٩٨ في منزل سليم، بدأ كل من ديميت وسليم وريان في الاستعداد لنزهة صباحية مشرقة يسعدون بها ريان، وقد فرغوا لتوّهم من تناول طعامهم، بينما أجواء الصباح تنبض بنور جديد يشبه صفحة بيضاء تُرسم عليها تفاصيل يوم واعد. لم تكن تلك النزهة التي يستعدون للخروج إليها مجرّد نزهة عابرة، بل كانت محاولة صادقة لزرع البهجة في قلب ريان، ذلك الطفل الذي لم يعرف من الطفولة إلا قضبان الأسر، ولم يذق من الحياة سوى مرارة العزلة والاستبعاد. غير أن الأقدار التي جمعت بينه وبين سليم وديميت، أعادت إليه شيئًا من ملامح العائلة التي طالما ظنها حلمًا بعيدًا. بين دفء ابتسامة ديميت وحنان سليم، كان ريان يعيش للمرة الأولى معنى الانتماء، وكأنه وُلد من جديد داخل هذا البيت الذي احتواه دون شروط. وفي غرفة سليم، حيث شعاع الشمس يتسلل برقة، كان سليم جالسًا على سريره، وأمامه وقف ريان، وكان سليم يساعده في ارتداء ملابسه، بينما يثرثر ريان بحماس طفولي عن الأماكن التي يحلم بزيارتها، والأشياء التي يود شراءها في نزهتهم المرتقبة. _وبدي كمان أجيب VR، بتعرفه؟ ورغم أن سليم يعرف تمامًا ما تعنيه تلك الحروف، إذ إن هذا الجهاز كان قد صُنع قبل أكثر من ثلاثين عامًا في زمنه، إلا أنه ابتسم ابتسامة من يتظاهر بالفضول، ليفتح لريان نافذة يشرح منها ما يحب، فيشعر أنه ذو علم واهتمام. _لا معرفهوش عرفني ايه دا؟ _الـVR هاد نضّارة هيك بتنلبس وبتخليك تعيش حياة تانية، بجسم تاني جُوّا الشاشة، فيك تروح لأي عالم بدّك ياه. رفع سليم حاجبيه بتعجب مصطنع، يبالغ فيه ليزيد من حماسة الطفل: _ياااه، بجد؟ تقدر تروح أي مكان؟ _أي مكان، أي مكان! _وانت عايز تروح فين بقى؟ _بدي روح عالبحر… وروح ع مطعم آكل فيه بيتزا. خفّت ابتسامة سليم قليلًا، ومرّت غمامة حزن خاطفة في عينيه، قبل أن يمدّ يده إلى رأس ريان، يمرّر أنامله على شعره بحنوّ، ويقول بنبرة ثقة فيها حزم وحنان في الوقت ذاته: _حبيبي… إحنا نودّيك كل حتة أنت عايزها من غير نضارة VR. _عنجد؟ _أيوة طبعًا… هنروح النهاردة مطعم ناكل فيه بيتزا، وفي الإجازة نوديك البحر. تألقت عينا ريان بسعادة غامرة، لكنه أصرّ برغبة لا تُقاوم: _بس بدي VR كمان. مشان شوف فريدة منه. هنا شعر سليم بغصة قوية في صدره حاول اخفاءها بإبتلاعه لريقه ثم قال: _من عينيّا يا حبيبي. وما هي إلا دقائق حتى خرج الثلاثة من البيت، وقد انطلقت ضحكات ريان تتردد في أرجاء المكان، بينما كانوا يسيرون نحو صباح جديد، يحمل في طيّاته وعدًا بالفرح، ونزهة تشبه الحلم، كُتبت خصيصًا لقلبٍ صغير لم يذق من الحياة إلا القليل. *********** «نيجي بقى للآية ٢٦ من سورة النازعات، الآية اللي حيرت بعض من علماء التفسير، وبيقول أستاذ فاضل سليمان إنه قعد أكتر من ٤ ساعات يتفكر فيها ويبحث لها عن التفسير الأوضح، والآية هي: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}. المفروض الآية بتبين إن اللي عنده خشية من الله هو اللي هياخد قصة موسى وفرعون عبرة. لكن لما تفكر شوية فيها هتستوعب إن هي أصلاً نازلة لكفار قريش. فازاي الكفار اللي بيعبدوا أصنام ومش بيصدقوا النبي أصلاً ولا يؤمنوا بكلامه، هياخدوا عبرة من القصة دي؟ وهيخشوا من الله؟ إزاي تيجي؟! اللي ممكن الناس تفهمه إن الشخص ياخد العبرة أولًا بعدين يخشى الله، وده اللي الآية قصدته صح؟ بس لأ، لما تيجي تقرأها تاني {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} يعني المفهوم من ظاهر اللفظ إن الخشية لو موجودة، الإنسان هياخد العبرة مش العكس... طب إزاي برضو؟ الآية نازلة لكفار بيعبدوا صنم أو بقر أو أي حاجة، فهما هيبقى عنده خشية من الله إزاي عشان ياخدوا من القصة عبرة؟ ولو الكافر أصلاً عنده خشية، فالآية دي نازلة ليه بقى؟ هتكون نازلة للمسلمين وبس؟» في منزلٍ خفتت فيه الضحكات منذ زمن، وسكنت جدرانه حكاية فتاةٍ جميلة قُتلت ظلمًا، جلس موريس في العتمة، ورقعة طبية بيضاء تُغطي عينه المسلوبة، وتُخفي ما تبقى من جسدٍ خاض حربًا رابحة، لكنه لا يعلم إن كان خرج منها منتصرًا حقًا أم لا. كان هاتف فلوريان بين يديه، يحمل آثار أصابعها، شقيقته، ورفيقته، من اختُطفت من الحياة في لحظة عبثية، وتركت له وراءها أثرًا يُشبه الحريق: مذكرات في هاتفها ممتلئة بها، بأفكارها المكتوبة، بأحلامها المؤجلة، بصراخها المكتوم، وببحثها عن الحقيقة والاستقرار، الذي لطالما بحثا عنه معًا. وفي الخلفية، كان صوت مصطفى ينساب من حاسوبه اللوحي الآخر، يشرح آيةً من كتاب الله، آية كتبت فلوريان عنها في ملاحظاتها على الهاتف أنها هزّت شيئًا عميقًا فيها، فأراد موريس أن يراها بعينيها، أن يسمع ما سمعته، ربما ليقترب منها، أو ليشعر بالاستقرار الذي هرعت للوصول إليه لسنين. «المضارع في العموم في العربي والإنجليزي يفيد الحال والمستقبل، مثلًا: جملة "من يذاكر سينجح"، وهنا المضارع يفيد المستقبل. فلما نيجي نطبق ده بقى على الآية الكريمة: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}، يعني اللي هياخد العبرة هو من سيخشى الله في المستقبل. يعني تاخد العبرة الأول، وده الرأي اللي وصله معظم علماء التفسير، بس برضو في علماء تانيين كانوا متمسكين بظاهر لفظ الآية اللي بيبين إن الخشية لو موجودة هي اللي هتسبب العبرة، مش كده؟ وده مش مقبول، لإننا لو افترضنا إن الملحد أو الكافر عنده خشية من الله، فده شيء مستحيل ومينفعش ومكانش هيبقا كافر ولا ملحد اصلًا... بس فيه مفسرين أخدوا بالهم من حتة بقى» صوت مصطفى كان أشبه بمفتاحٍ فتح مغاليقًا في صدر موريس. تحرّك في مقعده، وانتبه للكلمات كما لو أنها تُقال له شخصيًا؛ فقلبه تواقًا لأي بصيصٍ يرشده، يعيد إليه اتزانه الذي زعزعته الحرب، وخسارته، وبصره الذي انطفأ في لحظة لهب. وأردف مصطفى بقوله: «أخدوا بالهم إن الآية مبتقولش "لِمَن يَخْشَى الله"، {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} وبس... مقالتش "يخشى الله"، طب هل ممكن الملحد أو الكافر يخشى حاجة تانية؟... والإجابة هي: آه، ممكن الكافر أو الملحد يخشى إنه يكون على الطريق الغلط، أو الديانة الغلط، أو المنهج الغلط. تيجي بقى تطبّق ده على الآية، هتفهمها بشكل تاني وأحسن تمامًا: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}، يخشى يكون غلط في أسلوب حياته ودينه ومعتقداته، بالتالي خشيته دي هتخليه يدور ويبحث عن الحق والطريق الصحيح والدين الصحيح. {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} يعني لمن يخشى أن يكون في ضلال في دينه ويبحث عن الحقيقة، فنتيجة كده هياخد العبرة من قصص القرآن والأنبياء، وبعد ما ياخد العبرة تيجي الخشية التانية وهي خشية الله بعد ما يؤمن ويهتدي، وبعد ما يهتدي هيتزكّى. وده يخلينا نرجع لآيات موسى لما قال لفرعون: {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ}....» شعر موريس حينها أن شيئًا ما في داخله يتحرّك... لم تكن مجرد تأملات في آية، بل كانت نافذةً، شقًّا في جدار الصمت واللاجدوى الذي حاصره منذ قُتلت فلوريان. شعوره بالخواء بدأ يتلون، ويتحول من سوادٍ خالص إلى سؤال، من موتٍ داخلي إلى بحث. في تلك اللحظة قرع جرس باب منزل موريس، فأوقف المقطع، ثم أغلق هاتفها ببطء، وكأنه يودع شقيقته من جديد، ونهض بخطى ثقيلة، ثم توجه نحو الباب وفتحه. كان الطارق إبرام، صديقه الذي جاء من أقصى الغربة، عائدًا من إيطاليا، وقد حمل في عينيه شيئًا يشبه الوطن المؤقت، أو النجاة الممكنة. تطلّع إلى وجه موريس، ثم وقعت عيناه على الرقعة التي تُغطي عينه، فتهدّج صدره دون أن ينبس بحرف، ولم يفعل شيئًا سوى أنه تقدّم، وفتح ذراعيه، وضمه بقوة محاولًا أن يُلصق ما تفتّت من روحه. وهنا انهار موريس في حضن إبرام... يبكي كـانسكاب رجلٍ أُفرغ من الحياة، وكبكاء المقاتل الذي سقط سيفه، وبقي يحمل جثة أحبّ من عرف، كان رجلًا يبحث عن طُهرٍ ضائع في ركام الحرب، رجلًا لم تعد لديه إلا العبرة. هدّأه إبرام، ثم جلسا سويًا في الصالة، يخيّم عليهما صمت ثقيل يتخلله أنين القلب المنكسر. وبعد لحظات بدأ إبرام يواسيه، قبل أن يقول بنبرة يغلفها الندم: _أنا آسف يا موريس... أنا مقصر معاك أوي.. كان لازم أسفركم معايا قبل ما يحصل اللي حصل. قال موريس بعدما جفّف دموعه لكن أثرها باقٍ، ثم قال بصوت هادئ لا يزال يحمل ارتعاشة الألم: _السفر مكانش هيفيد، وبعدين متشغلش بالك، أنت لا مقصر ولا حاجة... كتر خيرك، دي عيلة أمي وأبويا ما قالوش الكلمة دي لينا... حسسونا إننا لقطاء. اهي البت ماتت وسابتهم وسابت مشاكلهم وارتاحت... أو معرفش ارتاحت ولا لأ. عقد إبرام حاجبيه متسائلًا، وهو يقول: _يعني إيه معرفش ارتاحت ولا لأ؟ أكيد ارتاحت يا حبيبي، متخليش مخك يطلع الوساوس دي. سكت موريس، وتغشى عينيه نظرة شاردة، ثم قال: _أول ما دخلت البيت، قعدت في أوضتها مدة طويلة... وأسمع صوتها في الريكوردات اللي بعتتهالي. فضلت أسمع صوتها كتير وأشوف صورها كتير... بس مشبعتش منهل. فقررت أفتح الnotes في موبايلها واقرأ كلامها واتخيلها متحكيه... واكتشفت حاجة ما توقعتهاش خالص. _إيه؟ _فلوريان.. فلوريان أسلمت يا إبرام من خمس سنين من غير ما أعرف... كانت بتصلي وبتقرأ قرآن وعايشة على كدة من ورايا وورا العالم كدة! ارتسمت على وجه إبرام علامات اللا مبالاة الظاهرة، وإن كان داخله يضطرب من وقع الكلمة؛ إلا أن اهتمامه الحقيقي كان بموريس لا بخبر إسلام فلوريان. فقال بهدوء: _إنت متضايق عشان هي أسلمت ولا عشان هي ما قالتلكش؟ _ماعرفش.. ماعرفش يا إبرام، ماعرفش... حاسس إني عاذرها في الحالتين، هي كتبت رحلتها الكاملة في إنها تدور على الاستقرار والرضا من خلال البحث عن الدين اللي يريحها وشافت ده في الإسلام... لأنها تابعت أجانب برضو كانوا مسيحيين وأسلموا منهم واحدة اسمها Lily Jay. فيديوهاتها قديمة من عشرين سنة بس هي لسة اكتشفتها دلوقتي وأنا مندهش إنها دورت أوي كده وتعمقت أوي كده من غير ما ترجعلي أو تشاركني على الأقل! _يمكن كانت مستنياكم تطلعوا من العصابة دي أو إن الحرب تخلص وتحس بأمان بعدين تقولك. ظل موريس صامتًا، ثم نظر إلى إبرام نظرة غامضة، تعتصرها الحيرة والخذلان، قبل أن ينطق: _إنت مش متضايق منها؟ مش متضايق إنها غيرت دينها بالسهولة دي؟ ساد الصمت بينهما، كأن الهواء ذاته توقف ليترقب إجابة إبرام، الذي قال بعد لحظة: _والله يا موريس... أنا كإبرام شخصيًا مش مهتم لو أختي غيرت دينها حتى لو بقت بوذية، عادي. كل إنسان ليه حق يختار طريقة اللي يمشي بيه حياته واللي يرتاح فيه. لكن موريس لم يكن يبحث عن رأي حيادي، بل عن تفاعل، عن تفسير لغصة تملأ صدره، فقال بانفعال: _بس هي مختارتش تبقى مسلمة لمجرد الاختيار أو التغيير أو الراحة يا إبرام، هي اختارته عشان هي اقتنعت إن دي الحاجة الصح مش ليها بس، لا للناس كلها.. وكل الإجابات اللي شافتها والردود المنطقية على الشبهات اللي راودت الناس عن الإسلام والتفاسير المنطقية والفلسفية واللغوية للدين كل دا هي كتبته واقتنعت بيه وخلاها تسلم تماما. _طب أنا مش فاهم دلوقتي إيه اللي يعصبك، يعني مكنتش أعرف إنك متدين عشان تتعصب كده. _هو لازم أكون متدين عشان أتعصب لديني؟ سكت إبرام، وقد فاجأه سؤال موريس الذي بدا كأنه لا يبحث عن ردّ بقدر ما يعبر عن ارتباك داخلي، عن صراع لم يُحسم بعد. وحين طال صمت إبرام، سأله بهدوء: _طب بما إنك قرأت اللي هي كتبته واللي هي بحثت عنه... هل اقتنعت زي ما هي اقتنعت؟ ساد صمت ثقيل، تاه فيه موريس بين ماضيه ومعتقداته الراسخة، وبين ما عاشه وما سمعه وما قرأه، ثم ابتلع ريقه وقال: _أنا قعدت بينهم لمدة ست شهور بحالهم، سمعت قرآنهم، سمعت أحاديث رسولهم، شوفت تصرفاتهم الحلوة وتصرفاتهم الوحشة اللي الصالحين منهم بينكروا عليهم وبيحاولوا يصلحوهم، أنا حاربت معاهم وواجهت الموت جنبهم وخسرت عيني معاهم وأنا مش ندمان على كده، وبحكم القعاد معاهم لمدة طويلة طبيعي هشوف كلامهم ودينهم منطقي، بس أنا لو قعدت المدة دي مع مسيحيين أكيد هتمسك بديني أكتر وهشوف برضو كلامهم ودينهم منطقي، عادي... الفكرة بس إنّي ميلت لفئتهم أكتر بحكم الظروف والمواقف، الواحد كده لما بيعيش في بيئة معينة لمدة طويلة تلقائيًا يدخل في مخه قناعات إن البيئة دي هي الصح والمنفردة المميزة عن باقي البيئات، والموضوع مش كده يعني. _وإنت شايف إن فلوريان دخلت الإسلام بسبب كده؟ _أيوة! نظر إليه إبرام مطولًا، ثم قال بعد تفكير: _طب... إيه العيب في كده؟ إيه العيب إن الشخص يميل لبيئة هو شايفها أحسن من بيئة تانية؟ هو مش ده هدف الإنسان الأبدي أصلاً؟ يعني مثلًا بعيدًا عن الأديان، أنا سافرت إيطاليا وآمنت بمعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم لأني ارتاحت معاهم أكتر، وهشوف إنهم الأصح، في غيري هيشوف إن ده لا. _وهي بيئة المسلمين حلوة أوي يا إبرام؟ _معرفش، قولي إنت بقى، إنت اللي قعدت معاهم مش أنا. توقف موريس عن الكلام؛ فلم يكن لديه ردّ، فقط سكون مفاجئ يعبر عن إدراك ثقيل. حينها شعر إبرام أن صديقه يغرق في لجة من التردد والتشتت، فاقترب منه وقال بنبرة صادقة: _موريس، خليك صريح مع نفسك، إنت لما عشت معاهم حسيت بأي حاجة وحشة؟ حرّك موريس رأسه نافيًا، ببطءٍ تام، كأن عنقه يُثقله ما لا يُقال. فأردف إبرام: _طب إنت دلوقتي، في دماغك رغبة إنت بتقاومها؟ نظر موريس في عينيه طويلًا، ثم قال أخيرًا: _عندي رغبة... بس مش عايز مسلم هو اللي يشجعني عليها... عشان تلقائيًا هيشجعني عليها لانها من مصلحته... ابتسم إبرام، ابتسامة دافئة لا تخلو من حزنٍ وفهم، وقال: _اعمل اللي إنت عايزه ومتقاومش، الإنسان طول ما هو عايش فهو عنده فرصة للتغيير وللتفكير والبحث، وعايزك تطمّن، مهما عملت أنا هفضل صاحبك يا موريس. أهم حاجة إنّي أشوفك مرتاح ومتطمّن ومستقر، لأن من يوم ما عرفتك عمري ما شوفتك كده... وبجد أمنيتي في الدنيا هي إنك تستقر وترتاح وهفرح أوي لو شوفتك كدة. ابتسم موريس لصديقه ابتسامة امتنان عميق، وفي صدره بريق فكرة بدأت تنمو بهدوء: أن يسلك الدرب الذي سلكته فلوريان، لا تقليدًا ولا انسياقًا، بل بخطى أكثر اتزانًا ووعيًا، وبقلب يطلب الحقيقة كما ينبغي لها أن تُطلب؛ بحثًا دؤوبًا يعطي كل عقيدة حقّها، وكل فكرة نصيبها من الفهم، عسى أن يهدأ هذا العقل المشتّت، المفعم بالأسئلة والبلبلة. لقد وضعت الحرب أوزارها، وانفكت عنهم قيود العصابة، ولم يبقَ أمامه سوى أن يبدأ رحلة أخرى... رحلة الاستقرار. ذاك الاستقرار الذي لا يمنحه وطن ولا مأوى، بل تمنحه الطمأنينة الوجودية التي لا تنبع إلا من يقينٍ روحي راسخ. وقد أدرك في قرارة نفسه أن لا استقرار أعظم للإنسان من استقراره الديني؛ ذلك الذي يجمع المبادئ والقواعد، ويربط المنطق بالفلسفة، ويقيم الأخلاق على أسس راسخة لا تتزعزع، فتستقيم به النفس، ويهدأ به القلب، وتنكشف به معالم الطريق في زمنٍ كثرت فيه المتاهات. ********** عند الهاجرة، كان نوح جالسًا على كرسيه المتحرك عند الشرفة، متكئًا برأسه على السور، ونظره شارد يتقلب بين أخبار مصطفى المعروضة على شاشة هاتفه. أمامه فطور لم يذق منه لقمة، وعيناه لم تغمضا جفنًا منذ أن استيقظ ليشهد دفن شيماء. كل ما مرّ به خلال الساعات القليلة الماضية بدا وكأنه اجتياح مباغت لحياته غير الراكدة، أشبه بإعصار حوّل أيامه إلى أنقاض فوق أنقاضها. ضرب عمر له لم تكن مجرد فعل جسدي عابر؛ كانت فعل من يد طالما كانت تسنده حين يترنح. ما حدث ليست خسارة صديق، بل انهيار عمودٍ من أعمدة حياته ظلّ يستند إليه اثنتي عشرة سنة، حتى بات كجزء من ذاته. الآن، وقد انكسر ذلك العمود، شعر نوح وكأن جسده كله تهدّم على نفسه. ثم ظهرت نور، حاملة الحقيقة كجرحٍ مفتوح: أنه هو، المسبِّب في إدخالها لجحيم سردار ليخسرها بعد ذلك في غياهب لا يعلم مداها. ويتسلل إليه شعور الذنب كتسلل سمٍ بطيء، يلسع ضميره ويغرز أنيابه في فؤاده، وما حاولت إصلاحه ليلى، أتى هو ليحوّله إلى خراب أشد مما كان. إضافة إلى ذلك الصدمة الأعنف، فقدانه الإحساس بنصفه السفلي وإصابته بالشلل النصفي، كأن الحياة قررت أن تُقعده جسدًا وعقلًا في آنٍ معًا، ليشعر انه أصبح غريبًا عن نفسه، غريبًا عن جسده، وروحه عالقة في قالب لا يتحرك، لا يطيع، لا يعود كما كان. وقعت كل تلك الكوارث في أقل من ست ساعات، فكيف لعقل بشري أن يستوعب هذا الطوفان؟ لقد أُطفئت الرغبة في داخله، وجفّ نبع الدهشة والخوف وحتى الغضب. سكنت روحه في منطقة رمادية لا هي حياة ولا موت، عالقة بين عتبة صدمة لم تهدأ وذاكرة تأبى الرحيل. لم يستطع النوم، فالأرق كان أهون عليه من مواجهة الكوابيس، وبقي ساهرًا منذ ليل البارحة، كأن السكون نفسه بات يخشاه. نوح في تلك اللحظة كان أنقاضًا لإنسان، تُطِلّ منه عيون مكسورة لا تزال تبحث عن تفسير لما حدث، عن يدٍ تمسك بيده وتقول له إن ما جرى كان مجرد كابوس... لكنه يعلم، وبكل يقين الألم، أن ما جرى كان الحقيقة بعينها. وفي صالة المنزل، فتحت هاجر الباب بعدما طرقه أحدهم، فإذا به فياض. حيّاها ثم خطا إلى الداخل، ليُفاجأ بوجود إبراهيم وغادة في انتظاره. وبعد أن سلّم عليهما، تقدّمت منه غادة، وعلى صوتها المتهدّج ظهرت آثار القهر والوجع حين قالت: _هو قاعد في البلكونة دلوقتي، هو أصرّ إنه يخليني أنزل، بس أنا مقدرتش أسيبه لوحده، فخليك معاه لو سمحت لحد ما نرجع. أومأ فياض برأسه مطمئنًا: _متقلقيش، المهم هو عارف عني وإني هاجي؟ _أيوة، هاجر عرفته، بس مبانش أي رد من جييتك... أعتقد إنه مش معترض. وفي الشرفة، حيث كان نوح جالسًا مستندًا برأسه إلى السور، يتأمل الشارع بعينٍ فارغة، دخل عليه فياض ترافقه غادة، التي همست برقة رغم انكسارها: _أنا هنزل يا حبيبي، مش عايز أي حاجة مني؟ رمقها نوح بنظرة باردة، ثم أشاح ببصره قائلًا بجفاء: _مع السلامة. تأثرت غادة بأسلوبه، لكنها تماسكت وقامت بمراعاته، ثم غادرت مع إبراهيم وهاجر، تاركة فياض ونوح وحدهما في الشرفة. جلس فياض في مواجهته، فألقى نوح عليه نظرة جانبية ثم قال بنبرة كأنها خرجت من رماد الألم: _مفكرة إنها لما تعاملني على إني طفل كده، هتهوّن عليا الموضوع... متعرفش إن دا بيخليني أحس بقرف أكتر من نفسي... حين همّ فياض بالرد، عاجله نوح بسؤال ساخر: _إنت بقى عمّنا؟ ابتسم فياض وقال: _المفروض، وأبقى والد طالبة عندك اسمها ملك راشد، تعرفها؟ أجابه نوح مستمرًا في نبرته الجافة: _لا. أومأ فياض صامتًا، قبل أن يعود نوح ليقول: _أحسنلك تبعد عنّا إنت وبنتك، أحسنلك متقربش مني، ومتخليهاش تقرب مني... لو عايز تحافظ على روحها. ظل فياض صامتًا برهة ثم قال: _أنا بعدت عنكم بما فيه الكفاية، ومحسّتش براحة في كده. ردّ نوح بتهكّم ممزوج بالمرارة: _ماشي، لما بنتك تموت ابقى ارتاح بقى. أخرج نوح علبة سجائره، تناول منها آخر سيجارة وأشعلها. وهنا لاحظ فياض أن طفاية السجائر امتلأت بما يقارب العشرين عقبًا، فظهرت علامات الاستياء على وجهه، ثم قال: _لو كنت مكانك، كنت استغليت وجودي. حدّق نوح في الشارع، واستنشق من سيجارته بعمق قبل أن يرد: _هستغل وجودك في إيه؟ _زي مثلًا إنك تعرف مين تغريد عكرمة. تجمّد نوح، واستدار إليه بحركة حادة تُظهر ذهوله، ثم سأله بدهشة حاول إخفاءها خلف سكون ملامحه: _انت تعرفها؟ _أعرفها، لو حابب أقولك عليها، هقولك. ساد الصمت طويلًا، شعر خلاله نوح أنه بحاجة للكلام مع هذا الرجل، فابتلع ريقه وقال: _لما برجع أفكر في الموضوع من الأول، بحس قد إيه الموضوع عبثي أكتر مما هو مأساوي... أنا في يوم وليلة لبسني إحساس وحش أوي بالذنب المجهول، وفقدان شخص أنا معرفش هو مين... ناسي حد معرفوش... كان شعور وحش أوي، مكانش بيروح بأي حاجة إلا بالكوكايين، الكوكايين اللي بسببه اتدمرت، وبوظت خطة أمي في إني أنقذ نور، نور اللي أنا أدمنت الكوكايين بسبب غيابها عني فجأة، ونسيان عقلي ليها فجأة، متخيل الربط العبثي؟ بس اللي يوجع إن كل ما تبص على كل جهة، تكتشف إنك السبب في كل حاجة فيها، أنا السبب إني خليت أمي تدي نور لسردار، أنا السبب إني أدمنت الكوكايين، أنا السبب إن خطة أمي تبوظ، ونور تضيع أكتر وأكتر. استنشق نفسًا من سيجارته، ثم أردف بعدما نفثه ببطء: _مخي طول السنين دي كلها كان بيقاوم، وبيبعتلي رسايل على إني أفوق، وكنت مفكره اتجنن بس... كل الهلاوس اللي شوفتها وبشوفها عمرها ما كانت جنون وهذيان... كنت دايمًا بسمعها بتقول: "مش هتوديني هناك بقى؟" مكنتش فاهم وقتها اوديها فين، بس بنت أخويا طلعت بتخمين من راسها إن ممكن نور كانت تقصد تروح لتغريد، معرفش عرفت اسمها منين، تلاقي عرفته من أمها... المهم، أنا متأكد إني لو عرفت مين تغريد دي، هفهم حاجات كتير أكتر، وده هيساعدني إني أوصل لنور وأنقذها. هنا استنشق فياض نفسًا عميقًا ليتهيّأ لسرد قصة غائرة في الطيّات، قصة تغريد عكرمة وعائلة عكرمة في العموم.... ********** في قرابة الوقت، كانت غادة تقف في أروقة المختبر المصري، تحيط بها الأجهزة والأنابيب والمواد الكيميائية، بينما وقف سليم إلى جوارها، وقد ترك ديميت مع ريان ليُكملا نزهتهما الصغيرة، متعللًا بحاجة ملحّة للعودة إلى المختبر. منذ دفن فريدة، توطدت بينه وبين غادة شراكة لم تُعلن للعامة، لكنها كانت أقرب ما تكون إلى اتفاق مصيري، ولهذا قرر أن يناقش معها مسألة الاستنساخ بعمق أكبر. كان الجو ساكنًا، تخترقه بين الحين والآخر همسات الأجهزة، وصوت الأوراق وهي تُقلَّب بين أيديهم، حين قال سليم: _الأبموف معاكي في البيت هناك؟ ردت غادة، وهي تشير بإيماءة خفيفة: _آه.. الكمية دي تكفي إني أنسخ دراع كاملة. ساد الصمت لبرهة، وسليم مستغرق في أفكاره، يحاول أن يعصف بذهنه في بحر الاحتمالات، ثم قال: _يعني دلوقتي إحنا قدّام عائقين... أولًا نشوف حل إزاي ممكن ننسخ روح، أو حاجة شبيهة بيها مع نسخنا للجسم... وثانيًا، نلاقي طريقة يبقى لينا كمية من الأبموف لا متناهية، لأننا أكيد هننسخ ناس كتير. بدت ملامح غادة متأملة، فكرت قليلًا ثم قالت بنبرة مترددة: _في دماغك... إزاي ممكن نخترع حاجة شبيهة للروح؟ _مش عارف... الموضوع مستحيل... الفكرة إني مش عايز أعمل روبوت زي ما عمل يوسف، لأن دا هيكشف الخطة. أنا عايز نسخة تمامًا من الشخص، بتفكر زيه، وبتتحرك زيه، وعمليّاتها الحيوية زيه. بعدها اتفقا على بدء العمل على اكتشاف أفكار لا تزال في طور التشكل. تفرقا كلاهما وجلس كل منهما على منضدته، وحواسيبهم أمامهم يبحثون من خلالها عن بعض الملفات الأرشيفية العلمية، ويُدوِّنان الملاحظات بخطوط متسارعة على دفاترهم. راحا يخططان دوائر وأسهمًا تربط بين المفاهيم، ثم يتناقشان سويًّا على ما توصلا إليه، يشطب أحدهما ما كتبه الآخر، ثم يعيدان التفسير، ويعيدان رسم المخططات. كانت أدمغتهما تغوض بين أبحاث منسية ومقالات علمية محظورة، يحاولان تكييف ما وجدا مع ما يحلمان به. تناولت أيديهما مصادر مترجمة عن الوعي الصناعي، ومحاكاة الدماغ، وتجارب الاستحضار العصبي، وجهاز الـBrain-Computer Interface. ولكن كل هذا لم يساعدهما في التوصل إلى حل، ولم يجرؤ أحدهما على اقتراح التوقف... وبعد ما يقارب الثلاث ساعات، قالت غادة، كمن انبثقت الفكرة أمامها فجأة: _أظن يا سليم الاستنساخ الكامل دا... مينفعش ينجح إلا لو استعنا بوجود الجسم الحقيقي. يعني مثلًا، حاجة زي محاكاة... بعد ما ننسخ الجسم، نجيب صاحب الجسم ونخليه يتصرف زي ما النسخة المفترض تتصرف، كأنها حية. سكنت كلماتها في عقله كالبذرة، وبدأت تنبت خيوطًا من الفكرة في ذهنه، حتى تذكّر ما قاله ريان صباحًا، حين تمنّى جهاز الـVR والذي كان له مسمى آخر "الواقع الافتراضي". وهنا برق في عينيه بريق الاكتشاف رغم سكونهما وبرودهما، وقال: _لو دا هيبقى الحل... فإحنا محتاجين جهاز صاحب الجسم الأصلي يلبسه... أو يدخله، ويكون متوصل بخلاياه العصبية والحركية والوعي، عشان لما يعيش محاكاة جسمه المزيّف، يعيشها صح، وبالظبط كأن مفيش أي فرق بينه وبين المزيف. _بالظبط! ودا هيبقى أفضل، بحيث لو عايز تنقذ صاحب الجسم الأصلي، فإنت تحطه عندك وتخليه منعزل مع الجهاز دا، والجسم المزيف هو اللي يواجه العالم والمشاكل. أومأ سليم برأسه وأعاد الغوص في صمته المحمّل بالحسابات والاحتمالات. ثم رفع عينيه، وقال بنبرة استقصائية: _قولتيلي إن مهاب هو واحد من التمانية اللي يعرفوا مكان الأبموف من تلاميذ يوسف؟ _أيوه، هو كان بيدهولي عشان معجب بيا بس. بس غير كده؟ مستحيل يدوك... _محتاجين نشوف حل للموضوع دا... _مش البروفيسور بيحبك؟ وإنت تعتبر تلميذه برضو؟ ليه متحكيلوش عن خطتك وتستعين منه بالأبموف؟ هزّ سليم رأسه بالنفي، وقال بملامحه الجادة الباردة التي التصقت بوجهه منذ فقدانه لفريدة: _لا... مش هقوله على حاجة، ولا هخليه يعرف... وفيما توهج الصمت من جديد، دخلت طبيبة شابة تحمل ملفين بيدها، وصندوقًا صغيرًا شفافًا به عينة بحجم عقل الإصبع. أتت إليه وناولته الملفين وقالت: _عملت تحليل الـDNA بشكل سطحي زي ما قولتلي، واتفاجئت إن من بين كل الهويات اللي ظهرت في العينتين... هويتك طلعت. وواضح إنك مرتبط بالاتنين. ذلك الخبر المفاجئ لم يحرك قسمات وجهه الساكنة، فنظر إلى العينة، ثم إلى الطبيبة وسألها: _طب مين كمان اللي شفتي هويتهم مرتبطة بصاحب العينة دي؟ سكتت الطبيبة ولم تُجب. فقط رمقته بنظرة ثابتة، فأدرك الأمر: _دي عليها فلوس زيادة؟ _آه... أومأ برأسه دون اعتراض، وتركها تمضي. بعدها عاد إلى الورقة، يتمعن في معطيات التحليل، وحين اقتربت غادة، وراعها منظر العينة التي وُضِعت أمامه، عقدت حاجبيها بدهشة وقالت: _إيه دا؟! إنت جبتها منين دي؟! _إنتِ شفتيها قبل كدة؟ _دي... دي أنا ونوح كنا في إسكندرية، وروحنا بيت معين هناك، وشوفنا فيه هيكل عظمي، ودا اللي أخدنا منه العينة. دا كان من شهور... وصلتلك إزاي؟ ردّ سليم وهو يضع تحاليل تلك العينة وينتقل إلى تحاليل فياض: _دا هيثم لقاها في بنطلون من بنطلونات نوح، وفي دفنة فريدة إدّاها لعلا، قامت مدّياهالي. وأظن إنك لازم تقوليلي عنوان البيت دا، لأن شكله بيت مهم... _ليه؟ قال سليم، وعيناه معلّقتان بتحليل فياض، وصوته مشبع بالبرود الذي أصبح جزءًا من شخصيته: _لأن التحليل مبيّن نسبة تقارب بيني وبين صاحب العقلة دي بنسبة ٢٥٪... يعني احتمال كبير يكون جدنا. صمتت غادة، وارتسمت على ملامحها ذهول شاذ، ثم قالت: _حامد؟! ودا إيه اللي ودّاه إسكندرية؟! أستاذ فياض مجابش سيرة الموضوع دا خالص... قال سليم، وهو يدس تحاليل فياض في الملف: _واضح إن فياض... اللي هقوله عمي خلاص، لأن التحاليل أثبتت دا برضو، وراه أسرار كتير أوي... حاجات كتير جدًا مجابش سيرتها... محتاجين نقعد معاه قاعدة طويلة... والله... *********** وفي منزل نوح.... بدأ فياض يحكي ما في جعبته من أسرار: _معرفش لو حكاية تغريد عكرمة هتفيدك ولا لأ، بس هحكيهالك لإن من حقك تفهم الموضوع من كل النواحي. في البداية لازم تعرف عيلة عكرمة. العيلة دي كانت من أكبر العائلات في البلد، وأغناهم، وأكترهم نفوذ. واللي شغال في مجال الأدوية أو الكيميا لازم يكون عارفهم كويس... وده لإن عندهم شركات كبيرة بتنتج أدوية بتدخل في علاجات كتير، ومعامل، ومصانع بتورد مواد كيميائية للمستشفيات والمراكز البحثية. وكان ليهم نفوذ كبير، مش بس في السوق، لأ، في القرارات كمان... يعني أي جهة عايزة تدخل المجال ده، لازم تمر من تحت إيديهم بشكل أو بآخر... غير الشركات، كان ليهم مؤسسات خيرية، ومراكز أبحاث، وناس كتير شغالة معاهم... باختصار، كانوا عاملين شبكة ضخمة، واسمهم كان تقيل في السوق، والناس كانت بتحسبلهم ألف حساب. ساد الصمت لوهلة، كأن فياض يستجمع مشاهد من ماضٍ ثقيل، ثم استأنف: _والدتي في شبابها كانت بتشتغل عند العيلة دي خدامة، بس هما مكانوش بيشوفوها خدامة قد ما كانوا بيشوفوها صاحبتهم وجزء من العيلة. عمرها ما بينت ليهم إنها محتاجة، وكانت دايمًا بترفض أي زيادة في المرتب أو هدية خارج شغلها... قالها بنبرة تهكم ممزوجة بمرارة دفينة: _ما شاء الله، كان عندها عزة نفس لدرجة إنها فضّلت إنها تبيع ابنها ولا تطلب منهم مساعدة... المهم، بطريقة معينة، لما ليلى كانت بتزور أمي وأبويا وتتواصل معاهم، أمي قالتلها على تغريد عكرمة، ودي هي ست البيت يعتبر، اللي جوزها ماسك كل حاجة. واكتشفت ليلى إن عيلة عكرمة عارفة ليلى فعلًا بحكم إنها عالمة، فأكيد دار بينهم نقاشات أو اجتماعات أو حاجة كده... يعني أمي وأمك رسوا الاتنين على إنهم يلجأوا لتغريد عكرمة، الأم أو الجدة، علشان تساعد ليلى... في أي موضوع بحكم نفوذها. ومع مرور الوقت... لما ليلى غيرت أهدافها بعد ما نور بقت معاها، قررت تستعين بتغريد بخصوص موضوع نور. سأله نوح، وقد بدا الفضول في نبرته: _تستعين بيها إزاي؟ أجابه فياض: _نور كل ما تنزل للشقة اللي تحت... كان العالم اللي معرفش اسمه، سردار باين زي ما قولت، بيعمل عليها تجارب خفيفة، يعني ردّات فعل، تجارب نفسية، بيأكلها أو يشربها مواد معينة، يعني حاجة من النوع ده. وطبعًا التجارب دي مش بالبساطة اللي بحكيهالك، أكيد كان فيها تعب بدني ونفسي وإجهاد. فالعالم ده لما يسافر مدة معينة عشان شغله، بيبقى سايب نور لوحدها في الأوضة اللي تحت، حابساها بالأيام والأسابيع كنوع من التجربة برضو. وقتها ليلى كانت تخرجها... معرفش إزاي بصراحة، وتوديها لتغريد. عند هذه النقطة، تجلى في ذهن نوح أخيرًا هدف الباب الأرضي في غرفة والدته. وواصل فياض السرد بقوله: _نور بقت تقعد مع تغريد وعيلتها مدة طويلة، يعاملوها أحسن معاملة، وليلى تزورها، ويحاولوا بالأدوية بتاعتهم إنهم يسحبوا أي سموم من أعراض التجارب دي. وواضح إن نور نفسها حبت تغريد، وشافتها ملجأ في أي وقت كانت بتحس فيه بالخوف. لكن للأسف، الموضوع ده مطولش أكتر من سنة... والعالم ده عرف، وقرر ياخد نور لسجن من سجونه. في تلك اللحظة، اتضحت الصورة شبه كاملة: الطفلة نور داغر، المستهدفة منذ لحظة ميلادها، والتي ظنّ سردار، لسببٍ ما، أنها صاحبة قوة الموت التي هي في الأساس بداخل نوح. وربما، وبدافعٍ أمومي محض، أقنعت ليلى سردار بذلك لتُبعد الشبهة والخطر عن نوح، وأقنعته إن نوح لا علاقة له بالقوة. ثم احتضنت ليلى نور وقامت بحمايتها بقدر المستطاع، وأصبحت هي مسؤوليتها، ليشاركها فيها نوح الذي تعلّق بالطفلة دون أن يدرك أبعاد الأمر. لكن سردار، الذي لم يكفّ عن مراقبة الجميع، استغل الشقة التي تقع تحت شقة ليلى ونوح، ليحولها إلى مسرحٍ للتجارب السرية على نور، يختبر فيها تأثيرات نفسية وكيميائية وجسدية مرهقة، تتكرر كلما عاد من أسفاره. وفي غيابه، كانت ليلى تستعيد نور، وتهرع بها إلى تغريد عكرمة، طلبًا لعلاج، ودفء، وأمان. ثم تعيدها لاحقًا لحضنها وحضن نوح حتى يعود سردار من أعماله بالخارج، لتدور العجلة من جديد. إلى أن اكتشف سردار ذلك الملاذ، فانتزع الطفلة من عالمها، وألقى بها في سجن دارين. وإن كان نوح قد فهم كل هذا، فإنه لا يزال يجهل سرّ التهابه الدماغي الغريب الذي بدأ في التهام ذاكرته، ولا يدرك بعد الحقيقة الموجعة بأن نور قد رحلت عن الدنيا، وكذلك فياض، إذ يظن كلاهما أنها لا تزال على قيد الحياة. ثم قال فياض، وقد تبدّل صوته بما يشبه الوجوم: _بعد ما نور اتاخدت، في يوم وليلة فجأة، كل أفراد عيلة عكرمة ماتوا... مش واحد ولا اتنين، لأ... كلهم. في بيوتهم، بهدوء، من غير صوت، ولا حتى فيه شبهة جنائية واضحة... وتقارير الطب الشرعي أثبتت إن مفيش أثر سم، ومفيش إصابات، كأنهم ماتوا طبيعي، بس ماحدش فاهم إزاي كلهم مرة واحدة. كانت قضية غامضة، ولحد دلوقتي محدش قدر يحلها. ومن بعد اللي حصل ده بكام شهر، لقينا العالم المشهور يوسف إمام، فجأة ظهر واشترى كل الشركات والمؤسسات اللي كانت مملوكة لعيلة عكرمة. كل حاجة اتحولت باسمه بشكل قانوني، والورق كله مظبوط... ومن بعدها، يوسف إمام بقى المتحكم الأول في مجال الأدوية والمواد الكيميائية في البلد، وبقى ليه كلمة كبيرة، ويمكن أكتر من اللي كانت لعيلة عكرمة. عقد نوح حاجبيه بشدة حين برز اسم يوسف فجأة في المشهد، وتحير في أمره، هل قرر يوسف أن يُكمل مسيرة عائلة عكرمة بدافعٍ نبيل، لينتقم من سردار ويكسر عنقه كما كسر هو ظهورهم وأجهز على إرثهم؟ أم أن الأمر محض اتفاقٍ خفي، صفقة مظلمة بينه وبين سردار، اقتضت أن يتوارى طرف ليصعد الآخر؟ ما الدافع الحقيقي وراء هذا الظهور المفاجئ؟ وما الغاية التي يتعقّبها يوسف من وراء تلك السيطرة المحكمة؟ وللأسف، ما إن يزيح نوح ستارًا عن وجه الحقيقة، حتى تتشظّى له من خلفها حقيقة غامضة أخرى... كأن الحقائق في عالمه ليست سوى أبوابٍ متتالية، يفضي كل منها إلى دهليزٍ أعقد من سابقه. إنها دوّامة المعرفة التي لا قاع لها؛ كل إجابة فيها ليست إلا بوابة لحيرةٍ أشد. وهنا سأله نوح: _طب تعرف إن فيه من عيلة عكرمة اللي نجوا من الإبادة دي؟ أجابه فياض بعد تنهيدةٍ عميقة: _أمي وهي بتحكيلي، قالتلي إن فيه... بس متعرفش عددهم بالضبط. أكيد ميكتروش عن اتنين، لأن الوحيدين اللي مكانوش بين الجثث هما ابن تغريد الخامس وابنه اللي هو حفيدها. ففيه أقوال بتقول إنهم نجوا، وأقوال تانية بتقول إنهم ماتوا في مكان بعيد لسه محدش وصل له، بس أنا أرجّح إنهم لسه عايشين، لأن مستحيل يعدي أكتر من عشرين سنة ولسه محدش شاف جثثهم. أومأ نوح برأسه في صمتٍ عميق، وقد بدأ خيط الاكتشافات يتقاطر في ذهنه بثقلٍ حذر. كان يعلم تمامًا إلى من سيلجأ ليتتبّع هذا الأثر... إسماعيل، بلا شك، سيكون مفتاح هذا الباب. ثم سأله، كمن يُزيح الستار عن تفصيلةٍ طواها النسيان عمدًا: _طب هي نانسي وموريس مالهمش أي دور في الموضوع ده؟ آه نانسي ماتت وهي بتولدها، بس... يعني أمك مجابتلكش سيرتهم خالص؟ هنا تبدّلت ملامح فياض، وانطفأ الثبات من عينيه، وكأن اسمهما أطلق داخله ارتجاجًا خفيًّا: _نانسي مين؟ _أم نور. عندها تهدّلت ملامح فياض، لكنه تمسك برباط جأشٍ متكلّف، وقال بنبرة يحاول تثبيتها: _هما... قالولك إن أمها واحدة اسمها نانسي؟ أومأ نوح برأسه، وقد ارتسم الاستغراب على ملامحه من رد فعل فياض: _أيوه... إنت متعرفش؟ كنت بحسبك عارف. ارتبك فياض، وبدت كلماته وكأنها تتعثّر خارجة من فمه: _لا... لا معرفش... معرفش... في أعماقه، كان يخشى أن يزلّ لسانه بما عقد العزم على كتمانه. فزع من انكشافٍ لا عودة منه، ومن انفتاح بابٍ لم يحن أوانه. وعلى الفور، استنجد بجسده ليتحايل على الموقف، فوضع يده على بطنه واتدعى التألم وقال: _ا... آه... معلش يا ابني... القولون بقى ومشاكله... ينفع أروح الحمّام؟ _آه طبعًا، اتفضل. أشار له نوح إلى الحمام، فنهض فياض سريعًا كمن يفرّ من مقصلة السؤال، وسار إليه بخطى متعثّرة لكنها حاسمة. وما إن أغلق الباب خلفه، حتى انحنى قليلًا، وأطلق زفيرًا حارًا. حدّق في المرآة طويلاً، كأنما يفتّش في عينيه عن بقايا اتزانٍ أو إجابة، قبل أن يهمس بكلمة واحدة، خرجت كأنها تنهيدة روح: _وبعدين...؟ وفي الخارج، أخرج نوح هاتفه، واتصل بإحداهن: _ألو..... إزيك يا رشا؟..... إنتِ رايحالهم تديهم أكل النهاردة؟... طب معلش، لو سمحتي، طالب منك خدمة بسيطة خالص، مش هتاخد منك وقت. ********** مع انتشار وسم #رباط_حذاء_مصطفى وتفاعل عدد كبير من المؤيدين والمعارضين معه، وظهور صحفيين للتعبير عن آرائهم بشأنه، خرجت الصحفية علا مرزوق بمقال لا تكتفي فيه بإبداء رأيها فحسب، بل تسلط الضوء على الأسباب الحقيقية لما جرى لمصطفى، وتعرض حقائق طالما أعرض الكثيرون عن مواجهتها. وبدأ مقالها بالسؤال المنتشر: ماذا ترى حين ترى مسلمًا يكبر وفي يده حبل؟ بقلم الصحفية: علا مرزوق لقطة ابا مريم التي التقطتها عدسات الهواتف وانتشرت كالنار في الهشيم، كانت مرآة عكست قرنًا من البروباجندا، وتاريخًا من الدماء، ونفسية جمعية مشوهة بالخوف والتحيز. السؤال هنا: ماذا رأيت حين شاهدت تلك اللقطة؟ رأيت إرهابيًا يلوح بحبل خُيّل اليك أنه سلك موصل بقنبله في خصره العاري؟ أم رأيت إنسانًا يقف ثابتًا وسط عاصفة الاتهامات يدافع عن نفسه بذكره لله؟ رأيت تهديدًا، أم رأيت انعكاس مخاوفك؟ هذه الاسئلة هي جوهر أزمة وجودية تتعلق بكيفية تشكيل الصورة الذهنية للمسلم في العقل الجمعي العالمي. ولماذا أصبح المسلم، بصورة منهجية ومتعمدة، مرادفًا للإرهاب؟ لنعد إلى الوراء، إلى جذور هذا التحيز؛ فالصورة النمطية للمسلم كـ"إرهابي" ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج عقود من البروباجندا المنظمة، التي بدأت تتبلور بشكل واضح مع صعود القوى الاستعمارية الغربية في القرن التاسع عشر. كانت الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية، ولاحقًا الأمريكية، بحاجة إلى مبرر أخلاقي لاحتلال الأراضي الإسلامية، من شمال إفريقيا إلى شبه القارة الهندية. تم تصوير المسلمين كـ"همجيين" و"متخلفين" يحتاجون إلى "التهذيب" عبر الاستعمار. هذا الخطاب لم يكن عفويًا، بل كان جزءًا من استراتيجية سياسية لتبرير نهب الموارد وقتل الملايين. ومع الحرب الباردة، تحول المسلم من "همجي" إلى "عدو إيديولوجي". بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت الولايات المتحدة بحاجة إلى عدو جديد لتبرير هيمنتها العالمية. وهنا برز الإسلام كـ"التهديد الأخضر"، ذلك المصطلح استخدمته دوائر السياسة الغربية لتصوير العالم الإسلامي كمصدر للفوضى. وكتاب صامويل هنتنغتون "صدام الحضارات" (١٩٩٣) عزز هذه الفكرة، مقدمًا الإسلام كحضارة معادية للغرب، غير قابلة للتعايش. هذه الرواية لم تكن مجرد نظرية أكاديمية، بل أصبحت أساسًا لسياسات عسكرية وإعلامية استهدفت المسلمين. بينما صحيح أن بعض الجماعات التي تدّعي تمثيل الإسلام، مثل القاعدة أو داعش، ارتكبت أعمالاً إرهابية، فهذا لا يعني أن الإسلام أو المسلمين ككل إرهابيون بطبعهم. هذه الجماعات، التي غالباً ما نشأت من الفوضى الجيوسياسية والتدخلات الغربية، تمثل جزءاً ضئيلاً من ٢.٩ مليار مسلم حول العالم، ويندّد بها الغالبية العظمى من العلماء والمجتمعات الإسلامية. تصوير جميع المسلمين على أنهم إرهابيون ظلم فادح، متجذر في روايات انتقائية. على النقيض، للأديان الأخرى تاريخها المظلم من العنف. شهدت المسيحية في الماضي محاكم التفتيش القاسية (من القرن ١٢ إلى ١٩)، التي أعدمت عشرات الآلاف بتهمة "الهرطقة"، والحروب الصليبية التي قتلت مئات الآلاف باسم الإيمان. تُظهر جماعات مسيحية متطرفة حديثة مثل الكو كلوكس كلان (KKK)، المسؤولة عن عمليات إعدام عنصرية في الولايات المتحدة، وجيش الرب، الذي نفذ تفجيرات ضد عيادات الإجهاض، والجيش الامريكي والبريطاني الذي شارك في احتلال وإبادة معظم شعوب الارض والمعظم منهم ديانته مسيحية. وبالمثل، اليهودية، رغم كونها ديناً أقلية، فلها عناصرها المتطرفة والتطرف يشكل الغالبية العظمى منهم. أدت الأعمال الإسرائيلية في فلسطين، التي غالباً ما تُبرر بادعاءات دينية بأنهم "شعب الله المختار"، إلى مقتل أكثر من ثلاثمئة الف فلسطينياً منذ بداية الاحتلال، إلى جانب الاضطهاد المنهجي والعنصرية، كما وثقت منظمات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية. هذه الأفعال، التي يقودها أيديولوجية تفوقية، تعكس عنف الجماعات المتطرفة الأخرى. كل دين رئيسي أنتج متطرفين، بل التاريخ يُظهر أن الحركات المتطرفة المسيحية واليهودية، المدعومة بقوة الدولة أو إرث الاستعمار، تسببت في دمار وخسائر في الأرواح أكبر بكثير مقارنة بأفعال الجماعات الإرهابية المزعومة الإسلامية. التركيز الانتقائي على التطرف الإسلامي هو نتاج الدعاية، وليس انعكاساً للواقع. وإذا كان مصطلح "الإرهاب" الذي الصقه العامة على المسلمين يعني استخدام العنف لنشر الخوف وتحقيق أهداف سياسية، فإن المسلمين هم، تاريخيًا، أكثر الفئات التي عانت من الإرهاب، وليس العكس. فقد احتلت بريطانيا وفرنسا معًا أكثر من ٢٠ دولة إسلامية أو ذات أغلبية مسلمة خلال الفترة الاستعمارية، بما في ذلك الجزائر، تونس، المغرب، مصر، السودان، العراق، الأردن، فلسطين، سوريا، لبنان، الهند، باكستان، بنغلاديش، ماليزيا، إندونيسيا (جزئيًا عبر الحلفاء)، الصومال، جيبوتي، ليبيا، موريتانيا، مالي، النيجر، وتشاد. هذه الاحتلالات لم تكن مجرد سيطرة عسكرية، بل شملت نهب الموارد، تدمير الثقافة المحلية، وفرض قوانين تمييزية. تم تصوير المقاومة المحلية كـ"همجية" لتبرير القمع، مما ساهم في تشكيل الصورة النمطية للمسلم كـ"عدو". دعونا ننظر إلى الأمثلة: -احتلال الجزائر (١٨٣٠-١٩٦٢): احتلت فرنسا الجزائر لمدة ١٣٢ عامًا، وهي واحدة من أكثر فترات الاستعمار دموية. خلال حرب الاستقلال (١٩٥٤-١٩٦٢)، قُتل حوالي ١.٥ مليون جزائري، وفقًا لتقديرات المؤرخين الجزائريين وجبهة التحرير الوطني (FLN)، وهو ما يُعرف بـ"مليون شهيد". خلال الاحتلال، تم تدمير القرى، ومصادرة الأراضي، وارتكبت مجازر مثل مذبحة سطيف وقالمة (١٩٤٥)، التي قُتل فيها ما بين ٦٠٠٠ إلى ٤٥٠٠٠ جزائري بعد مظاهرات سلمية. بالإضافة إلى ذلك، يُقدر أن ما بين خمسمائة الف إلى مليون جزائري قُتلوا خلال الثلاثين عامًا الأولى من الاحتلال (١٨٣٠-١٨٦٠) بسبب الحروب، المجازر، الأمراض، والمجاعات الناتجة عن سياسات الاستعمار. -الاحتلال الإسرائيلي: منذ عام ١٩٤٨، يعاني الفلسطينيون من إرهاب دولة مدعوم غربيًا. مجازر مثل صبرا وشاتيلا (سبتمبر ١٩٨٢)، التي راح ضحيتها ما بين ٢٠٠٠ و٣٥٠٠ لاجئ فلسطيني، تمت تحت إشراف القوات الإسرائيلية وبدعم لوجستي من قوى غربية، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة. وفي الوقت الحاضر، تشهد غزة إبادة جماعية مستمرة منذ أكتوبر ٢٠٢٣، حيث قُتل أكثر من ٧١٠٠٠ فلسطينيًا، منهم حوالي ١٩٤٩٢ طفلًا، وفقًا لتقارير وزارة الصحة في غزة ومصادر إعلامية حتى فبراير ٢٠٢٦. وتشير التقديرات إلى أن حوالي ١٦٠٠٠ شخصًا آخرين ما زالوا مفقودين أو محاصرين تحت الأنقاض. كما أصيب أكثر من ١٥٥٧٠٤ شخصًا، مع تسجيل أكثر من ٥٥٠٠ عملية بتر حتى نهاية ٢٠٢٥. القصف الإسرائيلي المتواصل دمر ٨٠٪ من البنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس، وتسبب في مجاعة حادة أودت بحياة الآلاف بسبب الحصار الذي منع دخول الغذاء والدواء، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة ومنظمة أوكسفام. شهادات موثقة من هيومن رايتس ووتش أشارت إلى استخدام أسلحة محرمة، مثل الفوسفور الأبيض، مما تسبب في محارق جماعية في مخيمات اللاجئين. بالإضافة إلى ذلك، قُتل أكثر من ١٠٠٧ فلسطينيين في الضفة الغربية، منهم ٢١١ طفلًا، وفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية. مع ذلك، يُصور الفلسطينيون كـ"إرهابيين" حين يقاومون، بينما يُبرر العنف ضدهم كـ"دفاع عن النفس". -البوسنة (١٩٩٢-١٩٩٥): شهدت البوسنة إبادة جماعية للمسلمين على يد القوات الصربية، راح ضحيتها حوالي مئة الف شخص، وفقًا لتقديرات المحكمة الجنائية الدولية ليوجوسلافيا السابقة. مذبحة سربرينيتسا (يوليو ١٩٩٥) وحدها قُتل فيها ٨٣٧٢ رجل وصبي مسلم بدم بارد. العالم الغربي تأخر في التدخل، والإعلام ركز على "الصراع العرقي"، متجاهلاً الاستهداف المنهجي للمسلمين. -قتل المسلمين في الهند (١٩٨٠-الحاضر): في الهند، عانى المسلمون من موجات عنف متكررة، غالبًا بدعم ضمني من جماعات قومية هندوسية مثل RSS وBJP. أبرز الأمثلة هي أعمال الشغب في غوجارات (٢٠٠٢)، التي أسفرت عن مقتل حوالي ٢٠٠٠ مسلم، معظمهم نساء وأطفال، وفقًا لتقارير هيومن رايتس ووتش ومنظمات محلية. تم توثيق حالات اغتصاب جماعي وحرق أحياء مسلمة، مع تقاعس الشرطة عن التدخل. في السنوات الأخيرة، تصاعدت أعمال "الإعدام خارج القضاء" بحق المسلمين بتهمة "حماية الأبقار"، مع توثيق أكثر من ٥٠ حالة قتل جماعي بين ٢٠١٥ و٢٠٢٣، وفقًا لمنظمة IndiaSpend. هذه الأعمال تُبرر عبر خطاب يصور المسلمين كـ"غرباء" و"إرهابيين"، رغم أن ضحاياها غالبًا مدنيون عزل. -اجتياح جنوب لبنان (١٩٨٢-٢٠٠٦) والهجمات الحديثة: استهدفت إسرائيل، بدعم غربي، المدنيين اللبنانيين، مما أدى إلى آلاف القتلى. على سبيل المثال، حرب يوليو ٢٠٠٦ أسفرت عن مقتل حوالي ١٢٠٠ مدني لبناني، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش. وفي سبتمبر ٢٠٢٤، كثفت إسرائيل هجماتها على لبنان، وموقعة أكثر من الف قتيل وستة الاف جريح خلال أسبوعين، وفقًا لوزارة الصحة اللبنانية. كما نفذت عمليات غير مسبوقة، مثل تفجير أجهزة الاتصال الخاصة بحزب الله، مما أثر على المدنيين في ست محافظات لبنانية، مسفرة عن ٣٩ قتيلًا وآلاف الجرحى. الولايات المتحدة دعمت هذه العمليات من خلال توفير الأسلحة والتمويل، مع الامتناع عن الدعوة لوقف إطلاق النار في الأمم المتحدة، وفقًا لتقارير واشنطن بوست. -حرب العراق (٢٠٠٣): تحت ذريعة "الأسلحة النووية"، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا حربًا على العراق أودت بحياة ما يقرب من مليون مدني، وفقًا لتقديرات دراسة نشرت في مجلة The Lancet (٢٠٠٦) وتقارير منظمات حقوقية مستقلة. تم تصوير العراقيين كتهديد عالمي، بينما كانوا هم الضحايا الحقيقيين لتدمير منهجي لبلدهم، مع تشريد أكثر من 4 ملايين شخص بحلول عام ٢٠١٠. الصور الإعلامية للعراقيين ركزت على "المتمردين"، متجاهلة آلاف العائلات التي قُتلت أو شُردت. -نظام بشار الأسد وسوريا (٢٠١١-٢٠٢٥): أضف إلى ذلك الإرهاب المنظم الذي مارسه نظام بشار الأسد ضد الشعب السوري، خاصة المسلمين السنة. منذ اندلاع الثورة السورية في ٢٠١١، قُتل أكثر من خمسمئة الف شخص، وفقًا لتقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان (حتى ٢٠٢٣)، معظمهم من المدنيين السنة. سجن صيدنايا، المعروف بـ"المسلخ البشري"، شهد تعذيب وإعدام عشرات الآلاف، حيث كشفت تقارير منظمة العفو الدولية (٢٠١٧) عن إعدام ما بين ٥٠٠٠ و١٣٠٠٠ شخص بين ٢٠١١ و٢٠١٥ في هذا السجن وحده. هذا النظام، المدعوم من روسيا وإيران، استخدم البراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية ضد أحياء السنة، مثل هجوم الغوطة الكيميائي (٢٠١٣) الذي قتل حوالي ١٤٠٠ شخص. مع ذلك، ركزت وسائل الإعلام الغربية على "الحرب على الإرهاب"، مصورة المعارضة السورية كـ"متطرفين"، بينما تجاهلت الفظائع التي ارتكبها النظام ضد المدنيين. -إبادة مسلمي الإيغور في الصين (٢٠١٤-٢٠٣١): في إقليم شينجيانغ، يواجه مسلمو الإيغور حملة قمع منهجية من الحكومة الصينية، وصفتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش بـ"الإبادة الثقافية". منذ عام ٢٠١٤، تم احتجاز أكثر من مليون إيغور في معسكرات "إعادة التثقيف"، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة (٢٠٢٢)، حيث يتعرضون للتعذيب، التعقيم القسري، ومحو هويتهم الدينية والثقافية. أكثر من ٣٨٠ معسكر اعتقال تم توثيقها، مع شهادات عن العمل القسري وانتهاكات حقوق الإنسان. الصين تصف هذه السياسات بـ"مكافحة الإرهاب"، لكن التقارير تؤكد أن الهدف هو استئصال الهوية الإسلامية للإيغور، بينما يتم تصوير المسلمين كتهديد للأمن القومي. -الهجمات على اليمن (٢٠١٤-٢٠٢٨): تعرضت اليمن، لهجمات مكثفة من الولايات المتحدة وإسرائيل، بدعم من التحالف بقيادة السعودية. منذ بدء الحرب الأهلية اليمنية في ٢٠١٤، نفذت الولايات المتحدة وبريطانيا، بدعم إسرائيلي، ضربات جوية استهدفت البنية التحتية، بما في ذلك الموانئ والمطارات. في مارس ٢٠٢٥، أطلقت الولايات المتحدة عملية "رايدر الخشن"، وهي أكبر حملة جوية في الشرق الأوسط خلال ولاية ترامب الثانية، مستهدفة مواقع اليمنيين في صنعاء والحديدة، مما أسفر عن مقتل ٦٩ شخصًا على الأقل، بما في ذلك نساء وأطفال، وفقًا لتقارير الحوثيين. إسرائيل، من جانبها، نفذت ضربات على ميناء الحديدة وسواحل اليمن في سبتمبر ٢٠٢٤ ومايو ٢٠٢٥، مستهدفة محطات الطاقة ومصانع الإسمنت، مما تسبب في انقطاع الكهرباء ومقتل اربع أشخاص على الأقل، وفقًا لوزارة الصحة الحوثية. هذه الهجمات، التي بررتها الولايات المتحدة وإسرائيل بـ"حماية حرية الملاحة" و"مكافحة الإرهاب"، أثرت بشكل كبير على المدنيين، حيث تفاقمت الأزمة الإنسانية في اليمن، إذ يحتاج ٢٣ مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة (٢٠٢٢). الخطاب الإعلامي صور الحوثيين كـ"إرهابيين مدعومين من إيران"، متجاهلاً دور الضربات الغربية والإسرائيلية في تعميق المعاناة الإنسانية. هذه الأمثلة ليست استثناءات، بل جزء من نمط تاريخي. المسلمون لم يكونوا مصدر الإرهاب، بل كانوا هدفه الأساسي. لكن البروباجندا الغربية، عبر السينما، الأخبار، والروايات السياسية، قلب الحقائق: الضحية أصبحت الجاني، والمحتل أصبح المدافع. ومن منظور علم النفس الجمعي، الصورة النمطية للمسلم كإرهابي هي نتاج "الإسقاط النفسي". المجتمعات الغربية، التي تحمل تاريخًا من العنف الاستعماري، تحتاج إلى شيء آخر تلقي عليه ذنبها. المسلم، بثقافته المختلفة ودينه المرتبط تاريخيًا بالمقاومة، أصبح الهدف المثالي. هذا الإسقاط ليس مجرد تحيز عفوي، بل هو نتيجة عملية منهجية ووسائلهم: -الإعلام كسلاح: منذ التسعينيات، أصبحت هوليوود أداة رئيسية في تشكيل الصورة النمطية. أفلام مثل True Lies وRules of Engagement صورت المسلمين كمتعصبين يهددون "الحضارة". هذه الصور تتغلغل في اللاوعي الجمعي، مما يجعل كلمة "الله أكبر" مرادفة للخطر، رغم أنها تُستخدم يوميًا في الصلاة. -الخوف كأداة سياسية: الخوف من "الإرهاب الإسلامي" أصبح مبررًا لتشريعات تقيد الحريات، مثل قانون Patriot Act في أمريكا، وتبرير الحروب. المسلم، كتهديد دائم، يُبقي المجتمعات في حالة تأهب، مما يعزز السيطرة الحكومية. -فلسفة الآخر: من منظور فلسفي، يحتاج الإنسان إلى "آخر" لتعريف ذاته. الغرب، في سعيه لتأكيد تفوقه الحضاري، اختار الإسلام كـ"النقيض". هذا الاختيار ليس بريئًا، بل هو نتيجة صراع قوى. كما يقول إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، فإن تصوير الشرق كـ"متخلف" هو أداة للهيمنة، لا مجرد سوء فهم. وهنا نعود إلى أبا مريم. فإن ركزت لمدة ثانيتين في صورته المنتشرة سترى ملابسه المهترئة، وقميصه الوحيد المشدود على عضلاته مما يظهر انه رجل اعزل وبالتأكيد سيكون اعزلًا فقد تم القبض عليه وصفدت يديه بالفعل، برغم ذلك، حبل بسيط جعل الجموع تتخيل القنبلة الوهمية التي ربطت على خصره مع هتافه بكلمات يرددها الملايين يوميًا، لأن عقولهم مبرمجة لرؤية التهديد في كل مسلم. هذا المشهد ليس مجرد لحظة درامية، بل هو تجربة اجتماعية كاشفة. مصطفى في هذه اللقطة كان يتحدى قرنًا من البروباجندا. كان يسأل، دون أن ينطق: لماذا ترون القنبلة في خصري العاري لمجرد امساكي بحبل؟ لماذا تسمعون الانفجار في التكبير؟ لماذا أنا، بمجرد وجودي، أصبحت تهديدًا؟ ويُعجبني في اختياره لرباط الحذاء إبرازُه لرمزيةٍ بليغة؛ إذ يكفي الحذاء، وهو أحقر ما يلبسه الإنسان، ليُرعب به الآلاف ممن صدّقوا فيه تلك الأكاذيب. أبا مريم من رأى فيه تهديدًا، رأى انعكاس تحيزاته. ومن رأى فيه إنسانًا، رأى الحقيقة. إنها مرآة التاريخ، التي عكست دماء المسلمين في العراق، فلسطين، البوسنة، لبنان، سوريا، شينجيانغ، الهند، واليمن، وعكست أيضًا بروباجندا قرن جعلت من الضحية عدوًا. السؤال ليس فقط "ماذا ترى حين ترى مسلمًا يكبر وفي يده حبل؟"، بل هو: "من علمك أن ترى ما تراه؟". الإجابة تقع في تقاطع التاريخ، السياسة، والنفس البشرية. إنها إجابة تتطلب شجاعة لمواجهة الحقيقة: المسلم ليس إرهابيًا، بل هو الضحية الأكبر لإرهاب العالم. كصحفية قضت سنوات في حفر الحقائق من تحت ركام الأكاذيب. لقد رأيت بنفسي كيف تُصنع الصور النمطية، كيف تُنسج الروايات لتحويل إنسان إلى وحش في عيون الآخرين. ايقنت أن الأكثر إيلامًا من استحلال دماء المسلمين هو السكوت. السكوت العالمي عن دماءهم، والصخب المدوي حين يُتهم مسلم بما لم يفعل. محور القصة لم يكن أبا مريم بل نحن. القصة هي عقولكم المشوهة بالروايات، قلوبكم المثقلة بالخوف، وصمتكم المريح أمام ظلم تاريخي. تعلمت أن الحقيقة ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي مواجهة لأنفسنا، تحيزاتنا، وما زُرع فينا. وصرخات المسلمين عبر عقود من التاريخ ليست صرخات فزع أو رعب مما يحدث لهم بل كانت صرخات وجود. صرخات تقول: نحن بشر، لنا أحلام، أوجاع، وآمال. لسنا القنبلة التي ترسمونها في أفلامكم، ولا التهديد الذي تبيعونه في عناوين أخباركم. في النهاية، المسلم ليس إرهابيًا، لأن التاريخ يشهد أنه الضحية. لكنه، أيضًا، ليس مجرد ضحية. هو إنسان، يحمل في قلبه إيمانًا، وفي وجدانه نية لإصلاح كل ما هو فاسد. المسألة ليست في ما تحمله يد المسلم، بل في ما تحمله عينيك أنت. الطريق طويل، وأن الحقيقة تحتاج إلى أصوات كثيرة لتُسمع. لكنني أؤمن أن كل سؤال نطرحه، كل مرآة نرفعها، هي خطوة نحو عالم أقل ظلمًا. *********** هنا كان إبراهيم يقود سيارة نوح برفقة هاجر ليتّجها إلى مكانٍ محدد لمقابلة أشخاصٍ معيّنين، قد لا يعلمون بوجوده، لكنه علم بوجودهم. انسلّت السيارة بين شوارع القاهرة، تلك الشوارع التي حُجبت عن عيني إبراهيم طيلة ثلاثة عشر عامًا. والأرض التي سُلب حقه في ملامستها طيلة تلك السنوات بدت له غريبة وأليفة في آنٍ واحد. كل زاوية تثير ذكرى، وكل صوت يعيد إليه حياةً غابت طويلًا خلف الأسوار. لطالما كرهها في الماضي، لطالما شعر أن بينه وبينها خصومة قديمة لا تنتهي؛ ضاق بطرقها المزدحمة، بأنفاسها الخانقة، بضجيجها الذي لا يهدأ، وتمنى في قرارة نفسه لو يبتلعها الزمن فلا يراها مجددًا، وتذكّر منبع هذا القرار وسفره بالطريقة غير الشرعية التي أودت به إلى كل هذا. ولكن، منذ أن عاد، تغيّرت روحه، وكأن عينيه قد غُسلتا بحنينٍ طويل. أصبح يرى الشوارع ذاتها بعينٍ أخرى، يراها بعاطفة لم يعرفها من قبل، يشتاق لأرصفتها كما يشتاق الغريب لتراب بلاده. كمن عثر على ألبوم طفولته بعد أن ظنّه فُقد للأبد، فتأمل فيه كلّ ندبة، وكلّ ظل، وكلّ شمسٍ سقطت على جبينه. أصبح يتعطّش لشوارعها كما يتعطّش الناجي من الغرق لأول نَفَس فوق سطح الماء. المدينة تمضي في حياتها اليومية، غير عابئةٍ بهما، وعينا إبراهيم لم تكن للطريق فحسب، بل تنقّبان عن كل تفاصيل؛ يرى كل شيء بحدّة من فقد الألفة طويلًا ثم استردّها فجأة. وجوه الناس المنهكة الغافلة، رائحة الأرجيلة عند مروره بمقهى الرجال، صرير الحديد في أبواب المحال، صخب الدراجات والحافلات الممزوج بالسائق وهو يكرّر اسم الحي الذي يتجه إليه، ضحكات الأطفال المساكين وهي تتقافز بين الأرصفة... كل تفصيلة كانت تُربكه وتُحييه في آنٍ معًا. المدينة لم تعد كما كانت، لكنها أيضًا لم تخنه. وإبراهيم، بقلبٍ شارف على اليباس، بدأ يشعر بأطراف الحياة تُنبت داخله مجددًا. وهاجر إلى جواره، صامتة كعادتها، ونظراتها الموجّهة إلى الطريق لا تخلو من يقظة؛ فترقب انبعاثه قطعةً قطعة، وكأنها تخشى أن ينهار من فرط اللقاء، أو أن ينهض أكثر مما يحتمل قلبه المعجون بالألم. اجتازت السيارة كورنيش النيل، فتراءى له الماء ساكنًا، كمرآة كونية تنعكس فيها صورة رجلٍ نجا من موته الخاص. عقله لم يعد يصوّر له أن العالم بهذه الشساعة. تذكّر لحظة التحرر، كيف ظنّ أن العالم أضيق من زنزانته، لكنه الآن يرى القاهرة أوسع من الروح، وأصدق من كل شيء. لم ينظر إلى هاجر، ولم تحتج نظرة؛ وجودها جواره كان كافيًا لتصير الرحلة ممكنة، لألا يغلبه الدمع وهو يمرّ فوق ركام الأيام. استمرّ في قيادة السيارة، ومعها يقود نفسه خارج الأسى، خارج الحداد الطويل، خارج الغياب. وفي قلب المدينة التي عرفها طفلًا، واشتاقها سجينًا، وعاد إليها رجلًا مكسورًا يتلمّس نبضه من جديد. بينما كانت السيارة تشقُّ الطريق الطويل، كان إبراهيم يسرد لها ما رآه الفجر بصوت محمّل بالوجل، وانهى حديثه بقوله: _أنا مرعوب بصراحة، أول مرة أهلوس بيه بالشكل دا، خايف ميكونش راضي عني. كعادتها حين تتسرّب مشاعر القلق في ثنايا الكلام، تلجأ الى السخرية محاولة أن تطمئنه بجرعةٍ من خفة ظلها: _ميكونش راضي عنك إزاي؟ انت بتعامله معاملة السيد البدوي ليه كده؟ _الياس أهم عندي من السيد البدوي. تبادلا الابتسامات من بعدها، ثم أردف بصوتٍ فيه شيء من التنهيدة: _شكلي قصّرت في دعائي ليه. دعيتله كتير في صلاتي، وهفضل أدعيله لحد ما أموت. يارب يكون مرتاح. _يارب. عاد الصمت ليخيّم بينهما، لكن إبراهيم لم يرضَ له بالاستقرار طويلًا، ففتح باب الحديث من موضع آخر، مترددًا قليلًا قبل أن يسأل: _حسيتي بالإحساس دا قبل كده؟ إنك تفقدي حد بتحبيه أوي؟ سكتت هاجر، ثم تنهدت وقالت، بصوتٍ اتشح بشيءٍ من المرارة: _أكتر حاجة أنا حاسة بيك فيها، فكرة إنك تقتل صاحبك غصب عنك وتفقده وإنت بتحبه أوي... دا حصل مع سارة وأنا صغيرة، وكانت أول واحدة أقتلها في حياتي. تخيّل يكون أول حد نقتله هو أكتر حد بنحبه؟ بس في حد تاني لما خسرته زعلت أوي أوي أوي، ريهام. تبدّى الاستغراب على وجه إبراهيم وهو يكرّر الاسم: _ريهام؟ غادة محكتليش عن حد بالاسم دا. _غالبًا قالتلك إنها أم مصطفى، مش بالاسم. الست دي يا إبراهيم عيشتني مدة من حياتي ماظنش إني هعيش زيها قبل كده، بسبب حنانها وأسلوبها في الحياة. كانت أم بجد!... بدأت هاجر تنسج ذكرياتها عن ريهام بخيوطٍ من الحنين العذب، وتلوّنت نبرة صوتها بحنانٍ حقيقي وهي تستحضر دفء امرأةٍ عرفت كيف تكون أمًّا دون أن تلد. تكلّمت بشغفٍ يشبه اندهاش الطفلة حين تمسك بيدها هديةً لا تصدق أنها لها، وقالت: _عارف كنت حاسة بإيه معاها؟ عارف انت لما تعرف بإحساس إنت متأكد إنك عمرك ما هتحسّه في حياتك، ولما حسّيت بيه اندهشت جدًا؟ شعوري زي اللي قابل مشهوره العالمي المفضل، أو إحساس اللي وقعت تحت إيده سبيكة دهب... أهو أنا كنت حاسة بالإحساس دا لما كنت عايشة مع ريهام، لأن وقتها شُفتها أم بجد، وكانت بتتعامل معايا على إني بنتها بجد. كانت بتتصرف معايا تصرفات كنت بشوفها في التلفزيون بين أم وبنتها، ولما بشوف دا كنت بحس زن دا مشهد خيالي مستحيل يحصلي، بس حصلتلي مع ريهام، الله يرحمها. كنت بناديها ماما وكانت بتفرح أوي، كانت ست جميلة أوي، وخسارتها لحد دلوقتي مأثرة فيّا، لأني متأكدة إن عمري ما هحس مع حد نفس الإحساس اللي حسّيته مع ريهام. الحمدلله إن ربنا خلاني أحس الإحساس دا عمومًا حتى لو في فترة مؤقتة. أصغى إبراهيم لكل حرف، كأنما يخزن كلماتها في ذاكرته ويمنحها مقامًا خاصًا في قلبه. وحين انتهت، رفعت عينيها نحوه وقالت بتهكم: _أتمنى متقوليش الكلمتين بتوع "أنا موجود وهبقى مكانها"... متحاولش. ضحك إبراهيم بهدوء وقال: _لا، في دي مش هقدر بصراحة. وبينما كانت الضحكة الأخيرة تتردد في فضاء السيارة، بدأت ملامح الحي تتبدى شيئًا فشيئًا أمامهما، حتى اقتربا من بوابة إحدى الحدائق العامة، واسعة وحديثة وأنيقة، يكسوها طابع من الرقي والسكينة. أوقف إبراهيم السيارة بمحاذاة الرصيف، وتردد للحظة قبل أن يسأل، صوته يحمل قلقًا مموّهًا: _متأكدة إنهم هنا؟ _آه.. سليم قالي إنها حكيتله إنهم بييجوا المكان ده كل خميس من الصبح لحد بالليل، وأمها بتبقى مع صحابها وكده. تأمل إبراهيم وجهه في المرآة الداخلية للحظة، فلاحظ أن الوشم أسفل عينه بدأ يتسلل من تحت كريم الأساس، كعلامة تستعيد عنادها في الظهور رغم محاولات الإخفاء. التفت إلى هاجر وقال وهو يقطب حاجبيه قليلًا: _معاكي الفاونديشن يا هاجر؟ بدأ يروح، معلش حطيلي تاني. معرفش إيه البتاع ده، غادة معندهاش واحد أقوى؟ ردت هاجر، وهي تفتح حقيبتها وتخرج العبوة الصغيرة، بلهجتها العفوية المعتادة: _أختك مش محتاجة فاونديشن والله، عشان كده هي جايبة أخف حاجة. أخرجت فرشاة صغيرة، وضغطت برفق لتضع عليها عددًا من النقاط من كريم الأساس. مدّ إبراهيم عنقه قليلًا نحوها، جالسًا في مقعده ساكنًا، ثم اقتربت منه بهدوء، وقد تنفست نفسًا خفيفًا قبل أن تشرع في وضع اللون فوق جلده. كان ضوء النهار ينسكب من الزجاج الأمامي ويغمر وجه إبراهيم، فيجعله أكثر صفاء، أكثر قربًا، وأكثر خطرًا. لمسة بالفرشاة خفيفة تتلوها أخرى، وكلما اقتربت الفرشاة من بشرته، اقترب وجهها من وجهه، حتى صار نفساهما يختلطان في تلك المسافة الصغيرة التي لا تسمح بكلمات زائدة ولا بتجاهل. وعندما رفعت عينيها لتتفقد مستوى التغطية، التقت نظرتها بنظراته فجأة. كان ينظر إليها لا كمن يتأمل، بل كمن وقع في لحظة سهوٍ جميلة، تجمد فيها الزمن. عينا إبراهيم، كان فيهما دفء غير مألوف، تقولان شيئًا لم يُنطق بعد. تلبّك قلب هاجر، واهتزت الفرشاة بين أصابعها للحظة، فنظرت سريعًا نحو البقعة التي تعمل عليها، متظاهرة بأنها ما زالت منشغلة بمهمتها. لكن ارتباكها فضح نفسه في رعشةٍ صغيرة بجفنيها، وفي تنهيدة مكتومة خرجت بلا إذن. سرعان ما أنهت المهمة ثم تمتمت بنبرةٍ عالية لتكسو ارتباكها: _كده تمام... لكنه لم يُبعد عينيه، لم يُغير وضعه، ولم يشأ أن تنتهي اللحظة، بينما هي أرجعت يدها بسرعة ووضعت كريم الأساس في حقيبتها، تلتقط أنفاسها وتُعيد ترتيب قلبها الذي اختلَّ توازنه فجأة. فتحت باب السيارة لتكسر السكون: _يلا بقى خلينا نخلص من المشوار ده. أومأ إبراهيم، وكأنه يخرج من حلمٍ صغير، ثم ترجّلا معًا واتجها إلى بوابة الحديقة ودفعا تذكرة لكل منهما، والتي كانت باهظة الثمن، ثم دخلاها. تسللت الخضرة الكثيفة لتؤطر الطريق، حيث كان الممر محاطًا بأشجارٍ شاهقة، والزهور تتفتح بألوانٍ متناسقة بترتيب يُظهر إبداع الله. المكان كان يفيض بالحياة، يعجّ بالزوار والمارة والعائلات، أطفالٌ يركضون كأن الأرض مفروشة بالفرح، وعائلات وعشاق يجلسون على المقاعد الخشبية يتبادلون الحديث بنظراتٍ أكثر من الكلمات. ضحكات تتعالى من جهة، وبائع متجول ينادي بعفوية من جهة أخرى، بينما طيور الحمام تحطّ بأمان قرب المارة وكأنها جزء من الحكاية. أما إبراهيم وهاجر فظلا يسيران وهما يجولان بأعينهما بحثًا عن بعض الأشخاص الذين جاءا ليتفقدوهُم، حتى وصلا إلى بقعة معيّنة، فقالت هاجر: _أهم هناك. التفت إبراهيم ليراهم: تاليا، سيدرا، وريتاج، أخوته من زوجة أبيه الأخرى. *********** مرّت خمس عشرة دقيقة ثقيلة كالعمر، وفياض ما زال جالسًا في حمام نوح على حافة حوض الاستحمام، رأسه محني، وذهنه مشتبك، كأن كل خلية فيه تصرخ بأسئلة لا تملك أجوبتها. ظن أنه باح بكل الأسرار ولكنه علم الآن من سؤال نوح الأخير أن هناك سرًّا دفينًا آخر، وما انكشف لنوح ليس إلا سطح الحقيقة، وأن تحت هذا السطح يكمن طوفان. لا يعلم، إن قام بإخراج هذا الطوفان إلى النور... هل سيكون نعمة تُحرر، أم نقمة تُفني؟ حاول أن يدرب نفسه على إخفاء كل ردات فعله، أن يُمسك بزمام لسانه، وألا يدع لملامحه أن تفضحه. وبعد دقائق من التماسك المصطنع، نهض، واستنشق نفسًا، وهيّأ ملامحه، وخرج من الحمّام بخطى محسوبة. وأخيرًا بعد خمس دقائقٍ أخريات، استقام واقفًا، أخذ نفسًا عميقًا، ومسح على وجهه كمن يحاول طمس الحيرة، ثم خرج من الحمّام بخطوات موزونة، وكل ما فيه يصرخ بالارتباك المكبوت. وما إن تقدّم نحو الشرفة... حتى رأى نوح، وقد غفا. تنهد فياض تنهيدة عميقة؛ ففي غفوته تلك فسحة نجاة من مواجهة مؤجّلة، أو استراحة محارب في معركة صدقٍ لم يُردها أن تبدأ. نظر إليه وهو غافٍ على الكرسي المتحرّك، مائل الرأس، تتنفس أهدابه في هدوء طفلٍ أعياه البكاء. وهنا بكل حنوٍّ لم يُستدعَ، وبعاطفةٍ أبوية لا تستأذن، قرر فياض أن يحمل عن نوح تعب اليقظة، ويمنحه لحظة راحة يستحقها. أمسك بالكرسي وبدأ يدفعه برفق. دخل به الغرفة ووصل به إلى جانب السرير وتملّكته رغبة عارمة في أن يحمله بذراعيه كما يحمل الأب ابنه إلى فراشه، لكن الجسد أثقلته السنون، والعضلات لم تعد تقوى على المغامرة، فمال عليه برفق، وهمس بصوتٍ مبللٍ بالود: _نوح... حبيبي، السرير جنبك أهو، يلا اطلع عليه ونام. فتح نوح جفنيه نصف فتحه، ثم تسلّل صاعدًا إلى السرير ببطء، مستسلمًا هاربًا من حياةٍ بأكملها إلى دفء الفراش. تمدّد على جنبه، وسكنت أنفاسه تدريجيًا، فيما مدّ فياض يده، وغطّى جسد نوح بلحافٍ ناعم. وما إن همّ فياض بالانسحاب حتى استوقفه صوت نوح خافتًا وملتفًّا بوهنٍ: _خليك قاعد معايا... مش عايز أبقى لوحدي. تجمّد فياض في مكانه، ثم استدار، واقترب ملبيًا طلبه بكل سرور، ثم جلس على طرف السرير بجانب رأس نوح، وبعدها بدأ يحدّق في ملامح نوح الغافية، كمن يقرأ كتابًا طُبع بالحزن. شعر فياض بهشاشة هذا الشاب، لا في ضعفه، بل في ذاك النقص العميق الذي يسكُن في الظلال بين جوانحه… نقص لم تُرمّمه الأعوام، ولم تُفلح في رأبه المحاولات. كان عقل فياض يضجُّ باكتشافٍ غائر: وهو أن نوح لم يكن بحاجة إلى كتفٍ فقط، ولا إلى نصيحة، ولا حتى إلى تعاطف. كان يحتاج أبًا. نوح لم يُحرم من الحنان؛ فقد أغدقته عليه أمه حتى فاض به. تعلم منها التعاطف، والتفهم، والذكاء العاطفي، وتشرّب منها القيم العليا والصفات الأخلاقية، حتى بات قلبه مرآة طاهرة لكل من حوله. ورغم كل ما اكتسبه من والدته، ظلّ يتخبّط من الداخل بلا مرساة. فالاتزان النفسي لا يُلقّن، والقوة الهادئة لا تُكتسب بالكتب، والصرامة الرحيمة الحكيمة لا تُعطى إلا حين ينشأ المرء في ظلّ رجل يعرف متى يُمسك ومتى يُفلِت، متى يُرشد دون أن يجرح، ومتى يردع دون أن يُرعب. قوة نوح النفسية التي إن وُجدت قد تنقذه من أهوال كثيرة وقع فيها بسبب نفسه لن تُنبت إلا في ظلّ أبٍ حاضر، يزرع الحزم بلا قسوة، ويوجّه بصلابة دون أن يكسر. الفراغ الذي تركه غياب الأب في حياة نوح لا يُملأ بسهولة، وائل حاول ملء هذا الدور، ربما بإخلاص... ليلى كذلك. لكن شيئًا ما لم ينجح، لا بسبب تقصيرٍ منهما بالضرورة، بل بسبب الجحيم الذي عاشوا فيه جميعًا، ذلك الذي لم يُبقِ لهم متسعًا إلا للنجاة لهم ولمن حولهم. تنهّد فياض، وعيناه لا تفارقان ذلك الوجه المستكين في نومه، ثم مدّ يده برفقٍ مفرط، وبدأ يمسح على شعر نوح بحنانٍ صامت. لقد باغتته الأفكار والتساؤلات: هل فات الأوان ليكون له أبًا؟، وإن فعل، هل سيصيب في الأمر أم سيخطئ كما أخطأ وائل وليلى؟ لم يكن هذا سؤالًا عن نوح فقط. بل عن كل أولاد داغر. أولئك الذين خرجوا من النار، بلا يدٍ تمسكهم، بلا صدرٍ يأويهم، بلا صوتٍ يُربّت على الخوف في قلوبهم. قد يبدو في ظاهر الأمر أن مصطفى وعلا قد نجوا، بما نالاه من حنان أبوين متّزنين، فخرج فكرهما مستقيمًا، وحكمتهما راسخة كجذع شجرة نبتت في أرضٍ مطمئنة. لكن في المقابل، كان ثمة من سقط في الفجوة منذ البدء، كهاجر وعصام، أولئك الذين فقدوا الأب والأم، فلوّثت الوحشة أرواحهم، وشربوا من كأس الرجس والتيه، فلا تعجب إن خرجت قراراتهم مسنودة إلى ظلال مشوّهة لا إلى جذور راسخة. أما نوح وسليم، فقد كبرا تحت جناح الأم وحدها، تحملت ما لا يُحتمل، منحت، وربّت، واحتضنت، لكنها ومهما عظُم عطاؤها لم تكن يومًا لتسدّ ذاك الفراغ الصامت... فراغ الأب. كان فياض يراهم جميعًا الآن بعين مختلفة. بعين رجلٍ لم يعُد ينظر من موقع المتفرّج أو المعزّي، بل من موضع من قرر أن يملأ هذا الغياب… أن يساند، أن يرمم، أن يلعب الدور الذي ظلّ مفقودًا في حياتهم، حتى وإن تأخر كثيرًا. ابتسم فياض ابتسامة خافتة، امتزج فيها الإيمان بالتحدّي، والرهبة بالعزم، كانت أشبه بابتسامة المقاتل الذي أدرك متأخرًا أنه لم يخض معركته الأخيرة بعد... ولن يخوضها بالسيف، بل بالقلب. نعم، لم يُرزق سوى ابنةٍ واحدة، لكن يبدو انها لن تكون آخر ما يُمكن أن يولد له من بنين. فها هو الآن يقرّر، لا بخفة العاطفة بل بثِقل القناعة، أن يكون أبًا لثمانية. واحد منهم نائمٌ أمامه الآن… والبقية، في مكانٍ ما من هذه الحياة، بانتظاره. وبين لمساتٍ هادئة من يد فياض على شعر نوح، ونَفَسٍ يعلو ويهبط بانسجام، غطّ نوح في نومٍ عميق... وظل فياض جالسًا، ساهرًا كظلّ أبٍ لم يعرف الراحة إلا حين ينام ولده بأمان. ********** حين رأى إبراهيم اخوته توقف في مكانه، وعيناه قد فرغتا من كل شيء سوى ذلك المشهد. هناك، عند مقهى مفتوح فاخر، رأى ثلاث فتيات، يضحكن، يتبادلن الحديث، ويشربن عصائر ملوّنة بألوان الطفولة. تالْيا جالسة مع والدتها وأصدقائها، وسيدرا وريتاج تلعبان في الحديقة وتركضان بمرحٍ وبهجة. إذًا، تلك المرأة التي كانت جزءًا من الأزمة المالية التي طالته هو وأمّه وغادة، والتي لطالما سمع اسمها من قصاصات الحديث، من فلتات الغضب، من سطور الذنب المسكوت عنه... هي الآن قد أنجبت من هذه المعاناة أسماءً، واتخذت الأسماء ملامح، لحمًا ودمًا، وضحكات ترتدّ في الأفق، وهنّ أخواته. ظل إبراهيم ينظر إليهنّ بنظرة ساكنة رغم مشاعره المشتتة. لم يجرؤ على التقدّم، ولم يكن في قلبه ما يبرّر هذا التردد سوى مزيج مربك من الوجع والعطف. وقف يتأملهنّ من على بُعد أمتار، وعيناه تتحركان بينهنّ بحذر. لم يكن في وجوههنّ شيء من أبيه، ولا من قسوته؛ يبدو أن الله صورهم في خلقه أنقى، أهدأ، أكثر براءة. _قولتيلي الصغيرة اسمها إيه؟ سأل إبراهيم، لتجيبه هاجر: _ريتاج. ارتسمت على شفتيه ابتسامة بسيطة حين تذكّر زوجة إلياس، ثم قال: _ريتاج... اسم جميل. واضح إنه اسم مخصص للحبايب. شعر بشيء يلامس قلبه لم يتوقعه… بحنينٍ خام، طازج، ينبت للمرة الأولى كزرعٍ لم يمسّه بشر. لم يكن ذلك الحنين مقرونًا بماضٍ شاركوه معه، بل بأمنية دفينة، رغبة صامتة في أن يكون له هو وغادة مكان في هذا النعيم الذي سُلب منهما، وإن جاء متأخرًا جدًا. اكتفى إبراهيم بأن يغمرهنّ بعينيه، محاولًا أن يحفظ ملامحهنّ في ذاكرته، يخبئهنّ في قلبه، كأنّ النظر إليهنّ حق لا يريد أن يضيّعه بالتقرّب. وهاجر تراقب جانبه في صمت، وشعرت بتلك الرجفة الطفيفة التي تسري في كتفه، بتلك النظرة التي تنزف بما لا يُقال، لكنها لم تقاطعه… ولم تشأ أن تُفسد عليه تلك اللحظة، التي ربما، رغم صمتها، كانت من أثقل اللحظات في عمره. بعد لحظات من الصمت المثقل بالمشاعر، التفت إبراهيم بهدوءٍ تام، ليحتفظ بتلك الصورة في أعماق قلبه دون أن يزعجها بكلماتٍ أو حركات، وسار مبتعدًا عن تلك البقعة. ثم تبعته هاجر بصمتها المعتاد، تسير بجانبه كظلٍ رقيق، لا تعترض طريقه ولا تسأله، تكتفي بمشاركته هدوء اللحظة؛ فهي تعلم أن الكلمات قد تكون عبئًا ثقيلًا لا حاجة له الآن. رغم صمت المشهد بينهما، لكنه كان أبلغ من أي حديث، يحمل في طياته حضورًا دافئًا، ينسج حولهما شبكة من الأمان المتبادل. ومع سيرهما عبر الممر، مرّا بفنان بارع جالسٍ وحوله الأطفال، يرسم على وجوههم بألوان زاهية وأشكال متعددة، يتقاضى أجرًا زهيدًا لقاء تلك اللحظات الصغيرة من السحر الطفولي. حين لمحته هاجر، ابتسمت ابتسامة دافئة، وقالت لإبراهيم بنبرة تحمل لمسة من المزاح والحنان: _افتكر غادة حكيتلي إنك قولتلها إنك قعدت تعيط ليلة بحالها عشان أمك رفضت إن الراجل يرسم على وشك باتمان. توقف إبراهيم، وعقد حاجبيه بابتسامة تعجب شديدة: _عرفتي إزاي؟ قالت هاجر وهي ترفع منكبيها بثقة خفيفة: _غادة حكيتلي عنك كتير لدرجة إني حاسة إني عارفاك من زمان. التفتت هاجر للرسام، وأردفت لإبراهيم: _تيجي ننتهز الفرصة ونحقّق حلم طفولتك؟ ردّ إبراهيم بدهشة وامتعاض هادئ: _إنتِ بتهزري؟ عايزاني أرسم على وشي باتمان وأنا تلاتين سنة؟ ابتسمت هاجر بثقة متمردة قائلة: _هو باتمان ليه سن؟ سكت إبراهيم قليلًا وقد شعر أنها أقنعته، واستسلم لتلك الدعابة التي لا تُقاوم، ثم قال: _ماشي... بس بشرط، إنتِ كمان ترسمي على وشك كاتوومان... حبيبة باتمان. _يا عم اللي تشوفه. بعدها بقى نجيب آيس كريم توت لإن الجو حر أوي. رفع إبراهيم حاجبيه مندهشًا وهو يقول: _حتى آيس كريم التوت اللي بحبه قالتهولك؟ أومأت هاجر برأسها وهي تضحك، واحتدت بينهما لحظة من الوصال اللطيف، تملأ الهواء بنكهة الصداقة والمودّة. وها هو إبراهيم يتقدّم ويجلس على المقعد الخشبي الصغير أمام الفنان، بينما التفَّ بعض الأطفال من حوله يحدّقون بدهشة في الرجل الكبير الذي اختار أن يصير باتمان، فابتسم بخجل، تاركًا لوجهه أريكةً للفرح، وما إن انتهى من رسمه حتى نهض إبراهيم لينظر في المرآة الصغيرة المعلقة بجانب الطاولة. نظرته كانت مزيجًا من الدهشة والحنين؛ كأنه يرى الطفل الذي ضاع وسط الاستعباد والعذاب لأول مرة. ثم تقدّمت هاجر، تجلس بثقةٍ لا تخلو من عبثٍ طفولي، وقالت للفنان إنها تريد أن تكون "كاتوومان". كانت ضحكتها خفيفة، وعينيها كانتا تتلألآن بشيء أعمق، شيء يشبه النجاة الحقيقية المبهجة، وليست النجاة القاسية التي علّمها لها والدها. راقبها إبراهيم بصمت، وهو يتأمل كيف تحوّلت ملامحها إلى حكايةٍ أخرى، كما لو أنها تلبس جلدًا جديدًا لا يحمل دماء الضحايا ولا رذاذ البارود. بعد الرسم، سارا في الممر الهادئ، تحت ظلال الأشجار، والزهور تحني رؤوسها لهما، كأن الطبيعة تحتفل بطفولتين مسروقتين قررتا أن تعودا في هيئة لحظة. ثم وصلا إلى عربة المثلجات، فاختار إبراهيم نكهته القديمة التي لم يذقها منذ سنين: التوت. وبعد ان اخذها مثلجاتهما سارا مجددًا وسط الزحام، كلٌّ منهما يحمل كوبًا من المثلجات يأكلان منه مستمتعَين، وقلوبهما تمسك بأكثر من ذلك. كانت اللحظة، في ظاهرها، مجرّد نزوةٍ طفولية، رسم على الوجوه ومثلجات في مساءٍ صيفي. لكن في باطنها، كانت أشبه بإعادة إعمار. اثنان نزفا من الداخل حتى جفّ القلب، شاهدا أصدقاءهما يُقتلون، وأحبابهما يُعذَّبون، وجسديهما ما زالا يحملان آثار الألم، لكنّ أرواحهما... كانت تبحث عن ثغرةٍ يدخل منها الضوء. وفي هذه اللحظة، كان الضوء قد دخل فعلاً. كأنما كانت أرواحهما تُنفض من غبار العتمة، وتلك البسمة المرسومة على وجه إبراهيم خرجت من رحم الشقاء بعد مخاضٍ طويل، ولم تولد اليوم. كانا يسيران كمن نجوا من المقصلة، لا يدركان تمامًا أنهما على قيد الحياة، إلا حين يلمس جلدهما النسيم، ويشمّا رائحة الياسمين المندسّة بين الأشجار، ويضحكان... ضحكاتٍ حقيقية، كاملة، لا تُستخرج بالقوة، بل تتسرّب وحدها من بين الأضلع. كلاهما، قبل شهورٍ طويلة، كانا يعبران الحياة وكأنها سجنٌ مؤبّد بلا نوافذ. لا نور، لا استراحة، لا أمل. لكن الآن، كانا يلعقان المثلجات بطرافة الأطفال، ويتبادلان المزاح. لحظات بسيطة، بالنسبة لهما، كانت نصرًا هائلًا. كأنهما، أخيرًا، التقطا أنفاسهما بعد غرقٍ طويل. تواريا عن ضوضاء الحديقة إلى بقعةٍ هادئة، حيث غفت الأرض تحت ظلّ شجرةٍ وارفة، فتقاسما السكون كما تقاسما الضحك من قبل، وجلسا وقد نهكهما السير والحديث والمثلجات. جلست هاجر بجانبه متربّعة، تطل عليه بنظرة يكتنفها فضول حنون، ثم سألت: _مروحتش قابلت إخواتك ليه؟ _معرفش بصراحة... مقدرتش، ومكنتش مستعد، حسيت إن الموقف أكبر مني رغم إنه بسيط، بس... شايف إني بعد ما أتعافى هيبقى عندي القدرة إني أقابلهم وأواجه أبويا أحسن.. أجابها إبراهيم بنبرةٍ تنضح بهمٍّ لطيف. ثم ساد الصمت لبرهة، قبل أن يخرقه باعترافٍ صادق: _نفسي في سيجارة.. أخرجت هاجر علبة صغيرة من جيب بنطالها، ومدّت يدها بسيجارة وهي تبتسم قائلة: _آخر واحدة، تعالى نخمسها أنا وانت. تلقّاها إبراهيم بابتسامة، ثم أشعلها وسحب منها نفسًا عميقًا، فإذا به يتذوّق مرارةً يعرفها جيدًا، مرارةً لم تكن من التبغ، بل من تلك الأيام المأساوية التي كان يتوسل فيها للسيجارة كي تسكن ألمه. لم يعترف، بل مرّرها لهاجر بصمت وهو يسألها: _محسّيتيش الإحساس ده وإنتِ بتدوري على إخواتك؟ يعني شعورك أول مرة شوفتي سليم فيها كان إيه؟ رفعت منكبيها بلا اكتراثٍ ظاهري، وردّت ببساطة بعدما استنشقت نفسًا وهي تعطيه السيجارة: _شعوري كان عادي بصراحة، أنا مش من النوع اللي بيفكّر كتير، لو فكّرت كتير هتجنّ زي نوح. ضحك إبراهيم وهو يستعيد السيجارة، وحين أمسكها نظر إليها نظرة طويلة، ثم قال بنبرةٍ تخلّلتها رغبة هادئة: _تيجي نبدأ رحلتنا في التعافي دلوقتي؟ _إزاي؟ _تعالي نبطل سجاير... بجانب إنها مضرة، بس هي برضو شايلة في طعمها جزء من ماضينا.. لو بطلناها هتبقى خطوة حلوة للتعافي والتخطي... إيه رأيك؟ بدت هاجر مترددة، ثم قالت: _ماشي، بس استنى نخلّصها الأول وبعدين نبطلها. ابتسم إبراهيم، وهزّ رأسه نافيًا برقة، ثم ألقى بالسيجارة أرضًا وسحقها بحذائه في حزم، وهو يتمتم: _التعافي مينفعش يبقى فيه "استنى". سكتت هاجر، وحدّقت فيه لحظة، ثم أنزلت بصرها وخاطبته بخجلٍ طفيف وهي تخرج العلبة كلها من جيبها: _طب خد بقى العلبة كلها... بصراحة ماكانتش آخر واحدة، أنا قلت كده علشان...... خـ.. خد وخلاص بقى، ارميها ولا اعمل فيها أي حاجة. أخذها منها وهو يبتسم، كأنها سلّمته قطعة من قلبها، ثم نهض بخفة وتوجّه إلى أقرب صندوق قمامة، وألقى بها فيه دون أن يتردد. عاد بعدها وجلس بجانبها من جديد، وفجأة، ودون مقدمات، قال: _تعالي نتجوز. كمن لدغتها الصاعقة، اتسعت عيناها، والتفتت إليه بسرعة تحمل بين طيّاتها كل معاني الذهول: _نعم؟! _إيه؟ _هو إيه اللي إيه؟ إحنا لسة شايفين بعض من يومين! _وفيها إيه؟ الجواز هيبقى خطوة فعّالة في رحلة تعافينا. _وبعدين في رحلة التعافي بتاعتك دي؟! ضحك إبراهيم بملء قلبه، ثم مال نحوها قليلًا، وقال بنبرةٍ تحمل مزيجًا من الجدّ والمودة: _بُصي، هفهمك. لو بدأنا الرحلة سوا وإحنا كده، فغصب عننا لازم يبقى فيه حدود بيننا. بس الحدود دي أنا شايفها هتعيق تأقلمنا مع بعض ومع تعافينا سوا. أنا بقول أتجوزك هنا مش لغرض جنسي قد ما هو لغرض تأقلم وارتياح... علشان نمسك إيدين بعض مسكة حلال، نبصّ لبعض بصّة حلال، نشتكي لبعض ونعياط في حضن بعض... وهكذا يعني، إنتِ فهمتيني. ظلّت هاجر صامتة، متأملة ملامحه التي لم تعرفها إلا منذ أيام، لكنها شعرت كأنها تحفظها من طفولتها. تراجعت بنظرها قليلًا، وكأنها تفكر بصوت لا يسمعه سواها. ثم عادت إليه، ونظرت في عينيه وقد خفّت ذهولها، وقالت بنبرة خافتة تغلّفها ابتسامة صغيرة: _هو إنت إزاي بتقنعني بالسرعة دي؟ هنا ابتسما في اللحظة ذاتها، كأن الماضي قد تلاشى في هدأة الهواء، وولِد بينهما وعدٌ صامت أن هذه اللحظة، مهما كانت بسيطة، ستكون أول سطرٍ في صفحةٍ منيرة، يُكتَب فيها الفرح بلا خوف، والاقتراب بلا أقنعة، والمضيّ قدمًا بلا التفات. ************ ها هي رشا تمضي بسيارتها، وإلى جوارها على المقعد حقيبةٌ مكتظة بالطعام، قد أُحكم تغليفه بعناية. وبينما كانت تقود في صمتٍ ثقيل، رنّ هاتفها، فإذا بأشرف يتصل. أجابت على مضض: _أيوة يا رشا، إنتِ فين؟ _خير يا أشرف، في حاجة؟ _لا، بس قولت أطّمن عليكي. تنهدت رشا بتبرُّمٍ ظاهر، وقالت بنبرة مشحونة: _أشرف، لو سمحت، أنا قولتلك قبل كده متتكلّمش معايا إلا للضرورة. احترم رغبتي، من فضلك. _خلاص، طيب... أنا بس بتطمن، يعني. إنتِ لسه شغالة عند نوح ونجلاء كده كأنك بتخدميهم؟ _أنا عايشة طول عمري بخدم يا أشرف. وكوني بخدم ناس طيبة وفي الخير، ده عندي أحسن من اني اخدم في الوساخة. على العموم، أنا مشغولة، هستأذنك، وياريت ما تتصلش إلا لو في مصيبة كبيرة. _مصيبة كبيرة إزاي يعني؟ مش فاهم، يا رشا. قالت رشا، وقد بلغ التبرُّم بها ذروته حتى كاد يرشح من صوتها: _لو شوفت بصماتي على جثة الوالدة. سلام. ثم أنهت المكالمة، وأعادت نظرها إلى الطريق، تواصل قيادتها في صمتٍ مُثقل بالقرارات. في المنزل التابع لياسر، الذي اجتمع فيه كلٌّ من جمال وإسماعيل وأحمد ووليد، كان الهدوء سائدًا إلا من صوت نقرة الفأرة واحتكاك أصابع إسماعيل بلوحة المفاتيح. جلس أمام الحاسوب يتنقّل بين الأخبار والمقالات التي تملأ الصحف الرقمية عن مصطفى، يتصفحها بشغفٍ ممزوجٍ بالوجع، ويحتسي الشاي في محاولاتٍ بائسة لتخفيف وطأة الهمّ، كما اعتاد أبناء الشعب المصري أن يلجأوا لهذا المشروب الشعبي حين تعجز الكلمات عن التسرية. في تلك اللحظة، فُتح الباب، وعاد جمال من عمله المؤقت. كانت ملامحه تئنّ من التعب، وسحابة إرهاق تكسو وجهه. ما إن دخل حتى توجّه إلى الغرفة حيث يجلس إسماعيل، وجلس إلى جواره على السرير بصمتٍ ثقيل. دخل جمال، وألقى تحيةً سريعة، ردّ عليها إسماعيل وهو يقول متعجبًا: _ده إيه الشيفت الليلي اللي بيوصل للعصر ده؟ تنهد جمال بعمق، وقال بصوتٍ منهك: _معرفش بجد... الحمد لله. _شوفت مقال علا؟ أومأ جمال برأسه، وفي عينيه غصّة: _شُفته، بجد إنسانة ذكية وجمعت كل حاجة... بس والله قلبت علينا المواجع، حسبنا الله ونعم الوكيل. ساد الصمت بينهما للحظة، ثم ابتسم جمال ابتسامةً مريرة وقال بتهكّمٍ موجع: _لا وأنا اللي قولت إن إحنا هنحرّر الأندلس مع مصطفى. ضحك من سذاجته، من حماسةٍ كانت يومًا تملأ قلبه، فضحك إسماعيل بدوره، وقد حملت ضحكته مرارةً ممزوجة بالود: _بلاش اليأس ده يا جمال، ربنا قادر على كل شيء. وقبل أن يسترسل الحديث، دوّى طرق خافت على باب المنزل. نهض جمال متثاقلاً، واقترب بحذر من عين الباب، ليجد رشا واقفةً خارجه تحمل شيئًا بيديها. تراجع خطوتين، ثم التفت نحو إسماعيل وقال بصوتٍ خافت: _دي رشا جت تاني. عقد إسماعيل حاجبيه في استغراب وقال: _برضو؟ طب افتحلها يمكن جايبالنا أكل... بس ياريت تقولها متتعبش نفسها تاني، إحنا خلاص نقدر نضبط نفسنا. _طب قوم قولها إنت، عشان أحمد ووليد نايمين. _ياض افتحلها، خد الأكل واشكرها وخلاص، في إيه؟ أجاب جمال وهو يحرك رأسه بإصرارٍ حازم: _لا يا عم، مش عايز أخون علا. تنهد إسماعيل، ومسح وجهه بكفّه في حركة تدل على نفاد صبره، ثم نهض وذهب نحو الباب وفتحه. تبادلا التحية سريعًا، وقالت رشا وهي تمد إليه حقيبة الطعام: _دكتورة نجلاء عملتلكم الأكل ده، وزوّدت فيه عشان أحمد ووليد. ابتسم إسماعيل امتنانًا، وردّ بلطف: _شكرًا بجد، جزاكم الله كل خير... بس يا ريت متتعبوش نفسكم تاني، كده كتير علينا، وإحنا نقدر نتصرف ونطبخ، إحنا خلاص استقرّينا. ابتسمت رشا بدفء وقالت: _إنتوا صحاب مصطفى ووصيته، عشان كده نجلاء متقدّرش تنساكوا كده. بس متقلقش، هقولها في حالة لو ده بيتعبها... خصوصًا في حملها. أومأ إسماعيل برأسه ممتنًا، وما إن همّ بالدخول حتى استوقفته رشا قائلة: _نوح محتاج يتواصل معاك. تجمّد إسماعيل في مكانه، ثم التفت إليها غاضًّا بصره وقال: _أخو مصطفى؟ ليه؟ أخرجت رشا ورقة مطوية من جيبها، وناولتها له قائلة: _ده رقمه. هو محتاج يتواصل معاك ضروري... بخصوص عيلة عكرمة. ارتسم على وجه إسماعيل ظلٌّ من الضيق لم ينجح في إخفائه، وتحولت قسمات ملامحه لحظة إلى شيء أقرب للامتعاض، لكنه سرعان ما تمالك نفسه وابتسم ابتسامةً باهتة، ثم أخذ الورقة وقال بهدوءٍ مصطنع: _تمام... هبقى أكلمه. شكرًا. ثم دخل بخطواتٍ بطيئة، والورقة ما تزال بين أصابعه. وهنا نزلت رشا إلى مدخل العمارة بخطى هادئة، تحمل بداخلها شيئًا من الاطمئنان بعد مهمتها الصغيرة، وما إن دلفت إلى البهو حتى توقّف الزمن للحظة، حين فوجئت بشخصٍ مألوف يقف أمامها وجهًا لوجه. كان موريس واقفًا هناك، بهيئته المتغيّرة، يقف كأنه خرج من صفحةٍ غائبة في كتابٍ قديم من حياتها، صفحةٍ طُويت منذ زمن مع تشتّت العصابة التي كانت تجمعهما. تسمّرت في مكانها، وعيناها تلتقطان تفاصيله؛ رقعةٌ بيضاء طبية تغطي إحدى عينيه، تكشف ولا تخفي، وتعلن عن تضحية دفينة. ارتجفت ملامحها للحظة، ثم فاضت بالتعاطف والحنين، وهي تهمس بصوتٍ تغلّفه المفاجأة: _موريس... إزيك! _الحمد لله، أخبارك إيه؟ شكلك... توقف، كأنه يرى شيئًا لا يستطيع التعبير عنه. عندها نظرت إليه رشا وسألته: _شكلي إيه؟ تأملها موريس بعينٍ واحدة، تلك العين التي ما زالت ترى بوضوح ما تغيّر فيها؛ شعرها المموّج القصير وقد عاد لطبيعته، وملابسها المستورة التي غطّت جسدًا أنهكته سنون من التمرّد، وبشرة لا تعج بمساحيق التجميل بل بآثار الصدق والشفاء. ابتسم وهو يقول: _شكلك تعافيتي. ابتسمت رشا بدورها، في ابتسامةٍ وادعة حملت بين طيّاتها شيئًا من الأمل والاعتراف، وقالت: _أنا في الطريق لسه... عقبالك. أومأ موريس برأسه، ثم سلّما على بعضهما في هدوءٍ، وحين مرّت رشا بجانبه متجهةً نحو الخارج، التفتت عفويًا، لتلمح شيئًا بين يديه. إنجيل متوسط الحجم كان ممسكًا به لسببٍ ما. في الشقة، كان إسماعيل واقفًا في منتصف الغرفة، يتحدث مع جمال وقد بدا مهمومًا، يحمل في صوته وجعًا قديمًا استُدعي من أعماقه قسرًا: _هو إيه اللي خلاه يعرف الموضوع ده أو يفتكره؟ أنا معنديش أي طاقة أتكلم فيه تاني بجد. حاول جمال تهدئته، وهو يتحدث بنبرةٍ خافتةٍ موزونة: _يمكن مش عايز يتكلم عليه، هو بس عايز يستفسر في حاجة... خصوصًا إن والدته كانت بتستعين من عيلتك مواد وأدوية. صمت إسماعيل، وقد أخذت عيناه تحدّقان في رقم هاتف نوح بين يديه، حتى دوّى طرق جديد على الباب. تنفس إسماعيل ببطء، ثم ذهب ليفتحه، ليُفاجأ بموريس. عرضت ابتسامة إسماعيل وهتف بفرحٍ صادق واحتضنه بحرارةٍ من القلب: _موريس!! إنت كويس؟ الحمد لله إننا شوفناك، إحنا كنا شاغلين بالنا عليك والله. هنا ابتسم موريس بهدوء وقال: _الحمد لله، أنا بخير. دخلا معًا، وأغلق إسماعيل الباب، لكن شيئًا ما لفت انتباهه فجأة. عينه وقعت على الكتاب الذي يحمله موريس... الإنجيل. رغم تعجبه، لكنه لم يقل شيئًا، منتظرًا أن يُبادر موريس بالحديث. ولم يطل الانتظار، إذ قال موريس بنبرةٍ جادّة هادئة: _أنا محتاج أقعد مع جمال قعدة طويلة... بخصوص موضوع مهم شاغل بالي. خرج جمال من الغرفة في تلك اللحظة، وما إن رأى موريس حتى ابتسم، ثم سلّم عليه بحرارة، لكن عينه لم تفتها ملاحظة الإنجيل. سأله بنيّةٍ صادقة: _خير؟ سكت موريس للحظة، ينظر إلى الكتاب بين يديه، ثم رفع بصره إلى جمال وقال: _كونك شخص دخلت الدين المسيحي والدين الإسلامي، فهيبقى شيء مفيد لو أنا وإنت اتناقشنا سوا عنهم... ابتسم جمال ابتسامةً صادقة، فيها ترحيبٌ بالفكرة وبالرحلة، ثم قال: _وإيه هدفك من ده؟ ردّ موريس بثبات، ونظره لا يُفارق عيني جمال: _الحق... والاستقرار. معنديش مانع أقعد شهور أبحث وأتناقش معاك، المهم أوصل لواحد فيهم... هو اللي أوصل فيه للحاجتين دول. كانت كلماته كفصلٍ جديد يُكتب في حياة أنهكتها الفوضى، وربما يبدأ من هذه اللحظة سعيٌ حقيقي نحو نورٍ لم يعرف بعد شكله، لكنه يؤمن بوجوده. ********** في درب السعي إلى سدة الحكم في أرض الكنانة، لم يكن الطريق إلى كرسي الرئاسة مفروشًا بالورود، بل محاطًا بسياج من شروط راسخة، أرساها الدستور المصري ليكون منصب رئيس الجمهورية شأنًا عظيمًا لا يليق به إلا من اكتملت فيه سمات الرجولة، ونضجت فيه الحكمة والمسؤولية. فلن يبلغ هذا المقام الرفيع إلا من كان مصريًا خالص الدم، من أبوين مصريين، لم تدنُ إليه جنسية أخرى، ولم يشارك في وطن غير وطنه انتماءً أو ولاءً. لا تُفتح له أبواب القصر الرئاسي حتى يكون قد تجاوز الأربعين عامًا من عمره، سنُّ الرشد الكامل، حيث تكتمل الرؤية وتنضج التجربة. ولا يقبل الشعب قائدًا يجهل العلم أو يستخف بالمعرفة، إذ يشترط أن يكون حاصلًا على مؤهل عالٍ، تعبيرًا عن قيمة الفكر وقداسة الفهم في من يتولى شؤون الأمة. أما من تلوثت صحيفته بجناية، أو تلطخت سيرته بجريمة تمس الشرف أو الأمانة، فلا مقام له بين صفوف المرشحين، ولو طوته السنون وغسله الاعتذار. ويجب أن يكون قد أدى الخدمة العسكرية التي هي شرف لكل مصري، أو أُعفي منها وفقًا للقانون، ليكون ممن عرفوا معنى الانضباط والتضحية. ولا يكفي أن يتحقق في المرشح شرط النسب أو العلم أو السلامة القانونية، بل لا بد أن يُزكّى من أبناء الوطن، أو من نوابه المختارين بإرادة الشعب. فللمرشح أن يدخل السباق إذا نال تزكية عشرين عضوًا من أعضاء مجلس النواب، أو أن يستمد شرعيته من الناس مباشرة، عبر جمع تأييد لا يقل عن خمسة وعشرين ألف مواطن ممن يملكون حق الانتخاب، شريطة أن يكونوا منتشرين في خمس عشرة محافظة على الأقل، وألا يقل عدد المؤيدين في كل محافظة عن ألف مؤيد. فيتحقق بذلك أن الدعم شعبي بحق، لا حكر على جماعة أو إقليم. وإذ يتقدم بطلبه، فلا بد أن يقدم إقرارًا بذمته المالية، يكشف فيه عن كل ما يملك هو وزوجه وأبناؤه القصر، وأن يخضع لفحص طبي دقيق، تجريه لجنة معتمدة، ليثبت أن بدنه وعقله قادران على حمل أمانة الحكم. ثم يُرفع الطلب إلى الهيئة الوطنية للانتخابات، بوابة العبور إلى حلم القيادة، لتقرر ما إن كان هذا الرجل أهلًا لأن يُعرض اسمه على شعب مصر ليقول كلمته. كل هذه الشروط هي من الدستوري المصري وإن توفرت عند أحدهم، يفتح الباب أمامه وقد يصبح يومًا قائدًا لمئة مليون روح، وراعيًا لهم. ومن بين من توفرت فيهم هذه الشروط مجتمعة، يبرز اسم ياسر صلاح الدين، رجل الأعمال الشهير، وصاحب البصمة الواضحة في عالم العمل الخيري، إذ أسس عددًا من الملاجئ والمبادرات الإنسانية التي احتضنت الضعفاء والمهمشين، وذاع صيته بين الناس بما قدّمه من عون للفقراء والمعوزين دون ضجيج أو منّة. ومع إعلان ترشحه الرسمي، تعالت التساؤلات: هل يستطيع رجل مدني، لا ينتمي إلى حزب، ولم يأتِ من خلفية عسكرية، ولا تحمله موجة دعم حزبي تقليدي، أن يخترق جدران السياسة الثقيلة ويصل إلى القمة؟ إنه تحدٍّ غير مسبوق في ساحة تسيطر عليها وجوه مألوفة ودوائر نفوذ راسخة. ومع ذلك، فقد تم قبول أوراق ترشحه رسميًا، وفُتح باب التصويت بالفعل، على أن تُعلن النتائج بعد شهرين، حين يُفصح الشعب عن خياره، وتُكتب فصول جديدة في حكاية الوطن. ---------------------- *•إجازة الاختبارات الجامعية النهائية والعودة إن شاء الله بعد يوم ٦/١•*
ROMISAA