٥ أثناء ما كان عصام يقود بنوح وعمر ليتوجها للنيابة، قال عصام لنوح: _صحيح يا نوح، مقولتليش إيه هي الفترة بين رؤيتك لأدهم وخروجك من أوضتك وطلوعك للبلكونة عشان تشوف الرؤوس وهي متعلقة فعلاً كده؟ _مكانتش ثواني... أطول حاجة كانت دقيقة ممكن. قال عصام وهو في حيرة شديدة: _إزاي هيقتل تلاتة في أقل من دقيقة؟ ظلوا صامتين برهة ثم قال عصام قاطعًا ذلك الصمت: _صحيح، تعرف مدرسة اسمها رحمة عندكوا؟ _آه، مالها؟ _معاكش رقمها؟ _عصام... دي بنت محترمة، ابعد عنها، متحاولش. ضحك عصام وهو يقول بنبرة ساخرة: _محترمة؟ الصنف ده مستحيل تلاقي واحدة فيه محترمة يا حبيبي... _وأمك منهم؟ _أكيد... مهي لو محترمة مكنتش طفل لقيط ومتربي في ملجأ أيتام. صمت نوح في ضجر وعمر لا يبدي أي رد فعل، فهذا معروف عن عمر... إنه بارد تماماً ولا يقوم بأي ردود فعل. ليردف عصام: _معاكش رقمها بقى؟ _لا يا عصام، مش معايا رقمها. _طب، معاكش أي رقم من البنات اللي في المدرسة دي؟ قال نوح متبرمًا وهو يمسك بمقبض الباب: _عصام... نزلنا. _خلاص يا عم، خلاص. بعدما وصلوا للنيابة، وأثناء ما كان نوح يعطي أقواله، كان عمر وعصام واقفان يشاهدانه، ليقول عمر هنا: _كنت بسمع دايماً إن في محقق معين بيجري ورا أدهم من غير خوف... دا إنت؟ _أيوة. -هو أدهم ده خطير أوي كده؟ أنا بسمع إنه سفاح مصري عالمي ومطلوب من الFBI... بس... هو إيه اللي خلاه خطير أوي كده لدرجة إن الجيش والشرطة يخافوا منه؟ _أدهم ده بدأ يقتل قبل ما أنا وأنت نتولد، وكان في سن صغير جداً. ولما كبر وكون عصابة أخطر من الياكوزا وأخطر من عصابات إيطاليا وكولومبيا، بقى عنده كل حاجة وبيعمل كل حاجة هو عايزها. بقى يعمل مجازر... بقى يهرب مخدرات بكميات لا تعد ولا تحصى... وأسلحة كمان، فوق كده... فهو عنده ملفات لكل رؤساء ووزراء ورجال العالم... ملفات لو طلعت للعالم حياتهم ونفوذهم هتبقى في الأرض. أدهم بيقدر يقتل عشرين ألف نفر لوحده في يوم واحد... أنت متخيل؟ غير كده، ده راجل بيغتصب الرجالة والستات والأطفال... ومفيش حد بيسلم منه... بيقتل الغني والفقير والمريض والسليم والطفل والعجوز... معندوش حدود ومعندوش مبادئ... وده اللي مخلي العالم كله يخاف منه، لأن حرفياً أي حاجة تتوقعها... هو بيعملها... ولو مفكر إنك هتسلم منه... فده مستحيل، محدش سلم منه غير... الأخ نوح. _إزاي محدش عرف يمسكه لحد دلوقتي؟ _مش عارف... ده اللي مجنني... لأنه مرات كتير بيمشي بين الناس ووشه معروف واسمه الخماسي معروف وعنده مية وخمسين بيت وفيلا حوالين العالم، كل أماكنهم معروفة... ولكن مفيش فايدة. ظل عمر صامتاً قليلاً ثم قال: _هو عنده عيلة؟ _مستحيل. ********* عادت غادة من عملها بعد المغرب ودخلت بيتها، واكتشفت أن تلك الفتاة ما زالت نائمة، فاقتربت منها وبدأت توقظها: _يا بنتي، اصحي، كل ده نوم... أنتِ موتي ولا إيه، اصحي بقى. فتحت جفونها ببطء وظلت تنظر حولها وهي تسأل: _أنا فين؟ _إنتِ في بيتي... أنا غادة، نسيتيني ولا إيه؟ ابتسمت وقالت: _لا، طبعاً مستحيل أنساكي... جبتِ أكل؟ _لا والله، معاييش فلوس... جلست وهي تحك وجهها: _ولا يهمك. _بس، وهم بيفطروا النهاردة، عزموني على سندويتش زي كل مرة، بس مأكلتوش، قلت لما أرجع أديهولك... خدي كليه ولسة في باقي أكل من اللي أداهولي نوح ناكله سوا. عرضت ابتسامتها في امتنان ودهشة وهي تقول: _إنتِ بجد فكرتي فيا ومكلتيش السندويتش عشان تديهولي؟ _أه، أصل إنتِ أكيد بقالك كتير أوي مكالتيش... أنا أكلت امبارح الحمد لله ولسة في باقي كمان نتغدى بيه... السندويتش ده بس فطارك. _وإنتِ فطارك فين؟ _أنا كل يوم بفطر... مش مشكلة تعدي يوم من غيره. ظلت تلك الفتاة صامتة تحدق في غادة بنظرات لينة ممتنة ثم قالت: _إنتِ طيبة أوي يا غادة... إنتِ جميلة أوي... احمر وجنتي غادة وابتسمت في حرج تقول: _شكراً. كانت تلك الفتاة تنظر لغادة وكأنها تنظر لمنقذها من هذه الحياة المهلكة، وكل ما يدور في عقلها أنها مستعدة أن تقتل لأجلها... حتى وإن كان بنفسها. نهضا كلاهما وجلسا على السفرة وبدأا بالأكل، وحين انتهوا، قالت الفتاة: _عمتك هترجع إمتى من المصيف؟ _مش عارفة، هي مش بتقولي بصراحة... وده اللي قالقني... ممكن في أي وقت تيجي وإنتِ موجودة... ووقتها ممكن تقتليهم. _إنتِ خايفة مني؟ _لا، طبعاً، أنا عايزاكي تقتليهم بس... أنا مش عايزة أخش في مشاكل... وإنتِ كمان... لازم تبطلي قتل عشان نفسيتك. ضحكت الفتاة وهي تقول: _إنتِ متعرفيش إن بقالي عشرين سنة بقتل ولا إيه؟ _لا، معرفش... بس ياريت تعرفيني، إنتِ لحد دلوقتي معرفتنيش اسمك. صمتت الفتاة قليلاً في تردد وهم ثم قالت: _أنا بتكسف أقول اسمي بصراحة... أبويا بيعذبني في كل حاجة حتى في اسمي. _ليه، ماله اسمك؟ ظلت صامتة مدة من شدة ترددها ثم قالت: _أبويا حب يسميني اسم فرعوني عشان كان عايز يغيظ حد من القوميين المصريين عشان انا فيا جينات سودانية وكدة...، بس ياريته كان سماني إيزيس ولا نفرتيتي حتى... ده... سمَّاني أنوبيس. ابتسمت غادة ابتسامة عريضة وهي تعض شفتاها من الداخل لكي تمنع نفسها من الضحك، ثم بلعت ريقها وهي تقول: _إله الموت؟ _أيوة. _طب، يعني أنا مش شايفة فيها حاجة وحشة... حلو. _لا، مش حلو. _طب خلاص، قوليلي أناديكي بإيه... مهو أنا لازم أناديكي. _ناديني أي حاجة. _طب... ما تحكيلي عن حياتك، يعني إزاي بقالك عشرين سنة بتقتلي؟ وفين أبوكي وهربانة من مين؟ وإزاي نوح أخوكي وهو ميعرفش... أنا بجد محتاجة أفهم، أنا مش هقدر أكون معاكي كده من غير ما أفهم. عادت أنوبيس لصمتها الطويل ثم قالت: _أنا بنت أدهم داغر... تحولت ملامح غادة تماماً وفتحت فمها من الصدمة، وأكملت أنوبيس قائلة: _أدهم قرر يخلف سبع عيال، فكان كل لما يسافر بلد يختار واحدة يخلف منها، كلهم اغتصبهم ما عدا واحدة... وهي أم نوح... ليلى... دي الوحيدة اللي اتجوزها على الورق باسم مزيف وهوية مزيفة... ولكنه خلى الاسم الأخير داغر عشان اللقب يكون واحد. المهم... أنا أعرف كل إخواتي وجنسياتهم وأماكنهم... بس صعب جداً أعرف أجمعهم ببعض لوحدي، وهحتاج مساعدة. صمتت أنوبيس قليلاً ثم قالت: _أنا أمي من السودان، وأم نوح مصرية عادي، في أم من روسيا، ودي تكون أم عصام شرف، وأم من كوريا، ودي تكون أم لصحفية اسمها علا مرزوق، وأم من إيطاليا، ودي تكون أم داعية اسلامي ومستشار قانوني اسمه مصطفى عبدالباقي، وأم من تركيا، ودي تكون أم لمعيد في كلية من الكليات اسمه سليم السمان. _سليم السمان؟؟؟ _إنتِ تعرفيه؟ _ده معيد في كليتي.... كلية علوم. _أقسم بالله؟؟؟ الحمد لله كده أنا أقدر أوصله. _معقول ده يبقى أخوكي؟ معقول أصلاً كل دول يبقوا ولاد أدهم بنفسه؟؟؟ _أيوة، وبأمر من رجاله عصابته، بعد ما تخلف كل واحدة منهم في بلدها، بياخدوا طفلها ويودوه لمصر... عشان لما نتجمع كلنا تاني. _طب كده فاضل واحد. _للأسف، دا الوحيد اللي معرفش عنه أي معلومات. معرفش غير إنه ولد واسمه نور. صمتت غادة قليلاً ثم قالت: _أنا هساعدك يا أنوبيس... هساعدك تجمعيهم وتدوري عليهم. ابتسمت أنوبيس وقالت: _يعني هتتجوزي نوح؟ _أه، هتجوزه. _هتشوفيه تاني إمتى؟ _كمان كام يوم عشان أرجعله حق الأكل اللي جابهولي... هكون وقتها قبضت. _تمام. _صحيح، إنتِ اتربيتِ مع أدهم؟ _أيوة، عيشت معاه واشتغلت معاه، وكانت حياة جحيم... مش عايزة أحكي تفاصيل. _خلاص، متحكيش عشان متضايقيش. ظلت أنوبيس صامتة تفكر ثم قالت: _هي كليتك دي اللي اختفى فيها الخمس ولاد دول؟ _أيوة، هي. ابتسمت أنوبيس وكأنها علمت ما الذي أخفاهم، وصمتت. ******** في صباح اليوم التالي، كانت رحمة في المدرسة. كانت تعتبر مدرسة خاصة فارهة بها كل شيء، وكل الطلاب والطالبات بها من عائلات غنية أصحاب نفوذ. على أي حال، دخلت رحمة غرفة المدرسين، ولم يكن بها سوى أشرف وعلاء، فقالت لهم: _هي العيال مالها النهاردة؟ قال علاء: _مالهم؟ _بيبصولي بصات غريبة وبيضحكوا كده، هو في حاجة في وشي ولا حاجة؟ _لا، مفيش حاجة، زي القمر كالعادة. ابتسمت رحمة وشكرته، وحين انتهى الطابور ليبدأوا المدرسين عملهم، دخلت رحمة فصل للصف الثاني الثانوي، ولاحظت أنهم يهمهمون ويهمسون كثيراً في حصتها على غير العادة. وحين تامرهم أن يصمتوا، يبتسمون لها ابتسامة ساخرة كما لو كانوا يستهزئون بها. _في إيه يا شباب؟ مالكم النهاردة؟ أنتو فصل محترم يعني، مش متعودة منكم الحركات دي. ضحكون ساخرين منها، وقال طالب منهم: _طب لو إحنا محترمين، ليه جابوكي تدرسي لينا؟ استغربت رحمة بشدة، وهي تقول: _إنت كويس يا حبيبي؟ أنا بدرسلكم من أول السنة... في إيه مالك؟ قال طالب آخر: _طب ما تشرحيلنا يا ميس العيل بييجي ازاي كده. انفجر الطلاب بالضحك، وصدمت رحمة من قلة حيائهم، لتقول: _مش أنا والله اللي أشرح لكم عن الموضوع ده... ممكن تطلبوا من مستر البيولوجية، بتطلبوا مني ليه؟ ظلوا يضحكون وهي كانت مبتسمة باستغراب وحيرة شديدة من أمرهم، فهي لا تفهم أي شيء ولا تفهم لماذا يتعاملون معها بتلك الطريقة. أتت الاستراحة، وكانت جالسة في الساحة وحدها الى ان أتى نوح وعلاء وأشرف لها، وقال لها نوح: _إيه قاعدة لوحدك ليه؟ _نوح، هو في إيه؟ الناس مالها النهاردة؟ _مش فاهم مالهم. هنا سمعوا طالب مع أصدقائه يقول لها: _إيه يا ميس؟ الليلة كانت حلوة ولا إيه؟ أومال فين الفيديو؟ عايزين نشوفه. لم تفهم رحمة أي شيء، فقررت أن تتجاهل كما تتجاهل، ولكن نوح لم يستطع التجاهل، لأنه علم كل شيء الآن وفهم لماذا يتعاملون مع رحمة بتلك الطريقة. نهض مستشيط غضبا وذهب لذلك الطالب بخطوات سريعة، وهو يرمقه بنظره مرعبه قائلًا: _ممكن تفهمني قصدك إيه باللي بتقوله ده؟ فهمني عشان مش فاهم. ارتبك الطالب وصمت عاجزًا عن الرد، وهنا أخذ على وجهه صفعة قوية من نوح أسقطته أرضاً، لينهضوا ثلاثتهم بسرعة وأخذ أشرف نوح إليهم وهو يقول: _يخربيتك، إيه اللي أنت عملته ده؟ أنت متعرفش ده ابن مين؟؟ قالت رحمة وهي مفزوعة: _إيه يا مستر عملت كده ليه؟ هو قالك إيه؟ كل من في الساحة ظلوا يحدقون فيه، والطالب كان مصدوم ويتألم بشدة. وابتعد نوح قليلاً وذهبوا خلفه، ورحمة تقول: _مستر نوح، ممكن تفهمني إيه اللي بيحصل؟ وقف نوح وظل صامتاً وهو لا يريد ان يجيبها، ثم قال: _احتمال العيال بيتكلموا معاكي كده لما شافوكي واقفة مع عصام امبارح. _يعني إيه؟؟؟ قصدك حوار الليلة دي؟ بيطعنوا في شرفي يعني؟؟؟ _أيوة للأسف. _ليه؟؟؟ ليه يظنوا فيا كده لمجرد إني وقفت مع واحد؟؟؟ _المشكلة إن ده مش واحد طبيعي يا رحمة... صمت نوح في تردد، لتقول له: _يعني إيه مش طبيعي؟؟؟ لم يرد نوح لعدم رغبته في ذلك، ليرد علاء بدلًا عنه: _عصام ده ظابط، بس في نفس الوقت الناس عارفة إنه... يعني زير نساء. وليه كذا فيديو مع ستات، ومعروف عنه إن فيه ستات بتروحله وكدة. ظلت رحمة تحدق فيه وهي مصدومة صدمة جسيمة، اعينها جاحظتان تلمعان من الدموع ورئتيها تحجرت بسبب الصدمة. هل حقاً كل من في المدرسة صدق أنها زانية؟ المعلمين والطلاب، حقاً تأكدوا من ذلك لكي يتحدثوا معها بهذا الشكل بمجرد أنها وقفت وتحدثت مع هذا الرجل؟ _مستحيل... مستحيل يكونوا بيتكلموا معايا كده عشان كده... أنا ماعملتش حاجة والله العظيم... حتى هو طلب إنه يوصلني، أنا رفضت. قال نوح: _مصدقينك يا رحمة، مصدقينك يا حبيبتي والله... بس مش كل الناس عاقلة. قال أشرف: _اهدي يا رحمة... دول شوية عيال موهومين. إحنا أكيد كلنا عارفين إنك ما عملتيش حاجة زي كده. هنا أتت إحدى الطالبات تقول لهم: _المدير عايز ميس رحمة ومستر نوح في مكتبه لو سمحتهم. ذهبا كلاهما لمكتب المدير، وهنا قال المدير بغضب: _مستر نوح، إيه اللي عملته ده؟ ازاي تضرب الطالب بالشكل الهمجي ده؟؟ _أظن لما تعرف ليه هتعذرني. الأستاذ كان بيقل أدبه مع ميس رحمة وبيتكلم في شرفها... هل ده عادي بالنسبالك؟ نظر المدير لرحمة وقال: _امبارح جاتلي اتصالات كتير بتشتكي منك... أنا مصدقتش، بس واضح من تصرفات الطلاب إن الموضوع صح قالت رحمة: _بتشتكي مني ليه؟ وهو إيه ده اللي صح؟؟ _إنك تواصلتي مع المحقق عصام... وبلاش أكمل حصل إيه بعد التواصل ده. صدم نوح بشدة، وخرجت الدموع من عيني رحمة وهي مصدومة وتقول وهي تحاول الدفاع عن نفسها وشرفها: _انت صدقتهم؟؟؟ إنت بجد صدقت إنّي ممكن أعمل حاجة زي كده؟؟؟ والله العظيم والله العظيم ما عملت حاجة والله العظيم. قال نوح: _يا مستر، عصام جه المدرسة عشاني أنا. أنا كنت مطلوب للنيابة عشان أنا شاهد على آخر جريمة أدهم عملها، وعصام متخصص في قضايا أدهم. فهو اتكلم معايا وتواصلت معاه كتير. فهو جه يوصلني، وبالصدفة بدأ يتكلم مع رحمة وسابته ومشيت... قال المدير: _صعب أصدقكم، لأن الراجل ده بيحول أشرف بنت لأوسخ بنت... فكل حاجة واردة. قال نوح غاضباً: _إنت بتقول إيه يا راجل؟ عيب اللي بتقوله ده، مينفعش. _أنا خلصت كلامي... الطالب ده لما أهله يجوا يشتكوا، أنا مش هدافع عنك يا نوح. وإنتِ يا رحمة، اقعدي في أوضة المدرسين لحد اخر اليوم، ووقتها هتناقش في إنّي ممكن أرفدك ولا لأ. اتفضلوا اطلعوا. اصاب رحمة الغم والحسرة والقهر بشكل قاسي. فكيف أن يتم ظلمها وقذفها وإساءة الظن بها بهذا الشكل العنيف في يوم واحد؟ سارت رحمة بسرعة وهي لا تتوقف عن البكاء. دخلت غرفة المدرسين وجلست وحدها بعيداً عنهم، وظلت تبكي بحرقة شديدة. كان قلبها ينصهر حسرة وحزناً على نفسها وعلى شرفها. أشفق عليها المدرسون، وذهبا علاء وأشرف إليها لكي يواسوها، فقامت معلمة وجلست بجانبها: _أهدي يا رحمة... إنتِ أكيد ماعملتيش كده صح؟ _أقسم بالله ما عملت حاجة... والله العظيم يارب أموت لو بكذب، أنا ماعملتش حاجة. قال معلم منهم: _إومال كان بيكلمك ليه؟ وإيه اللي جابه المدرسة إمبارح؟ _شافني واقفة قدام عربيته، قام طلع وبدأ يكلمني وقال يوصلني، وأنا رفضت... وكان جاي عشان نوح بخصوص قضية أدهم... ليه تفكروا بالشكل ده؟ ازاي تصدقوا إني ممكن أعمل كده؟ قال معلم من المعلمين: _صحيح آخر قضية حصلت كانت في الشارع اللي نوح فيه... أكيد عصام بيتكلم مع نوح لأنه شاهد. مرت الساعات ولم تتوقف رحمة عن البكاء أبداً، إلى أن أتى ميعاد العودة للمنزل وذهبت لمكتب المدير لكي يقرر مصيرها. ونرى عصام هنا يدخل المدرسة ويقف منتظراً لرؤية رحمة، وبعد قليل رآها تخرج... لا يعرف لماذا، ولكن في اللحظة التي رآها فيها شعر أن جسده بدأ في القشعريرة من سعادته... وكأنه يرى شيئاً نادراً وجذاباً لا يشبع من النظر إليه. رغم أن وجهها كان عابساً للغاية، إلا أنه كان يرى ملامحها كدواء للعين. أثناء ما كانت تسير ببطء لكي تذهب، لمحته واقفاً ينتظرها... فأسرعت في خطواتها كما لو كانت تهرب منه وحين اقتربت منه: _مس رحمة... مس رحمة. ظلت تسير وهي تتجاهله، فبدأ يسير خلفها: _إيه؟ بتتقلي وكده؟ طب استني بس أقولك كلمتين مستعجله ليه؟ توقفت رحمة ونظرت للأرض... وجدت صخرة كبيرة أكبر من كف اليد. _أنا بس كنت حابب أتعرف عليكي... من لما شوفتك إمبارح بصراحة وأنا ما مبطلش تفكير فيكي... تيجي نروح أي مكان نقعد فيه نشرب حاجة سوا؟ كان عصام يحدثها وهي تقترب من الصخرة وتحملها، وكان وجهها بارداً عابساً وتكتم خلف عينيها سخط وحنق قوي، وكل الطلاب واقفين يراقبونهما. وهنا بسرعة لم يتوقعها عصام، بالصخرة التي في يدها ضربته ضربة قوية على رأسه ادت لجرح عميق فيها وسالت الدماء من رأسه بالفعل، وقالت له تصيح بإهتياج شديد: _ابعد عني، إنت عايز إيه مني؟ إنت ازاي تتجرأ وتيجي هنا أصلاً؟ إنت اتجننت أقسم بالله. غضب عصام بشدة ووضع يده على الجرح ليرى هذا الدماء ونظر لها وهو يصرخ غاضباً: _في إيه يا بت؟ هو أنا لمستك؟؟؟ _بالظبط... قولهم بقى إنك ملمستنيش، حاول تقنعهم إني مش شمال زي ما أقنعتهم في ثواني إني كده. الموضوع ما خدتش خمس دقايق وقوف معاك والناس كلها صدقت إني زبونة عندك وبسببك أنا اترفدت من الشغلانة. إنت ملعون، أياك توريني وشك تاني، لحسن أقسم بالله ماعنديش مانع أقتلك وأخنقك بإيدي دي يا راجل يا وسخ.
ROMISAA