٩ يقف عمر أمام شقة عصام، وطرق الباب وانتظر فترة طويلة حتى فتح عصام واندهش بوجود عمر. _إيه دا؟ دكتور عمر؟، إزي..... لم يكمل عصام لأنه استقبل ركلة قوية من عمر في منطقته الحساسة، ليصرخ عصام مرتطمًا بركبتيه على الارض من شدة الألم. ولم يكف عمر بذلك ليمسك برأس عصام، وبركبته ضرب انفه بقوة شديدة أدت لكسرها. ليزداد صياح عصام أكثر ويسقط أرضًا على ظهره. خرج أحمد من غرفته وخرجت فتاة عاهرة من غرفة عصام وهي تتسائل بفزع: _إيه في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟ وضع عمر قدمه على المكان الذي ركله فيه وبدأ يدهس بقوة وهو يحدثه بنبرته الهادئة: _ممكن ابان ليك راجل بملامح لطيفة وصوت هادي او طري زي ما قولت... بس أظن إنك فهمتني غلط يا عصام، أتمنى ما تكررش اللي أنت عملته دا تاني...ودا لمصلحتك تململ عصام بشدة وهو يصيح من التوجع يحاول ابعاد قدم عمر عنه ولكن لم يستطع، وهنا مدد يده الصناعية وأخرج شعاعًا منها خدش عمر في كتفه، فإبتعد مسرعًا ممسك بكتفه مستغربًا غير متوقع شيء كهذا. فركض أحمد إليه وهو يقول: _أنت كويس؟ أنت كويس؟ تقدمت الفتاة إلى عصام مطمئنه عليه بقلق: _عصام باشا، أنت كويس؟ قال عصام لها محتدمًا: _غوري من وشي دلوقتي... اطلعي برا. _طب والفلوس؟ _قولتلك اطلعي وهبقى أكلمك تاني. خرجت الفتاة بعدما ارتدت عبائتها، حاول عصام أن يتمالك نفسه ويقف ولكن قدميه كانت تتقفقف من شدة الألم ولم يستطيع ففضل ان يجلس ارضًا. وهنا قال أحمد لعمر خين لاحظ الخدش على كتفه: _استنى، هجيبلك شاش وقطن. ذهب أحمد وظل عمر واقفًا يرمق عصام بنظرة باردة تمامًا ممزوجة بحنق شديد، ليقول عصام وهو يضحك هازئًا: _مراتك طلعت وفيّة... المفروض تفرح. _متجيبش سيرتها على لسانك. قال عصام بإبتسامة المستفزة رغم إصابته: _أظن يا دكتور عمر تاخد اللي حصل دا عبرة في حاجة واحدة بس... أنك متسيبش مراتك لوحدها كتير. أصل أنا عندي قدرة على إني افرق بين الست المبسوطة وبين الست اللي مش مبسوطة، خدها نصيحة مني. _الموضوع عبثي اوي أشوف راجل زيك ينصحني في موضوع زي دا، راجل معرفش يخلي مراته عايشة بيقولي أعمل إيه مع مراتي... ابقى انصح نفسك الأول... عشان لو كنت اهتميت بيها كده زي ما بتهتم بالستات اللي حواليك... مكانتش قتلت نفسها. اختفت ابتسامة عصام من رد عمر القاسي وحين و سمع أحمد ذلك وتجمد مكانه كما لو كان قلبه سينفجر من الحسرة. ثم اتجه عمر إلى الباب وخرج. ******* نوح مدرس الرياضيات، تميز بسلاسة شرحه وذكائه في خلق المسائل الرياضية وتبسيطها للطلاب. وحين تتيح له الفرصة لاختراع قانون جديد، فإنه يفعل ذلك لتسهيل الأمور على طلابه. وكان يثير دهشة كبار معلمي الرياضيات، ويتعجبون من ذكائه ودهائه. وعلى الرغم من ذلك، لم يكن مشهورًا. كما أنه يحظى بشعبية كبيرة بين الطالبات، وأغلبهن معجبات به، وهناك من تبدي له بذلك وهناك من لا تفعل، ونوح بدوره يتجاهلهن بالطبع. هو الآن في إحدى القاعات بالمدرسة يشرح أمام مئات الطلاب. كان باب القاعة بجانبه مباشرةً، فكل من يأتي أو يقترب من الباب لا يراه، ولكن الطلاب يرونه بشكل واضح. وهنا تقترب غادة من باب القاعة بشكلٍ ما، وظلت واقفة تشاهده يشرح. لا تعرف لماذا حين رأته يشرح زاد ذلك من جاذبيته في عينيها. لاحظ نوح أن الطلاب ينظرون إلى الباب والفتيان مبتسمين ابتسامة بلهاء، فقال مستغربًا: _في إيه بتبصوا فين؟ التفت نوح للباب ووجد غادة واقفة في الخارج. كان مظهرها مهذبًا أكثر وطبيعيًا، وملابسها كانت منسقة عكس آخر مرة، وهذا زاد من جمالها بشكل كبير. ولا يعلم لماذا... ولكن لمعت اعينه ودخل السرور قلبه وشعر بانتعاش غريب فور رؤيته لها. _خليكوا زي ما أنتم شوية وهرجع. انتشل السماعات وخرج لها وابتعدا قليلاً وقال لها: _إزيك يا غادة؟ إيه الجمال دا؟ _جمال إيه بس؟ أنا راجعة من الشغل تعبانة. أخرجت له ظرفًا وهي تقول له: _خد ألفين جنيه أهم. _إيه دا؟ أعمل بيهم إيه؟ _دا مرتبي... خد منه بقى حق الأكل والشرب اللي أنت جيبتهولي. ظل نوح يفكر وهو لا يتذكر، عقد حاجبيه محاولًا في التذكر الى ان يأس وسألها: _أكل إيه؟ _الأكل اللي جيبتهولي لما شوفتني أول مرة، أنت نسيت ولا إيه؟ أخذ منه الأمر ما يقارب الثلاثين ثانية لكي يتذكر، وحين تذكر قال: _يااااه يا غادة... إنتِ لسة فاكرة؟ وبعدين مينفعش اللي بتعمليه دا. أنا كنت عازمك يا حبيبتي، إنتِ جاية كل الطريق دا عشان كده؟ _آه طبعًا، أجيلك حتى لو كنت في كوريا... دا دين يا مستر ولازم أردّهولك. _وأنا قولتلك أنا عازمك ومش عايز حاجة قالت غادة ممتعضة: _إنت مين أصلاً عشان تعزمني؟ أنت متعرفنيش، مينفعش تعزم حد متعرفهوش كده. قال نوح سخرًا مداعبًا إياها: _آه بس ينفع أروح لحد معرفوش وغريب وأطلب منه الجواز صح؟ صمتت غادة في حرج، ليبتسم ويقول: _أنا لسة معرفش إنتِ كام سنة. _اتنين وعشرين. _إنتِ صغيرة اوي عليا. _إنت متعرفش الراجل اللي عنده خمسين سنة اللي عمتي عايزاني أتجوزه. اتسعت اعينه في صدمة وهو يقول: _عايزاكي تتجوزي راجل عنده خمسين سنة؟؟؟ _ومتجوز وعنده أربع عيال، إيه رأيك بقى يا مستر نوح... تحب أروح أتجوزه؟ بدأ نوح ينظر لها... ويتأمل شبابها وجمالها ولطافتها، وتخيل أنها في علاقة مع رجل خمسيني، ليقشعر جسده متقززًا ليقول: _لا طبعًا... أتجوزيني أنا أرحم. _أنا بقول كده برضو. _طب نحط الظروف على جنب... قولي إنتِ إيه رأيك فيّا بجد؟ صمتت غادة وهي تنظر له وتتمعن فيه، واحمرت وجنتاها بحرج لأنها لم تحدق في رجل بهذا الشكل من قبل... خصوصًا نوح، لم تلاحظ فيه كل هذه التفاصيل في أول مرة رأته فيها. _راجل... حلو وواضح أن جسمك رياضي برضو... واخدة بالي إن في عضلات شوية... شكلك بتهتم بنفسك يعني وكده، ودي حاجة حلوة. _بصراحة أنا معرفش العضلات دي طلعتلي إزاي... أنا عمري ما روحت جيم... ودايمًا الدكاترة يستغربوا من حالتي... شكل دي معجزة ولا حاجة. _طب إنت... إيه رأيك فيّا؟ ابتسم نوح واحمر وجهه كما لو كان مراهق، وقال وهو يحدق في وجهها: _جميلة... جميلة اوي. قالت غادة وهي تشيح ببصرها في حرج: _شكرًا... _يعني خلاص... الحق أخدك قبل ما العجوز دا ما ياخدك. _ياريت. _طب هاتي رقم أبوكي... هكلمه دلوقتي قدامك. رفعت حاجبيها مشدوهة وهي تقول: _دلوقتي دلوقتي؟ قال نوح وهو يومئ برأسه ليأكد عزيمته: _دلوقتي دلوقتي. أعطته رقمه واتصل نوح به: _ألو السلام عليكم... أستاذ مجدي؟ _الباشمهندس مجدي... الباشمهندس. _يعني حضرتك هو ولا لا؟ _أيوة أنا، تفضل. _أنا... بكلمك بخصوص موضوع يخص بنت حضرتك. _أنهي بنت؟ سيدرا ولا ريتاج ولا تاليا؟ تحير نوح ثم قال: _مين؟ لا، مش دول، أنا قصدي على غادة، أنا اتعرفت عليها وعايز أتقدم لها. _غادة؟ غادة مين؟ إزداد تهيع نوح ليجيب: _نعم؟ غادة بنتك اللي قاعدة مع أخت حضرتك. _آه... دي... هي لسة متجوزتش منصور؟ _لا، لسة متجوزتش منصور... وبعدين أكيد لسة متجوزتهوش، ما أنت لازم تجوزها بنفسك. _لا، أنا ماليش دعوة بيها، بس عمومًا لو حابب تتجوزها أنت حر. روح كلم شيخ الجامع اللي جنب بيت عمتها هو يجوزهالك... ياريت متكلمنيش تاني عنها. اكفهر نوح وجهه من تصرف هذا الرجل وقال: _أنت إيه اللي بتقوله دا؟ حضرتك مينفعش، لازم أنت اللي تجوزها. _وأنا بقولك مش هاجي ومش هقابلها خالص... يا عم اعتبرها مالهاش أب، روح كلم عمتها وشيخ الجامع، متكلمنيش تاني. سلام. أغلق مجدي في وجه نوح، وكان نوح مصدومًا تمامًا وفي حيرة قوية من امر هذا الرجل عديم المسؤولية، لماذا لا يهتم بتلك المسكينة الى هذا الحد كما لو كانت عدوته؟ إقتربت غادة منه وقالت بقلق: _إيه؟ رفض؟ _ل... لا، مرفضش... مرفضش. _طب مالك قعدت تتخانق معاه ليه؟ _ولا حاجة... أنا هرجع بقى لحصتي عشان اتأخرت على العيال. اقعدي أنتي استني في أوضة السكرتيرة وأنا هوصلك وإحنا رايحين. عاد نوح للقاعة ووضع سماعته وأكمل شرحه، وبعد ساعة انتهى ودخل غرفة المساعدين التي كانت بها غادة، وتتبعه الطلاب لتلك الغرفة وتجمعوا حوله لكي يتحدثوا معه ويسألونه بعض الأسئلة، واستمر هذا الوضع لمدة نصف ساعة إلى أن ذهب الطلاب كلهم، فجلس نوح بجانبها وهو يتنهد منهكًا ويقول: _أنا آسف خليتك تستني كتير. _ولا يهمك... ما دام أنا بعيدة عن عمتي وبنتها، أنا زي الفل. هنا لاحظت جرحًا قديمًا في معصم يده، كما لو كان حاول الانتحار من قبل، وهذا بالفعل ما حدث. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تقول: _أغلب اللي بيعملوا الطريقة دي بيكونوا مترددين، لأن دي أكتر طريقة بتفشل. نظر نوح إلى يده وفهم ما تقوله ثم ابتسم هو أيضًا وقال: _غريزة البقاء ليها السيطرة الكاملة للأسف... وده الطبيعي إنك تترددي في إنك تعملي الخطوة دي. يعني عمرنا ما شوفنا حيوانات بتنتحر، مش كده؟ عمرنا ما شوفنا أسد انتحر مثلاً؟ _طب لو غزالة اللي انتحرت؟ هيبقى عادي صح؟ نظر إليها وقال: _لا برضو... مش عادي... مع إن في ناس هتشوفه عادي. أنا مبشوفش ده. يلا بقى عشان نمشي. ذهبا إلى السيارة وركباها وبدأ في القيادة ذلك، أخرج هاتفه واتصل بعمر: _أيوة يا نوح. _عمر، أنا محتاجك تجيلي بكرة. صمت عمر برهة ثم قال: _مش هقدر والله يا نوح، مش فاضي. _طب بعده؟ _الموضوع مهم أوي؟ _أنا شوفت حاجة غريبة في شقتي... حاجة تثبت إنّي مش مجنون والشقة فيها حاجة. _طب... ممكن تستنى أسبوع ولا حاجة... أنا فعلاً مش فاضي. _ماشي، ولا يهمك... ابقى طمني عليك بس... يلا سلام. بدا على عمر اكتفاءه من ملازمه نوح في كل لحظة وقد شعر نوح بهذا الامر لذلك لم يضغط على غمر أكثر، بعد أن أغلق الخط قالت غادة هنا: _بيتك مسكون؟ _مش عارف والله يا غادة... بسمع حاجات وبشوف حاجات، مش عايز أحكيلك عشان متخافيش. _لا، أنا مبخافش. طب إيه رأيك تشوف شيخ؟ _دجال يعني؟ _لا، شيخ عادي بتاع القرآن والرقية الشرعية. _طب تعرفي واحد شاطر كده؟ _لا، ما أعرف..... صمتت فجأة واتسعت اعينها فور أن تذكرت: _ل... لا، لا، أعرف، فيه مصطفى عبدالباقي. _مصطفى عبدالباقي؟ سمعت الاسم ده قبل كده. _آه، هو معروف أوي، بينزل فيديوهات محاضرات دينية، وبيفسر آيات بشكل حلو أوي... أنا مش بتابعه دايمًا بصراحة، بس شوفتله كام فيديو، كان جميل أوي ما شاء الله عليه. _طب وده بتاع رقية شرعية؟ _أكيد... هو حاطط رقمه لو حد عايز أي استفسار، فأكيد هو بيعمل كده برضو. ظل نوح صامتًا قليلاً يفكر في تردد ثم قال: _ماشي... أما نشوف، مش هنخسر حاجة. ******** عاد مصطفى من صلاة العصر ودخل بيته وهو يقول الذكر المعتاد: "اللهم إني اسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى ربنا توكلنا" ووجد زوجته نجلاء تطبخ فألقى عليها السلام وردت عليه ثم دخل غرفته وارتدى ملابسه البيتية ثم عاد لنجلاء وهو يقول: _عايزاني اعملك حاجة؟ _ارتاح يا حبيبي انت لسة راجع من الشغل _اليوم النهاردة مكانش متعب...كنت قاعد عالمكتب مبعملش حاجة يعني _ممكن تغسل الفاكهة...انا قربت اخلص اخذ مصطفى الفاكهة وبدأ يغسلهم وفي جو دافئ لطيف بينهما كان يساعدها ويعينها على مشقة الوقوف والطبخ بكل مودة ولكن بعد قليل نظر لحبيبته التي يشتاق لها إن ابتعد عنها ثوانٍ فقط، إتجه لها وبدأ يتغزل فيها بكلام معسول وهي لم تقاوم ففور أن التفتت لتعطيه قبله اكتشفت بوقوف مريم خلفه عن مدخل الباب، ابنتهما البالغة من العمر تسع سنوات، واقفة تحدق فيهما. فقالت نجلاء: _مريم وراك. انتفض مصطفى مبتعدا بسرعة ملتفتًا لابنته، فضحك وقال: _م... مريم حبيبتي، عاملة إيه؟ قالت مريم بملامح متجهمة: _كنتوا بتعملوا إيه؟ _ولا حاجة يا حبيبتي، بساعد ماما في المطبخ. _أنا سمعت صوت غريب أوي... محدش سمعه؟ قالت نجلاء: _صوت إيه يا حبيبتي؟ _صوت عيّل بيعيط بس صوته كان وحش أوي... كأنه كلب. نظر مصطفى لنجلاء في قلق وحرض، بعدها تقدم وقال وهو يحسس على شعر ابنته ويطمئنها بابتسامته اللطيفة: _يمكن ده من الجيران يا حبيبتي، متقلقيش. سكتت مريم وهي محتفظة بعبوس وجهها والاضطراب في أعينها ثم عادت لغرفتها وظلا كلاهما صامتان بقلق. فقالت نجلاء: _متأكد يا مصطفى إن مريم معليهاش حاجة؟ _والله يا حبيبتي سليمة... مفيش حل غير إننا نوديها لدكتور نفسي. _بس أنا خايفة يا مصطفى... افرد ادالها أدوية أو أي حاجة تخلي حالتها أسوأ. صمت مصطفى قليلاً وهو يفكر ثم قال: _مش عايزك تقلقي... أنا هدور على حد شاطر بس يارب تكون متقبلة الموضوع. _أكيد مش هنقولها بشكل صريح... إحنا مثلاً هنتفق مع الدكتور إنه ميبينلهاش إنه دكتور وكده. فاهم؟ _اه، اه. _أنا برضو هبقى أسأل الدكاترة اللي معايا لو يعرفوا واحد كويس. بعدما انتهت نجلاء من تحضير الغداء وتجمعوا ثلاثتهم في جو دافء اسري مريح، أثناء ما كانوا يأكلون، قالت نجلاء: _عملتي إيه في المدرسة النهاردة يا حبيبتي؟ _معملتش حاجة... حضرت الحصص... كل يوم تسأل نجلاء هذا السؤال على أمل أن ترد مريم عليها ردًا يصنع حوارًا بينهما، ولكن للأسف دائمًا ما ترد مريم عليها ردًا باردًا قصيرًا يجعلها تصمت نظرًا لعجزها في تكوين حوار من ذلك الرد. فقال مصطفى هنا: _تحبي تنزلي معايا أنا ونجلاء النهاردة نجيبلك هدوم جديدة عشان الحجاب؟ أجابته مريم بالنبرة الباردة ذاتها: _ماشي... براحتكم. تبادلا مصطفى ونجلاء نظرات الحيرة، لطالما إبتغا كلاهما أن يرونها سعيدة بأي طريقة، ولكن للأسف كل محاولتهم للترفيه أو الترويح عنها تجدي نفعًا، فمريم طفلة تعاني من الكوابيس المستمرة والهلاوس غير المنطقية، وبدأ ذلك من سنتين فقط فجأة بدون أي سبب. بعدما انتهوا وعادت مريم لغرفتها، دخلا مصطفى ونجلاء لغرفتهم. جلس مصطفى على السرير وخلعت نجلاء ملابسها التي كانت تطبخ بها، كان جالسًا يحدق فيها بأعين لا تطرف يتأملها اثناء تفكيره المفرط كما لو كان لا يوجد سواها في العالم. اقتربت منه وهو جالس وعانقته واضعًا رأسه بين سحرها ونحرها. نجلاء ومصطفى بينهما ماضٍ طويل معًا، خاض كلاهما قصة حب عفيفة قد تُكتب في التاريخ بجانب قيس وليلى. كل منهما لن يتردد في التضحية بنفسه من أجل الآخر، التفاهم بينهما خارق، ونجلاء دائمًا في طاعة وخدمة مصطفى، ومصطفى دائمًا في مساعدة وتلطف نجلاء. مصطفى يعشق نجلاء بكل ما تعنيه الكلمة. _حاسة إنك مش كويس. قال مصطفى بنبرة هادئة تفيض بالهم: _بفكر في مريم أكيد. _لا، في حاجة تانية. _إنتِ مش ناقصة. _قولي يا مصطفى... صمت مصطفى قليلًا ثم رفع رأسه وهو ينظر إليها، واقتربت وهي تقبله وتقول: _شكلك زعلان أوي يا حبيبي. _من كام يوم جالي عم مدحت وهو بيعيط. صمت مصطفى مدة طويلة وكأن الكلمة ثقيلة على لسانه وعقله لا يستوعبها، ثم قال: _مدحت... باع بنته يا نجلاء.
ROMISAA