عودة المحبوبة

عودة المحبوبة

33 0

٤٧ ~أظن لو قلت لها خليكي معايا عشان محتاجك ما كانش كل دا حصل. نعود للزمن الحالي، قبل أن تتجرع غادة السم، كان نوح يضرب رأسه لكي يوقف حديث مايا إليه وهو يصرخ: _بس اسكت بقا، اسكت اسكت. ~غادة في خطر يا نوح، ياريت تفوق الجنون اللي إنت فيه دا. كان يسير بعنف ذهابًا وإيابًا رغبة في الهرب من كل شيء، وهنا رأى مايا في انعكاسه بالمرآة بالصالة ليمسك بمزهرية ويرميها على المرآة لتتكسر مئة قطعة. ~متنساش يا نوح إن غادة مش زيهم، حاول تلحقها، متنساش إنك وعدتها إنك مش هتكون زيهم، متنساش وشها اللي كان مضروب يوم ما اتقدمت لها. جلس نوح على الأريكة وهو يضرب رأسه ويصرخ لإسكات مايا: ~متنساش أمك يا نوح، متنساش أنت عملت فيها إيه، متنساش إنك وعدت نفسك إنك هتبقى أحسن عشانها. فور أن أتى مايا بذلك الحديث توقف نوح، وتذكر أمه بالفعل، تذكر كل المفاسد التي كان يفعلها، وفي هذه اللحظة بدأ ضميره يحدثه وليس مايا. لا تكمل يا نوح في هذا الطريق واكبح نفسك، عد كما كنت، لا تكن كما كنت مع أمك يا نوح. حين تذكر نوح أمه شعر أنه استفاق من تلك الحالة العنيفة التي كان يعيشها، تذكر كم كان يقسى عليها وهي لا ذنب لها، تمامًا كغادة. ~نوح، أنا مش سامع صوت قلب غادة. _إيه؟! ~غادة قلبها وقف، روح الحقها! وثب نوح مسرعًا متجهًا إلى غرفته، وفور أن فتحها وجد غادة ممددة أرضًا ليقدم عليها بفزع وهو يحاول إيقاظها صائحًا بذعر: _غادة، اصحي يا غادة، مالك يا حبيبتي، غادة فوقي يا غادة. ظل يصفعها صفعات متتالية ويهز جسدها بعنف، ولكن دون فائدة، كانت كالدمى لا روح لها. وضع أذنه على صدرها ليتأكد بالفعل أنه لا نبض لقلبها، ازدادت أنفاسه هلعًا وانهالت عيناه بالدموع، ولم يطل الأمر لأنه حملها وسرعان ما وضعها في سيارته منطلقًا لأقرب مستشفى. وصل للمشفى وهو يصيح مستنجدًا بهم لإنقاذها، أدخلوها غرفة الإنعاش، وهو يراهم الآن يحاولون إنعاشها بكل جهد. مثل تلك المواقف العسيرة تكون مرعبة وموترة لأبعد حد ممكن على الطواقم الطبية وليس على أهل الضحية فقط. أتى لنوح شعور مفاجئ بالنعاس غير المبرر، شعور لم يستطع مقاومته، وكل ما فعله أنه استند بالحائط ونزل بركبتيه بهدوء ثم أغمض عينيه غافيًا بعمق.                           ********** وجد نفسه في غرفة الألعاب ذاتها، وسرعان ما استوعب أنه حلم لإنقاذ غادة. ظل يسرع بالالتفات حوله وهو يشيع بصره في كل مكان، إلى أن لاحظ الكرة اللينة المخصصة للضغط عليها لإفراغ التوتر أو ما شابه. كانت تلك الكرة على هيئة قلب بشري لونه أبيض، تهجم عليها بسرعة وأمسك بها وبدأ يضغط بكفه وأصابعه عليها بكل قوة وسرعة شديدة. حين أكثر من الضغط، تلون القلب باللون الأحمر وكأن الدم استرجع فيه، لينتهي الحلم على هذا المشهد. وفتح عينيه ليجد نفسه نائمًا على سرير في غرفة من غرف المستشفى، بجانبه عمر. وثب قافزًا وهو يقول: _غادة فين؟ غادة فين؟؟ _اهدى يا نوح، غادة زي الفل ولما حالتها استقرت نقلوها لأوضة خاصة بيها... استنشق نوح الهواء بشهقة عالية كما لو كان عاد من قعر البحار فور صراعه مع الغرق، وظل يردد: _الحمد لله يا رب، الحمد لله، الحمد لله. ربت عمر على ظهره وهو يحتضنه ويهدئه، ثم نظر إليه وقال: _الدكاترة عملوا لها غسيل معدة لأنهم اكتشفوا أن فيه مادة سامة في معدتها، ولسه بيفحصوها عشان المادة دي غريبة أوي ونادرة وخايفين يكون لها أعراض جانبية وحشة. _مادة سامة؟ جت منين دي؟ صمت عمر مترددًا في الإجابة ولكنه قال: _غادة حاولت تنتحر يا نوح. سكت نوح تمامًا وهو مصدوم، وجلس على السرير من ثقل الخبر عليه، لم يتحمل الوقوف فسأله عمر: _إيه اللي حصل؟ ظل نوح صامتًا واضعًا يده على عينيه بكل حسرة ممتنعًا عن الإجابة، فالتزم عمر الصمت ولم يعيد السؤال. مر الوقت حتى سمح له الأطباء بالدخول إليها، ثم دخلا كلاهما وأخبرهما الطبيب أنها في غيبوبة قد تطيل مدتها، لذلك ستحتاج عناية شديدة الدقة للحفاظ على حياتها. بعدما تركهما الطبيب، ظل نوح واقفًا يمر بأنامله على خصلات شعرها وعلى وجنتيها، ينهال عليها بالاعتذارات على اعتقاد منه أنها تسمعه، وهذا المأمول حقًا. جلس بجانبها في صمت، وحين طال صمته قطعه بقوله لعمر: _أنا أذيتها، كنت بحسبها زيها زي رشا... بس هي مش كده، اللي حصل خلاني أحس بنفس الشعور لما كنت بأذي أمي زمان... مفيش أسوأ من الشعور دا. _غادة مش زي رشا ولا هي زي أمك... أظن لو حاولت تقنع نفسك أنها شخصية مختلفة، مكنتش هتواجه صعوبة في التعامل معاها. صمت نوح ولم يرد، ثم أردف عمر: _عايز بس أفهم إيه اللي حصل خلاها تتجه للانتحار... لأن خطوة زي دي مش بسيطة. سرد نوح له كل ما حدث، وحين انتهى قال عمر: _واضح الانهيار اللي جالها بسبب خيبة ظن واعتقادها أنك زيك زي عمتها وبنت عمتها... زي ما أنت بالظبط اعتقدت أنها زي رشا. صمت عمر قليلًا ثم أردف: _يعني ردود أفعالكما لبعض مبنية على ردود أفعالكم للناس اللي من ماضيكما... على اعتقادكم أنكم زيهم. نظر عمر إلى غادة وهو يقول: _بس خطوة الانتحار دي برضو مش سهلة... متعملش كده غير لو كانت مخططة للموضوع دا أصلًا يا نوح... _يعني إيه؟ _يعني هي كانت مخططة... لو نوح طلع زيهم هنتحر... ومن أول مشكلة حصلت بينكم هي قررت تنفذ خطتها من غير أي تفاهم أو تفكير من كتر الصدمة اللي هي حسّت بيها، وفكرة أنها تتصدم بشكل كبير كده... يدل أنها كانت بتحبك فعلاً، حب كبير. _ليه تخطط لحاجة زي دي؟ _ السؤال هو هي جابت المادة دي منين؟ الدكاترة مستغربين إزاي وصلت لإيدها أساسًا، المادة دي مبتبقاش غير في المختبرات وممنوع تمامًا يتم بيعها...                              ******** _عايزة أجي معاك يا مصطفى. _بكرا يا حبيبتي إن شاء الله، دلوقتي مينفعش عشان عصام معايا. _مهو أنا هبقى جنبك دايمًا يا مصطفى. _خلاص بقا يا حبيبتي، بكرا أنا وإنتِ ومريم هنزورها، النهاردة مش هينفع. _تمام خلاص. أعطاها قبلة ثم سلم عليها وخرج. كان عصام ينتظره أمام البناية، وفور أن ركب مصطفى معه وانطلق للمشفى قال عصام: _أنا مش عارف إيه لازمتها إني أزور مراته... أنا مال أمي. _احترم نفسك بقا يا عصام، واتعامل زي الرجالة بقا، دا أخوك لازم نقف جنبه. زفر عصام بضيق وسكت كالطفل الذي يُجبر على زيارة أقاربه. بعد قليل، طلب مصطفى منه أن يتوقف أمام إحدى متاجر الأكل ليشتري شيئًا للزيارة. توقف عصام وخرج مصطفى، وخرج عصام أيضًا، يخرج لفافة تبغ من جيبه ويشعلها، متكئًا على سيارته يتابع المارّين إن كان يوجد فتاة حسناء بينهم. لاحظ بعمارة معينة يخرج منها حشود من المراهقين بمستلزمات دراسية، واستنتج بوجود إحدى المراكز الخاصة بالدروس في تلك البناية. انتهز الفرصة وبدأ يحدق في المراهقات، يحدق في أجسادهن ووجوههن وشعرهن ويتأمل أصواتهن. _إيه دا؟ مش دا فخر العرب؟ _يا نهار أسود، دا هو يا عم هو دا بنفسه! _دا طلع طويل أوي يا جدع، أنا خايف! _تعالى نكلمه يا عم، دا أنا بحبه أوي! سمع عصام حديث مجموعة من المراهقين عنه، ليلتفت لمصدر أصواتهم ليرى مجموعة من خمس فتية في معية الصبا مقدمين عليه. _إنت عصام شرف فخر العرب؟ ضحك عصام وهو ينظر إليهم: _هو أنا بقيت فخر العرب؟ _أه والله يا باشا، دا إنت جامد جدًا! عرضت ابتسامة عصام وهو يشعر بالفخر قائلًا: _شكلكم معجبين كبار بقا. قال أحدهم وهو يخرج هاتفه بتلهف: _أه والله العظيم معجبين بيك أوي، إحنا لازم نتصور معاك! قال عصام وهو يزجره بنبرة صارمة أخافتهم: _نزل يالا الموبايل دا ومتصورش حاجة، متنسوش إني ممكن أحبسكم لو حبيت. دس الفتى الهاتف في جيبه وهو يرتعد قائلًا: _خلاص والله أنا آسف، أنا آسف. _المهم، احكولي بقا معجبين بيا ليه؟ بدأوا الخمسة في حديثهم عن مقاطعه، كانوا يتحدثون بصوت جهوري وقح، وكانت أحاديثهم مليئة بالفحش في الكلام والمصطلحات البذيئة، وكان عصام مستمتعًا. كل منهم يصف ما يحبه في مقاطعه القذرة، وقد طال حديثهم حقًا مما أدى لجذب انتباه كل من في الشارع. لاحظ مصطفى حديثهم وهو يحدق فيهم بنفور وشجب قوي من بذاءة وفحش حديثهم. تقدم إليهم قائلًا: _يا حبيبي أنت وهو. التفتوا كلهم إليه، وقال مصطفى لهم بنبرته اللينة: _بصوا جنبكم كده، في مجموعة بنات... وفي عائلات في الشارع... صوتكم عالي وبتتكلموا في حاجات مينفعش حتى حد يتكلم فيها مع نفسه. ضحكوا المجموعة ساخرين منه، وقال أحدهم هازئًا: _إيه يا عم، وانت مالك؟ ما تخليك في حالك، ولا عشان دقنك طويلة؟ هتعملي فيها مصلح؟ قال فتى آخر: _يا عم، أنت متعرفش الشيخ دا؟ دا راجل وهابي عايش في مسلسلات مليانة نظريات مؤامرة. قال مصطفى: _إنتم حتى مش عارفين تحترموا الأكبر منكم؟... اتقوا الله، أنتم شباب زي الورد، مينفعش واحد بيعمل القذارة دي تكونوا حابينه أوي كده ويكون قدوتكم... وتتكلموا عن قذارته وسط شارع مليان بنات وعائلات، اتقوا الله. _يا عم اتقِ أنت الله ومتوجعش دماغ ميتين أبوك. احتدم عصام بقوة من رده الوقح على أخيه ليصفع مؤخرة رأس ذلك الفتى بقوة جعلته يرتطم أرضًا بعنف وهو يقول بنبرة صارمة: _اتكلم معاه يا ابن ال***** عدل. كانت الضربة شديدة وارتطامه بالأرض كان أشد، مما جعل كل من في الشارع ينتبه، وذعر بقية الفتية من عصام. لينزل مصطفى على ركبتيه للفتى وهو يقول له قلقًا: _إنت كويس يا بني؟ إنت كويس؟ كان الشاب ممسكًا برأسه ويتألم، فساعده مصطفى على الوقوف، وقال عصام لهم هنا: _بص يا **** أنت وهو الراجل محترم مع صاحبكم إزاي؟ جاي ينصحكم وأنتم بتكلموه بالأسلوب اللي شبه وشكم دا... يا تعتذروله يا هحبسكم كلكم. دب الرعب في قلوب الفتية، واعتذروا لمصطفى بإلحاح على تقبل اعتذاره، ثم أمرهم عصام أن يغربوا عن وجهه وذهبوا كلهم مسرعين بخوف. وهنا رمق مصطفى عصام وهو يقول: _هو إنت كده بتدافع عني يعني؟ _يا عم اركب بقا خلينا نخلص من أم المشوار دا. _أنا هاخد تاكسي... وأنت ابقى حصلني. _نعم ياخويا؟ _إيه، هتردحلي زي ما ردحتلهم؟ _يعني إيه هتركب تاكسي؟ _أنا مكسوف أركب معاك بعد اللي حصل دا... أنا هركب تاكسي وهتيجي ورايا، ماشي؟ أوقف مصطفى سيارة أجرة وركبها وانطلق للمستشفى، أما عصام فظل يحدق فيه وهو مذهول بغضب. ولكنه شعر بالحزن الطفيف على رفض مصطفى لصحبته، وبدأ عصام يستوعب أخيرًا أنه أراق ماء وجهه.                           ******** نوح الآن في غرفة غادة في المستشفى، لا يفعل شيئًا سوى أنه ممسك بكفها الرقيق ويحدق في وجهها الجميل رغم الإجهاد الذي يفيض منه. سمع الباب يطرق فسمح بالدخول، وهنا دخلتا كل من رحمة ورشا، سلما عليه وسألته رحمة بقلق وشفقة: _لسه مصحيتش؟ _لسه... ومعرفش هتصحى إمتى... ومش عارف هتصحى ولا لأ. قالت رشا: _هتصحى يا نوح، خليك متطمن. _يارب... يارب بجد تصحى. خرجت دمعه من عينيه ومسحها على الفور، وقالت رحمة هنا: _أنا مش عايزة أتطفل والله بس... هو إيه سبب غيبوبتها؟ صمت نوح قليلاً ثم قال: _شربت مادة سامة بالغلط... _هي المادة السامة بتدخل غيبوبة؟ _معرفش... هما قالوا إن المادة دي غريبة... ومن أعراضها إن الشخص يخش في غيبوبة بعد ما يشربها. حزنت رحمة عليها حقًا لتقول رشا: _مستر رفعت كان عايز يزورك بس... هو عارف إنك مش هتطيق تشوفه. على العموم هو مستنيك ترجع تشتغل في المدرسة. _هو متمسك بيا ليه؟ _معنديش فكرة. جلست كلتاهما على أريكة في الغرفة، وأثناء حديثهما معه، طُرِق الباب، ليسمح نوح بالدخول. _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بنبرة جميلة ومليئة بالرزانة، وبهيئة جسدية تفيض هيبة ووقار، يدخل مصطفى بابتسامته التقائية، ليقشعر بدن رشا من المفاجأة ومن جمال وجهه ورائحة المسك التي انتشرت بالمكان فور دخوله. دخل مصطفى وهو يسلم، ناظرًا إلى نوح، لينهض نوح له وهو يرد السلام، فكلما يرى نوح وجه أخيه مصطفى يتغلغل الاطمئنان في قلبه ويثلج صدره براحة شديدة، كما لو كان وجود مصطفى في حياته هو إعلان صريح بأن العالم ما زال مكانًا آمنًا. نهض له وعانقه بشدة محاولًا كبح دموعه، ولكنه لم يستطع فأجهش بالبكاء في حضنه. ربت مصطفى على ظهر نوح بشكل متتالي وهو يواسيه ويهدئه، لتقول رشا همسًا: _يا بختك يا نوح. ضربتها رحمة على كتفها لتتوقف عن ذلك الحديث، وعصام هنا لم يظهر بعد... فكان واقفًا خلف الباب منتظرًا مصطفى بالدخول، ليدخل خلفه. بعدما دخل مصطفى، دخل عصام خلفه ليتفاجأ بوجود رحمة، وتتفاجأ رحمة به أيضًا. من سعادته، ظل يحدق فيها ونسي نوح الذي أمامه، فقال نوح له: _ازيك يا عصام. استفاق عصام ونظر لنوح فسلم عليه، وقال وهو يربت على منكبه: _ا.. ازيك يا نوح... عامل إيه؟ انت كويس؟ _الحمد لله. _الحمد لله إيه بس؟ دي عينك وارمة من كتر العياط. اهدي يا عم، غادة دي محدش يهزمها. جلس عصام على الأريكة المقابلة للأريكة التي تجلس فيها رحمة ورشا، ونظر عصام لها وهو يقول: _ا.. ازيك يا رحمة، سعيد إني شوفتك تاني. لم ترد عليه ولم تكن تنظر إليه من الأساس، وقالت لرشا هنا: _رشا، أنا محتاجة أمشي. _لا، بقولك إيه، معلش امسكي نفسك... مينفعش نمشي دلوقتي. _لو عايزة تقعدي انتِ اقعدي. _هو إحنا مش متفقين نروح سوا؟ رحمة في إيه، مش هياكلك، مانا معاكي اهو. كان عصام يسمعهم ميؤوس من نفور رحمة منه، أما مصطفى فكان واقفًا مع نوح ويحدثه: _انت المرافق الوحيد ليها؟ _أيوة... مرات عمر أصرت تكون مرافقة في غيابي بس أنا رفضت. _انت لغيت كل دروسك مش كده؟ _أه، لغيتهم كلهم لحد ما هي تصحى. _أنا شايف إنك متلغيهمش إلا بعد ما هي تصحى، لأن بعد ما تصحى هتهتم بيها أكتر، وهي نايمة. أظن حالتها الحالية يادوبك الممرضات هيهتموا بيها اهتمام سطحي... لحد ما تفضى أنت. صمت نوح قليلاً ثم قال: _معرفش... مش هيجيلي قلب أسيبها وهي في الحالة دي. _كان نفسي أجيب نجلاء بس... انت لو تعرف هما عينهم عليها إزاي. _هما مين؟ _هبقى أحكيلك بعدين. أخرجت رشا مرآة صغيرة وبدأت تضع في وجهها قليلًا من مساحيق التجميل، ثم أخرجت عطرًا وبخّت نسبة قليلة في ساعديها، واعتدلت في ملابسها. ثم قامت رشا واقتربت من مصطفى وهي تقول بابتسامة عريضة على شفتيها: _حضرة المستشار. _مستشار؟ _مش حضرتك كنت مستشار قانوني في إحدى الشركات؟ _كنت. _وهتبقى. استاذ رفعت كلمك عشان تشتغل في شركته، بس ليه حضرتك مرضيتش تيجي... إحنا لسة معيناش أي مستشار قانوني ومستنيينك. _أنا اللي مرضيتش أروح؟ ولا سيادته وقعني في كمين المليشيات بتاعته؟ تجمدت ملامح رشا على ابتسامتها العريضة من الصدمة التي خرجت من فمه، لتكمل بنبرة توتر خفيفة: _مليشيات؟ مستحيل يا متر، مستحيل رفعت يعمل كده... دا حتى نوح بيشتغل عنده ومحصلوش حاجة. هنا انتبه عصام من جملتها، وقال: _مش فاهم إيه دخل نوح بمصطفى؟ هو في بينهم حاجة مشتركة ولا حاجة؟ ازداد ارتباك رشا لتقول: _ل.. لا بس بديله مثال... _وتديله مثال على نوح ليه؟ ليه متديش مثال على رحمة... ولا حتى على نفسك... مش انتي بتشتغلي عنده برضو؟ هنا نظر نوح لمصطفى وتبادلا كلاهما النظرات في شك، فقالت رشا: _أنا مش فاهمة سؤالك الحقيقة. نظرت رشا لمصطفى وهي تقول له: _المهم حضرتك كويس دلوقتي؟ _أنا كويس الحمد لله... _طب قبل ما نمشي، استأذنك تيجي معايا الشركة تقدم على الوظيفة؟ هبقا نعاك عشان تضمن إن مش هيحصلك مشكلة... إيه رأيك؟ قال نوح: _هو انتِ تقربي إيه لرفعت عشان تتكلمي بصفته كده؟ أنا كنت بحسبك مجرد أخصائية ف مدرسته. _أنا في الحقيقة مديرة أعماله، فتلاقيني بشتغل معاه في كل حتة، ها؟ إيه رأيك يا حضرة المستشار؟ صمت مصطفى قليلاً في تردد، ليسمع إلسيوم يقول له: ~وافق، انتهز الفرصة عشان ممكن تكتشف أسرار أكتر في شغلتك معاه، بحيث تعرف أكتر عن المكان اللي بيشتري الناس، أو عن أدهم لتسهيل الوصول ليه والقبض عليه. ازداد صمت مصطفى إلى أن قال: _تمام... _جميل جدًا. عادت وجلست بجانب رحمة ولاحظت أن عصام يحدق فيها، ليس في رحمة بل في رشا، يحدق بنظرات مليئة بالشك فهو لا يعلم حتى الآن أن رفعت يعمل مع أدهم، كذلك نوح لم يعلم بعد، على عكس مصطفى الذي كان يعلم ولكن لم تسنح له الفرصة في إخبارهم. في تلك اللحظة، دخلت عمة غادة وشهد ابنتها دون طرق الباب، سلموا عليهم وحين نظرت العمة لغادة: _يا عيني عليكي يا أختي... دي أكنها ميتة... هي حالتها عاملة إيه دلوقتي يا مستر؟ _بعد الشر عليها... هي زي الفل... بس هي فاقدة الوعي دلوقتي، أكنها نايمة بالظبط. قالت شهد لمصطفى: _إيه دا، مش انت اللي جيت واخدتها من عند مولانا؟ انت تقرب لمستر نوح ولا إيه؟ قال مصطفى: _أه، أقربله. هنا تخافتا العمة وابنتها: _إيه دا يا بت الراجل الحلو دا... دا أجمل من ممثلين كتير أوي... ما تحاولي تشقطيه. _متجوز يا ماما للأسف. قرر أن يذهب مصطفى لأخيه عصام ويجلس بجانبه ليترك المجال مع نوح وعمة زوجته، لتسأل العمة: _ومين اللي عمل فيها كده؟ هي وقعت ولا إيه يا مستر؟ _لا، موقعتش بس... هي اتسممت وده من أعراض السم... إنه يدخلها غيبوبة. _يا مصيبتي! اتسممت إزاي المسمومة دي؟ هي من أولها مصايب كده؟ قالت شهد: _معلش بقى يا مستر... احنا حذرناك من الأول إنها شؤم وبتاعت مصايب ومش هتستحملها. أهي بدل ما هي تشيلك وتخدمك في أول الجواز، أنت بدأت تشيلها وتخدمها. _البنت دي كل لما تروح حتة تجيب الفقر للمكان، أعوذ بالله منها. _أيوة، بجد حاجة لا تطاق... مش عارفة يا مستر، أنت مطلقتهاش لحد دلوقتي إزاي؟ _دي من أول ما اتجوزتك دخلت السجن وحصلك مصايب... مستحيل تبقى صدفة. كل من مصطفى وعصام ورحمة ورشا يحدقون في العمة وابنتها بتعجب وغضب من حديثهم الوقح، والذي كان نوح يستمع له وهو صامت. وحين لاحظ سكوتهم، قال لهم: _خلصتوا؟ قالت العمة: _خلصنا إيه يا بني؟ قال نوح بهدوء يسبق انفجار حنقه: _اتفضلوا اطلعوا برا. _نعم؟ أنت بتطردنا ولا إيه؟ رد عليها وهو يزجرها ويصيح في وجهها: _أه، بطردكوا... ولو جيتوا تاني هطردكوا تاني. أنتم جايين زيارة لمراتي اللي معرفش هي هتصحى ولا لأ وقاعدين وتقولوا كلام وسخ عليها وعايزني أسكت؟ غادة أشيلها وأخدمها وأحطها فوق راسي، ولو دا حارقكوا أوي متوروناش وشكوا تاني. البنت ميتة قدامكوا وقاعدين تقولوا كده عليها؟ مش محترميني ومش محترمين حزني عليها ولا محترمين الحالة اللي هي فيها؟ دا أنتم طلعتوا أوساخ، لا عندكوا ذوق ولا دم. اطلعوا برا، وإياكوا تفكروا أني هسمحلكم تتكلموا كده تاني عن غادة... اللي ميحترمش غادة ميورينيش وشه ولا يدخل بيتي، يلا أنتِ وهي امشوا. كادت شهد أن تتشاجر معه، ولكن أمسكتهما أمها مانعة إياها خشية منه، وأجبرتها على الخروج مسرعتين من الغرفة، وهي تقول له بنبرة عتاب لإظهار أنفسهم كالضحايا: _متشكرين يا أستاذ، إحنا مش هنوريك وشنا تاني، دا أنت طلعت محترم أوي. بعدما خرجا، ظل نوح يلهث من شدة احتدامه ثم نظر لغادة... تلك المسكينة، جلس بجانبها وظل يحس على شعرها وهو يحدثها بصوت هادئ ولين: _أنا آسف يا حبيبتي... أنا آسف، أنا مستحيل أكون زيهم والله... والله أنا مش زيهم... عايزك تصدقيني. مر الوقت وانتهت ساعة الزيارة، سلموا عليه وخرجوا، وأثناء سيرهم للخارج تقصد عصام أن يسير بجانب رشا، وقال لها هنا: _قوليلي بقى، إنتِ تعرفي إيه؟ _أسئلتك الكتيرة دي بتبين إن في سر المفروض معرفوش مش كده؟ _ما شاء الله... طلعتي ذكية، والموضوع دا مش بشوفه في النسوان الحلوة دايمًا. _نفسي أعرف مين البنت الحلوة اللي خزوقتك وخلت عندك عقدة من كل واحدة حلوة كده. سكت عصام، وفور خروجهم من المستشفى قال: _طبعًا، أنا لازم أوصلكم كلكم. قالت رحمة: _لا شكرًا، أنا هاخد أوبر مع رشا. قال مصطفى: _الوقت اتأخر يا آنسة رحمة... الأحسن إنه يوصلك... متقلقيش، إحنا معاكي. قالت رشا بنبرة بتغنج: _مش هتيجي معايا الشركة يا متر؟ تنهد مصطفى بشكل بسيط بضيق وهو يقول: _هاجي. قالت رشا: _تمام، نوصل رحمة الأول، بعدين عصام يوصلنا للشركة... إيه رأيك يا عصام؟ _معنديش مشكلة. اطمأنت رحمة من ذلك الخيار، وركبوا السيارة وانطلق بهم عصام. وبعد ما يقارب النصف ساعة، لاحظت رحمة أنه يبتعد عن منزلها، لكنها صمتت اعتقادًا منها أنه يسير في طريق مختلف. ولكن تفاجأوا بوصوله لمكان الشركة، وحين وقف أمامها قال: _هي دي؟ قالت رشا: _أه، هي. نظر مصطفى لعصام: _عصام، هو مش اتفقنا أننا نوصل رحمة الأول؟ رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة ثم صفع عصام جبهته وقال: _بجد؟ والله نسيت... أصل عنوان الشركة أسهل، فأفتكرته بسرعة... معلش، بقى مش مشكلة، كده كده هيوصلها، متقلقوش. قالت رحمة: _لا، مش مشكلة، أنا هنزل معاهم. قالت رشا: _لا، مش هتنزلي معانا... الشركة مش فسحة يا رحمة. _مين قالك إني هخش الشركة يا رشا؟ هنزل وأخذ مواصلة. _معاكي فلوس؟ اتأكدي الأول قبل ما تتورطي. فتحت رحمة حقيبتها لتتأكد، واكتشفت أن المال الذي معها لن يكفي، فقالت لها: _طب يا رشا ممكن أستلف منك ١٠٠ جنيه وهرجعهالك والله. _للأسف، معاييش. خرجت من السيارة وهي تقول: _خلاص، بقى سيبي عصام يوصلك، يلا يا متر عشان أستاذ رفعت شوية وهيمشي. صمت مصطفى قليلاً ونظر لعصام، وهو يقول بنبرة تهديد: _لو عملت فيها حاجة... سكت مصطفى عن الكلام حين رأى عصام يخرج مسدسًا من حزامه ويفتحه وهو يقول: _شوف كده في رصاص ولا لا. _أيوة، فيه. أعطى المسدس لرحمة وهو يقول: _امسكي... لو حسيتي بس أني هعمل فيكي أي حاجة، فجري نافوخي. ظلت رحمة تحدق في المسدس بتردد، ليقول لها: _امسكي يا رحمة لو سمحتي... خليه معاكي وامسكيه كويس لحد ما أوصلك البيت... ولو شكيتي في حاجة، اضربي من غير ما ترددي. أمسكت رحمة بالمسدس، وحين شعر مصطفى أنها آمنة بذلك السلاح، سلم عليهم وخرج. بعد خروجهم، قال عصام: _رحمة، ممكن تقعدي جنبي؟ _لا طبعاً. _رحمة، إنتِ معاكِ مسدس... أنتِ قلقانة من إيه؟ _على فكرة، أنا بعرف أستخدمه كويس. _برافو عليكي، ممكن تيجي جنبي؟ ظلت رحمة تفكر في قلق شديد ثم خرجت وجلست بجانبه، وهي موجهة المسدس على رأسه مباشرةً، وبدأ عصام بالقيادة. ظل يقود في صمت، بدا أن عقله لا يتوقف عن التفكير، هل يفعل ما يفكر فيه حالياً أم لا؟ إلى أن قرر أنه سيفعلها. توقف في مكان هادئ، فوضعت المسدس على رأسه، وهو يتصيح بذعر: _وقفت ليه؟ امشي، امشي بقولك! _محتاج أتكلم معاكي. حاولت فتح الباب لكي تهرب ولكنه أغلق قفل أبواب السيارة كلها، فشعرت بهلع شديد وقالت وهي تصرخ ويديها تتقفقف: _نززللننيي والا اقسم بالله هقتتللكك. _اقتليني اتفضلي...انا مستسلم ليكي اهو...لو عايزة تقتليني معنديش مانع. كان عصام يحدق في اعينها...عينيه الزقاوتان الحادتين التي كانت كلما تحدق فيهم كلما توترها وتخيفها اكثر...وارتجاف يدها يزداد، نظر ليديها ملاحظا ارتجافهما القوي ليقول بيأس: _ولا اكن ملك الموت قدامك، ليه الخوف دا كله؟، انا مش هعملك حاجة، انا بس عايز اتكلم. _نزلني يا عصام. _انا اسف اني بجبرك على دا، بس انا مش هنزلك الا لما اخلص كلامي، وزي ما قولتلك لو عايزة تقتليني اتفضلي. ظلت رحمة تنظر اليه وعاد وقال: _عندك خيارين...يا تقتليني يا تسيبيني اتكلم. _لو قولت حاجة مش عحباني هقتلك. _حلو، حقك. صمت عصام قليلاً وهو ينظر أمامه في الفراغ، وبدا على ملامحه الصدق والهم... بعدها قال: _تعرفي... أنا في بداية حياتي، وأنا مش بتلقى غير الأوامر وبس... وهذا خلاني متعطشاً للحرية، وأول ما حسيت بها، بدأت أبالغ في كل حاجة في حياتي وأستمتع بكل ملذات الحياة بشكل مبالغ فيه من غير مبادئ ولا قواعد، حتى الحيوان ما يقدرش يعملها. محدش طول حياتي اتجرأ على أنه يوقف اللي أنا بعمله ده... واللي اتجرأ... كرهته في عيشته وخليته يندم إنه فكر بس ينصحني... طول حياتي محدش كان قادر يحط لي حدود. عاد عصام لصمته برهة ثم أردف: _لحد ما ظهرتي... وظهرت علا... وبعديها مصطفى. من أول ما ظهرتوا في حياتي، وأنا بدأت تدريجياً أعيز أحط حدود لنفسي بس عشانكم... أنتي اتأذيتِ بسببي... وعلا اتأذت بسببي... ومصطفى متأذيش لكنه حس بالإحراج بسببي وبقى بينفر مني... وأنا معرفش زعلت ليه لما لقيته عمل معايا كده... شكلي بدأت أحبه فعلاً وأحب وجوده في صفي. عاد لصمته برهة ثم أكمل بقوله: _رغم إن في كتير اتأذوا مني ومنهم ابني... بس معرفش ليه أنتم بالذات اللي خليتوني أحس... إني فعلاً غلط... عمري ما شفت نفسي غلط في حاجة... بس أنتم أول ما دخلتوا حياتي، وأنا بدأت أستوعب فعلاً إن... أنا بعمل حاجة غلط ولازم أحط حد لده. _ليه محسيتش بكده لما ابنك اتأذى منك؟ صمت عصام فترة طويلة ثم قال: _معرفش... ولما فكرت، جه في بالي عم رجب... الراجل اللي رباني... ده برضو اتأذى بسبب أنانيتي وطمعي لملذات الحياة... مكانش يستحق كده. _هو فين دلوقتي؟ _معرفش... يمكن في نفس مكانه... ويمكن مات. _عملت فيه إيه؟ ازاي تأذي الشخص اللي رباك؟ ظل عصام صامتًا متحسرًا على كل ما فعله في أحبائه، ثم ابتسم ابتسامة حزينة: _والله يا رحمة... عدى على الموضوع ده أكتر من عشرين سنة... وطول العشرين سنة دول أنا مفكرتش فيه ولا مرة واحدة... أنا أول مرة أفكر في عم رجب بالشكل ده... ولما فكرت في الموضوع أكتر... استوعبت بالفعل أنا قد إيه خذلته. لأول مرة في حياتي مفكرش في نفسي. _إنت عايز إيه دلوقتي يا عصام؟ نظر عصام لها ثم قال: _معرفش... أنا عايز أبقى زيكوا مش أكتر، عايز أكون معاكم من غير ما الناس تشك في شرفكم ومن غير ما تتكسفوا مني. _خلاص، بطل اللي بتعمله... وامسح كل فيديوهاتك، واقطع علاقتك بأي واحدة... الموضوع بسيط. صمت عصام في تردد ثم قال: _ط... طب أنا لو عملت كده... أنتي هتحبيني؟ وهتتجوزيني؟ صمتت رحمة قليلاً ثم قالت: _ولو قولتلك لا... هتعمل كده ولا مش هتعمل؟ لم يجيبها، ثم أردفت: _ممكن تروحني يا عصام؟ لأن مش أنا اللي هحل مشكلتك... ومش أنا اللي هخليك تتحسن. متتحسنش عشان حد، أصلاً اتحسن عشان ربنا وعشان نفسك، ولو عايز تتحسن عشان حد... فابنك أولى. استقبل حديثها في صمت تام دون رد، ثم بدأ في تشغيل السيارة وانطلق لمنزلها، ولكي يبعد الشبهات عنها، أيضاً وقف في شارع بعيد لكي لا يراها أحد من جيرانها.                             ******** قرابة منتصف الليل، كان نوح ما زال جالسًا بجانب غادة يحدثها كما لو كانت تستمتع له. _حقك عليا يا حبيبتي، والله أنا معرفش أنا قلبت عليك فجأة كده ليه... بس والله أنا مش كده، أنا مش زيهم يا غادة ومستحيل أبقى زيهم.... والله أنا مش قصدي أزعلك، أنا معرفش أنا قلت كده ليه... أ... أنا حاسس إني شفت واحدة تانية قدامي غيرك يا غادة.... أنا عارف إن ده مش مبرر للي عملته فيك، بس أنا عايزك تديني فرصة أثبت لك إني عمري ما هكون زيهم. ثم أردف بنبرة مليئة بالغضب: _أنا بس لو أعرف مين إدالك المادة دي. في تلك اللحظة، دخل شخص فجأة، شخص لم يره في حياته أبداً، ولكن فور رؤيته له عرف من هو. كانت تتحدث عنه غادة دائماً، كان يسمع عنه دائماً، كان حاضرًا وغائبًا دائمًا، لقد كانت هاجر. ظل يحدق بها وهي لا تنظر إليه... فقط تنظر لغادة النائمة. _هي كويسة دلوقتي؟ هي تمامًا كما وصفتها غادة لها، داكنة البشرة، صاحبة عضلات وقوية البنية، طويلة القامة، تملؤها الجروح. وقف نوح في دهشة وتقدم ليقف أمامها وهو يقول: _إنتِ أنوبيس؟ _هاجر... بقى اسمي هاجر دلوقتي. لم يتحمل سعادته بها ولم يستطع كبح ابتسامته، وجذبها لحضنه معانقًا إياها بقوة، لتتفاجأ هاجر بشدة من رد فعله. لم تشعر بهذا الإحساس في حياتها أبدًا، لم تشعر بهذا الحب الصادر منه والمعدي الذي ينتقل من قلبه لقلبها في عناقهما. لم تشعر أنها مرحب بها أبدًا بهذه الطريقة من بعد وجودها في منزل مصطفى وديميت. بادلته العناق بقوة، وخرجت الدموع من عينيها كما لو كانت تحتضن والدها الحقيقي لأول مرة في حياتها، وقالت بصوت مرتجف: _أنا آسفة. نظر إليها وحين رأى الدموع تنهمر من عينيها، بدأ في مسحها بإبهامه بحنان ورفق، وهو يقول بنبرة لينة: _على إيه؟ _أنا اللي إدّيتها السم. صدم نوح بحزن شديد، وقال بنبرة عتاب: _ليه عملتي كده؟ دي بتحبك يا هاجر. _كانت مراهنة، كنت واثقة إنك مكونتش هتأذيها، ف... عشان أخليها تثق في خطوة جوازها ليك... جبتلها السم ده وقولتلها لو هو مطلعش مختلف عنهم... اشربيه.. وبعد ما تموتي، أنا هموت معاكي... لأن وقتها أنا كمان هفقد الأمل. صمتت هاجر قليلاً ثم قالت: _بس ده سيانيد كداب. _سيانيد إيه؟! _بنقول عليه كدة في المعمل، السيانيد الكداب. المادة دي مبتموتش، بتوقف القلب لمدة دقايق وترجعه تاني. أنا بحبها ومقدرش أموتها، وأكيد كان هيحصل بينكوا مشاكل بأي شكل، فعشان كده، أنا مقدرتش أديلها سم حقيقي. ظل نوح صامتًا ثم قال: _تعبتي مع أدهم مش كده؟ رغم إنه سؤال بسيط، ولكنه جعلها تسترجع كل الذكريات البشعة والمشاعر السلبية في عقلها، وظلت تفكر في كل هذا بحسرة وندم قوي، وظلت تعود للبكاء ليعود في عناقها ليواسيها. _أنا مش هسيبك يا هاجر، ومش هسمح لك إنك تبعدي تاني عننا. نظر لها ومسح دموعها وهو يقول: _إنتِ خلاص بقى ليكي عيلة... وبقى ليكي بيت.. مش بيت واحد، دول ست بيوت... كلهم بيوتك ماشي؟ _ب... بس كل واحد فيكوا ليه عيلته الخاصة. _إنتِ من عيلتي الخاصة... فاهمة ولا لا؟ أومأت برأسها وحاولت أن تهدأ وهي تمسح دموعها، ثم قال لها: _إنتِ دخلتي إزاي صحيح؟ _من ورا الأمن والدكاترة والممرضين... محدش يعرف إني هنا. _إيه ده؟ إزاي؟ _مش محتاجة أشرحلك. تبسم ضاحكًا ثم أخرج مفتاح منزله وقال لها العنوان بالتفصيل: _روحي ونامي هناك، لأن ده بقى بيتك خلاص، ونبقى نضبط سوا أنهي يوم يكون وحز فينا الرفيق مع غادة، اتفقنا؟ قالت هاجر بابتسامتها الجميلة: _اتفقنا.                           ******* وصلت هاجر لمنزل نوح ودخلته، والابتسامة العريضة على شفتَيها الممتلئتين الجميلتين تملؤ وجهها. لاحظت أن البيت لديه غرفتان فقط، دخلت إحدى الغرف واستنتجت بالأمتعة التي به أن هذه غرفة نوح وغادة، لتتجه للغرفة الأخرى وتفتحها لتجدها نظيفة تمامًا وأنيقة، لتحدث نفسها: _هو كان مخطط إني أجي ولا إيه؟ دخلت الغرفة وألقت بجسدها على السرير وهي مسرورة حقًا. كان سبب مماطلتها المستمرة في مقابلتها أخاها الأكبر هو قلقها منه بسبب الشبه الكبير بينه وبين أدهم، ولكن قلقها كان لا قيمة له، وشعرت بالفعل أنها ستكمل حياتها معه خصوصًا بوجود غادة صديقتها العزيزة معه. أطفأت الأنوار وبدأت في النوم، ولم يأخذ الأمر دقائق وغطت في نوم عميق. _ماما... ماما... ماما. فتحت عينيها فور سماعها بصوت طفلة تردد كلمة "ماما"، بين ظلمة الغرفة التي لم تكن بتلك الشدة قبل نومها. _ماما... ماما... م... ماما. أين مصدره؟ جلست هاجر على السرير تتلفت حولها محاولة إيجاد مصدر الصوت. _ب... باب... فتح... ماما. لم تتوقع مصدر الصوت أبدًا، فكان مصدره هو الأرض. جلست على ركبتيها واضعة أذنيها على الأرض وبدأت تستمع. _نور... هنا... كتير.... ماما.... هناك. بعدها سمعت طرقًا صادرًا من الأرض لتبتعد في تعجب شديد، فمن الذي سيطرق من سقف غرفته للطابق الأعلى؟ لم تطيق صبرًا واتجهت لباب الغرفة وفتحته خارجة من المنزل متجهة للطابق أدناها. حين وصلت للطابق، سمعت صوت طرق باب يصدر من إحدى الشقق، فتقدمت وسمعت الطفلة نفسها: _م.. ماما... ماما. _أمك فين يا حبيبتي؟ _واجعني.... _هو إيه ده؟ _ماما... ماما... ن.. نور. _فين أهلك يا بنتي؟ روحي نامي. عاد وطرقت الطفلة الباب من داخل المنزل فشعرت هاجر بحيرة شديدة، لتقرر أن تطرق الباب هي الأخرى ليصحو أحدًا من ذلك المنزل. وفور أن طرقت، سكت صوت الطفلة تمامًا، لتزيد في طرقها للباب حتى فتح المنزل المقابل. _بتعملي إيه يا حبيبتي؟ التفت هاجر لتجد امرأة في منتصف العمر تخرج من الشقة المقابلة لتجيبها: _أصل عايزة أقابل اللي ساكن هنا، سامعة صوت بنتهم من جوا فعايزاهم يشوفوها عشان تنام. _بسم الله الرحمن الرحيم، حبيبتي الشقة بقالها أكتر من عشرين سنة فاضية، مفيش حد ساكن فيها يا حبيبتي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة