثابتة التي لا تتزعزع... كل ذلك أعاد إلى ذهنه صورة نوح، حتى كاد يختلط عليه الأمر للحظة، وكأنه يجلس أمامه الآن.
تنهد بعمق تنهيده حملت استسلامًا مؤقتًا لما لا يستطيع حسمه، ثم مدّ يده إلى الهاتف واتصل بسهام، ليقول لها ما قالته نور.
صم أنهى المكالمة ونهض ببطء، وقد بدا على حركته أنه لم يحسم كل شيء بعد.. لكنه قرر أن يمضي رغم ذلك. التفت إلى نور، ونظر إليها وهو يقول بنبرةٍ خفيفة، لا تخلو من ترددٍ صادق:
_أنا نازل دلوقتي.. ومعرفش هرجعلك بعيل ولا لا، بس في كل الأحوال... البيت بيتك.
ارتسمت على وجه نور ابتسامة حملت مزيجًا من الارتياح والدهشة، فهي لم تتوقع أن يمنحها هذا القبول بهذه السرعة، ليبادلها عمر ابتسامةً هادئة محاولةً لطمأنتها أكثر مما هي تعبير عن راحته هو.
ثم أدار ظهره وتناول مفاتيح سيارته، ومضى خارجًا.
***********
بعد ما يقارب الساعة، كان نوح في منزل سهام، جالسًا وقد احتضن حبيبة بين ذراعيه يغمرها بحنانٍ صافٍ يفيض من عينيه قبل حركاته.. يرفعها أمام وجهه، يتأمل ملامحها الصغيرة وكأنها أعظم ما في هذا العالم، ثم أخذ يحدثها بصوتٍ مفعم بالبهجة والاشتياق:
_وحشتيني يا نور عيني، وحشتي بابا وحشتيه أوي أوي.
ابتسمت حبيبة ابتسامةً بريئةً صغيرة كانت كفيلة بأن تشعل في قلبه فرحًا عارمًا، فانفلتت منه ضحكة دافئة، واقترب منها يقبّلها بعمق، يعانقها، ويشمّها بعمق.. وأخذ يهدهدها بين يديه، يحركها برفق ويلعب معها، فتجاوبه بضحكات خفيفة وحركات متحمسة، وكأنها تشاركه ذلك الفرح الغامر دون وعيٍ كامل، لكنها تشعر به.
كان كمال وسهام جالسين غير بعيدين، يراقبان المشهد في صمت مشوب بشيءٍ من التأثر، بينما وقفت هاجر وغادة على مسافةٍ قصيرة، كأنهما تعمدتا الابتعاد قليلًا، تحملان في وقفتهما ترددًا ثقيلًا، وحديثًا لا يُقال بسهولة.
قالت هاجر بصوت منخفض، وهي تراقب نوح:
_طب هو مين؟
ترددت غادة وظلت صامتة لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
_دي المشكلة يا هاجر.. ودا الصعب في إننا نقوله.
عقدت هاجر حاجبيها، وقد ازداد فضولها وقلقها معًا:
_ليه؟ لايكونش أدهم؟!
_أدهم مين يابت لا...
_اومال مالك مش عايزة تقولي ليه؟
سكتت غادة مرة أخرى.. لكن هذه المرة لم يكن صمتها ترددًا فقط بل كان تأملًا طويلًا في نوح، في وجهه الذي أشرق بسعادةٍ نادرة، سعادةٍ لا تراها فيه إلا في لحظات محدودة... لحظات تكون حبيبة في قلبها.. وكان في تلك السعادة وجع خفي، بدا فيها الشيء الوحيد القادر على إحيائه مؤقتًا.
تنهدت غادة ببطء، ثم مالت نحو هاجر وهمست:
_عمر...
ارتبكت هاجر، ولم تفهم فورًا، فقالت بذهول:
_عمر إزاي يعني؟
أجابت غادة، وعيناها لا تزالان معلقتين بنوح:
_اللي شايلها نوح، تبقا بنت عمر وشيماء.
اتسعت عينا هاجر بشكل طفيف، وشعرت بصدمة صافية لم تستطع إخفاءها.. فبقيت تحدق في المشهد أمامها، بين الطفلة التي تضحك والرجل الذي يحتضنها بكل هذا الحب.
وقبل أن يُستكمل هذا الحوار الثقيل، دوّى صوت جرس الباب فجأة قاطعًا لكل شيء، فانتفض الجميع على أثره إلا نوح، الذي بقي في عالمه الصغير مع حبيبة.
تبادلت سهام وغادة نظرة سريعة مشحونةً بالارتباك، فالظن قفز فورًا إلى ذهنهما أن عمر قد وصل بالفعل، وأن اللحظة التي خشيتاها قد حانت.
نهض كمال متجهًا نحو الباب، ثم مدّ يده وفتحه... ليظهر إبراهيم.
تبادلا السلام ودخل إبراهيم إليهم، وما إن وقع بصرهم عليه حتى انفرجت صدورهم بزفرة ارتياحٍ جماعية.. وهنا اندفعت هاجر نحوه مباشرة، لتعانقه بعمق وبقوةٍ صادقة، وقالت بلهفةٍ لا تخفى:
_كنت فين كل دا؟ قلقتنا عليك.
نظر إليها إبراهيم نظرة قصيرة، ثم تحولت عيناه سريعًا نحو نوح.. يبصره بنظرة حادة غامضة، مشحونة بشيءٍ لم يفهمه أحد... شيء بدا كأنه مزيج من صدمة لم تهدأ، وحيرة لم تجد لها مخرجًا، فما زال أثر صدمته بنور لم تهدأ بعد..
لمح نوح تلك النظرة، وقد بقيت ابتسامته حاضرة على وجهه، ابتسامة لم تمسّها بعد توترات الآخرين، وهو يقول:
_خير يا ابراهيم حصل حاجة؟
حرك إبراهيم رأسه نافيًا، ثم أشاح ببصره بعيدًا، خشية من أن عينيه قد تفضحان ما لا يريد قوله، وقال مقتضبًا:
_أنا هروح الحمام.
ثم تركهم ومضى في حركةٍ بدت مربكة غير مفسرة، وزادت من توتر الجو بدل أن تخففه.. تبعته هاجر بعينيها لحظة ثم قررت أن تذهب خلفه، فقد اشتعل بداخلها القلق، راغبةً في أن تنتزع منه تفسيرًا لما بدا عليه.
في تلك الأثناء، التقت عينا غادة بسهام وتبادلتا حديثًا صامتًا، مليئ بالتردد والحذر من اللحظة القادمة. جمعت غادة شجاعتها، ونادت نوح:
_حبيبي...
التفت نوح إليها، فاقتربت وجلست إلى جواره، وقالت بتمهيدٍ متردد:
_سهام، زي ما تعرف إنها بتتكفل بأطفال كتيرة.
نظر نوح إلى سهام، فبادر بالكلام مُخمنًا مقصده، وقال مقاطعًا:
_إيه يا سهام، إنتِ عايزة تاخدي حبيبة تاني ولا ايه؟
هزت سهام رأسها نافية، وقالت:
_لا بس.. أنا من عادتي بعمل تحليل DNA لأي طفل باخده، فأنا عملت لحبيبة واكتشفت إن والدها عايش وموجود.
اختفت ابتسامة نوح وقال بنبرةٍ هادئة بها لمحة الغضب:
_وأنا أعمل إيه بالمعلومة دي؟ دا راجل رامي بنته على كدة. ولا عايزاني اقتله؟ معنديش مانع أعلمها.
ارتبكت سهام، ونظرت إلى غادة لتطلب منها التدخل، فبادرت غادة بابتسامةٍ صغيرة محاولةً امتصاص حدة الموقف، ووضعت يدها على فخذ نوح في حركةٍ حانية، وهي تقول بلطف:
_لا يا نوح... الموضوع مش زي ما إنت فاكر هو مرماهاش ولا حاجة.
لكن كلماتها لم تهدئه.. بل على العكس، اشتد الامتعاض في ملامحه، وظهر الضيق واضحًا في عينيه، وقال:
_غادة إنتوا عايزين تقولوا إيه؟ في إيه؟ انتوا هتاخدوها مني وهتدوها لأبوها يعني؟
بلعت غادة ريقها، وخانتها الكلمات في تلك اللحظة، فنظرت إلى الأرض لتحاول أن تجد صيغة لينة لا تُفجره، ولا تُخفي الحقيقة في الوقت ذاته.. فكانت تعلم أن أي كلمةٍ قد تشعل ما تحاول تهدئته.
وقبل أن تنطق، دوى جرس الباب مرةً أخرى...
في تلك اللحظة تحديدًا، تجمدت نظراتهم وادركوا هنا أن من يقف خلف الباب الآن... هو عمر.
نهضت سهام على الفور، واتجهت بخطواتٍ سريعة نحو باب المنزل الذي كان يقع في جانب غير مرئي من الصالة حيث يجلس نوح، مدت يدها وفتحت الباب، لتجده أمامها… عمر.
وقف عند العتبة، حضوره مشحون بمشاعر معقده، وعيناه تحملان شيئًا أعمق من مجرد تردد.. وقالت سهام وهي تدخله:
_نوح هنا ومعاه حبيبة... هتقابله إزاي؟
أطبق الصمت على روح عمر، واجتمعت في قلبه مشاعرُ ثقيلة لم يختبر قسوتها من قبل، لم يختبره حتى في أحلك مواجهاته، حتى حين وقف وجهًا لوجه أمام أخطر أعدائه، حتى حين إن لقاءه بأدهم بكل ما يحمله من رعبٍ وهيمنة.. كان الأمر حينها أبسط وأهون مما ينتظره الآن؛ فالمواجهة الحالية ليست مع عدو.. بل مع ماضٍ حي، مع صديقٍ خسره بيده، ومع ابنةٍ ظنّها رحلت إلى الأبد.
رفع بصره نحو الحائط الفاصل، ذلك الحاجز الصامت الذي يفصل بينه وبين الصالة، لكنه لم يكن مجرد جدارٍ من حجر بل كان فاصلاً بين زمنين، بين ما كان وما صار؛ خلفه يقف نوح.. صديقه، الذي كسر عمر ما بينهما في لحظة اندفاعٍ لم يغفرها لنفسه بعد، ومعه أيضًا حبيبة.
ابنته التي عاش شهرين كاملين وهو يعتقد أنها أصبحت ذكرى موجعة لا تُمسّ.. لكن ها هو الآن، يقف على بُعد خطواتٍ منها، من نبضها، من صوتها، من حقيقتها التي عادت إليه فجأة، دون تمهيد.
في اللحظة ذاتها، بدأ كمال يحدث نوح حين أدرك أن التأجيل لم يعد ممكنًا، وأن الحقيقة مهما ثقلتلا بد أن تُقال، فقال بنبرة هادئة حاول أن يجعلها متماسكة رغم ما تحمله من وقعٍ ثقيل:
_بص يابني، اللي غادة وسهام عايزين يقولوه ليك إنهم اكتشفوا إن والد الطفلة دي شخص إنتوا عارفينه كويس.. والشخص دا إحنا كلمناه ييجي عشان يشوفها.
اندفع غضب حاد مفاجئ في عروق نوح بلا إنذار فنهض واقفًا في حركةٍ سريعة، متشبثًا بحبيبة بين ذراعيه، وهو يقول بصوتٍ ارتفع دون إرادة:
_يعني إيه؟! مين دا وهييجي ياخدها كدة من غير ما تقولولي؟!
اشتدت نبرته أكثر وهو يلتفت نحو غادة، وقد بدا في عينيه عتاب قاسٍ، وغضب لا يخفيه:
_إنتِ إزاي متقوليليش؟! إزاي؟؟!!
نهضت غادة بدورها، وقد أربكها هذا الانفجار لكنها تماسكت قدر استطاعتها، وقالت بنبرة متعجلة تحاول أن تبرر:
_أنا لسة عارفة النهاردة زيك بالظبط والله، ومكانش فيه أي وقت اقولك يا نوح.
لم يهدأ، بل ازداد إلحاحه، كأن كل ثانية تمر دون إجابة تزيد النار تأججًا داخله:
_مين دا؟ مين أبوها اللي جاي؟! مين يا غادة؟!
على إثر ذلك مباشرةً، لم تُجبه غادة بل تحول بصرها إلى ما خلفه، واتسعت عيناها بشكل طفيف بشيءٍ من الدهشة التي لم تستطع كبحها، رغم أنها كانت تعلم.. ومع ذلك، فقدوم عمر حمل رهبة لم تكن مستعدة لها.
التقط نوح تلك النظرة، وشعر بأن الإجابة لم تعد في الكلمات، بل خلفه مباشرة.. والتفت على الفور، بحركةٍ حادة... ليراه.. وتحجر ثابتًا بينما حبيبة لا تزال بين ذراعيه وقبضته عليها اشتدت دون وعي، وكأن جسده كله تأهب دفعةً واحدة..
دخل عمر، وكان أول ما وقعت عليه عيناه هو نوح.. ذلك الذي افترق عنه افتراقًا قاسيًا وحشيًّا منذ ثلاثة أشهر، افتراقًا لم يترك خلفه سوى فراغٍ مؤلم وأسئلةٍ بلا إجابة. ثبتت نظراته عليه لوهلة قصيرة، لكنها حملت في طياتها تاريخًا كاملًا من الصداقة والخذلان والانكسار، لكن سرعان ما انزلق نظره إلى الرضيعة الجميلة بين ذراعيه.. ومنذ أن وقعت عيناه عليها، جُمِّد في مكانه، حتى نسي نوح ذاته.. ولم يعد في المشهد سواها.
حينها لم يتزحزح بصره البتة، ولم يبقَ في العالم كله سوى تلك الصغيرة. رأى ابنته.. إنها هي بالفعل، حقيقية نابضة ليست طيفًا ولا وهمًا، واقعة ملموسة يُسمع صوتها وانفاسها وتُرى ملامحها، وحضورها بهويتها يملأ المكان، لم تعد فكرةً تُروى، ولا ذكرى يُبكى عليها.. بل كيانًا قائمًا، نابضًا، حيًّا.
فور أن رآها، شعر بأن الأحبال الشائكة التي انعقدت حول قلبه قد بدأت ترتخي، بعد أن ظلت مشدودة لزمنٍ بدا كالدهر، وهو يرى تلك الصغيرة التي من لحمه ودمه، قطعة ممتدة منه، وامتداد حيّ لأمرأة ظن أنه فقدها إلى الأبد.. في ملامحها، في سكونها، في مجرد وجودها، كان يرى ريح شيماء وحضورها الغائب.
أما نوح فقد تبدلت ملامحه تبدلًا كاملًا؛ ارتخت عضلات وجهه، لا ارتخاء راحة بل ارتخاء صدمة، وخمدت فيه كل صلابة بذلك الشلل الذي يصيب الجسد حين يعجز العقل عن استيعاب ما يراه؛ فلم يأتي في أقصى تخيلاته أن يرى عمر مرة أخرى في حياته.. لقد طواه تمامًا، دفنه في داخله كما يُدفن الموتى واعتبره صفحة أُغلقت إلى الأبد.
فوق ذلك، استوعب ما هو أعنف من مجرد عودة عمر.. استوعب أن الطفلة التي بين ذراعيه، التي حملها وأطعمها، وهدأ بكاءها، وسهر على أنفاسها.. هي ابنته هو… ابنة عمر وشيماء. تلك التي كان قد عاش معها وأعطاها من وقته وقلبه وحنانه، حتى أصبحت جزءًا من يومه، من روحه، واتخذها ابنة له دون أن يدرك أنه في كل ذلك كان يحتضن ابنة صديقه الذي ظنه قد انتهى.
هنا رآه نوح يقترب، خطوةً إثر أخرى، وعيناه معلقتان بالرضيعة ويتأملها بذهولٍ مهيب، بنظراتٍ يختلط فيها الشوق بالرهبة والتصديق بالإنكار... ثم، وعلى ارتجافٍ خفيّ يسري في أطرافه، مد عمر يديه إليها...
لكن نوح تراجع خطوة إلى الخلف بحركة غريزية لم يُمهل فيها نفسه تفكيرًا، كأنما يحتمي بها من حقيقة لم يتهيّأ بعد لاحتوائها.. لم يكن رفضًا لها بقدر ما كان عجزًا عن التسليم؛ فما زال عقله يدور في حلقةٍ خانقة من الاستنكار، يطارد الفكرة ويهرب منها في آنٍ واحد.
عندها رفع عمر عينيه إليه.. وكان فيهما لمعان موجع برجاء خالص يكاد ينكسر قبل أن يُقال.. فارتعشت ملامحه وانخفض صوته بنبرة واهنة وهو يث ل:
_نوح، أرجوك.... إديني بنتي.
ظل نوح يحدق فيه، وقد اغرورقت عيناه بالدموع من ثقل الصدمة التي داهمته بلا إنذار.
ثم أنزل بصره إلى حبيبة، تلك الصغيرة التي كانت تنظر إلى عمر بعينيها الواسعتين اللطيفتين بنظرة بريئة لا تعرف شيئًا عمّا يعتمل في قلوبهم من عواصف... كانت تحدق فيه بفضولٍ دافئ، فضولٍ منعش كأول خيط نور في الفجر، لكنه في قلب نوح كان كطعنة رقيقة موجعة، إذ أدرك في تلك اللحظة أن هذه النظرة.. لم تكن له.
رفع نوح رأسه ببطء لينظر إلى عمر... وفي رجفه عينيه وارتجاف يديه، وانقباض كتفيه، كانت ترتسم ملامح زلزالٍ داخليّ من المشاعر المضطربة.. وهو يقف على الحد الفاصل بين التعلق والتخلي، بين ما عاشه معها وما يجب أن يسلّمه الآن.
وهنا... بعد صراع صامت كاد يمزقه، مد نوح ذراعيه بحبيبة نحو عمر، في مشهد بدا مهيبًا يشهد فيه لحظة انتقال روح من حضنٍ ألفته إلى حضنٍ ينتظرها، تاركةً وراءها أثراً لا يُمحى من الشجن.
اقترب عمر ودموعه تنهمر بلا انقطاع، وابتسامة مذهولة ترتسم على وجهه بها مزيج من الفقد والاسترداد في آنٍ واحد، ومد ذراعيه المرتعشتين وتسلّم ابنته من نوح، ثم ضمّها إلى صدره وهو يقول صوته المرتجف:
_حبيبة، يا حبيبة روحي، إزيك يا حبيبتي.. أنا بابا... أنا بابا يا حبيبة... أنا جيت اهو، أنا آسف يا حبيبتي أنا جيت خلاص.. أنا جيت.
ظل عمر ينهل منها كما ينهل العطشان من موردٍ طال غيابه؛ يقبلها في لهفةٍ لا تُروى، ويضمها إلى صدره ضمًا يكاد يُذيب ما بين ضلوعه، ويشمها كمن يستعيد عبر أنفاسها بقايا حياةٍ سُلبت منه.. كانت دموعه تنهمر كشلالٍ لا يعرف الانقطاع، دموع فرحٍ جارفة مشوبةٍ بدهشةٍ لم تهدأ بعد.
أستمر في تأمل كل تفصيلة فيها، كل ارتعاشة خفيفة في ملامحها، وكل انعكاسٍ للنور في عينيها، وهي في المقابل كانت تحدق فيه بعينيها الواسعتين، بنظرة تحمل فضولا حيّا، كأن شيئًا غامضًا في داخلها ينجذب إليه ويستشعر نحوه ألفةً لا تُفسر.
عندها تدخل كمال وأشار إلى عمر أن يجلس ويستريح، فاستجاب عمر على غير وعي، وجلس وهو لا يزال يحتضن صغيرته، كأنما يخشى إن أفلتها لحظة قد تتبدّد من بين يديه.
أما نوح، فكان واقفًا يحدق في المشهد بعينين جفّ فيهما الدمع قبل أن يسقط، وملامحٍ أثقلها جزع صامت يفوق سعادة أبٍ استعاد ابنته..
وهنا رفع عمر رأسه، والتقت عيناه بعيني نوح بنظرة عاجزة مثقلة، لا تجد لغةً تسع ما فيها.. ولم يستطع أن يقول سوى:
_نوح... شكرًا... بجد، شكرًا.
ظل نوح صامتًا، ولم يفعل سوى أنه أومأ برأسه إيماءة خفيفة، ثم عاد عمر بعدها إلى صغيرته، غارقًا فيها من جديد.
أما نوح.. فتراجع بضع خطواتٍ إلى الوراء ببطءٍ متثاقل، ثم التفت وخرج إلى الحديقة، مبتعدًا عن أعينهم، وعن ذلك المشهد الذي لم يعد يحتمله قلبه.. ثم جلس على إحدى العتبات، صامتًا، يحدق في الفراغ، ومضت ثوانٍ قليلة.. جسيمة، ساكنة حد الاختناق.
ثم انكسرت السدود، وانهمرت دموعه دفعةً واحدة... وبدأ ينوح.. نحيبًا مكتومًا في بدايته، ثم سرعان ما تخلى عن كل تماسكٍ فيه تاركًا حسرته تنساب بحريةٍ موجعة..
بدأ نوح يبكي بحرقةٍ عاتية، بكاء عبارة عن انكسارًا كاملًا يتفجر من أعماقه؛ جسده يهتز على وقع النحيب، كما لو أن كل خليةٍ بداخله تشاركه هذا الألم... شعر أنه فقد قطعةً حيةً منه، لا تُعوض ولا تُستبدل. وما زاد جزع هذا الإحساس قسوةً، أنه لم يكن غريبًا عليه؛ لقد ذاق هذا الفقد من قبل وعرف مرارته، فعاد إليه الآن مضاعفًا، أشدّ وقعًا وأعمق جرحًا.
وفي تلك اللحظة جاءت غادة مسرعة، وقد خانتها دموعها هي الأخرى لم تستطع حبسها، وجلست إلى جواره في لهفةٍ صادقة ومدّت ذراعيها إليه تمسكه، وقالت له بصوتٍ مرتجفٍ يغالب الدمع:
_نوح.. متعيطش يا حبيبي، متزعلش صدقني هنشوفها تاني.
حرك نوح رأسه نافيًا، وقال بصوت متهدج متكسر:
_خلاص يا غادة... مستحيل نشوفها تاني، خلاص..
سكتت غادة ولم تجد في قاموس المواساة كلمةً تستطيع أن تقف في وجه هذا اليقين القاسي.. خذلتها اللغة، فتكلمت بأفعالها؛ جذبت رأسه برفقٍ وأودعته في حضنها واحتوته بذراعيها، تعانقه بعمق في محاولة منها أن تجمع شتاته المتناثر، بينما يستمر بكاؤه في صدرها، ساخنًا، موجعًا.
وبين شهقاته المتقطّعة هنا، خرج صوته بنبرة نحيبٍ خالصة تكاد تختنق بين حروفها:
_مش هقدر استحمل يا غادة... لو مرجعتش نور ليا... لو نور مطلعتش عايشة... مش هقدر استحمل.
اشتد عناق غادة له، وكأنها تود أن تحميه من كلماته ذاتها، بينما دموعها تنهمر في صمتٍ موجع.. فكانت عباراته تُلقي في قلبها رعبًا متصاعدًا، وتوقظ قلقًا عميقًا تجاه أمر نور.. قلقًا لا تجد له جوابًا، ولا تستطيع أن تهدئه بوعدٍ أو أمل.
وفي ذات اللحظة وعلى مقربةٍ منهم، كان إبراهيم واقفًا عند إحدى الشرفات ساكنًا، يراقب المشهد دون أن يتدخل.. وكان يستمع إلى نوح وهو ينطق بتلك الكلمات، وكل جملة كانت تقع في أذنه كحجرٍ يُلقى في ماءٍ راكد، يثير دوائر لا تنتهي من التفكير والتوجس.
ظل واقفًا وعيناه معلقتان بحال نوح، وعقله يغوص في ما وراء الظاهر.. في نور، في حقيقتها الملتبسة، في كونها روبوت الآن، وهو يشهد على أعقد وأقسى حقيقةٍ قد يواجهها إنسان تكاد تعجز اللغة عن احتوائها.
***********
عند انتصاف الليل...
وفي منزلٍ مجهول صاحبه كما هو مجهول عنوانه، كان ياسر جالسًا على إحدى الأرائك، في هيئةٍ هادئة ظاهريًا، وفي السكينة ثقلًا من الهيبة لا يُرى، بل يُحس كظلٍ جاثم على الصدور.
شق صمت الليل رنين جرس الباب، ولم يتحرك ياسر من موضعه بل نادى بصوتٍ ثابتٍ لا يعلو ولا ينخفض:
_إدخل.
كان الباب مواربًا.. وما إن بلغ السمع الطارق الإذن، حتى دفع الباب ببطءٍ محسوب، ودلف إلى الداخل بخطواتٍ مترددة، يسبقها حذر واضح... وما إن استقر داخل المكان، حتى أتاه صوت ياسر مرةً أخرى، رخيمًا عميقًا، مشبعًا بهيبةٍ تفرض ذاتها دون حاجةٍ إلى صخب.
_اقفله وراك وتعالى.
امتثل الرجل للأمر وأغلق الباب خلفه، ثم التفت بعينيه نحو ياسر، يتأمله بنظراتٍ يختلط فيها التحفّظ بالريبة، ويعلوها قلق خفي من غرابة الموضع والتوقيت.. كان هذا الرجل هو باسم، رئيس الأركان الذي لم تمضِ أيام كثيرة على صدور أوامره بالقبض على أولاد أدهم وإعدامهم ميدانيًا.
تقدم بخطواتٍ محسوبة، وبينما كان يقترب مد ياسر يده في إشارة صامتة يدعوه بها إلى الجلوس أمامه. لكن باسم توقف، وقد انعقدت ملامحه على حذرٍ أشد، ورفض الجلوس، قائلًا:
_محتاج أعرف من سيادتك، اللقاء اللي طلبته فجأة دا لقاء ودي ولا مش ودي؟
لم يبدُ على ياسر أي انزعاج، بل جاء صوته هادئًا يحمل في طياته نبرة تهكمية:
_أنا جايبك بيتي،مش أودد من كدة.
لم تُبدد الإجابة شكوك باسم، بل زادتها كثافة، فقال بنبرةٍ يشوبها الاستغراب:
_جايبني بيت سعادتك الساعة اتناشر بالليل؟
تنهد ياسر تنهدة خافتة، ثم نهض من مجلسه في حركةٍ هادئة كانت كفيلة بتغيير ثقل المشهد كله.. تقدم نحوه حتى وقف أمامه مباشرة، ثم قال وعيناه تستقران على ملامح باسم بثبات:
_الريس مبينامش، اتناشر بالليل بالنسبالي هي هي اتناشر الضهر... مالك؟ إنت قلقان من حاجة؟
ابتلع باسم شيئًا من توتره، فخرج صوته أكثر حذرًا:
_طبيعي أقلق يا فخامتك، أكيد طلبتني لأجل أمر مهم جدًا.
أومأ ياسر برأسه إيماءة بسيطة، بينما اشتدّ تركيزه في عيني باسم، بنظرة نافذة يختبئ خلف هدوئها ما يكفي لإثارة رهبةٍ خفية تتسلل إلى الأعصاب دون استئذان.. ثم قال بنبرةٍ ساكنة:
_يا ترى القلق بتاعك دا كان فين لما... اتصرفت من دماغك كدة؟ كان فين؟
ساد صمت قصير بدا أطول مما ينبغي، تردد باسم للحظة، ثم أجاب بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا:
_لو قصد سعادتك على موضوع عيال أدهم، فأنا قررت اتولى المسؤولية عشان مزعجكش في أمور تافهة زي دي.
لم تتغير ملامح ياسر لكن نظراته ازدادت عمقًا، ثم جاء صوته هادئًا يحمل حسمًا قاطعًا لا يقبل المواربة:
_أدهم اتقبض عليه بفضلي أنا وبسببي أنا، أي حاجة ليها علاقة بأدهم هي ليها علاقة بيا بشكل مباشر، فمن أي أساس تستبعدني في الحاجات اللي تخص عياله؟
شعر باسم بجفافٍ مفاجئ في حلقه فبلع ريقه بصعوبةٍ خفيفة، وأشاح ببصره لوهلة كأن عينيه تبحثان عن مهربٍ من ذلك الثبات الثقيل الذي يفرضه ياسر.. وعلى وجهه اختلط نفاد الصبر بقلقٍ متصاعد، قبل أن يعيد نظره إليه مرةً أخرى، محاولًا استعادة توازنه، وقال:
_عندك حق سعادتك، ولكن الأمور اللي تبع الأمن العام.. يستحسن اللي يمسكها هو واحد خبير فيها، حضرتك خبير في أمور البيزنيس والأعمال الخيرية أكتر، إنما السياسة والأمن العام.. هيبقا أفضل إنك تسيب المتمرس فيها هو اللي يمسكها.
هنا صمت ياسر تمامًا.. وعيناه ثابتتان لا ترتعشان، هادئتان إلى حدٍ مقلق، تنفذان إلى الروح حتى بدا باسم وكأنه يقف عاريًا تمامًا أمامه. ذلك الصمت على قسوته، لكنه لم يكسر باسم بل على العكس، منحه جرأةً متوترة، فقال مستجمعًا ما تبقى من ثباته:
_سيادة الريس، أنا مش في نيتي أبدًا أبدًا أي انقلاب، خصوصا لو حطينا إتفاق دلوقتي.. بإن سعادتك تسيبلي جانب الأمن العام والسياسية الداخلية والخارجية.. وحضرتك تمسك الأمور الإنسانية اللي إنت حاببها، وقتها الأمور هتبقا يسيره وحال مصر هيتطور بشكل سلس وممتاز.
استمر ياسر في التحديق، بعينين ساكنتين تحملان ذلك السكون المخيف الذي لا يُفصح عمّا وراءه، وكأن خلفهما حسابًا دقيقًا يُجرى في صمت.. ثم وعلى نحوٍ مفاجئ، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة بطيئة صغيرة، وقال بنبرته الهادئة ذاتها:
_يعني.. اختصار لكلامك دا، إنك بتخيرني يا تشاركني في الحكم يا إما تعمل انقلاب، مش كدة؟
تحرك رأس باسم نفيًا بسرعة، وقد بدا عليه الارتباك وهو يبرر حديثه:
_لا اكيد مش دا قصدي.. انا اقصد....
رفع ياسر يده بإشارةٍ مقتضبةٍ لا تحتمل تأويلًا، ليمنع ياسر من استكمال الحديث، فسكت الأخير في الحال... عندها، استأنف ياسر حديثه، بصوتٍ هادئٍ على نحوٍ يثير القلق، كأن الهدوء ذاته يخفي وراءه ما لا يُقال
_حبوة فكرة إنك تبين نيتك ليا كدة وأنا لسة مكملتش تلات شهور في الحكم، احييك بصراحة، كدة مخلتنيش أتعب لمدة طويلة معاك. بس للأسف يا باسم فكرة اقتناعكم إني مجرد مدني دي... هتوديكم في داهية، وهتوقعكم في حفرة متر في متر مش هتطلعوا منها تاني.
لم يجب باسم... إذ بدأ العرق يتجمع على جبينه في قطراتٍ دقيقة، تتسلل ببطءٍ على بشرته، ولظل واقفًا لا يتحرك ولا ينطق، يترقب ما سيأتي، فشعر بإحساسًا غامضًا بدأ يتشكل في أعماقه، إحساس لا يجد له تفسيرًا لكنه ينذر بشيءٍ قادم.
ثم جاء صوت ياسر مرةً أخرى، هادئًا واضحًا:
_فإنت قبل ما تبقا ضد رئيس جمهورية عادي... بقيت ضد رئيس كارتيل.
انعقد حاجبا باسم في دهشةٍ صريحة، في لحظة إدراكٍ لم تكتمل... أو ربما اكتملت متأخرة.
ففي تلك اللحظة تحديدًا.. أدخل ياسر يديه في جيبيه، حركةٌ بدت عادية لكنها كانت في حقيقتها إشارةً صامتة.. وما كادت تمر ثانية حتى انشق السكون بصوت رصاصةٍ حاد خرجت من بين الظلال الكامنة بجوارهم، لتخترق رأس باسم في ومضةٍ خاطفة، بلا مقدمات، بلا فرصةٍ للفهم أو الرد.
وسقط باسم أرضًا جثة هامدة بلا مقاومة، أما ياسر.. فبقي واقفًا في موضعه ثابتًا لا يتحرك، وعيناه مسلطتان على الجثة بنظرةٍ باردة مريحة خالية من الاضطراب.
ومن قلب الظلام، انفصلت هيئة... وخرج منها أحدهم.
خرج عصام... بخطواتٍ واثقة، وهو ممسكًا بالمسدس الذي ما زال يحمل أثر الرصاصة الساخنة، واقترب حتى وقف إلى جوار ياسر في صمتٍ يليق بالمشهد.. لم يتبادلا النظر، بل استقرت أعينهما معًا على الجسد المسجّى أمامهما.
وعندها تكلم ياسر، بنفس النبرة الهادئة التي لم تفارقه:
_كتبت البيت دا بإسمه من مدة.. دلوقتي القتلة دي هتتذاع على إنها انتحار، ونمشي الليلة.
نظر عصام إلى ياسر نظرة ثابتة، لا تخلو من حذر ممزوج بخبرة قديمة، ثم قال:
_مينفعش..
لم يتحرك ياسر، وقال بصوت هادئ مقتضب:
_إيه اللي مينفعش؟
ثم قال بنبرةٍ تلقائية، خرجت سلسة واثقة، تكشف عن عقلٍ مدرب لم تفسده السنوات:
_مينفعش تبقا انتحار، فالمنتحر لما بيستخدم بمسدس تلقائيًا بيبقا مثبته عند راسه ولازقه بجلده، وفتحة المسدس بتسخن جدًا لما الطلقة تطلع، بالتالي الجلد بيتحرق، فلازم يبقا حوالين مكان دخول الرصاصة مكان لحرق طفيف في جلده.. والحرق دا مش موجود في راس باسم، قالطب الشرعي هيعرف إنه اتضرب من مسافة بعيدة.
سادت لحظة صمتٍ قصيرة، امتلأت بنظرة ياسر التي استقرت على عصام.. نظرة تحمل في طياتها تقديرًا صريحًا، وإعجابًا لا يُخفى، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، دافئة على غير ما يليق بجو المكان، وهو يقول:
_كدة إنت تعجبني. على العموم أنا كدة كدة هخلق حالة رعب بين الوزارة مش هخليهم يفكروا لو لثانية يتجرأوا عليا، فلو اتذاع إنه انتحار أو غيره مش فارقة... محدش هيتجرأ يدور ورايا.
أومأ عصام برأسه إيماءةً وهو يستوعب أبعاد ما يُقال كواقع يُفرض.. حينها فع ياسر يده، وربّت على كتف عصام ربتةً خفيفة، وهو يقول:
_أهلا بيك في شغلك الجديد يا بطل.
تلاقت عينا عصام بعينيه وفيهما بريق تساؤلٍ لم يستطع كتمانه، فخرج صوته مباشرًا وإن لم يخلُ من حذر:
_هو إنت كنت رئيس كارتيل فعلا؟ والكارتيل دي لسة موجودة ولا إيه؟
ابتسم ياسر ابتسامةً غامضة، لم تُجب بقدر ما أوحت، ثم قال متجاوزًا السؤال كأنه لم يُطرح أصلًا:
_بكرا تبقا جاهز.
ثم استدار ومضى بخطواتٍ هادئة، تاركًا خلفه المكان بما فيه، وفور انصرافه انزاح مركز الثقل في المكان.. وبقي عصام واقفًا أمام الجثة، في صمتٍ امتد وتغلغل.
نظر إليها طويلًا، وراحت الأفكار تتزاحم في ذهنه، تتشابك وتتصارع.. ويستشرف ما ينتظره في قادم الأيام؛ منصب ضخم استثنائي لم يبلغه من قبل، ولا دنا من تخيله، ومسؤولية جسيمة لم تخطر بباله ولو عابرًا في لحظةٍ من لحظاته.
َوها هي أبواب عالم جديد تُفتح أمامه، عالمٍ سيغوص في أعماقه ويتشرب قوانينه، ويُعاد تشكيله ما بداخله على نحوٍ لم يختبره من قبل.. عالم سيقتحمه اقتحامًا، ويستدعي منه أن يُخرج تلك الشخصية الكامنة في داخله المدفونة منذ شهور التي طال صمتها، شخصية أخرى ونسخة منه لم تُمنح الفرصة لتظهر... والآن، تقف على الحافة متأهبة.. بين أن تولد أو تظل مدفونة إلى الأبد.
ROMISAA