٩٣ «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في البداية، أود أن أدعو لصديقاتي ورفيقات دربي في حملة َومشروع "اعتني بالجوهرة" بالرحمة والمغفرة. هن شهيدات كلمة الحق، أرواحهن كانت فداءً للحفاظ على المجتمع والدين، للحفاظ على بنات الأمة وشبابها، للحفاظ على براعم الأمة من أن تُقطف بيد الفتنة والمنهج الرأسمالي البهيمي. هدى عوض، هالة سعيد، وفلوريان صبحي، اغتيالهن دليل دامغ على خطورة هذا المشروع وخطورة امتناع الناس عن بيع أهلهم. وقد تزامن موتهن مع الحرب التي قامت في الوادي الجديد على ذِكر شهود من سكان الواحات الخارجة، مما يدل على أن حركة ذود لا علاقة لها بمقتلهن، ولا دليل على ذلك، وأن الصاروخ المستخدم هو من أسلحة الميليشيات بكل وضوح. أعلن أني لن أتوقف عن هذه الحملة وهذا المشروع، وأرواحهن لن تذهب هباءً. سأواصل النضال حتى يوقن العالم الفساد الحقيقي.» بعد أن أُدّيت صلاة الجنازة على كلٍّ من هدى وهالة، وشاركت في تغسيل جثمانيهما، وتجنبت حضور جنازة فلوريان حرصًا على ألا يحدث أي مشكلة أو بلبلة بسبب وجودها، وبعد أن واجهت قهر الفقد، والبكاء الهادئ، ومقاومة الغصة، والدعاء لهن مرارًا وتكرارًا، قامت نجلاء بتصوير مقطع فيديو تتحدث فيه بهذا الحديث، ونشرته للملأ. أرادت أن تثبت للعالم أنها ما زالت صامدة، وأن حادثة كهذه لن تزحزح عزيمتها؛ فحتى لو انتهت حرب زوجها، فحربها هي لم تنتهِ بعد. من بين من شاهدوا هذا المقطع كان فياض، جالسًا في منزله، بعد تحرير مصر، الذي لم يُصدر بشأنه خبر أو بيان رسمي بعد، وبعد تحرير سجناء دارين. في تلك الليلة، التي سيليها صباح صلاة عيد الأضحى، كان جالسًا على الأريكة، يشاهد مقطع نجلاء باهتمام وتركيز. خرجت ملك من غرفتها قائلة: _بابا، لو سمحت، ينفع تيجي تعملي شعري؟ رفع فياض بصره ليجد ابنته ترتدي ملابس منزلية جديدة، فابتسم قائلًا: _دي البيجامة الجديدة؟ ابتسمت في لهفة وهي تقول: _آه، حلوة؟ _جميلة يا حبيبتي، اسبقيني وأنا جايلك أهو. دخلت ملك غرفتها، أما فياض فظل جالسًا برهة، كما لو أن عقله ما زال يحاول استيعاب كل ما مر به من أهوال في الساعات الماضية. استنشق نفسًا عميقًا ثم نهض إلى غرفة ابنته. وجدها جالسة أمام المرآة تتأمل شعرها المبعثر، وعيناها تتألقان بلمعة متلهفة تُظهر سعادتها الغريزية بقدوم العيد. وقف خلفها ثم تناول المشط والمكواة، يمرر يده في خصلاتها بحنانٍ بالغ، وكأنما يرتب بها فوضى الحياة من حوله. أخذ يكوي خصلات شعرها واحدة تلو الأخرى، بحركات رتيبة مملوءة بالعناية. قد يبدو مشهدًا عابرًا عاديًا، ولكن في مكنونه حنان ودفء عميق؛ فخلف أعين فياض التي تحمل نظرة صارمة في خلقتها، عطاء حقيقي، عطاء يُحَسّ ويُعاش. إنه أب لا يغدق ابنته بالدلال فقط، بل كان يعلّمها، يحميها، ويبني داخلها قوة هادئة تشبهه تمامًا. وهي بدورها تتيقن، مع كل حركةٍ منه، ومع كل نظرة، أنها أغلى من أن يُفرّط فيها، وأثمن من أن يخذلها الزمان مادام فياض حاضرًا. انتهى من مهمته الصغيرة، ثم صفف شعرها بيده، مطمئنًا إلى أنه أحسن ترتيبها كما يليق بأميرة صغيرة. نظرت إليه عبر المرآة بعينين يملؤهما الامتنان، وهو يقول لها: _تحبي أعملك تسريحة معينة؟ _لا يا بابا كده حلو أوي، شكرًا، هقوم بقى أعملنا كبايتين شاي نشربهم سوا في البلكونة. ابتسم فياض وهو يقول: _بالنعناع. ضحكت ملك وهي تومئ برأسها: _بالنعناع، ماشي. خرج فياض إلى الشرفة وجلس متأملًا السماء، تحديدًا النجوم التي كانت بالكاد تظهر. لم تلبث ملك أن عادت تحمل صينية صغيرة عليها كوبان من الشاي تفوح منهما رائحة النعناع الطازج. جلست أمامه وأعطته الكوب، وأخذ منها الكوب بحنان، وبدأا يحتسيانه. كانت الليلة ساكنة، والهواء مشبعًا برائحة الأرض النقية، مستمعين إلى تكبيرات العيد، مستبشرين بقدوم النصر مع حلول العيد. لاحظت ملك أن بصر فياض لم ينزع من على السماء ونجومها، فتبسمت وهي تقول: _كانت ماما تقولي إن ليك عادة كدة، تبص للنجوم في السما دايمًا، مكنتش بلاحظ ده فيك، بس واضح إن النهاردة مركز أوي معاهم. ابتسم فياض ابتسامة باهتة في صمت، لتقول ابنته بقلق: _إنت لسه متضايق مني؟ _لا لا يا حبيبتي، بس... صمت فياض مدة طويلة إلى حدٍّ ما، إلى أن أردف: _تعرفي يا ملك إيه هو عنقود الثريا؟ سكتت ملك وهي تفكر، ثم أجابت: _دول نجوم متجمعين، صح؟ أومأ فياض برأسه وهو يقول: _الثريا دي عبارة عن سبع نجوم مترابطة في السما، بس لما ييجوا يذكروهم في العادة، بيذكروا ستة بس، عشان النجمة السابعة ضوءها خافت، وده اللي خلاهم يكتشفوها متأخر. سكت فياض برهة ثم أردف: _النجوم دي مش نجوم عادية متسجلة في علم الفلك وخلاص، لا، دي ليها رمز قوي أوي في الميثولوجيا الإغريقية. فعندهم، الثريا دي اتمثلت في سبع أخوات: مايا، إليكترا، تاجيتي، السيوم، سيليانو، أستيروب، وميروب. مايا كانت أكبرهم، وأجملهم، وأكتر واحدة متميزة فيهم، وارتبط اسمها بألمع النجوم وأكبرهم في الثريا، وكانوا بيلقبوها بـ"العظيمة الواحدة"، لأنها كنجمة هي أكتر لمعان في السما وأكتر لمعان بين أخواتها كمان. اللمعان ده انعكس على صورتها الأسطورية، فكانت رمز للوقار، والهدوء، والقوة الخفية. حتى بعض الشعوب القديمة كانت بتعتقد إن النجمة دي هي الحارسة أو القائدة لبقية الأخوات. كانت ملك تنصت باهتمام شديد حتى توقف فياض برهة، وبدت على نظراته قَهرة خفيفة، وهو يردف: _أما ميروب... الأخت الأخيرة، فهي صاحبة النجمة المطفية اللي محدش بيلاحظها ولا بيهتم بيها في العادة، وده عايد على قصتها، فهي كانت أكتر واحدة عانت بينهم، وأكتر واحدة حاولت تخفي نفسها وتبتعد عنهم، وتبقى هي النجمة المستخبية في العنقود. وفي روايات بتقول إنها أطفأت نورها حزنًا، وتبقى ميروب رمز للألم الإنساني، ونجمها كان تذكار إن حتى لو حضورها خالد في السما... فهي لسه منكسرة في صمت. شعرت ملك بحزن على ميروب وهي تقول: _ليه؟ هي ميروب حصلها إيه؟ سكت فياض برهة ثم قال: _الوحيدة اللي ارتبطت ببشري، على حسب الأساطير. _لا، معاها حق بصراحة، حد يسيب زيوس ولا أطلس ولا معرفش مين، ويروح يتجوز إنسان ويوجع دماغه؟ ضحك فياض وهو يقول: _بس أطلس ده أبوها. _مش فارقة بقى. تبادلا الضحكات كلاهما، ولا إراديًا رفعت ملك رأسها للسماء، وبعدما تأملت للحظة، أردفت: _مش يمكن ميروب اتطفت فعلاً واختفت للأبد، بس ضوء نجمها الخافت اللي بنشوفه في الثريا هو نتاج وصوله بعد ألف سنة ضوئية؟ نظر فياض لابنته في حيرة طفيفة، وحين لاحظت نظرته، قالت: _أصل فيه معلومة بتقول إن معظم النجوم اللي بنشوف نورها في السما هي انفجرت بالفعل واختفت تمامًا في الفضاء، وضوءهم ده وصل لينا بعد ألف سنة ضوئية من انفجارهم، فيمكن ميروب نورها يكون وصلنا بعد ما هي اختفت تمامًا وارتاحت، كأن حضورها هو شباك من الماضي، مش إثبات للحاضر. سكت فياض وهو يتأمل حديثها مبتسمًا، ثم قال مداعبًا لها بأسلوب أبوي لطيف: _شباك من الماضي؟ والله وبقيتي شاعرة... إنتِ لسه متأثرة بالروايات اللي بتقرأيها دي يا بت؟ ضحكت ملك، فارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه فياض من ضحكاتها الجميلة، لكن خلف تلك الابتسامة، شعر بغُمة خفيفة اقتحمت صدره بغتة. لم يكن مزاحه معها سوى قناعٍ واهن يخفي خلفه شعورًا ثقيلًا، ذلك الشعور الذي أيقظه حديث ملك. تلك الغُمة التي شعر بها كاعترافٍ خفي؛ اعترافًا بأنه يعلم بوجود نور، ويجهل في الوقت ذاته ما أصابها. يعلم أنها كانت هناك، في قلب الألم، لكنه لا يعرف كيف خرجت منه، أو إن كانت قد خرجت حقًا. مواجهة أدهم وجهًا لوجه كانت كصفعة من الزمن المؤجل، أو جرس إنذارٍ أخير لا يقبل التأجيل. شعر فياض بأن سكون السنوات التي مضت لم يعد له مكان، وأن جلوسه الصامت لأكثر من عشرين عامًا قد شارف على نهايته. لم يعد قادرًا على البقاء في الظل، ولا على الاكتفاء بالمراقبة عن بُعد. آن له أن ينهض، وأن يمدّ يده أخيرًا نحو أولاده أدهم... ليحاول حمايتهم، بأي طريقةٍ كانت. *********** في الوقت ذاته، كان كلٌّ من كاجويا وتريسا ورفاييل، أجنحة أدهم وأخطر ثلاثة على وجه الأرض من بعده، مجتمعين في منزله في لقاء غامض مشحون بالرهبة، كاجتماع مردة الشياطين. وما إن دخل أدهم حتى وثبت كاجويا من مقعدها وهي تقول بانفعال: _إنت لو ما كنتش رجعتني مصر الفترة دي، صدقني كنت هفصل راسك عن جسمك! مش مسامحاك إنك أجبرتني أسافر قبل ما آخد الهدية اللي عصام وعدني بيها! رد أدهم ببرود وتبرُّم: _اقعدي يا بت، اقعدي... مش ناقصين صداع. قال رفاييل بصوته البارد كشحوب جلده: _عصام ما وعدكيش بحاجة، البت اللي معاه هي اللي بتستعبطك. صاحت كاجويا بانفعال متأجج: _ولما أعرف إنها استعبطتني، هسيبها عايشة مثلًا؟! قال أدهم بصرامة قاطعة: _خلاص بقى، اتكتموا!! ساد الصمت للحظات، ثم قالت تريسا بدهاء وحدَّة في نظرتها: _واضح إن مزاجك وحش... حبيبك سابك ولا إيه؟ شهقت كاجويا وهي تسأل بذهول: _عمر سابك؟! انفلتت ضحكة قصيرة من رفاييل وهو يعلّق هازئًا: _بقيت مطلق للمرة التانية! لكن ما إن التفت إلى أدهم ورأى وجهه المتجهّم حتى اختفت ابتسامته، وقال متراجعًا: _بهزر يا عم... ما تبصليش كده. استنشق أدهم نفسًا عميقًا ثم جلس وقال بنبرة ثقيلة مهمومة: _حالة عصابتنا دلوقتي مختلفة عن أي وقت فات خلال التلاتين سنة الأخيرة. أنا كبرت، ومافيش جريمة ما عملتهاش. عيالي كبروا وبدأوا يبانوا للعالم، وكل ما يبانوا، الخطر يقرب. وكل ما الخطر يقرب، لازم يعرفوا الحقيقة أكتر علشان يقدروا ينجوا. توقّف لحظة، ثم أردف: _مكانة عصابتنا معروفة، ونظامها متسستم من سنين طويلة. أنتم تقدروا تتحكموا في رجالتنا عن بُعد، وهينفّذوا أوامركم من غير نقاش. بس الخطر الحقيقي دلوقتي جاي من عصابة سردار، لأنها توازي خطورتنا... وخطورتها في تخفّيها. فلازم نحط عينينا عليهم من قريب، وده مش هيحصل إلا لما تندمجوا وسط عيالي واللي حواليهم. اعترضت تريسا في امتعاض: _يعني إيه؟! إحنا هنعيش في مصر وسط عيالك؟! _آه... ولو عندك اعتراض، خليه لنفسك، لأنك هتعملي اللي بقولك عليه غصب عنك. استقامت كاجويا في نشوة ولهفة، وقالت بسعادة بالغة: _الله! يعني أقدر أتجوز عصام ويبقى ده من ضمن الخطة عادي؟! قال رفاييل بنبرته الرتيبة: _صدقيني، مش هتحبي تتجوزي واحد زي ده. نظرت إليه كاجويا ممتعضة، بينما نظرت تريسا إلى أدهم وسألته بشك: _أنا مش متطمنة من الخطوة دي... وانت بقى هتكون فين؟ ما أنت تقدر تعمل ده كله من غير ما تحتاجنا! أجاب أدهم بلا مبالاة: _لا، خلاص... دوري انتهى من اللحظة اللي كشفوني فيها كنور الصاوي. ودي علامة إني محتكش بيهم لفترة طويلة، فمفيش قدامي غيركم. نهض أدهم من مكانه، ثم قال كلمته الأخيرة: _ابقوا ركّزوا في عيلة عكرمة وسيرتها. وبعتلكم صورة على موبايلاتكم لراجل اسمه فيّاض راشد. قوتي ما أثرتش فيه يومها، غالبًا عشان طاقتي كانت ضعيفة مش لأي سبب تاني، بس لازم تتأكدولي منه. أخرجت كاجويا هاتفها، وما إن وقعت عيناها على صورة فيّاض حتى قالت باندهاش وعيناها تبرقان: _الله! ده شبه عصام أوي... بقى فيه اتنين عصام! بعدها خرج أدهم من الغرفة، وانغلق الباب وراءه بصمتٍ، ليتبادل ثلاثتهم نظراتٍ سريعة، لا كلمات فيها، بل مزيج من الإدراك والحذر واللهفة المسمومة. ففي تلك اللحظة، أدرك كلٌّ منهم أن ما ينتظرهم ليس مهمة عابرة، بل بداية لرحلةٍ نحو العتمة الأشد. تريسا الإيطالية، البالغة من العمر ستة وثلاثين عامًا، سيدة المجازر وصاحبة اليد التي لا ترتجف عند سفك الدماء... كاجويا اليابانية، في الخامسة والأربعين من عمرها، عرّابة الإغواء، والمسؤولة عن شبكات الدعارة في العصابة... ورفاييل الروسي، لم يتجاوز الثامنة عشرة بعد، المسؤول عن فنون السلاح والتجارة به كمن وُلد من رحم البارود. ثلاثتهم لأول مرة سيخلعون عباءة الغموض عن أكتافهم، ويُلوّحون بأيديهم من حولهم، لدرء وزحزحة تلك الهالة الثقيلة من الشر والخطر التي التصقت بهم طويلًا، ليندسون بين العوام وينسخون من حيواتهم. وأثناء تفكيرهم العميق، كانت صورة فيّاض على الهاتف لا تزال مضيئة، تنعكس على وجه كاجويا... تلمع فيها الملامح المألوفة، لكن خلفها، كانت تلوح بداية الفوضى. *********** في اللحظة التي أطبق عمر جفنيه بين الجثث في سانكتوريا، لم يكن يدري إن كان قد نام أم مات للحظة. كل ما يذكره قبل السقوط هو صوته المرتجف وهو يلهج باسم نوح عبر الهاتف، ثم الصمت.... وها هو يفتح جفنيه وهو يشهق شهقة أفلتت من صدره، واستفاق منتفضًا كمن قُذف من مكان عالٍ. كان الليل قد استتب، والغرفة ساكنة كأنها خارج الزمن. قلبه ينبض بعنف، ويده تقبض تلقائيًا على الجسد الدافئ الملتصق به. كانت شيماء، التي استيقظت من انتفاضة جسده، والتفتت إليه، وبصوت واهن قالت: _حبيبي، انت صحيت؟ كان عمر نائمًا محتضنًا إياها بقوة من الخلف، وحين رآها أخيرًا لم يحتمل هشاشة اللحظة؛ جذبها إليه بذراعين مرتجفتين، كطفل يهرع إلى حضن أمه، لا يريد تفسيرًا ولا عزاء، فقط دفئًا يؤكد له أنه ما زال حيًّا، وأن هذا الليل ليس امتدادًا للجحيم الذي تركه خلفه. عرف عندها أن نوح قد أتى به. وأنه حمله من بين الجثث كما يُنتشل الناجي الوحيد من خراب مدينة. _انت كويس يا عمر؟ حاسس بإيه؟ قولي. لم يجيب، وحين لاحظت عجزه عن الحديث قررت أن تسكت، ولم تحاول أن تسأله من جديد، فقد قرأت الإجابة في ارتجافاته، في طريقة التصاقه بها، في وجنته التي التصقت بوجنتها كأنما يختبئ من العالم كله في دفء هذا الملمس. مدت يدها ببطء، وبدأت تمسح على ذراعيه في محاولة منها أن تعيد الدفء إلى من فقده طويلًا، تمسح على ألمه، على خوفه، على الخراب الذي حمله في داخله وعاد به من جحيم أدهم. كان الليل ساكنًا، ومعه سكن كل شيء، إلا ما في صدريهما من رجفة اللقاء الأول بعد الغياب. كانت أذرعه تطوّقها كمن يطوّق الحياة ذاتها، كما لو أن جسدها آخر ما تبقّى له من يقينٍ في هذا العالم المترنّح بين الحلم والهاوية. لم يكن بحاجة للكلام؛ فالصمت وحده كان أفصح من كل الكلمات، صمت مشبع بالحنين والانهيار المؤجّل. بعد عناقٍ دام دقائق، قالت شيماء بصوتٍ رقيقٍ خافت: _نوح وغادة هنا، لو مش عارف. _بجد؟ _آه... لقيته بيخبط على الباب، ودخل وهو شايلك على ضهره. أول ما حطّك على الكنبة، طب ساكت على الأرض، وقعدنا أنا وغادة ساعتين نحاول نشيل فيكم. ضحكت شيماء ضحكة خافتة لتلطّف الأجواء، فابتسم عمر وقبّل وجنتها، ثم قال: _كان تعبان؟ _آه... غادة قالتلي إنه تعبان أوي. كانت محرجة، بس أنا حلفت عليهم يفضلوا عندنا لحد ما تبقوا كويسين... أنت وهو. سكت عمر برهة، ثم أردفت: _جعان يا حبيبي؟ أقوم أسخن لك أكل؟ _لا... أنا شبعان. بس هقوم أروح الحمّام، ولو لقيت نوح لوحده هحاول أشوفه. خليكي زي ما إنتِ، مرتاحة، ومتقلقيش. ابتعد عمر ونهض، وهو يشعر بدوارٍ وإرهاقٍ شديدين، لكنه تمالك نفسه وخرج من الغرفة. ما إن عبر الرواق حتى سمع غادة تتحدث عبر الهاتف، وضحكاتها الخافتة تتسلل من غرفة المعيشة. وحين سمعت وقع خطواته، سمعها تقول: _استني يا هاجر، هكلمك بعدين... سلام. في تلك اللحظة، مرَّ عمر أمام غرفة المعيشة، فنهضت غادة ببهجة شديدة: _دكتور عمر! حمد الله على السلامة... إنت صحيت! ابتسم عمر في وهن، فأردفت غادة: _اعذرنا إننا عندك في البيت، معلش... بس حالة نوح صعبة جدًا. _لا لا، مفيش حاجة خالص، دا بيتكم. متقوليش كده... هو في أوضة الأطفال دلوقتي؟ _آه، نايم من ساعتها... زيك كده. تقدر تشوفه لو حابب. أومأ عمر برأسه، وكاد أن ينصرف، لكنها استوقفته قائلة: _هنصلي العيد مع بعض، مش كده؟ التفت إليها مبتسمًا وقال: _أكيد... وهنجبر نوح ينزل معانا. ابتسمت غادة، فعاد عمر يتجه نحو غرفة الأطفال وفتح الباب بهدوء. وجد نوح غارقًا في سباتٍ عميق، نائمًا على السرير كمن لم يذق طعم النوم من قبل. ظل يتأمّله، ثم اقترب وجلس إلى جواره، ووضع كفّه على جبينه المنصهر، وبدأ يمسح قطرات العرق عن وجهه وهو يهمس: _شكرًا يا نوح... شكرًا. في تلك اللحظة، فتح نوح جفنيه ببطء، وحين رأى عمر، اعتدل جالسًا في ذهول، لكن عمر أسرع يقول: _نام يا نوح، نام يا حبيبي... بتعمل إيه؟ ارتاح. قال نوح بصوتٍ واهن: _إنت كويس؟ كويس يا عمر؟ طمني، أرجوك. _أنا بخير، والله... ريّح ضهرك بس، ارتاح. أسند نوح ظهره، وهو يلهث بصعوبة. وفي الأثناء، دخلت غادة على شيماء لتطمئن عليها، فوجدتها جالسة وقد وضعت يدها على بطنها. تقدّمت منها بقلق: _إيه يا شيماء؟ محتاجة حاجة يا حبيبتي؟ _لا لا، مفيش حاجة... بس فرحتي إن عمر فاق خلتني أفوق أنا كمان... ابتسمت غادة وقالت: _قال إنه هياخدنا، ومعانا نوح، لصلاة العيد. أهي حاجة تلمّنا على خير وفرحة كده. قالت شيماء بسرورٍ طفيف: _ياريت، بجد... أهو حاجة تخفف الغم اللي إحنا فيه. ثم عادت شيماء إلى سكوتٍ عميق، يدل على بلبلة عارمة في قلبها وعقلها، قبل أن تبتلع ريقها وتقول في قلق: _غادة... اقعدي جنبي. تقدمت غادة وجلست إلى جوارها في حيرة طفيفة، بينما قالت شيماء: _عايزة أحكيلك حاجة... من حقك تشتمني بسببها، وتتعصبي، وتضربيني قلمين، وتقطعي علاقتك بيا... بس مش دلوقتي، عشان عمر... عشان خاطري، ماشي؟ ارتبكت غادة وقالت بقلق: _خير يا شيماء؟ في إيه؟ في الغرفة الأخرى، وبعد حديثٍ متبادل بين عمر ونوح عن الغياب، قال نوح في صدمة عارمة لم يُبدِها بصوته المرهق: _كنت مع أدهم؟!!! طول الوقت ده كنت معاه؟ وكان خاطفك؟! أدهم؟! أومأ عمر برأسه، وارتسمت على وجهه ابتسامة قهرٍ ساخرة: _ومتسألنيش ليه وإزاي... أنا لو رجعت ست شهور بس من عمري، وحد قالي إن أدهم هيحطك في دماغه بالشكل ده، والله العظيم ما كنت هصدقه. اعتدل نوح في جلسته، وحدّق في عمر، يبحث بعينيه عن أثرٍ للتعذيب في جسده. ثم أمسك بقميصه وأزاحه قليلًا، يتفحّص ظهره وبطنه، بينما كان عمر يحدّق فيه ببرود: _بتعمل إيه؟ نظر إليه نوح بحدة، وقال وهو يعقد حاجبيه في تهيع: _هو عمل فيك حاجة؟ إنت كويس؟ أنا مش شايف علامات... هو سابك كده؟ ولا عمل فيك إيه؟ مش فاهم... فهمني! _عمل فيا يا نوح... آه، عمل. بس كان بيعالجني... وأنا دلوقتي كويس، متقلقش. ظل نوح يحدّق في عيني عمر طويلاً، ثم سأله بنبرةٍ مفعمة بالاهتمام والرأفة: _إنت مش كويس يا عمر... الراجل ده عمل فيك إيه؟ لم يكن سؤال نوح مجرد استفسار عابر، فتفوهه بذلك السؤال كمن ألقى الضوء على أعماق هاويةٍ سحيقة ما زالت تنزف في داخله. أسئلة نوح المتكررة كانت زلزالًا خافتًا رجّج أعماق روحه. ارتجّ الصوت في الأثير، ثم تجمّد الزمان، وتجمّد معه وجه عمر. لم يُجب عمر. لم ينبس. بل سكن وأشاح بوجهه في حركة رتيبة، وارتسم الصمت على محياه كستارٍ ثقيل من الحيرة والانهيار. تلك السكونية التي اقتحمت قلبه كعراك صامت بين فطرة الإنسان ورعبه. حدق في الفراغ واتسعت نظراته ومقلتيه بشكل طفيف والدموع حبست فينا، تنقل ببصرٍ زائغ بين الأروقة، يعيد تذكر قيودٍ حفرت في المعصمين، وجدرانٍ تشربت صرخاته، وأرضٍ باردةٍ تلقت دماءه. رأى نوح في وجه صديقه الشرف المسلوب، والكرامة المهشّمة. عيناه كانتا محمّلتين بما لا يُقال، بما لا تصفه اللغات. وفي ومضةٍ خاطفة، خُيّل لنوح أن الدمع سيغلب عمر، لكنه تماسك، كما لو أن الانكسار ترف لا يليق بمن خرج من الجحيم. تشربت عينا نوح بسخطٍ مكتوم، ليس الغضب الذي يتفجّر بالصراخ، بل ذاك الذي يعتمل في الأعماق كالنار تحت الرماد، حارًا، مؤلمًا، متقدًا بقهرٍ لا يهدأ. أصبح عمر، جسدًا متماسكًا بالكاد، ووجهًا فقد نضارته، وعينين منكسرتين ميتتين تحوّلتا إلى مرآتين تعكسان خرابًا لا يُرمم. شعر نوح بشيءٍ يتمزق في وجدانه، شيء لا مسمى له لأنه أكبر من الحسرة، أوسع من الشفقة، وأشد من السخط. شدّ على قبضته حتى أبيضّت مفاصله، وهو ينظر لعمر نظرًا لا يخلو من حنوٍّ شحيح، ويحمل وعدًا صامتًا بالثأر. تهاوت في داخله كل دعوات التروّي، ولم يبقَ إلا عزمٌ يشبه الحُكم، عزم لا رجعة فيه. اقترب نوح من عمر، وقال بصوت ضعيف ولكنه صارم، كأنما يصدر من صخرٍ متصدّع ونظرات تفيض باحتدام عظيم: _أقسم بالله يا عمر، ما حد هيقتل أدهم غيرك! نظر عمر إلى نوح، ليردف الأخير: _استنى بس اليوم ده... لما تاخد حقك بإيدك منه، انت بس اللي هتقتله ومش حد تاني.. والله العظيم ما هسمح لحد تاني يقتله غيرك.. اعمل حسابك لدا! كانت نبرته كالسيف إذا نطق. لا يوجد فيها وعود جوفاء، رلا انفعالات مسرحية... فقط يقين قاتل، يقين مُعدٍ انتقل لقلب عمر الذي سكنت نظراته في ثقة وهو يقول بهدوء: _ما دام حلفت... فماشي هستنى... وفي الغرفة الأخرى تقف غادة وأقصى أنواع الصدمة تعتليها وهي تقول بأعين جاحظة لا تطرف وبصوت خافت يظهر عظمة ذهولها: _انتِ بتهزري صح؟ وقفت شيماء هي الأخرى التي أجهشت بالبكاء: _أنا آسفة يا غادة، والله أنا أستاهل كل حاجة وحشة... والحمد لله إنك انتِ ومريم بخير، عشان أنا مكنتش هقدر أكمل العيشة دي لو حصلكوا حاجة. كانت الصدمة والتحسر بينهما تخنق الأرواح. ظلت تحملق في شيماء بعينين تائهتين بين الغضب والخذلان، لا تكاد تصدّق ما سمعته للتو. شيماء، الفتاة صاحبة القلب الرقيق والروح الهشة التي لا تجرح بعوضة، هي نفسها من سلّمتها للسواد، من قادتها إلى ذلك القبر المزيّن الذي حبس أنفاسها أسبوعًا كاملًا. ورغم اختناق الدموع في عيني شيماء وانكسارها، لم يشفِ ذلك جرحًا انفتح داخل غادة ولم يُغلق بعد. لكن رغم ذلك، ارتجاف صوت شيماء وارتجاف يديها وهي تستعطف الغفران، أيقظ في غادة إحساسًا دفينًا بالعذر. لم يكن عذرًا كاملاً، ولا غفرانًا نقيًّا، بل كان مزيجًا مريرًا من الألم والتفهّم، من إدراك أن الخوف قد يدفع الإنسان إلى ما لا يتصوّره. شعرت غادة بشيء من الشفقة يتسلل رغمًا عنها، فابتلعت ريقها بعسر، وحاولت أن تتمالك فيض مشاعرها وهي تقول: _خلاص يا شيماء... حصل خير، أصل حياتنا كلها غريبة ومحدش يقدر يعمل فيها حاجة غير إنه يمشي ورا غريزة بقاءه... انتِ كنتي لوحدك... بس لو كنتي قولتيلنا، ونوح عرف، كان اتصرف من غير كل ده يا شيماء... مسحت شيماء دموعها وهي تقول: _والله مكنتش أعرف إنه يقدر يعمل حاجة، والله لو حصل أي حاجة تاني هبقى أقولك، والله مش هخبي عنك ولا هتصرف من دماغي تاني، والله. سكتت غادة برهة، وعقلها مشتت، وتوغلت مشاعر الخوف حيال شيماء وسألتها: _طب يا شيماء، هما كده هيسيبوكي؟ محدش هيأذيكي ولا هيأذي ابنك؟ أنا خايفة عليكي، دول مبيرحموش حد... شفتي عملوا إيه في هدى وهالة وفلوريان؟ أرجوكي خلي بالك من نفسك، وأنا هقول لنوح يحاول يحميكي بأي شكل. قالت شيماء في ارتجافة عظيمة في حنجرتها، محاولة كبح هلعها: _سيبيها على الله... أكيد هما هيسيبوني خلاص بعد ما عملت اللي هما طلبوه... مش بإيدي إن الموضوع فشل. *********** _أبو شوقي... أبو شوقي... انت فين؟ كان جمال يجثو بين الأنقاض كبقية الجنود، يلملم بيديه أشلاء كلاب الحراسة ورفات القطط التي طالما اعتنى بها، وعيناه تمسحان المكان بتوتر، يبحث عن قطه العزيز "أبو شوقي"، ذلك الصديق الذي لم يفارقه يومًا. قلبه مثقل بالخوف، ورئتاه تنكمشان في محاولة منها لرفض احتمال الفقد. وفجأة، بين الركام، دوّى مواء خافت، كنداء نجاة. التفت بسرعة، وإذا به يخرج أبو شوقي بخطى متعثرة، ملوّث الغُرّة، لكنّ عينيه ما زالتا تلمعان بالحياة. تضخمت ابتسامة جمال الحبورة وأشرقت وجهه، وركض نحوه، حمله وضمه بقوة كما لو أنّه يتحضن فلذة كبده. _الحمد لله يا رب، الحمد لله... ربنا نجاك للمرة التانية يالا! في تلك اللحظة أتى عماد إلى جمال وهو يقول: _جمال بيه... موريس صحي وطلب يشوفك ضروري. التفت جمال وقال في ذهول: _صحي؟ هو كويس؟ قال عماد وهو يتجنب النظر في عيني جمال بتوتر: _ا... آه، كويس... وهو محتاجك دلوقتي. لم يرتح جمال لنظرات عماد وارتباكه، لكنه تجاهل الأمر، ظنًّا منه أنه ارتباك بسبب الحرب، فأعطاه القط وهو يقول: _خلي بالك منه. ثم ذهب وتركه، وتبعه عماد بنظرات فيها من الندم أكثر مما فيها من الخبث، نظرات غير مريحة تدل على عزمه على فعل أمرٍ ما. بعد بضع ساعات مع صباح العيد، بعد يوم انجلاء سُحب المعركة، وفي لحظةٍ بدت كأنها تنتمي إلى عالمٍ آخر غير ذاك الذي عرفوه تحت وابل الرصاص وصليل الحديد، انتقلت الصورة إلى مدينة الواحات الخارجة، عاصمة محافظة الوادي الجديد؛ حيث ارتفعت جدران المستشفى الحكومي هناك كحارس صامت يحتضن أوجاع المنتصرين. كان المكان يغصُّ بأصوات الألم، وتئنُّ أروقته من كثرة الخطى المتعجلة والمحمولة على وجوهٍ شاحبة، تحمله الدماء والدموع، وتوشيه الحروق والشظايا. أُفرغت غرف العناية المشددة من روتينها الطبي المعتاد، وأصبحت بؤرًا مزدحمة بالأنين الرجولي، الأنين الذي لا يُنطق به، بل يُكتم بين الأسنان، ويُترجم فقط في اهتزازات خفيفة لأصابع محترقة أو ارتجافات جفون فقدت النوم لأيام. كان حمدي طبيب المعسكر الذي لم يكلّ ولم يُنهك أبدًا رغم إنهاك الجنود، قد انحنى على الجرحى، يغيّر الضمادات، يمسح دمًا، ويهمس بذكر ودعاء صبر لا يسمعها سواه، وذلك بعد أن قضى اليوم كله يساعد في عمليات البتر والجراحة وإخراج الرصاص والبارود من أجساد أصدقائه. تمرّ الممرضات والممرضون مسرعين بين الأَسِرّة، يحملون الحقن والحقائب الوريدية وكأنهن يحملون الحياة في كفوفهم، يتنقلون على عجل فوق أرضٍ تفوح منها رائحة الأمل والدم. أما الجنود، أولئك الذين خرجوا من بطون الجبال كالأُسود، فقد استلقوا الآن على أسِرَّة بيضاء، ومنهم من نام على الأرض المفترشة، يحدقون في السقف الصامت كأنهم يتأملون السماء التي ناصرتهم. وجوههم تتشرب بمزيج عجيب من الشحوب والفخر، أجسادهم المثقلة بالجراح تحاول التماسك، وبعضهم يرفع سبابته هامسًا بالشهادة في لحنٍ شجيٍّ كآخر صدى للمعركة. غرفة العناية المشددة كانت أشبه بساحة حربٍ جديدة، لكن دون طلقات... فقط صراع صامت بين الحياة والموت، بين الألم والتجلّد، بين من فقد ذراعًا وابتسم، ومن كُسرت ساقاه وما زال يحمد الله، ومن عادت له الذاكرة بين الغيبوبات فجأة فبكى، لا من ألم الجرح، بل من وطأة النجاة. بقيت رائحة المعركة عالقة في الهواء، ممزوجة برائحة المطهرات والعرق والصبر، وكان النصر لا يزال حيًّا، يتنفس في أروقة المستشفى، على هيئة ضمادات مشدودة بإتقان، في حضن ممرض لجندي يتأوه كطفل، واهتمام طبيبٍ ينحني على جرح لا يُرجى له شفاء. وهنا على أحد الأسرة البيضاء، كانت سعدية ترقد في هدوءٍ ثقيل، مغمضة الجفون، ملامحها ساكنة كمن أرهقه النحيب حتى نام. حولها أجهزة تتابع نبض القلب والتنفس، شاهدة على أن الحياة ما زالت تسري فيها، ولو ببطءٍ يشبه الزحف. الشحوب قد غلّف وجهها، لكن في قسماته ظلّ من أنوثةٍ لم تطفئها المحن، كزهرة نبتت بين أنقاضٍ ولم تذبل. بجوارها جلس أحمد، مطأطئ الرأس، يكاد جسده ينكمش من التعب والسهر، وعيناه تلاحقان تقلبات أنفاسها. لم يتحرك، لم يتكلم، فقط ظلّ يشهد صراعها الصامت بين الموت والحياة. وبين ضجيج الجرحى، وصراخ الألم المبعثر في الأروقة. انزل ببصره على يديه وهو ممسك بسماعات أذنيها الطبية، تلك السماعات التي ارتدتها سعدية قبل الحرب وساعدتها على سماع وقع أقدام صاحب القناع وقاومته بدلًا ان يقتلها بغتة، وسماع ذعر الجنود على مصطفى مما أرسل الله معجزته بواسطتها. كان أحمد يحدق في السماعات بحيرة طفيفة... حيث لا يتذكر متى تم إعطاؤها إياها وكيف، تلك السماعات أنقذتها وأنقذتهم. _وليد... إيه اللي قومك يا بني؟ ارجع ارتاح. _معلش يا دكتور عايز أتطمن على صحابي بس. سمع أحمد صوت حمدي ووليد خارج تلك الزاوية من العناية فنهض وأزاح الستار ليجد أمامه وليد... بعكازين... وقدم واحدة. اتسعت أعين أحمد في صدمة عارمة وهو يتمتم: _وليد... رجلك... حين رأى وليد أحمد تقدم إليه مبتسمًا وهو يقول: _أحمد... أنت كويس؟ سعدية كويسة؟ ظل أحمد يحدق في قدم وليد المبتورة، وذلك الأخير رآه ممسكًا بالسماعات ليقول له: _هي لبستهم؟ سمعت بيهم ولا لا؟ أصل حمدي ساعدني في أني أجيب دكتور أنف وأذن للمعسكر قبل الحرب بيومين وبعدما كشف عليها نصحنا نجيب السماعات دي هتخليها تسمع بنسبة بسيطة جدًا، وجبناها قبل الحرب بـ ١٢ ساعة. فادتها ولا لا؟ لم ينبس أحمد ببنت شفة، وبصره يتنقل بين ساق وليد ووجهه، ولم يقدر أحمد على الإجابة بشيء سوى أنه احتضنه وضمه بقوة وهو يقول بنبرة مفعمة بالامتنان: _شكرًا يا وليد... شكرًا... ابتسم وليد، ولكن سرعان ما اختفت ابتسامته حين أطل من المسافة المفتوحة من الستار المطلة على سرير سعدية، وبدأ يتأمل جمالها الملائكي وهي نائمة حتى شعر أنه انتقل لمكان صامت ساكن لا يوجد فيه سواه هو ووجهها الفاتن. انقطع تأمله في وجهها ابتعاد أحمد عنه وصوت جلال وهو يسلم عليهم ويسأل حمدي: _خير، موريس فين؟ عايزني ليه؟ تعجب حمدي وعقد حاجبيه وهو يقول: _مين ده اللي عايزك؟ _عماد جيه وقالي إن موريس طالبني... هو كويس؟ _أه، كويس وحالته مستقرة بس هو مصحاش لحد دلوقتي بشكل كامل وعيه بيروح وبييجي ومتكلمش خالص. _متكلمش خالص إزاي؟ اومال ليه عماد... سكت جمال فجأة في لحظة استيعاب حادة مقبضة، ويظهر من اتساع عينيه أنه أدرك مصيبة كانت غائبة، ليقول حمدي قلقًا: _في إيه يا جمال؟ ليه عماد قالك كده؟! جمال... التفت جمال تاركًا إياهم وهو يسرع في خطاه خارج المستشفى، وفي كل خطوة كان يزيد من سرعته، من هرولة إلى ركض، ركض بكل ما أوتيه من قوة ليصل إلى دراجته وينطلق على أمل أن يصل إلى مصطفى قبل أن يقع تحت رحمة الخونة. ********** _أيوة يا بنتي، انتِ فين؟ كانت هاجر تقف بعيدًا عن الحشود المستعدين لصلاة العيد في المكان الذي اتفقا سويًا على ان يلتقيا فيه، تحدّق في المكان حولها محاولة منها لالتقاط غادة من بينهم، وهي متلهفة بحق لرؤية لرؤيتها بعد غيابها الطويل. _انتِ لابسة عباية لونها إيه طيب؟ سألتها غادة هذا السؤال، فأجابت هاجر: _بيچ في أسود كده. توقفت غادة واتسعت عيناها وترقرقت حين أخيرًا رأت هاجر، وقالت بصوت مرتجف: _أيوة، أيوة، شوفتك، عرفتك من كتافك العريضة، لفّي بقا وهتشوفيني. وما إن التفتت هاجر، حتى وقعت عيناها على غادة... كان بينهما بحر من الحشود، أمواج من الناس يتهامسون ويكبّرون استعدادًا للصلاة، ولكنّ عيني هاجر لم ترَ سواها... هناك، على الضفّة الأخرى من الزحام، وقفت غادة كقمرٍ ينتظر من يُبصره. وما إن التقت نظراتهم، حتى وتلاشت الوجوه من حول هاجر. عرضت ابتسامته هاجر في بهجةٍ وحبورٍ عظيم، وانقبض قلبها لحظةً، ثم انفجر دفعة واحدة، وأطلقت قدميها للريح راكضةً إليها، اندفعت كالسهم تخترق صفوف الناس، لا تُبالي بمن تزاحمها أو بمن يلتفتُ مذهولًا، باسطة ذراعيها كمن يعود إلى حضن الحياة ذاتها. وصلت إليها، فلم تستأذن في العناق، بل احتضنتها بضربةٍ قوية كادت أن تسقطهما سويًا، لكنها رفعتها عن الأرض، ودارت بها كطقسٍ خاص للاحتفال بعيد عودتها، وكلاهما يقهقه في ابتهاجٍ عظيم. هنا، كان كلٌّ من عمر ونوح وشيماء يتقدّمون مبتسمين فرحين بهذا المشهد اللطيف، وقال نوح، الذي كان مسندًا على عمر من إرهاقه: _براحة عالبت لا تكسريها... ده أنا ما حضنتهاش كده! ضحكوا كلهم، ووضعت هاجر غادة أرضًا، ونظرت إليها بأعينٍ ضاحكةٍ مذهولة، تحدّق في ملامحهل محاولةً استيعاب حضورها، ذلك الحضور الذي كان بوابة انفتحت على ذاكرة هاجر، فاندفعت الذكريات من خلفها كالسيل، لا يوقف ولا يُرَدّ. تذكّرت حين ضاقت بها الأرض، حين هربت من الجحيم الدنيوي الذي كان مثواها الوحيد، ولم يكن لها في هذه الدنيا موطئ قدم، حين كان التيه يلتفّ حولها كعباءة بالية، والشكّ وجلد الذات ينحتان في قلبها بلا رحمة. في ذلك الوقت، كانت غادة وحدها من مدّت يدها دون تردّد، وفتحت باب بيتها لتأوي فيه. لم ولن تنسَ هاجر البتة أن غادة... هي أول من آوى قلب هاجر قبل جسدها. كانت الدار التي لم تُولد فيها، لكنها وُلدت فيها من جديد. هناك، حيث وُضعت أمامها منشفة نظيفة، ومياه دافئة، وصابون برائحة مطمئنة، وجعلتها تشعر بشعور المتعة الظاهرة لأول مرة في حياتها. حينها، لم ترَ هاجر أن الأمر مجرد استحمام، بل كان تطهيرًا من ماضٍ موحل، بماءٍ زرع في قلبها وعقلها أمل اللقاء بعائلتها، وتعميدًا لحياةٍ جديدة. في كل لحظة عاشت فيها هاجر مع غادة، كانت تتعلم كيف تعيش بدون وهم النجاة الذي يجعلها تزهق الأرواح. كيف تبتسم بحق، دون أن تُجبَر على ذلك لإثبات أنها قوية، كيف تفتح قلبها دون أن تتوجّس من نجاسة، كيف تبكي، كيف تكون أنثى، كيف تكون عادية، كيف تكون على فطرتها. كانت غادة هي من جعلتها تصدّق، ولأول مرة، أن هناك من يحبّها لأنها هي ، لا لشيءٍ آخر. لم ولن تنسَ هاجر البتة أنه بفضل الله، ثم غادة، استطاعت أن تستجمع أخواتها وعائلتها كما تمنت. كانت غادة، دون أن تدري، تمسك بالخيوط المنفرطة من قلب هاجر، وتعيد حياكتها بخيوطٍ من دفءٍ وصدق. ذرفت هاجر الدموع حين عادت تلك الذكريات إلى عقلها كما تعودها يوميًا منذ فقدانها، وقالت وهي تتشبث بذراعيها بنبرةٍ منكسرة لم يسمعوها منها من قبل: _متسيبنيش تاني يا غادة... والله حاسة إني ضيعت أمي. اختفت ابتسامة غادة من دهشتها العارمة من وصف هاجر لها وتصرفها، لتعود وتضمّها إليها وهي تقول: _مش هسيبك يا حبيبتي، والله مش هسيبك. حين ضمّتها بين ذراعيها، أحسّت هاجر كأنها تعانق كل تلك اللحظات الأولى… كل لحظة شعرت فيها بأنها تنتمي لأحدٍ أخيرًا، بأنها عادية، بأنها ليست مجرمة قذرة. ذلك العناق كان عودة كاملة إلى كل ما أعاد بناءها من الأساس، إلى اليد التي انتشلتها من ظلامها، ومسحت عنها غبار الانكسار، وأخبرتها، دون أن تتكلم، أن لها في هذا العالم مكانًا، وبيتًا، وقلبًا يحبها بصدق. مرّ الوقت، وبدأت الصلاة، وارتفعت التكبيرات في الأرجاء كنداءٍ من السماء يوقظ القلوب من غفلتها. اصطفت الجموع في سكينة، أكتاف تلامس أكتافًا، وقلوب تتسابق في الخشوع، والسماء تميل بنورها على الأرض تبارك الجمع. ركع الجميع وسجدوا في تناغمٍ مبهر، تُغلفهم سحابة من السكون العذب، وتعلو وجوههم مسحة من الطمأنينة. كان العيد حاضرًا بكل طقوسه، لا في الزينة ولا في الأناشيد فقط، بل في لحظة السجود تلك، حين تماهى الجمع في صوتٍ واحد، ونبضٍ واحد، وروحٍ واحدة تتضرّع للرحمن. _مراتك، شعرها هيروح. صوت خرق مسمع عمر فجأة أثناء صلاته، كان واضحًا ومسموعًا بوضوح، لا يعرف أين مصدره، ولكن حين رفع بصره كحركةٍ تلقائية، وجده واقفًا بين المصلّين، ذلك الرجل صاحب القناع، وكل المصلين مقطوعوا الرأس، والدماء تخضب جلابيبهم البيضاء. تحجّر عمر في صدمةٍ مكبوحة، ورمش بقوة على أمل أن يختفي هذا المشهد البشع، ولحسن الحظ اختفى في لحظتها... ولكن مقابل ذلك... فجأة، شعر بموجة غامضة تتسلّل إلى صدره، موجة ليست من هواءٍ ولا ماء، بل من هلعٍ خام، نقي، ينبض كوحشٍ استيقظ من سباته. بدأ قلبه يترجرج بعنف، كما لو أنها طبول الحرب تدقّ في صدره، ضرباتٍ متسارعة، متداخلة، تهدد بتمزيق رئتيه التي سارعت في الانكماش بالفعل. كان الكلّ حوله يركع ويسجد، وهو ثابت. شعر أنه فقد الشعور بكل شيء، حاول أن يتنفس، لكن الهواء خانه كما خانته رئتاه. بدأ يلهث، صدره يضيق، والأكسجين يتسرب من بين أصابعه كرملٍ ناعم. وبشكلٍ غريب، خرج من الصلاة واتجه إلى أقرب رصيف وجلس عليه، وعيناه لا تطرفان من هول ما يشعر به حاليًا. فما اقتحم روح عمر ليس شيئًا سوى نوبة هلع... شعر بأن العالم يتقلص، يصبح زنزانةً صغيرة، وهو أسير فيها، عاجز عن الهروب. يداه تصطكان، والتعرق البارد غرق جبينه كما لو أن جسده يبكي بدلًا من عينيه المتحجرتين. ثم جاء الألم، ألم غامض في صدره، كيدٍ خفية تعتصر قلبه وتوخزه بأظافرها. وضع يده على صدره في محاولة بائسة من تخفيف الحمم بداخله ولكن كان الأمر عسيرًا. رغم خبرته الطويلة في دراسة نوبات الهلع، فقد فوجئ بقوة اقتحامها إليه، لكنه سرعان ما استحضر معرفته. أغمض عينيه، واستند إلى الحائط، وبدأ يتنفس ببطء وفق تقنية "٤-٧-٨": استنشاق لأربع ثوانٍ، حبس النفس لسبع، وزفير لثمانٍ. همس لنفسه أن هذه مجرد نوبة عابرة ستمضي، مستخدمًا التأكيدات المعرفية لتحييد أفكار الخطر. هنا، انتهى المصلون، وأتى نوح إليه بسرعة، وهو يقول: _مالك يا عمر؟ حاسس بإيه؟ لم يستطع عمر الرد، فأشار بيده أنه بخير، وبدأ يُركّز على لمسات يده على سجادة الصلاة المزخرفة الخاصة بنوح، ويُنصت لأصوات الناس وهم يتحدّثون حوله وتحركاتهم، ليُعيد نفسه إلى الواقع. وفي خلال دقائق، هدأت العاصفة، واستعاد أنفاسه، لكنه شعر بإرهاقٍ خفيف. وحين استعاد وعيه، قال لنوح: _بانك اتاك. عقد نوح حاجبيه في تعجب، وهو يقول هازئًا: _هي دي البانك اتاك بتاعتك؟ حتى في الهلع هادي؟ ابتسم عمر وهو يقول: _دي البانك اتاك الطبيعية... انت اللي مجنون. _أخ، لو كنت أعرف إنها جتلك، والله لأروح السوق مخصوص أجيب بصلة وأطفحهالك. ما تفتكرش إني ناسي على فكرة، أنا آه عندي زهايمر، بس في دي لا! ضحك عمر، ليضحك نوح هو الآخر، ويقف بصعوبة، ويمدّ عمر يده، وهو يقول: _اسندني بقا، عشان حاسس إني لسه دايخ. مدّ نوح كفّه، وأمسك عمر بها، وجذبه لتساعده على النهوض، ولكن بدلًا من ذلك، سقط نوح فوقه من وهن جسده بسبب الحمى، لتنطلق ضحكاتهما وقهقهتهما سويًا من غلبة أمرهما وضعفهما، رغم أنهما رجلان بالغان. وفي تلك اللحظة، أتت كلٌّ من شيماء وهاجر وغادة وهنّ مبتسمات في حيرة من وضعهم، وقال نوح: _بقولك إيه يا هاجر؟ ما تشيلينا أنا والراجل ده؟ مش صعبة عليكي. قالت هاجر في شماتة: _ما عنديش مانع، بوس إيدي الأول. ضرب نوح يدها، وأثناء تلك الأجواء المفعمة بالبهجة، حدّق عمر في زوجته، واندثرت ابتسامته رويدًا رويدًا، فما رآه لم يكن وهْمًا أو عبثًا... ما رآه هو علامة على أن شيماء يقترب منها الخطر بجموح، ويجب أن يحميها بعينيه. ********** في أرض المعسكر، حيث اختلط وهج الشمس برماد الحرائق، وحيث لا يزال الدخان يتصاعد من بعض الزوايا كأن الأرض تلفظ أنفاس معاناتها، انبعثت حياة جديدة من بين الركام. الجنود الناجون انتشروا بين الأنقاض، يكدحون بين الحطام، يعاونون رجال الدفاع المدني الذين أتوا مدججين بآلات ضخمة، مستعينين بجرافات ضخمة ورافعات وأجهزة دقيقة تنتشل ما تبقى من المعسكر المحطم. أصوات الآلات تتداخل مع أنين الحديد، ورائحة الرماد تملأ الهواء. تصرخ وهي تزيح أنقاض المباني المتهاوية، تزيح ما دفنته الحرب من أجساد وأحلام. وفي القلب من كل هذا، كان مصطفى وحده، فكل من إسماعيل وياسر عادوا إلى القاهرة بعد أن أخبرهم خبر وفاة ذويهم. مصطفى، الرجل الذي قادهم إلى النصر، كان يكدّ كأحدهم، بل أشد؛ فبانت عليه سحنة الرجال الذين نحتهم الألم، واصطفاهم القدر ليكونوا عونًا لا يُكسر. كان مشمرًا عن ذراعيه، عضلاته المشدودة تشي بقوة جسدية عجيبة. يحمل الأحجار كالريش، ويسير فوق الركام كما يسير الفارس في ساحة الوغى، لا يعرف الوهن إلى مفاصله سبيلاً، كمن يخلع عنه رداء القيادة ليشارك في الولادة الجديدة لنصر عظيم للدين. كان يقود لا بالكلمات بل بالفعل، بالعرق الذي يخالط تراب الأرض المحررة. لكن بين الجنود الناجين والأكتاف المثقلة بالمسؤولية، والأنفاس المتقطعة من المجهود، كانت العيون تلتفت خلسةً إلى مصطفى؛ نظرات لا تحمل فقط الترقب، بل شيئًا أعمق، أخبث. تحت ملامح التعب والولاء المزعوم، اختبأت خيانة خفية، كالسمّ في كأس شراب حلو. عيون تتوارى عن الشمس، لكنّها تنسج في الظلال نية لم يُصرَّح بها بعد. وفي لحظةٍ خاطفة، دوّى في الأثير صوت متزامن من أجهزة اللاسلكي المثبتة على صدور الجنود، كإشارة بإصدار أمرٍ لا رجعة فيه. صوت أشبه بالخنجر حين ينسلّ في الظلال ليغرس في خاصرة الطمأنينة. سمع مصطفى هذا الصوت ولم تسنح له الفرصة ليُمعن التفكير أو ليبني على الظن، إذ سبقه صوت احتكاك معادن الأسلحة، ذلك الصوت الذي لا يُخطئه من خَبِر الحرب، ومن ثم صوت البنادق تُذخّر، وفوهاتها تتوجه نحوه، لا إلى العدو، بل إليه... إلى رأسه. رفع مصطفى رأسه ببطء، كأن الزمن ذاته قد جُمد من هول المشهد، ليستقبل ما لا يُستقبَل، وليمعن النظر حوله ويرى آلاف الجنود حوله وفواهات بنادقهم تجاهه، وليُبصر الوجوه... الوجوه التي رآها تكبر تحت جناحه طيلة الستة أشهر تلك، أولئك الذين رباهم كما يُربى الأمل في زمن اليأس، من علّمهم السجود الصحيح قبل أن يعلمهم حمل السلاح، من غسل عن أرواحهم صدأ الخوف وزرع في قلوبهم بذور الإيمان. أولئك الذين كان يراهم شعاعًا من نصر الله، إذا بهم الآن صفًا صلدًا من البنادق المشهرة نحوه، أعينهم منكّسة، ووجوههم دامعة بالصمت، وصدورٍ مخنوقة بمرارة الأمر، يرفعون عليه السلاح ذاته الذي حملوه يومًا خلفه وبه نصروا. وعماد في المقدمة يقول بصوت جهوري مرتجف: _مصطفى عبدالباقي، وصلنا أمر بإعتقالك من رئيس الأركان، أتمنى ما تقاومش. لم تهتزّ قسمات وجه مصطفى. لم يصيح، لم يسخط، لم يرفع حاجبًا. وحدها ملامحه وقفت كلوحةٍ من الصبر المهيب، عيناه كانتا تتكلّمان، وفي بؤبؤيه شقت دمعة لم تنهمر، دون أن ينكسر. لم يبدُ عليه سوى سكينة الجبال حين تحتمل الريح في شموخٍ لا يُهد. وفي قلبه، اجتاحت المشاعر كموجٍ عاتٍ، خذلان مجبول بالقهر، وغصّة كأنها كخنجر في حلقه. كيف توجه إليه البنادق التي لطالما وجّهها معهم لنصرة المظلوم؟ كيف يُعتقل القائد في ميدانٍ كتب عليه اسم الله بدمه ودم رفاقه؟ أمّا الجنود، فأعينهم كانت تهرب من عينيه؛ ففيها اعترافًا مذنبًا بالعجز والخزي. كانوا يعلمون أن ما يفعلونه ليس طاعةً، بل جرح في كرامة رجل صنعهم من العدم، رجل كانوا، لوهلة، يظنون أنهم لا يخذلونه أبدًا... حتى أمرهم رأس الهرم. في تلك اللحظة، لم يكن ثمة رجل في الأرض أقوى من مصطفى، ولا أعزلَ منه، ولا أشد وحدةً منه. وما إن انتهى صمت المواجهة، حتى رجرجت أرض المعسكر تحت وقع الإطارات، وقد اجتمعت مئات السيارات المدرّعة، تزأر محركاتها وتلمع هياكلها تحت شمس الظهيرة، في مشهد بدت فيه السلطة كوحشٍ معدنيٍّ يبتلع ما يعجز العدل عن تفسيره. اصطفت المركبات، وجُمع الجنود في صمتٍ مشوبٍ بالخزي، ليتجهون جميعًا إلى القصر الجمهوري في العاصمة الإدارية الجديدة، يقتادون معهم القائد الذي صانهم، مصطفى، مكبَّلًا لا بقيود الحديد، بل بخذلان من كانوا يومًا أبناءه. دخل مصطفى إحدى السيارات دون مقاومة، كمن يجرُّ على أكتافه تاريخًا جريحًا، وجلس في صمت، وعينيه كانتا جمرةً من عزيمةٍ لا تخبو. انطلقت السيارات، تاركين خلفهم المعسكر الذي عاشوا فيه وناضلوا فيه تحت قيادة من سيعتقلونه الآن، وفجأة، لمحت أعينهم من المرآة محركًا صغيرًا يلهث خلفهم، كانت دراجةً نارية تتهادى فوق الحصى والتراب، يعتليها جمال، يشقّ الرياح لا يعرف غير الوفاء طريقًا. استلّ عماد سلاحه من نافذة السيارة، يوشك أن يطلق عليه رصاصة تطفئ جنونه المتهور. لكن قال مصطفى بصوت حادٍّ كنصلٍ مغموسٍ بالنار، خرج من صدره كتهديد هادئ يُدوّي: _لو حصله خدش بسيط بس، ممكن أبيدكم كلكم... وانت عارف إنّي أقدر. كان لصوته وزنُ الجبال، فتقفقف عماد لحظة، ثم قرّر أن يطلق الرصاصة على الإطارات، حيث لا يتأذى جمال. اخترقت الطلقة عجلة الدراجة، فاختل توازنها وارتفعت عن الأرض كطائرٍ أُصيب في جناحه، وسقط جمال معها بعنف، وجسده يحتكّ بالرمال والحصى، لكن سرعان ما نهض وهو يهرع خلفهم، وركض بكل ما أوتي من قوةٍ وعزيمة، لاهثًا بالهواء والرمال. رفع مصطفى عينيه من خلف الزجاج، فرآه يهرع خلف السيارات. اطمأن على وجوده سليمًا، ولكنه كان مقهورًا على رؤية صديقه يحارب المنطق، مؤمنًا أن بركضه سيصل إليه ويحرّره. ظلّ جمال يركض وهو يصيح باسم صديقه، حتى بدأت تبتلعه المسافات، وصار صداه همسًا بعيد المدى، إلى أن وصل جمال حدّه، ورأى السيارات تختفي في المدى البعيد، ليتوقّف أخيرًا، منهكًا، محطّمًا، ينهال على ركبتيه فوق التراب، ويلكم الأرض بقبضتيه، ويصرخ صرخةً خرجت من أعماق صدره، صرخة سخط، مرثية للحق حين يُذبح، للولاء حين يُسحق، للحب حين يُسجن. كانت عيناه تفيضان بالقهر، وصوته يُدوّي في الفضاء كسوطٍ يجلد صمت العالم. وتلك الحرقة في قلبه أثبتت للناظرين أن جمال ليس مجرد صديقٍ لمصطفى، بل هو ظلّه الوفي، وقلبه الذي يركض خلفه إن توقّف العالم، وصوته حين يصمت الجميع.
ROMISAA