٨١ بعد مرور أسبوع، في منطقة دارين. يسير الشاب السوري الذي عمل مع فريدة في أول يوم لها، كان يُدعى بلال، برفقة موظف أعجمي، وهما يسحبان شابة لإجراء الكشف على أعراضها التابعة للتجارب التي أُقيمت عليها. دخلا المختبر حيث ندى، ووضعا الشابة على السرير، التي كانت تئنّ وتبكي بطريقة واهنة. بدأت ندى بعملها معها، وفي تلك اللحظة، بدأ الموظف الأعجمي في السعال الشديد، فراقبه بلال بحدة عينيه ويتمعنه أثناء سعاله المستمر، ثم قال له: _أنتَ منيح؟ بتحتاج مساعدة أو شي علاج؟ كان الأعجمي يشعر بتوعك شديد، فأمسك ببطنه وهو يقول: _لا دخل لك، ابقَ معها إلى أن أعود. أومأ بلال برأسه وهو يرمق الموظف بنظرات تهكم وشماتة مكبوحة لم تتضح على ملامحه، وما إن خرج، عرضت ابتسامة بلال وهو ينظر إلى ندى، وقال بنبرة سرور أظهرها باللهجة المصرية: _والله واشتغلت. ابتسمت ندى ابتسامة طفيفة وهي تقول: _خلينا منحتفلش دلوقتي. ما حدث لذلك الموظف لم يكن أمرًا جديدًا أو غريبًا، فطيلة تلك الشهور، بدأت أعراض الإعياء والوعكات الصحية تنتشر بين جميع الموظفين والمديرين في هذا المبنى، ولم يشك أحد في السجناء والمجندين للتوظيف، خصوصًا بعدما خضعوا للفحوصات، كما فُحص الطعام والملابس، إذ إن المادة التابعة ليوسف لم تكن تظهر في التحاليل، لتستمر تلك الأعراض والوعكات المجهولة بالانتشار داخل أجساد الأعجميين من الموظفين والمديرين. أثناء وقوف كلٍّ من ندى وبلال سويًا، وبعدما قررت ندى أن تُريح تلك الفتاة بحقنة الهواء كعادتها، قال بلال: _بتعرفي؟ بعد ما خسر إبراهيم بصره، قال لي إني رح كون عيونه. كانت جملة حلوة عنجد، بتدل على قدّيش بيوثق فيني... بس أنا كنت متأمل إنها تطلع منك إنتِ. ابتسمت ندى في استحياء، ومن نظراتهما لبعضهما التي يشق فيها الحنين إنهاكهما إتضح إعجاب متبادل بينهما واعتياد على تكرار التغزل بين الحين والآخر. لكن هذا المكان لم يكن مناسبًا للتغزل، ففي تلك اللحظة، أُغلقت أبواب كل الغرف ومهاجع المباني كلها بالأقفال الأوتوماتيكية، مع صدور إعلان بوصول سردار إلى سجن دارين. شخصا ببصرهما، واتسعت أعينهما في صدمة مهولة، فقالت ندى: _إيه اللي جابه دا دلوقتي... نظر بلال لها في حيرة وقد قبض قلبه: _ما إجى من وقت ما ماتت نور وأخذ رضيعها، مو هيك؟ _أيوة. فور أن يصل سردار إلى أراضي دارين، تُغلق البوابات أوتوماتيكيًا لحبس المعتقلين بالداخل، وإن كان أحدهم خارج الغرف، يُجبره الموظف الأعجمي على الالتفاف نحو الحائط وإغماض عينيه، كي لا يبصر وجه سردار. فالنظر إلى وجه سردار جريمة عظيمة يُعاقب عليها أشد عقاب. وفي ممرات الجحيم الإنساني، حيث تنحني الأضواء الخافتة رهبةً، وتكاد الجدران المعدنية تهمس بأسرار لا يجرؤ أحد على نطقها، شقَّ سردار شاهين طريقه بخطوات ثابتة، تكاد الأرض ترتجف مهابة منه. كان ظله يسبق جسده النحيل، ممتدًا كخنجر مسموم فوق الأرضية العاكسة، كأنما يُعلن عن قدوم سيّد هذا المكان، الحاكم المطلق للعلم الذي تجاوز حدوده حتى استحال كفرًا بكل ما هو إنساني. رداؤه الأسود، المفصل بدقة، يلفه بهالة من الجبروت والتفوق. عيناه الخضراوان نافذتان على عقل حاد كحدِّ المدية، كانتا ترصدان كل تفصيل ببرود قاتل؛ لا شيء يفلت من مراقبته، لا حركة موظف مرتجف، ولا همسات الخوف التي تملأ الفراغات بين الجدران. كان الجميع ينكمشون عند مروره، يشيحون بأبصارهم، ويلتفون نحو الحائط خشية أن تسلبهم نظرة واحدة أكثر مما يحتملون. في تلك اللحظة، كانت فريدة برفقة هند، الفتاة التونسية ووالدة سعدية، حين كانت تسمع فريدة همسات كل من حولها في ارتعاد ورهبة عظيمة من ذلك المدعو سردار، فقالت فريدة لهند: _هو سردار دا اللي هو مدير المكان دا؟ _ماهوش كان مدير المكان هذا، أما زادا هو المدير والمؤسس متاع جميع الأماكن هاذم في روسيا وبريطانيا وأستراليا وكندا وغيرهم. راهو الشيطان بيدو إلي يحكم في العالم! سردار شاهين، رجل لم يعد بشريًا إلا في الهيئة، أما جوهره، فقد تصدّع منذ زمن بعيد، متحولًا إلى كيان من عبقرية لا تعرف الرحمة. كان عقله آلةً جبارة، معقدة التروس، لا مكان فيها للعواطف ولا مجال للتردد، بل منظومة منطقية باردة لا ترى في الحياة سوى معادلات، وفي البشر سوى أرقام قابلة للتعديل أو الحذف. كان يحمل في نظراته ثقل آلاف الأفكار، أفكارٍ تتجاوز حدود الأخلاق والمقبول، لكنها كانت في ذهنه مجرد خطوات ضرورية على طريق عظمته. لم يكن يعبأ بالرفض، بالسخط، بالخوف الذي يتراقص في أعين من حوله، بل ربما كان يتغذى عليه، يستمد منه إحساسًا متضخمًا بالقوة، كأنه الدليل على أنه يسير في الاتجاه الصحيح. لم يكن رجلًا يستمتع بالعنف الفج، لكنه لم يتردد أبدًا في اللجوء إليه إن تعارض أحدهم مع منطقه البارد. بالنسبة له، كان القتل قرارًا تقنيًا، مثله مثل استبدال قطعة تالفة في آلة، فعندما يتوقف أحدهم عن كونه مفيدًا، يصبح عبئًا لا يستحق البقاء. دخل سردار مكتب النائب والمسؤول الخاص بدارين، فانحنى الرجل إلى حد الركوع وهو يرحب بسردار بحفاوة وحرارة، فقال له سردار: _لقد اشتقت لدونر كباب والهنكار بيندي، استدعِ إبراهيم فورًا ليطبخهما لي. ارتبك النائب، وبدأ ينصبّ جبينه عرقًا، وقال بنبرة مرتجفة: _إ..إبراهيم... فقد بصره، سنستدعيه لنعالجه فورًا و... قال سردار بلا مبالاة: _لا... سيطبخ وهو ضرير العين، لن أنتظر حتى يتم علاجه. إن لم يستطع، سأقتله. أومأ النائب برأسه، ثم أردف سردار بقوله: _اجعله يطبخ لثلاثة أفراد... فأنا أريده هو وفريدة، أريدهما أن يأكلا معي على طاولة واحدة. قطب النائب وجهه وجحظت عيناه في صدمة عارمة، فلم يحدث هذا في تاريخ سردار من قبل؛ لم يسبق له أن أكل مع أحد المجندين أو المعتقلين أمثالهم. لكنه أطاعه على أي حال، وفور خروج سردار، أرسل النائب الموظفين إلى إبراهيم بسرعة. وبينما كان إبراهيم جالسًا في ظلام زنزانته، التي ازدادت دُهمتها بظلام عينيه، انفتح الباب فجأة، وقال له الموظفون الأعجميون: _انهض بسرعة! سردار يريدك أن تطهو له وجباته المفضلة. أرجوك، لا تفسد الأمر وإلا سنحترق جميعًا. على عكس المتوقع، كان ردّ فعله باردًا، فقال بثقة: _لا، لن أُفسد الأمر. هيا، دلّاني إلى المطبخ. ************* في الصباح الباكر، يقف نوح تحت الماء الساخن المنهمر، يراقب القطرات وهي تنزلق عن جلده كما تنزلق الأيام من بين يديه، مثقلةً بالوحدة والندم. البخار الكثيف أحاط به كضباب ذاكرته المشوشة، حيث كان طيف عمر وغادة يلوح بين تجاعيد المرآة المغبشة، وأحيانًا الطفلة الصغيرة، نور. تخللت أنامله شعره المبتل، لكن الأصابع لم تجد دفء يدٍ أخرى كانت يومًا تمسح عنه تعب الأيام. ترنح بين أفكار متشابكة، عن حبٍّ يتآكل تحت وطأة المسافات، عن حياة أصبحت صدى خطواته في هذا البيت الخاوي. أغمض عينيه للحظة، لعلّ الماء يغسل عن روحه شيئًا من ثقلها، لكنه لم يغسل سوى جسده، تاركًا روحه في عُري الوحدة البارد. كان المأمول أن يُخمِد الماء الدافئ نيران أوجاع عقله والصداع الذي اكتوى لحمه به؛ فمنذ أن فعل نور الصاوي به ما فعله، لاحظ الكثير من التغيرات. أولًا، الهلاوس لم تختفِ، لكن الأهم أنّ نيران مشاعره واضطراباته النفسية العظيمة قد أُخمدت. حالته النفسية لم تتحسن، لكنها أصبحت عادية ومعقولة. لم يعد يرى كوابيس، لم يعد يتعطش للقتل والتعذيب، لم يعد يرى نفسه المُعذبة، لم يعد يشعر بالآلام الجسدية ويعيش تلك التجربة مجددًا. فقط رجلٌ مرهق، مهموم، مكتئب، يتآكل التفكير المفرط لحم عقله، يعيش الروتين العادي، مع بضع رشّات من الهلاوس السمعية والبصرية اللحظية والصداع الذي لا يتوقف. وفوق ذلك، إنسان خسر صديقه فجأة، ويحاول البحث عنه حين تسنح له الفرصة، منتظرًا الإذن من مايا لاستخدام قوته في ذلك أو ما شابه. انتهى نوح من الاستحمام ومر أمام المرآة ليستوقفه صوت: ~نوح. التفت نوح للمرآة ليجد مايا في انعكاسه، فقال نوح بلا مبالاة: _بقالي كتير مسمعتش صوتك... قلت انت جزء من الهلاوس واختفيت انت كمان. أجاب مايا بنبرة جادة ممتعضة: ~دا بسبب روح القوة بتاع نور الصاوي، عجّزني لمدة من الوقت، ودا بسببك. أنا لو كنت في كامل قوتي، كنت فرمته. أومأ نوح برأسه غير مبالٍ، والتفت متجهًا لباب الحمام. وحين أدار نوح مقبض الباب، لم يكن يتوقع أن يبتلع كيانه مجددًا ذلك التوهج الأرجواني القرمزي، ذاك الخليط الآسر بين السحر والغموض. لم يكن هناك بخار ساخن يتصاعد كما ينبغي لحمام منزله، بل هواء ساكن مشبع برائحة تراب عتيق غامض، وانتقل لذلك العالم مجددًا في ثوانٍ. هذه المرة، لم تكن المفاجأة في الانتقال نفسه، بل في التفاصيل التي استقبلته. وجد نفسه واقفًا عند مدخل معبد ضخم مهيب، يختلف تمامًا عن أي مكانٍ رآه من قبل، ويختلف عن المعبد السابق. الجو كان مشبعًا باللون الأرجواني كالعادة، الممزوج بالقرمزي الباهت. المعبد كان عملاقًا، ذو أعمدة ضخمة منحوتة بدقة، تحمل بين طياتها طابعًا فرعونيًا عريقًا، لكنها مزينة بزخارف إغريقية تُضفي عليها رونقًا مختلفًا. الأعمدة ترتفع نحو الأعلى كأنها تلامس السماء، وعلى رؤوسها نقوشٌ غريبة، أشكال هندسية معقدة تتداخل مع رسومات لكائنات لا تشبه أي شيءٍ رأته عيناه من قبل. وقف نوح عند عتبة المعبد، مُستقبلًا ذلك المشهد الذي يخطف الأنفاس ويُذهل العقل. السماء فوقه كانت لوحةً أرجوانيةً عميقة، تموج بألوانٍ قرمزية، تتخللها خطوطٌ أرجوانية كأنها شرائط نورانية تنساب في الفضاء. لم تكن سماء عادية، بل بدت كأنها حجابٌ رقيقٌ يفصل بين عالمين، يحمل في طياته أسرارًا لا تُحصى. تحت قدميه، كانت الرمال الأرجوانية اللامعة تمتد كبحرٍ لا نهاية له، حباتها الناعمة تتلألأ تحت الضوء الغريب، وكأنها مرصعةٌ بغبار النجوم. كانت تلمع بدرجاتٍ مختلفة من الأرجواني. الرياح كانت تتحرك بخفة فوق الرمال، تخلق تموجاتٍ صغيرة تكشف أحيانًا عن أشكال غريبة مدفونة تحتها، ربما بقايا حضارة قديمة، أو ربما أدوات سحرية من عالمٍ آخر. أما الجدران العالية للمعبد، فكانت تحيط به كحارسٍ صامت، منقوشة برسومات معقدة وغامضة. النقوش كانت تحكي قصصًا لا تُفهم بسهولة، أشكالٌ هندسية متداخلة، وكائناتٌ غريبة الشكل، وعيونٌ تتبع كل من يقترب منها. بعض النقوش كانت تصور كواكب ونجومًا، وكأنها خريطةٌ للكون. كانت عينا نوح الميتة تنتقلان بين كل هذا، وبنبرته الباردة قال: _مايا... في إيه؟ على الأقل خلّيني ألبس الأول. ~لبّستك، متقلقش. نظر نوح لجسده ليجده مستورًا بالملابس، ثم أردف مايا بقوله: ~كنت سألتني السؤال دا قبل كده، وتاچيتي والسيوم اتسألوا السؤال نفسه، بس هم امتنعوا عن الرد. أنا برضو امتنعت عن الرد لحد ما ألاقي الوقت المناسب، وأظن دا أنسب وقت. لم يكن ثمة خوف في ملامحه، بل ذلك البرود المعتاد، فقد اعتاد على هذه المفاجآت التي تنتظره خلف كل باب، كأن هذا العبور بين العوالم صار جزءًا من وجوده. وقف هناك، أمام نقوش تتحدث بلا صوت، أمام مدخل لمعبدٍ لا يدري إن كان قد شُيِّد للعبادة أم للفناء، وأدرك أن الإجابة تكمن في المضي قدمًا. تقدم نوح، وقدماه تندسّان بين الرمال الأرجوانية اللامعة، وهو يتأمل الجدران بتركيز، محاولًا فك شفرة تلك الرسومات. كان هادئًا، نظراته عميقة، تتنقل بين النقوش ببطء، يحاول أن يفهم ما تقوله تلك الحجارة الصامتة التي تحكي قصة لم يقرأها في أي كتاب، لكنه يسمعها الآن من مايا. ~سألتونا إزاي علماء الأرض حطّوا إيديهم علينا؟ إزاي وصلوا لكوكب موازي للأرض بعيد مليارات السنين الضوئية؟ السبب يكمن في أديكيا. _أدي... إيه؟! ~لما نور استخدم قوته عليك بالشكل المباشر، أنا قابلت روح قوته، واللي قال لي بكل كبر وغرور إنه بقى ليه اسم وهو أديكيا، إله الظلم والخطأ عند الإغريق، وأديكيا ده كان مننا، من ضمن الملوك السبعة للكوكب ده، كان دايمًا بيسمي نفسه بالإله ولكني كنت بحطه عند حده لأننا عارفين إن لينا إله واحد وموحدين زيكم عادي، بس هو كان مغرور، بتاع مشاكل، ياما اتحكم في شعبنا عشان يخلق جرائم بينهم، ربنا وهبلنا القدرات دي عشان نمشي شعبنا على الطرق الصحيحة، بس أديكيا مكانش راضي وكان بينشر الجرائم والفساد بين شعبنا، لحد ما عاقبته وسجنته، وبطريقة أنا معرفش جت في دماغه إزاي... قرر يفتح بوابة لعالمكم. كلما كان يسير نوح وهو يتفحص النقوش كان يرى تلك الأحداث مسجلة في الجدران، كان يفهم النقوش كلما كان يتحدث مايا، وفور أن قال مايا الكلمة الأخيرة رأى نوح في النقوش أديكيا وهو ينزع عينًا من عينيه وينظر إليها. _شال عينه؟ ليه شال عينه؟ ~عشان يبص فيها ويتعمق في انعكاسه فيها، مش قبل ما اشوفك كنت بقولك بص في المراية يا نوح؟ السر في الانعكاس، كلنا كنا عارفين بوجود الأرض من بين كواكب تانية فيها كائنات بتعبد ربنا، كان أديكيا مستهدف الأرض، بس معرفش إزاي شاف طريقة الانعكاس ممكن تفتح بوابة ليها، فالانعكاس والجسم اتنين متوازيين زي كوكب الأرض وكوكب جليزا 12b. ظل نوح يسير وهو يتأمل النقوش وأردف مايا بقوله: ~بعد ما أديكيا شال عينه وشاف انعكاسه وبطريقة معينة فتح بوابة لكوكبكم، اتقبض عليه من العلماء، وطبعًا لما أقولك بوابة هييجي في بالك باب... بس لا، البوابة هي الشخص نفسه يا نوح، فيه تلات بوابات اتفتحت بعد بوابة أديكيا، وكلهم تلات أشخاص، ونور الصاوي صاحب روح القوة أديكيا هو بوابة منهم، نور الصاوي هو أول بوابة لكوكبنا، وبموته هتتقفل أول بوابة. _طب مين الاتنين التانيين؟ _مستر... مستر... مستر... فور أن سمع نوح صوت ذلك الطالب وهو ينادي، كان رد صوته بعيد المدى، ولكن أظلم العالم في عينيه وشعر بدخول في دوامة لعاصفة قوية إلى أن هدأت تلك الدوامة وفتح عينيه ليجد نفسه واقفًا أمام السبورة وأمامه الطلاب، وبتلقائية وعينيه مرهقة نظر نوح للطالب ليقول الطالب: _معلش عيد المسألة دي تاني لو سمحت. التفت نوح للسبورة وهو ينظر إليها، ليجدها مزدحمة بالمسائل، لقد كان يشرح أمام الطلاب أثناء غيابه، لم يفكر نوح في الأمر كثيرًا، فما سمعه أن أديكيا ونور الصاوي لم يكونا في الحسبان أبدًا. *********** قرابة الظهيرة، فتحت فلوريان جفونها في انتفاضة قوية في جسدها من صوت اللاسكلي التي تحتفظ بها لكي تتواصل مع أخيها. _فلوريان، اصحي! نهضت فلوريان بحركة سريعة وبترنح، فتحت الدرج وأخرجته، وهي تقول بصوت واهن، وهي ما زالت لا تطيق فتح جفونها: _إيه يا موريس؟ قال موريس في تعجب وغضب: _إنتِ لسه نايمة؟ اصحي، عايز أكلمك عن حوار المقابلة بتاعت الأسبوع ده. _لو نجلاء مش هتيجي، كلنا مش هنيجي. _لا، خلاص هتيجي، مصطفى وافق. استنشقت فلوريان نفسًا عميقًا كما لو أن جبلًا قد زُحزح من صدرها، وهي تقول: _الحمد لله!!! _بس عنده شرط. _يشترط براحته، المهم تطلع. _تمام، خليها بس تلبس برقع. حاولت فلوريان النهوض ببطء، يثقله الإرهاق لتجلس، وهي تحك وجهها في محاولة عسيرة للاستفاقة، وتقول: _برقع؟... الأزرق بتاع أفغانستان ده؟ قال موريس وقد اتضح على ملامحه الانفعال: _أفغانستان إيه يا بنتي؟ نقابها العادي بس تغطي عينيها بس مش أكتر. قالت فلوريان غاضبة: _خلاص يا موريس، مكنتش أعرف، متتزرزرش عليا، وبعدين أنا إيش عرفني؟ واضح إنك بقيت خبير، ناقص تبقى مفتي إسلامي من كتر القعدة معاهم. _طب سلام بقى عشان مش فاضي للرغي. _طب استني استني. _إيه عايزة إيه؟ سكتت فلوريان في تردد وتبرم، ويظهر على عينيها المتحركتين من تكفيرها المفرط: _ممكن تسأل مصطفى عن نور... ارجوك عشان قلبي يرتاح... قاطعها موريس في ضيق: _فلوريان، الموضوع ده انتهى، لا هما عارفين نور مين، ولا هما معترفين إن فيه أخ ليهم اسمه نور، ونور أصلاً ماتت ومات معاها حكايتها، ملهاش لازمة نفضل نلف ورا موضوع ميت، إحنا بنعمل كده عشان حق أمنا وبس، مش عشان نور دي اللي معرفش إنتِ مهتمة بيها ليه، سلام. انتهى موريس حديثه، وعلى وجه فلوريان أشد ملامح الاستياء. فلوريان صبحي تكون إحدى منظمات مشروع "اعتني بالجوهرة" الذي تم تأسيسه من قبل هدى، زوجة ياسر، ونجلاء، ولكن خلفها هي وأخيها سر قاموا بإخفائه ببراعة. قامت ووضعت قدميها الحافيتين على الارض الخشبية، تقدمت إلى صورة أمها نانسي، التي تم اغتصابها من قبل أدهم على مسمعها هي وموريس. كل يوم تقف أمام صورة أمها لتجديد العزيمة في الانتقام، لتحرث الصبر في قلبها، وتتحكم في تمهلها، الميلشيات أولًا، بيع الناس ثانيًا، ثم الملعون أدهم، وقد اتفقا كلا الأخوين على تتبع هذه الخطوات. ولكن فلوريان، على خلاف موريس، كانت مهتمة بسر مصير ذلك الطفل الناتج عن ذلك الاغتصاب. كل ما تعلمه عنه أنها بنت وقد ماتت رضيعة، ولكن منذ أن علمت من خلال طرق تجسسها عن ذلك المدعو نور وعلاقته بمصطفى، التي تعلم أنه ابن لأدهم، ازداد فضولها تجاه الأمر. ************ في منزل عمر، ذلك الذي كان يومًا يعجّ بصوت خطواته، بتنهّداته المتعبة، وبأنفاسه الدافئة، لم يبقَ سوى الصمت. صمت ثقيل، كأن الجدران ذاتها تنوء تحت وطأته، كأن الأثاث يئن من الوحشة، وكأن عقارب الساعة تتحرك ببطء أكثر مما تحتمله روح شيماء. كانت تجلس على الأريكة ذاتها التي كان يجلس عليها والذي نام فيها على فخذيها في المرة الأخيرة، تمرر يدها المرتعشة فوق الغطاء، تتحسس الفراغ الذي تركه، كأنّها بذلك تستطيع استعادته، كأنها تستطيع إقناع عقلها بأن هذا الغياب ليس أكثر من وهمٍ عابر. سبعة أيام مرت، وكل يوم كان أثقل من الذي سبقه. في الصباح، كانت تستيقظ شيماء على أمل أن يكون كل ما حدث مجرد كابوس، لكن سرعان ما يتحطم ذلك الأمل حين تفتح جفونها على السرير البارد، على الفراغ المطبق، على صدى نبضات قلبها المرتجف. تجوب المنزل بخطوات واهنة، تلمس أشياءه كما لو كانت آثارًا مقدسة، تتنفس رائحته المميزة العالقة في سترته المعلقة، تقف أمام الباب منتظرة أن يُفتح في أي لحظة، لكنها لا تسمع سوى أنين الريح خلفه. في كل مساء، كانت تغلق الأضواء، تجلس بجسدها المثقل، تحتضن بطنها برفق التي بدأت في البروز، كما لو أنها تعتذر للروح الصغيرة التي تنمو داخلها عن هذا القلق والاضطرابات التي تنهشها. كانت تخشى أن تصل الحسرة واللوعة إلى جنينها، أن يمتصّ اضطرابها، أن يتشرّب ذعرها، لكنها لم تستطع الهروب منه. كانت عينها تحترق من السهر، عقلها يضجّ بالأسئلة التي لا إجابة لها، وقلبها يغرق في أعمق نقطة من هاوية الانتظار. كل الطرق التي سلكتها للبحث عنه انتهت إلى العدم. الشرطة لم تمنحها سوى وعودٍ باردة، وجوه العابرين لم تحمل أي أثر له، أما الأقارب والأصدقاء فقد بدأت نبراتهم تأخذ منحى المواساة الحزينة، كأنهم يهيئونها للأسوأ. لكنها رفضت، لم تقبل فكرة أن يتحول غيابه إلى موت، لم تقبل أن يكون هذا البيت قبرًا لأملها، لم تقبل أن تستسلم لهذا المصير. ولكن رغم تلك الوحدة الموجعة، إلا أنها كانت تشعر بحضور قوي طيلة تلك الأيام، تسمع صوت خطوات لم تكن كخطوات عمر، تلمح أعينًا خضراء تضيء بين الظلام. وفي إحدى الليالي، تتعالى أصوات وقع الأقدام، ثم ينفتح باب غرفتها ليظهر ذلك الرجل صاحب القناع الأسود والأعين الخضراء، ممسكًا برأس عمر في يده، وفي يده الأخرى سكين، يقترب منها ببطء، وجسدها متحجر على عكس قلبها الذي يضرب في ضلوعها. وفجأة يطعن الرجل بطنها ويشقها بعنف مخرجًا جنينها بكل عنف. وينتهي المشهد فور تفتح شيماء جفونها وهي تشهق صارخة من شدة فزعها، لتنتفض وتفزع مجددًا فور أن تسمع صوت جرس الباب. كان هذا الكابوس يتكرر في عقلها كلما تغفو. قد غفت قبل الظهيرة وها هي تستيقظ مذعورة منه على أشعة الشمس التي تتدفق إلى داخل غرفتها. نهضت شيماء فور سماعها لجرس الباب متلهفة وركضت ظنًا منها أنه عمر، ولكن حين نظرت من العين لم يكن عمر للأسف، بل كانت امرأة لم تقابلها سوى مرة طوال حياتها، ولكن وجودها جعل صدرها ينشرح لأنها من رائحته. فتحت شيماء الباب لترى امرأة صاحبة وجه طيب، في الأربعين من عمرها ذات بشرة حطنية سمراء وأعين سوداء واسعة مكحلة، فور أن رأت شيماء ابتسمت ابتسامة بها القليل من الحزن. _ازيك يا شيماء. أغرورقت عينا شيماء وهي تقول في دهشة: _عبير! دخلت عبير وعانقت شيماء بشدة، وانفجرت الأخيرة باكية في حضن عبير، وعبير تهدئها محاولة أن تبث الصبر في قلبها. وبعد أن جلسا سويًا وهدأت شيماء قالت: _أخبار فرج إيه؟ قالت عبير بعد صمت يظهر قهرتها المكتومة: _الله يرحمه. قالت شيماء مصدومة: _إيه دا؟! من إمتى؟! _من سنة كده. _سنة؟؟ ومتعرفيناش يا عبير؟! معقول عمر عايش من غير ما يعرف إن أخوه مات أو يحضر جنازته حتى؟! _مش موضوعنا دلوقتي يا شيماء، خلينا نركز دلوقتي هو عمر فين. صمتت شيماء وهي تحدق في الفراغ بأعين تتشرب بالفزع واللوعة. _خايفة يا عبير، خايفة يكون لحق بفرج. _متقوليش كده يا شيماء، إحنا لسه منعرفش حاجة، احكيلي كل حاجة وأنا هحاول أدور عليه بطريقة تانية. سردت شيماء كل ما فعلته لتبحث عن عمر، وسردت لها عن آخر ليلة رأته فيها وهي تردف: _شوفته بيركب عربية من غير نمر، حتى اتأكدت من ده لما شوفت كاميرات السوبر ماركت اللي تحت، وقبل ما ينزل خلاني أبعت فيديو لواحدة بتعمل مكياج لنوح ورسالة غريبة معرفش ليه ومبقيتش فاهمة أي حاجة. قعدت أحاول أكلم نوح الكام يوم دول لحد ما عرفت من مراته مكان الدرس اللي بيدي فيه، ولسه كنت بفكر أروح له النهاردة. _لا خليكي ارتاحي، إنتِ تعبتي أوي. أنا هنزل أشوفه وأتكلم معاه وأفهم، لأن واضح إن الموضوع مش عادي خالص. ************ ان دخول رجب مجددًا في حياة عصام كانت خطوة طويلة جعلت من عصام شخصًا لم يتوقع أبدًا أن يكون طيلة عمره. بعدما أخذ عصام رجب من دار المسنين، بدأ عصام برعاية رجب برقة وصبر لا حدود لهما. كان يهتم برجب كما لو كان طفلًا صغيرًا، يطعمه بيديه بلطف، ويساعده على المشي ببطء، ويغطيه بلحافٍ دافئ عندما ينام. كان يغني له أحيانًا أغاني قديمة، علّها توقظ في رجب ذكرياتٍ غائبة. وفي لحظات الهدوء، كان عصام يجلس بجانبه، يحدق في وجهه برضا وأسى في الوقت ذاته، وهو يتذكر رجب القديم. كان عصام يعلم أن رجب ربما لا يتذكره، لكنه كان يعيش كل يوم وكأنه فرصة لرد جزء من الجميل الذي قدمه له هذا الرجل. كان عصام يستغل كل دقيقة بتصرفاته الطيبة الحنونة محاولًا تعويض هذا الرجل عن كل الجحيم الذي عاشه بسببه. كان عصام لا يعتذر بالكلمات، بل يعتذر باهتمامه برجب وخدمته الدائمة له. كانت رعايته لرجب تعبيرًا صادقًا عن الامتنان والحب والندم. مع مرور الأيام، أصبح عصام يعرف ما يحتاجه رجب قبل أن يطلبه. في الصباح، كان يبدأ يومه بتحضير الفطور لرجب بكل حب كما كان يفعل رجب. كان يغسل يديه بعناية، يقلم أظافره التي صارت هشة، ويدلك أصابعه المتشنجة بلطف ليعيد لها بعض المرونة. عندما كان يحين وقت الاستحمام، لم يكن يعامل الأمر كواجب ثقيل، بل كطقس حميمي يعيد لرجب شيئًا من كرامته. كان يملأ الحوض بالماء الدافئ، يختبر حرارته بيده، ثم يساعده على الجلوس فيه، يسكب الماء فوق كتفيه ببطء حتى لا يفزعه، ويفرك جسده بالصابون كما كان يفعل رجب له حين كان صغيرًا. لم يكن هناك حرج، فقط صبر ورعاية خالصة. بعد الانتهاء، كان يجفف جسده جيدًا، يلبسه ملابس نظيفة ومعطرة، ثم يمشط شعره القليل بحركات هادئة، وكأنه يعيد ترتيب ذاكرته المتناثرة. أما الطعام، فكان عصام لا يكتفي بطبخ أي شيء، بل كان يختار بعناية ما يعرف أن رجب يحبه. كان يطهو له الحساء الدافئ، يقطّع الخضار إلى قطع صغيرة حتى يسهل عليه المضغ، ويهرس الطعام حين يصعب عليه الأكل. لم يكن يستعجله، يرفع الملعقة إلى فمه عندما يتعب، ويبتسم حين يراه يأكل بشهية، وكأنه طفل صغير يحتاج إلى تشجيع. في بعض الأيام، كان يضع قطعة صغيرة من الحلوى أمامه، يرى إن كان سيتذكر طعمها، وإن كان مذاق السكر سيوقظ شيئًا من ماضيه. الاهتمام النفسي كان الأهم. لم يكن عصام يترك رجب وحده طويلًا، كان يجلس بجانبه حتى لو لم يكن هناك حديث. كان يمسك بيده عندما يبدو عليه القلق، يربت على كتفه حين يشعر بأنه تائه. في بعض الأيام، كان يأخذ رجب إلى الشرفة، يجلسه في الشمس، يترك الهواء يداعب وجهه، ويمسك بيده بصمت، كأنما يخبره أن هناك من لا يزال هنا من أجله. عندما كان الليل يحل، وكان رجب يرتجف تحت الأغطية، كان عصام يجلس قربه، وحين كان رجب يغفو، كان عصام يبقى مستيقظًا قليلاً، يراقب أنفاسه، ثم ينحني ليعدل الغطاء فوقه، يلمس جبينه بحنان، قبل أن ينسحب بصمت، تاركًا خلفه شعورًا خفيًا بالأمان. ولكن لم يكن عصام من يهتم برجب وحده، فقد كانت يمنى تشاركه الاهتمام بكل امتنان ورحمة. في حين غياب عصام لعمله، كانت يمنى تقوم بكل الوظائف الأخرى من طعام واستحمام ودعم نفسي، حتى أصبح رجب يتذكر يمنى أكثر من تذكره لعصام. ها هما كانا جالسين سويًا يلعبان الشطرنج على المنضدة، وحين هزمها رجب للمرة الخامسة على التوالي قالت يمنى: _مش كده يا عم رجب بقى؟ أنا بدأت أحس إنك بتغش. ضحك رجب ضحكة منتصرة لطفلة كالاطفال وهو يقول لها: _انتِ بس اللي دماغك مش استراتيجية. ابتسمت يمنى من سعادة رجب البريئة. وفي تلك اللحظة، دخل عصام المنزل وهو يسلم عليهم حاملًا مستلزمات الطعام. وفور أن رأى الابتسامة العريضة التي على شفتي رجب قال له: _إيه يا رجوب؟ فرحان أوي ليه كده؟ قال رجب متحمسًا: _تعالى يا عاطف شوفني وأنا بهزم يمنى. ضحك عصام وهو يشجعه. بعدها، نهضت يمنى للمطبخ لتقوم بطهي الطعام، ثم جلس عصام بجانبه وهو يقول: _طب أنا جايبلك مفاجأة. _إيه هي؟ أخرج عصام من بين الحقائب كتابًا وهو يعطيه لرجب ويقول: _رواية العجوز والبحر بتاعت إرنست همينجوي اللي طلبتها كتير. خد بقى يا سيدي، اقرأها براحتك. لمعت عينا رجب في سرور وهو يقول: _يااه يا بني بجد؟ دا أنا كان نفسي فيه من زمان محدش جابهولي قبل كده، شكرًا يا عبدالله، شكرًا يا بني. ابتسم عصام وقبل جبين رجب. بعدها نهض متجهًا للمطبخ حيث يمنى، دخل وسلم عليها ثم قال: _بتتعبي معانا أوي يا يمنى، معايا أنا مخصوص... _متقولش كده...أي مكان بعيد عن أمي مكان كويس. ابتسم عصام، ثم أردفت بقولها، وبدا على نبرتها الاستحياء: _هو أه ساعات بخاف منك...بس عادي، كلنا ساعات بيجي لينا ايام بنكون فيها مخيفين للناس، أتمنى متكونش لسه زعلان مني بسبب الكلام اللي قولتهولك. _دي المرة الخمسين اللي تعتذري فيها يا يمنى، أنا مستحيل أزعل منك، لأني مستحيل أنسى إنتِ تعبتي معايا إزاي طول الخمس شهور دول، في فترة علاجي ومع رجب كمان... أخرج عصام من جيبه صندوقًا مستطيل الشكل وفتحه لها لتومض عيناها من جمال تلك الأسورة الذهبية المتلألأة كما لو أن عصام لملم نجوم السماء ليزينها بالذهب ويعطي تلك الأسورة لها. رفعت يمنى عينيها المتسعتين وهي تقول: _إيه دا؟! _إنتِ تستحقي أحسن منها بصراحة. رغم ابتهاجها العارم الذي تكبحه في قلبها المرتجف، إلا أن كان على عينيها نظرات مستنكرة غير راضية. قالت وهي تحرك رأسها نافية: _أنا مستحقش دا، عمري ما استحق حاجة زي كده...مينفعش اللي بتعمله دا يا عصام. قال عصام وهو يخرج الأسورة: _متقوليش كده، محدش وقف جنبي زيك في حياتي، لازم تستوعبي دا، هاتي إيدك. أعطته يمنى يدها المترددة المرتجفة، ووضع لها الأسورة وهو يقول: _دايمًا بسمع خناقاتكم أنتِ ووالدتك، لحد دلوقتي معرفش إيه سبب إصرارها إنها تجوزك ليا، ولكن أنا عارف تمامًا سبب رفضك لدا ودا حقك، بس أنا عايز أقولك إني موجود عشانك في أي وقت ولأي سبب، إذا كان في جواز مؤقت عشان دنيتك تمشي وتخلصي من أمك، أو إذا كان في إني أدورلك على أي سبيل يخليكي تستقلي بنفسك وترتاحي من وجع الدماغ دا كله، تمام؟ كلما كان عصام يتفوه بحرف، كلما كانت يمنى تغوص في أعماق عينيه الزرقاء، تحدق فيه بأعين تفيض بالإعجاب والحنين والذنب، تتأمله كما لو أنها ترى أمامها مخلوقًا جديدًا في غاية الجمال نادر الشكل والطباع. حين انتهى، لم تقدر يمنى أن تفعل شيئًا سوى أن تُومئ برأسها في صمت. بعدها تركها وخرج إلى رجب. تركها بابتسامة عريضة على شفتيها، وهي متشبثة بالأسورة التي تلتف حول ساعدها وتحسس عليها بأناملها بحبور عظيم. ولكن لم يدم هذا الحبور طويلًا، فبعد دقائق سمعت يمنى رنين جرس الباب وعصام يفتح وهو يرحب قائلًا: _ياسمين! تعالي تعالي. دخلت ياسمين بابتسامة عريضة على شفتيها بخطوات محرجة. عندما رأت رجب حسن المظهر ضاحك الوجه، شعرت بماء بارد ينصب من عقلها إلى صدرها ليضرم نيران الندم والذنب حتى ولو بنسبة بسيطة. أتت ياسمين وجلست بجانب رجب وهي تقول له: _إزيك يا عم رجب، فاكرني؟ كنت بجيلك قبل كده في الدار. _أه يا بنتي فاكرك، إنتِ...ي...يارا صح؟ ابتسمت ياسمين وهي تومئ برأسها ثم قالت وهي تخرج شيئًا ما من حقيبتها: _شوف بقى عشان جايبالك مفاجأة. أخرجت ياسمين كتابًا وهي تقول: _جبتلك رواية العجوز والبحر بتاعت إرنست همينجوي اللي سمعتك ياما حكيت عنها لما قعدت معاك وقلت إن نفسك تقرأها. اختفت ابتسامة عصام في دهشته من تلك الصدفة، ليزداد دهشته حين يرى رد فعل رجب وهو مسرور بالكتاب. _يااه يا بنتي بجد؟ دا أنا كان نفسي فيه من زمان محدش جابهولي قبل كده، شكرًا يا يارا، شكرًا يا بنتي. ربتت ياسمين على ظهره، وفي تلك اللحظة لاحظت الكتاب نفسه على المنضدة لتتعجب وتنظر لعصام. فرفع عصام منكبيه وهو مبتسم بقبول. بعدها نهضت وأتت إليه وهي تقول: _إنت جيبت له الرواية. _أه، بس هو مش فاكر أني جيبتها، كده كده. _طب ابقى عين واحدة بقى عشان ميرجعش يقرأ اللي قرأه من أول وجديد. _والله مش هتفرق، أقولك على حاجة؟ الكتاب اللي كان بيقرأه في الدار طول العشرين سنة دول هو العجوز والبحر. اتسعت عيناها في دهشة ولم تتحمل، فبدأت في الضحك ليضحك عصام هو الآخر، بينما كانت يمنى تترقبهم ووجهها عابس، تكاد تلمع عيناها من حرارة الغيرة. التفتت ياسمين بجانبها لتراها، فأتت إليها وهي تقول لها مبتسمة بلطف: _إنتِ يمنى صح؟ أجابتها يمنى بصوت خافت يظهر كبحها لانفجار مشاعرها: _عرفتي إزاي؟ _عصام حكالي عنك. سكتت يمنى برهة ثم قالت: _هو حكالي عنك برضو... _طب يلا بقى عشان نطبخ سوا. دخلتا سويًا المطبخ وكان يبدو على ياسمين الابتهاج والراحة في التعامل مع يمنى ومع عصام ورجب بشكل عام، فقد كان هذا اليوم يوم الإجازة الوحيد الذي ظفرته من سيدتها التي تخدمها. لذلك استغلت ياسمين كل ثانية لتتمتع بها، ولكن بدا على يمنى عدم الارتياح تجاه ياسمين بسبب الغيرة طبعًا. وحين لاحظت ياسمين ذلك، قالت لها بابتسامة صادقة لطيفة: _بتحبيه؟ ارتبكت يمنى وهي صامتة، ثم رفعت منكبيها وهي لا تريد أن تتواصل بأعينها مع ياسمين من توترها من هذا السؤال المفاجئ، لتقول ياسمين: _هو قالك عني إيه بقى؟ سكتت يمنى برهة، ثم قالت: _قال لي إنك صديقة قديمة، وكان معجب بيكي من زمان، ومخطط يتجوزك عشان...حالتك صعبة وعايزك تعيشي في حال أفضل وهو هيحاول في دا. أومأت ياسمين برأسها لتردف يمنى بقولها: _هو أصلًا...بينت من زمان إني مش عايزة أتجوزه، فمش عارفة أنا متضايقة ليه يعني، الموضوع ميخصنيش. _يبقى بتحبيه. _أنا آسفة. _بتعتذري ليه؟ هو أصلًا قالي احتمال يتجوز واحدة تانية، أو أنا أكون زوجة تانية مثلًا، الموضوع مش فارقلي بصراحة، الدنيا مليانة حاجات أهم من أني أهتم بالحوارات دي. سكتت يمنى برهة في تردد تشعر أن مشاعرها مشتتة، ثم قالت: _يعني...هو مخطط إنه يتجوزني في أي ظرف؟ _بتهيألي، إنتِ عارفة الرجالة بيحبوا يبينوا نفسهم ألابطال اللي بينقذوا الستات من حياتهم المزرية، سيبيه يعمل اللي يعمله، مش هتخسري حاجة. _بس...أنا معرفش أقدر أتجوز واحد زيه كده ولا لأ... ضحكت ياسمين لتشعر يمنى بالإحراج وتسكت مستمرة في عبوسها. فقالت ياسمين: _يابنتي العلم اتطور، وعمليات زراعة الأعضاء المبتورة انتشرت أوي، حتى العيون بقت ليها زراعة، اصبري أنتِ بس، وبعدين هو يقدر يمشي الدنيا معاكي لحد ما ربنا يفرجها عليه ويبقى عنده فلوس للعملية. ضحكت ياسمين مجددًا، وفهمت يمنى مغزى تلك النكتة لتضرب كتفها وهي مبتسكة في إحراج وهي تقول: _أول مرة أشوف واحدة بتشجعني إني أتجوز الراجل اللي هيتجوزها، على أساس لو بقينا ضراير مش هتضايقني وتنافسيني بيه يعني. _لا يا اختي، خليهولك، الواحدة كبرت كفاية عشان تفهم إن الجواز ليه مغزى تاني غير اللي في دماغكم دا، أنا عايزة أنجو مش أكتر، وجوازي من عصام هيبقى أول خطوة لدا. ************ خرج نوح من المركز بعقل شارد متهَيّع الأفكار كبحر هائج تلتطم أمواجه بعقله، تجعل صداعه يزداد أكثر فأكثر. وصل إلى سيارته، وقبل أن يدخل كان يشاهد الرسالتين اللتين أُرسلت من قبل شيماء وكوصية عمر. الرسالة الأولى لمقطع فيديو لمؤثرة صاحبة محتوى تجميلي عن المكياج التنكري. من بعدها رسالة أخرى تقول: <أدهم قهوته زيادة> رسالتان لطالما حدق فيهما طيلة تلك الأيام وهو لا يفهم مقصد عمر البتة، فوق ما رآه وسمعه من مايا أمر إضافي لزيادة جنونه. أمسك برأسه متوجعًا، بعدها أخرج شريط المسكن من حقيبته وابتلع حبة، ومن ثم تجرع المياه من زجاجته. حين انتهى، وقعت عيناه على شيء ما تحت سيارته. انحنى نوح وسحب ذلك الشيء ليكتشف أنه حقيبة الكمان خاصته، وبالطبع بداخله الكمان، وفوق الحقيبة رسالة، بالطبع كانت من غادة. فتح نوح الرسالة وقرأها: <ابقى عرفني يا نوح، إيه الغياب اللي ينفع استناك ترجع بعده، وإيه الغياب اللي لازم أنساك فيه.> كعادتها، كلمات تقطع قلبه بسكين منصهر، يقف أمامها عاجزًا وكأنها حروف من مخدر قوي. ~مرة الأبنودي ومرة أحمد الطحان، شكلها بقت مدمنة شعر من بعد ما سبتها. في تلك اللحظة سمع نوح بخطوات تقترب من خلفه ليلتفت ويرى عبير. أتت إليه وألقت السلام، فأجابها السلام، بعدها قال: _اتفضلي حضرتك محتاجة مساعدة؟ _أنا عبير، أخت عمر الكبيرة، جيت عشان أفهم منك ممكن عمر يكون راح فين. تعجب نوح من اختلاف الشبه الخارق بينها وبين عمر، كما لو أنهما من أعراق مختلفة، عبير من باكستان وعمر من كندا مثلًا. على أي حال، تجاهل نوح الأمر وقال: _كويس إن حد تاني غير شيماء جه، واضح إنك أقوى منها نفسيًا. قالت عبير وهي تتقدم إليه في تلهف: _يعني أنت عارف مكانه؟! _لا... بس من الرسالتين اللي اتبعتولي من شيماء واللي قالت لي إنهم من عمر، استنتجت إن أدهم ممكن يكون... تحجر نوح فجأة وتوقف عن التحدث وشل لسانه تمامًا. اتسعت حدقتا عينيه وهو يحدق في الفراغ، ثبات تام يظهر استيعابه، استوعب أمرًا ضخمًا يظهر ضخامة حجمه في حجم اتساع حدقتيه. _نوح؟ مين أدهم ده؟ مين؟! بالطبع تلك المسكينة لم يخطر في بالها ولو نصف بالمئة أن المقصود هو أدهم داغر. نظر نوح إليها وقال: _بصي يا عبير... أنا هاخد رقمك، ولو في أي تطور هتواصل معاكي، أنا بنسبة كبيرة عرفت مكان عمر، بس... خلي شيماء تصبر وكل حاجة هتبقى تمام...
ROMISAA