٥٧ يدخل سليم منزله عائدًا من كليته ويرى أمه جالسة في الصالة بصحبة حقيبة سفرها. فور أن دخل، نهضت له بابتسامتها النقية وسلمت عليه ليسأله بوجه عابس: _خلاص هتسافري؟ _مش هطول عن أسبوع يا حبيبي، متقلقش. أومأ برأسه ثم أردف: _فريدة راحت حتة تانية من بعد ما رجعت من كوستاريكا؟ _لا، فضلت أتابعها ولقِيت تحركاتها كلها في دارين جاب، واضح إنهم وكلوها مهمة معينة ورجعوها تاني. _لو دي من نوع العمليات اللي هتتكرر، عايزين نعرف وقتها عشان نخطط نهربها وهي برا دارين جاب... _وإبراهيم؟ أجابها سليم حانقًا بنبرة صارمة مفعمة بالغضب: _إبراهيم في داهية!، إنتِ مفكرة إني مهتم بالجدع دا؟ ليه تضيع عمرها عشان واحد زي دا ما يتفلق! _دا أخو غادة يا سليم، هي برضو عايزاه زي ما إنت عايز فريدة. _إنشالله لو كان أخوكي شخصيًا!، فريدة متتبهدلش البهدلة دي عشان حد. سكتت ديميت وهي ترمقه بنظرات حادة من سوء أدبه معها، ليرتبك سليم ويأخذ أنفاسه ويقول بنبرة أكثر لين: _مش قصدي يا ماما.. أنا بس.. تعبان ومخنوق، أنا آسف، تعالي يلا عشان أوصلك للمطار، لأن شوية ورايح المختبر المصري عشان ورايا شغل. ********* استقبلت نجلاء خبر اعتقال مصطفى بثبات وصبر، محاولة أن تبث الصبر في قلب ابنتها التي لم تتوقف عن البكاء ولو لثانية. اشتدت بمريم الغمة والجزع القاتل بسبب كل ما حدث من قتل قطتها واعتقال أبيها، ممتنعة عن الطعام والشراب وعن الجلوس مع أمها وهاجر. وهذا ما زاد من هم نجلاء. ابنتها في حالة اكتئاب قاسية، وزوجها وحبيبها تم اعتقاله، وهي ذاتها تشعر بإعياء مستمر وتدهور ملحوظ في صحتها. الحالة التي يعيشها عائلة مصطفى لهي حالة مزرية حقًا، ولكن كانت نجلاء صابرة مثابرة فقد مرت بابتلاءات أكثر صعوبة من ذلك. بينما كانت جالسة بالصالة تقرأ القرآن، أتت هاجر إليها وهي تقول: _شوية وارجعي ادخليلها. قالت نجلاء: _أيوة، أنا مش هسيبها كدة. سكتت هاجر وهي تفكر محدقة في تلك الغرفة لتسأل: _بقولك يا نجلاء، إنتِ طفولتك كلها كانت مع نوح صح؟ _آه. _يعني إنتِ فاكرة اللي هو ناسيه؟ _هو ناسي طفولته كلها؟ _أيوة. ظهر على ملامحها الشفقة والأسى على ابن عمتها، ولكن لم يبدو عليها الدهشة كما لو كانت تعلم بهذا الأمر. _لو سألتك عن حاجة في ماضيه ممكن تعرفي؟ _قولي يا حبيبتي عايزة تسألي عن إيه؟ _مين اللي كان ساكن في الشقة اللي تحت أيام ما كنتوا صغيرين؟ صمتت نجلاء وهي تفكر ثم أجابت: _معرفش، بس كنت أسمع إنه راجل وحيد وكان ليه سمعة وحشة في العمارة دي، بسبب إنه مبيحبش يتكلم مع حد ومنعزل دايمًا، بس الوحيدة اللي كانت بيتكلم معاها هي عمتو. _مكانش معاه بنت؟ _فيه بيقولوا إنهم كانوا بيسمعوا صوت بنت صغيرة بتعيط في شقته، بس محدش كان بيشوفها، إلا عمتو برضو... ويمكن نوح شافها. ظلت هاجر تتمعن في تعبيرات وجه نجلاء ولغة جسدها التي كانت في ارتباك، تجيبها متجنبة النظر إليها، وبين كل إجابة وأخرى صمت طويل كما لو كانت تفكر في اكذوبه لقولها. _إنتِ مبتكدبيش يا نجلاء مش كدة؟ _لا. _يعني لو سألت البواب هيقولي نفس الكلام؟ _أيوة. هنا أتى اتصال لنجلاء من ريهام، والدة مصطفى، لتجيبها ويتشاركان أحزانهما على حبيبهما الوحيد. ظلت تتحدث ريهام لها بنبرة مليئة بالقهر إلى أن قالت: _يا بنتي تعالي نواسي بعض، أنا هموت على ابني والله مش قادرة. _اصبري واحتسبي يا ماما، والله مصطفى هيرجع زي ما رجع المرات اللي فاتت، أرجوكي هدي نفسك. _المرة دي غير كل مرة. _لا والله هيرجع، ثقي في الله. _يعني مش هتيجي تقعدي معايا؟ _مقدرش يا ماما، مصطفى قالي أقعد في البيت دا لحد ما هو يرجع، مش عايزة أعيصله أمر، معلش مش هخرج من البيت إلا لما هو يقولي، بس لو حابة تيجي أرجوكي تعالي هبعتلك العنوان ماشي؟ _ماشي يا حبيبتي. كانت هاجر مستمعة لحديثها طيلة المكالمة، وعندما أغلقتها قالت هاجر باستغراب: _أنا مش عايزاكي تمشي طبعًا، بس واضح إن حماتك محتاجاكي أوي، ما تروحيلها وترجعي تاني. فيها إيه يعني لما تعملي حاجة مصطفى مقالكش عليها؟ _مينفعش أعصي أمره. _مينفعش ليه؟ ما تعصي أمره هو رئيس جمهورية؟ _لا دا جوزي، وبعدين هو أحسن من رئيس الجمهورية. أومأت هاجر برأسها متفقة مع رد نجلاء ثم قالت: _يعني مش هتيجي تزوري نوح النهاردة؟ _هو صحي؟ _لا لسة، عمل عملية إمبارح وفاضلة عمليتين ولسة مبيصحاش خالص. _ربنا يشفيه يا رب. هما صحيح صدقوا إنه ابن أدهم على النت؟ _باين كده... لو الحكومة أخدت كلامهم على محمل الجد هتبقى مصيبة. ********* بعد أن أغلقت ريهام مع نجلاء، أتت منار لها مرتدية عباءتها وهي تقول: _معادش فيه مسحوق للهدوم يا ماما، هنزل أجيب. _متتعبيش نفسك يا حبيبتي، جيبي من شقة مصطفى ولما تبقي تنزلي بكرة السوق ابقي جيبيلهم. نهضت ريهام ودخلت غرفتها ثم خرجت وبيدها مفتاح بديل لمنزل مصطفى، لتقول منار في حيرة: _إيه دا؟ هو حضرتك معاكي مفتاح لبيتهم ليه؟ _هو الموضوع مش لطيف، أنا عارفة، بس مصطفى أصر إنه يخلي نسخة من المفتاح معايا بعد ما استأذن نجلاء ووافق عشان الظروف اللي زي دي، ربنا شاهد إني مبتسخدموش إلا للحاجة. أومأت منار برأسها ثم صعدت لمنزل مصطفى ودخلته، كان هادئًا ومعتمًا ولكن له طبيعة خاصة تمتاز بالدفء والراحة، غير معلوم ما سر هذا الارتياح في كل مرة يدخل أحدهم منزل مصطفى. أهو إبداع نجلاء في تنسيق الأثاث وألوان الديكور في مظهر مريح للأعين؟ أم لأنه منزل معروف أنه يفيض بالطاقة الروحانية الهنيئة التي شحنها مصطفى بها؟ أم لأنه منزل مبني على عائلة رغم بلاءاتها المستمرة إلا أنها معمورة بالإطمئنان والمودة والرحمة والرشاد؟ ليس من المفترض أن تدخل منار غرفة مصطفى ونجلاء، ولكن نفسها الضعيفة أرغمتها. دخلت منار غرفة مصطفى ورأت قميصه معلقًا في أحد الجدران، التقطته وهي تحدق فيه ثم دست وجهها بين قماشه وخيوطه، تستنشق رائحته الزكية وهي تحاول استشعار احتضانه. كم تعشق صوته، كم تعشق ضحكاته، كم تعشق عينيه ونظراته، كم تعشق شعره، كم تعشق حركاته ولغة جسده التي يطغى عليها الحكمة والرشد والنضج، كم تعشق كونه رجلًا بحق. أثناء غرق منار في واديها المزيف مع مصطفى، شعرت بوقع خطوات خفيفة خلفها. رفعت نظرها للمرآة التي أمامها لتجد بجسد شاهق الطول واقفًا بين الظلام يحدق بها. دب الفزع في قلبها وصاحت في هلع، لينقض هذا الجسد عليها وأتى أمامها وهو يكتم فمها بقوة. وحين استوعبت ما هو، وحسنًا رأت عينيه الزرقاء خبيثة الشكل علمت من هو. وحين أبعد يده، قالت في صدمة: _عصام؟؟!! يخربيتك، إيه اللي جابك هنا؟! رد عصام وهو مندهش كدهشتها: _إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ طلعتيلي منين إنتِ؟! _الشيخ مصطفى لما شافني المرة اللي فاتت بتخانق معاك وعرف الظروف اللي أنا فيها، جابني أشتغل عن والدته. رفع حاجبيه في دهشة ساخرة وقال هازئًا: _لا حنين أوي. _إنت بقى إيه اللي جابك هنا ودخلت إزاي؟ _مالكيش دعوة، مصطفى صاحبي وحبيبي وقال لي أدخل بيته في أي وقت. _مستحيل، مصطفى مش سايب بيته سداح مداح كده. أثناء حديثها، ظل يتأملها ويتأكل وجهها الجميل وجسدها، لتلين نظرته ونبرته معها وقال مقتربًا منها أكثر: _طب بقولك إيه؟ بما إننا لوحدنا كده، ما تيجي... صفعت صدره بكفيها وهي تبعده وتقول مصدومة: _يخربيتك يا راجل يا عرة! عايز تعمل إيه في البيت الطاهر دا؟! وبعدين إنت مش توبت؟ قال عصام في دهشة واستنكار: _أنا توبت؟؟! _آه!! مش توبت في البث المباشر بتاع الشيخ؟ تظاهر عصام بالتذكر وهو يبتعد عنها ويقول: _أ... آه، آه صح، صح أنا توبت، خلاص بلاش في الشقة دي. تيجي في العربية وهبقى أتوب تاني مش مشكلة، أصل أنا من زمان ملمستش واحدة حاسس إن حياتي بقت ناشفة أوي. _بقولك إيه، لو عايز تعمل نجاستك دي، ابعد عني. أنا بطلت أعمل القرف دا. تنهد عصام وشعر بالإحراج تجاه نفسه ليقول بتردد: _ع... على فكرة، أنا برضو بطلت، أنا بس كنت بختبرك. رفعت حاجبها بسخرية وهي تعلم ما في نيته، ليردف: _أنا همشي بقى، ياريت متقوليش لحد إني كنت هنا. _لا هقول وأصوت والم عليك الشارع. قال عصام منتفضًا في غضب ودهشة: _الله؟! ما تسمعي الكلام يا بت، إنتِ دا أنا أقدر أحبسك في ثانية. _تدفع كام واسكت؟ سكت عصام قليلًا وهو يفكر ثم أخرج محفظته بيساره، والتي كانت يدًا بديلة صناعية ولكنها بدائية عن التي دمرها أدهم، ثم أخرج خمسمائة جنيه وقال وهو يعطيها لها: _٥٠٠ جنيه، أهم حلوين. أخذت منار الخمسمائة ثم سحبت المحفظة من يده وهي تفتش عن مال زائد لتخرج ثلاثمائة أخريات، وكان هذا كل ما تبقى في المحفظة. لترجع له المحفظة فارغة وهي تقول: _٨٠٠ جنيه حلوين، رغم إني كنت عايزة ألف بس خلاص بقى همشيها، يلا أنا هاخد اللي جيت البيت عشانه، وإنت اطلع بقى، متفضلش هنا كتير، لحسن تنجس البيت بوجودك. وخرجت من الغرفة متجهة للحمام لتأتي بالمنظف التي أتت لأجله، وهو في خلسة خرج من البناية متجهًا لسيارته. كان مقصد عصام من قدومه لمنزل مصطفى هو البحث عن قميص الضحية المفقود، وما أراح قلبه هو أنه لم يجده بعد التفتيش الدقيق. ولكن ظل مكان آخر يريد أن يفتشه وهو عيادة عمر. وانطلق قائدًا سيارته للعيادة مستغلًا عدم وجود عمر في هذا الوقت، نظرًا لأن تفتيشه ليس بتفتيش قانوني وغير مصرح به. أثناء قيادته، أتاه اتصال فور أن رأى عصام المتصل، زفر في ضيق وغضب، وبدى أن المتصل قد ألحَّ الاتصال عدة مرات، ويظهر ذلك حين رد عصام وهو يزجر المتصل بصوت صارم: _وبعدين بقى؟! مش قولت مش موافق؟ _هنديك عشرتلاف جنيه. _إن شاء الله تدوني مليون جنيه مش هعملها يا محمد، أنا بطلت الشغلانة دي خالص. _آه، ما في مخبرين عرفوني إنك توبت بس مكنتش عارف إن الموضوع كان بجد. _لا بجد يا محمد، ومهما قولت لي مش هوافق. _هنديك ١٠٠ ألف جنيه. قطب وجه عصام في حيرة شديدة وهو يقول: _هو فيه إيه؟ ما تجيبوا واحد غيري، مالكم متمسكين بيا أوي ليه كده المرة دي؟ _أصل الراجل دا مش زي أي راجل، كل ما المخبرين يدخلوا يقربوا بيحصل حاجات غريبة، ومبيخضعش أبدًا مهما عذبوه، فبقوا بيخافوا يخشوا له، ووقتها مفيش خيار غير إننا نجيبك. _ماشي، خليهم خايفين منه، يلا سلام. كان على وشك إغلاق الخط ليستوقفه قول هذا الرجل: _طب هنرجعلك ابنك. عاد ووضع الهاتف على أذنه في لهفة وصدمة وهو يقول: _إنتوا تعرفوا هو فين؟؟ _أيوة طبعًا، عمليات البحث عرفت خط سيره ومكان ما بينام، بس إحنا مش عايزين نقولك عشان لو حبينا نستغلك شوية زي دلوقتي. صمت عصام وهو يجز على أسنانه من شدة الغيظ والحنق ثم قال بنبرة مكتومة مشحونة بالاحتدام: _ماشي، هعمل اللي هتقولولي عليه بس لو طلع دا مقلب ومقولتوليش مكان أحمد فين بالظبط، أقسم بالله لاتشوفوا وش سفاح أشرس من أدهم بمراحل، وإنتوا عارفين كويس إني أقدر أسلخكم كلكم واحد واحد. بعدها أغلق الخط، ومرت الدقائق إلى أن وصل لمكان عيادة عمر. يدخل عصام لعيادة عمر بطريقته الخاصة كما لو كان أمهر اللصوص على الإطلاق، ثم يدخل مكتبه وهو يوزع بصره على كامل الغرفة، يبحث في رفوف الكتب، في أدراج المكتب، خلف اللوحات، تحت الأثاث وفوقه وما إلى ذلك. ظل يبحث إلى أن استوعب وجود غرفة أخرى متصلة بمكتبه فدخلها، وكانت مطبخًا صغيرًا بسيطًا واستكمل تفتيشه بها، إلى أن اكتشف وجود قطعة قماش خلف المبرد، مكانًا بدائيًا وساذجًا جدًا لإخفاء دليل. كانت قطعة القماش تلك هي قميص الطالبة... ********* المختبر المصري هو مجمع كبير وضخم، يجمع المعامل والمختبرات الطبية والتقنية لتدريب العلماء المصريين وطلاب الجامعات، أُنشئ حديثًا تحت قيادة وإدارة يوسف إمام ويقع في العاصمة الإدارية الجديدة. قرابة العصر وصل كل من جمال وإسماعيل وهشام وموريس إلى المختبر الذي كان به حراسة مشددة على بابه، ورغم ذلك تقدموا لطلب الدخول، ليوقفهم حراس أبواب المختبر الخارجية قائلين: _ممنوع دخول المدنيين. توقفوا الأربعة وأخرج موريس بطاقة المحاماة الخاصة به وأراها للحارس لعله يكون من المسموح لهم بالدخول، فقال الحارس: _مش مسموح يا فندم، واتفضلوا ارجعوا. قال إسماعيل: _طب إحنا محتاجين يوسف إمام، مينفعش تقوله يقابلنا؟ _البروفيسور مش موجود. في تلك اللحظة خرج سليم من المختبر بعدما انتهى من عمله فيه، وفور أن خرج لاحظ تجمع الشباب حول الحارس والامتعاض واليأس على وجوههم محاولين إقناع الحارس بأي شيء قد يوصلهم إلى يوسف إمام، فقرر أن يتقدم إليهم ليرى ما الخطب. _خير يا حضرات، فيه مشكلة؟ التفتوا ناظرين إليه، وحين رأوا المعطف الأبيض الذي يرتديه والبطاقة التي على صدره بها اسمه، علموا أنه سليم السمان الذي كان من ضمن من يحميهم يوسف، ليقولوا في دهشة بصوت واحد: _سليم!! انتفض سليم من هتافهم المفاجئ وقال متعجبًا: _إيه؟ في إيه؟ سرعان ما تقدم جمال إليه قائلًا: _حضرتك تعرف يوسف إمام؟ _مش شخصيًا. قال موريس: _أكيد تعرف مصطفى عبدالباقي وتعرف ظروفه. قال سليم بحذر وشك منهم: _ليه يعني؟ جايب الثقة دي منين إنّي أعرفه؟ قال إسماعيل وقد ضجر من إجابات سليم غير المباشرة: _يا أستاذ لو سمحت، إحنا محتاجين نخرج صاحبنا من المأزق اللي هو فيه، فأحنا عرفنا أن يوسف إمام موصى عليه وعايزين نوصل ليوسف إمام عن طريق طلابه عشان يخرج مصطفى من المعتقل... حضرتك طالب عنده؟ _مصطفى صاحبكم؟ قال جمال ونبرته تفيض بالحسرة والغضب معًا من شدة حبه لمصطفى: _مش صاحبنا بس، ده حبيبنا وأخونا وأستاذنا. قال موريس لكي يوضح اختلاف علاقته بمصطفى عنهم: _أنا السكرتير بتاعه مش أكتر. صمت سليم برهة وهو يفكر، ثم تنهد وقال: _طب تعالوا. ساروا سويًا مبتعدين عن المختبر ووقفوا في بقعة هادئة ليتحدثوا في راحة، وقال سليم هنا: _أنا معرفش يوسف إمام شخصيًا، ومحصلش بينا أي تواصل، بس في وسيلة معينة للوصول ليه ودي مش أنا اللي أعملها. أنا معيد في كلية علوم وبيسمحولي أدخل المختبر ده للتعليم والممارسة مش أكتر، إنما تلاميذه دول في مرحلة تانية خالص في المختبر، وغالبًا منصحكوش تحاولوا تحتكوا بيهم. قال هشام: _لا، مهو إحنا مش هنحتك بيهم خلاص ما دام شوفنا حضرتك، أنت ابقى احتك بيهم واسألهم. _لا، أنا مش عايز أحتك بيهم برضو. قال موريس هازئًا متعجبًا من هذا الوضع الغريب: _ليه يعني؟ هما بيعضوا؟ _مش حكاية كده... بس هما مبينطقوش إلا بأمر منه، مهما كلمتهم مش هيردوا عليك نهائيًا. قال إسماعيل: _حتى لو سألتهم عن استشارة علمية؟ _أحيانًا بيردوا وأحيانًا لا، لو حسوا إن الاستشارة دي هتفضح سر من أسرار العالم بتاعهم مش هيقولوا. قال جمال وقد ظهرت صرامته المعتادة في نبرته: _إحنا مش عايزين نفضح أسرار، إحنا عايزين مصطفى يطلع. _يا أستاذ، افهم، دول مبيردوش على الأسئلة التافهة، عايزني أروح أسألهم يوسف فين؟ عشان عايز أكلمه في حوار؟ أجاب جمال وهو يصيح غاضبًا: _وفيها إيه؟! أمسك إسماعيل بذراع جمال ليهدأ ويضبط نبرته، فقال سليم: _أنت مش متخيل أهمية الراجل ده؟ الراجل ده عامل زي الشبح، لما بيختفي محدش يقدر يعرفله طريق، واللي يعرفله طريق مستحيل يقول عنه، ولما بيظهر مبيظهرش إلا لما يبقى من ورا ظهوره منفعة كبيرة ومصلحة للناس. الراجل ده مش سهل ومبيظهرش للعامة كده يلعب ويتكلم معاهم، ده بروفيسور وعالم كبير مش صاحبكم عالقهوة. _مش عارف أخد كلامك ده كمدح ولا ذم؟ قائل تلك الجملة هو شخص سادس ظهر فجأة خلف سليم، لينظروا الأربعة خلفه وتوسعت أعينهم دهشة، ليلتفت سليم وتجحظ عيناه في صدمة تامة ومتحجرة، وأخذت أنظاره تتجه إليه، ويقول سليم برجفة قوية في نبرته: _ب... ب... بروف... بروفيسور؟؟؟ كان القائل خلفه هو يوسف إمام، رغم أنه صاحب ملامح بشوشة، إلا أن وجوده جعل الرهبة تتغلغل في قلوبهم وتحوم في المكان. ابتسم يوسف ابتسامة طيبة وربت على كتف سليم، ونظر إليهم وهو يقول: _واضح إنكم محتاجيني. ظلوا كلهم يحدقون فيه، لا يستطيعون الكلام من رهبته الشديدة وظهوره المفاجئ بينهم، ولكن من تشجع كان جمال: _حضرتك، إحنا محتاجين مساعدتك عشان مصطفى يخرج. تشجع من بعده موريس قائلًا: _أنا عرفت إن حضرتك كنت موصي عليه... فهم عصوا أمرك ومعملوش بوصيتك، حبينا نعرفك عشان تساعده. صمت يوسف برهة ثم قال: _عارف، مش عايزكم تقلقوا، هو هيطلع، بس معرفش إمتى. عايزكم تطمئنوا لأنهم هيطلعوه في أقرب وقت غصب عنهم. مصطفى أخطر راجل في مصر والحكومة ما بتصدق تحطه تحت إيديها، فعملية إخراجه مبتكونش سهلة في العادة. تقدروا ترجعوا دلوقتي ومتخفوش لأن أنا هتكفل بالموضوع. بعدها تركهم في ثبات يدل على حيرتهم الشديدة وهو يسير متجهًا إلى مختبره. ********* بين زحام الناس في الأسواق، حيث يخوض كل مرء في معركته الخاصة، ويختلط بغيره لأجل إنجاز مهمته في عمله أو في جلب ما يجعله ينجو في يومه، يسير عمر في السوق بعقل شارد وخطوات ممنهجة على الروتين، يبتاع بعض مستلزمات المنزل والطعام بينما عقله لا يكف عن التفكير في تلك الطفلة المرعبة وما تسرده له دومًا. لم يشعر عمر بهذا الشعور من قبل، رغم أن مهنته مليئة بالمخاطر والعجائب التي تخرج من المرضى والعملاء الذين كان يتعامل معهم بطريقة مهنية واحترافية ببرودة أعصاب دون هم أو عجز، ولكن هذه المرة، كلما يرى تلك الطفلة، كلما يزداد عجزه، والهم يتثاقل مرة بعد مرة في قلبه ليؤدي إلى تجلط حركته من شدة الضيق الذي يقاومه كلما يرى مريم. لا يعلم أَتِلْكَ الغُمَّة القاسية أتت من شعور اليأس تجاه نفسه كطبيب لم يستطع أن يؤدي مهنته؟ أم أتت من شعور الحذر والترقب خشية من قدوم ما هو أخطر من جثث أطفال، وقوى خارقة، وفتاة تموت بواسطة فتحها لبطنها واستخراج جنينها؟ أيوجد ما هو أسوأ من ذلك من الأساس؟ لطالما تمنى عمر السلام والهدوء في حياته وفي حياة الآخرين بعدما مرَّ بما مرَّ به في ماضيه، فمهنته نابعة من رغبة قوية في جعل الناس يعيشون حياة أقل حدة وعسرًا، فهو يؤمن أن مهما كانت الظروف قاسية فهي تتفاوت قساوتها على رد فعل من يعيشها، فهي لا تكون بتلك القساوة مع من يتعاملون معها بحكمة ورشد، على عكس من يتعاملون بعاطفة وهمجية. إنه يؤمن أن الإنسان في معظم الوقت هو ما يجلب البلاء لنفسه من تصرفاته غير المنصفة. ولكن ليست كل الظروف يستطيع المرء التحكم في خطورتها، وهذا ما يزعج عمر ويزيد من همه الذي هلك روحه. دخل إحدى المتاجر ملتقطًا كل ما يحتاجه عائدًا للتاجر لكي يبتاعه منه. _كده ٦٧٩ جنيه. أخرج عمر بطاقته الائتمانية وأثناء ما كان يدفع بها رفع نظره لوهلة إلى التاجر لينتفض قلبه في فزع مكتوم وبجسد مشلول فور رأى أمامه أن التاجر مرتديًا قناع القناة صاحب العينين الخضراء. ظل عمر يحملق فيه بدهشة وهو قاطبًا حاجبيه ليقول بنبرة يملؤها التبرم: _هو انت ورايا ليه؟ عايز مني إيه بالظبط؟ _أفندم؟ حين طرف عمر بعينيه رأى التاجر بحالته الطبيعية لا يرتدي قناعًا أو شيء. أكان يتوهم لوهلة؟ _أ... أنا آسف... أنا آسف، شبهتك بحد أعرفه، بعتذر. وأخذ أغراضه وخرج بخطوات سريعة. وفي منزله، حيث تجلس شيماء مع جارتها لتؤنسها، أو بمعنى أدق لتنغصها، فتلك الجارة لا تأتي بحديث حسن أبدًا، ومن ضعف شخصية شيماء وسذاجتها تترك لها المجال لهذا الحديث. _إيه يا بنتي؟ مفيش عيال كده ولا كده؟ _لا يا طنط، ربنا ما أرادش لسة، ادعي انتِ بس. _يا بنتي ونعم بالله، بس يعني شدي حيلك شوية كده؟ أنا كل لما أجلك ألاقيكي نفس الشكل. قالت شيماء في ارتباك وحيرة خفيفة: _نفس الشكل؟ هو أنا لازم شكلي يتغير؟ _أه طبعًا، لازم دايمًا تغيري من شكلك عشان جوزك ما يزهقش، خصوصًا إن جوزك ما شاء الله زي البدر، وانتِ يعني.... متفهمينيش غلط بس هو أجمل منك، فلازم تغيري من شكلك دايمًا. _مهو أنا جيبت صبغة حمراء المرة اللي فاتت ومرضاش أحطها. _آه تلاقيه مبيحبوش اللون الأحمر، جربي أزرق كده. قالت شيماء في تردد، والذي ظهر في ملامحها وعقدة حاجبيها: _ط... طيب ماشي، هستأذنه الأول. _لا، خليها مفاجأة، وقصي شعرك الطويل ده برضو واعملي كذا تسريحة كده مختلفة، وجسمك لازم يتظبط يا بنتي، مينفعش المنظر ده، مش قولتلك تحوشي لعملية نحت الجسم؟ _بحوش والله، وحتى دخلت جمعيتين عشانها. _حلو، عشان بطنك بدأت تطلع والترهلات باينة في دراعاتك، مينفعش كده، انتِ منظرك كده وعايزة تخلفي منه بسرعة إزاي؟ الحقي يا بنتي غيري نفسك لحسن يتجوز عليكي. ازداد كدر شيماء وأومأت برأسها وهي تقول: _حاضر، متخوفنيش بس أنا كل لما أتخيل إنه مع واحدة تانية بترعب. _طب لو كده، أنتِ بتخدميه ولا لا؟ _بخدمه والله. _لا، تلاقيكي مبتخدميهوش كفاية. حاولي أول ما يخش تقليه الجسمة وتدلكي رجليه وتعملي له كل حاجة قبل ما يفكر فيها حتى. ده أنتِ حالتك صعبة خالص يا بنتي، معرفش إزاي هو لسة معاكي لحد دلوقتي. بس متقلقيش، أنا هساعدك. هنا دخل عمر منزله وبيده الأمتعة وتفاجأ بوجود تلك الجارة ليسلم عليها وترد السلام وهي تنهض قائلة: _طب استأذن أنا بقى. وخرجت بينما عمر يتتبعها ببصره ونظرة الانزعاج فيها قوية. بعدما خرجت قال لشيماء التي بدأت تساعده في حمل الحقائب ووضعها: _هو أنا مش قولتلك الست دي متدخلش البيت تاني؟ وقفت شيماء له وهي تقول بنظرات تغمرها الاضطرابات والقلق، تظهر البلبلة والتشوش الماكثين في عقلها بلا فرار: _و... والله حاولت مدخلهاش، خبطت عليا قولتلها مش فاضية، قالتلي هحسي معاكي الفلفل والكوسة... و... وبصراحة أغرتني ودخلتها، وخلصت الفلفل والكوسة اللي بتحبهم بسرعة يا حبيبي. _يا شيماء، متدخليهاش البيت بالله عليكي. عايزة حد يساعدك في حشي الفلفل ولا الكوسة، رني عليا في المستشفى، قوليلي وهجيلك مخصوص، أحسن عندي من إنها تخش البيت. _ليه يا عمر؟ دي حتى طيبة وعايزة تساعدني أبقى أحسن. _تبقي أحسن في إيه؟ دي آخر مرة زارتك قالتلك على ماسك تفتيح البشرة، وبعد ما حطيتيه جالك حروق درجة أولى. هو في حد يحط ليمون وبيكنج بودر على بشرته يا شيماء؟ خفضت رأسها بتوتر وحرج لا تطيق النظر إلى عيني عمر الصارمة، وصمتت دون رد. وحين لاحظ خوفها منه، هدأ من غضبه وعاد يحدثها بنبرة لينة وهو يحسس على كتفيها: _حبيبتي، ممكن ما تعاديش تدخليها تاني، ولو احتاجتي أي حاجة قوليلي والله هجيلك، يا حبيبتي انتِ أهم عندي من أي حد ومن أي شغل. الست دي من بعد ما جوزها اتجوز عليها وهي اتجننت، ومش أنتِ بس اللي تفضل تقولك الكلام اللي زي السم ده. أومأت شيماء برأسها، بعدها دخل غرفته ليبدل ملابسه، وفور أن جلس ليخلع نعليه، وجدها تأتي مسرعة، وارتمت جاثية على ركبتيها وتمسك بنعله لتنزعه له. ليوقفها عمر وهو يقول: _بتعملي إيه؟ _ب... بقلعلك الجزمة. قال عمر هازئًا: _أه، وهي بقى أقنعتك بإيه المرة دي؟ إن جوزك عيل صغير مبيعرفش يقلع نفسه؟ _ل... لا يا حبيبي، دي بس عشان... أهتم بيك وكده. _قومي اقعدي يا شيماء، ربنا يهديكي، قومي. نهضت شيماء وهي تقول: _ماشي، هقوم أجيبلك مياه دافية بملح تحط فيهم رجلك. _يا حبيبتي، تعالي مياه دافية إيه بس؟ هو أنا كنت بجري في ماراثون؟ وقفت شيماء وقالت بملامح قاطبة: _طب أعملك إيه طيب؟ _مش عايزك تعملي حاجة، كل اللي عايزك إنك تبقي على طبيعتك، ممكن؟ سكتت شيماء وهي تفكر في جملته تلك، لابدة في مكانها متهيعة تحاول تفسير ما قاله بتفكيرها المفرط الموسوس. حين رآها عمر على هذا الحال، ازداد الأسى في قلبه تجاهها، فهو يعلم جيدًا أن شيماء نسيت طبيعتها ولم تعد تعلم ما هويتها الحقيقية وشخصيتها الأصلية، فسعيها نحو نموذج المرأة المثالي لإرضاءه كان يدمر ذاتها تدريجيًا، رغم أن عمر لم يشكُ ولو مرة منها، ولكن تفكيرها المفرط الموسوس مع حديث النساء عنها وكثرة المنتجات المزيفة لزيادة جمالهن واستغلال الرأسمالية لهن هو ما أوصل شيماء لتلك الحالة. فتاة لديها أدنى مستويات تقبل الذات، كثرة السعي لتغيير ذاتها لتصل للنسخة المثالية للمرأة التي تراها على مواقع التواصل الاجتماعي جعلها إنسانة لا تملك إرادة ولا تتحكم في ذاتها أبدًا، فقد تم غرز فكرة أن المرأة سلعة ولها تاريخ صلاحية وقد يتم استبدالها بسهولة، وهذا أشد كوابيسها أن يُستبدلها عمر. إن عمر يعلم كل ذلك، فقد شخص شيماء بدقة منذ بداية زواجهما، ليقول لها هنا: _أنا مش هروح العيادة النهاردة، هقعد معاكي ونتبسط سوا، تمام؟ _ت..تمام. ********* بعدما حل الليل، دخلت رشا منزلها بعد عودتها من العمل لتتفاجأ بوجود رجل جالس في الصالة يأكل ثمرة تفاح وهو يشاهد التلفاز بأريحية. حافظت على رد فعلها وبرودها، أخرجت مسدسها ووجهته إليه بينما كانت تقترب منه بحذر ورفق، ولكن سرعان ما خفضت مسدسها فور علمها أن ذلك الرجل هو رفعت. _رفعت... عايز حاجة؟ _مش رحمة بتقعد معاكي؟ _أيوة. _مستنيها عشان أخدها للبروفيسور. _أشمعنى؟ _البروفيسور اتعصب من عملية البيع اللي فشلت، واللي ساعدنا في فشلها عشان ننقذها، هو عايزها لأنه مش حابب حد يبوظ مشروعه. _مينفعش، دي عضوة في عصابتنا. _هي ملهاش لازمة أوي برضه، يادوبك بتسرق وبتتجسس بس، غير كده، فعرفت إن ابن عمها بيدور عليها عشان يقتلها ويغسل عار العيلة، فهي كده كده ميتة. صمتت رشا وهي متحفظة بملامحها الباردة، بعدها ذهبت لغرفتها لكي تبدل ملابسها، وبدأت تسير ذهابًا وإيابًا وهي تفكر في طريقة تحذر بها رحمة. لا تستطيع الاتصال بها فهاتفها مراقب حتى الرسائل. أتى في بالها خطة أملّت بشدة أن تنجح، وهي أن تغوي رفعت. وبعد مدة ليست ببعيدة، وصلت رحمة إلى المنزل، وفور أن دخلته سمعت صوت رفعت ورشا من الغرفة الخاصة بالأخيرة. تبرمت رحمة بنفور وقررت أن تعود للخارج إلى أن ينتهيا، وتنبأت أن رفعت سيقضي الليلة كاملة مع رشا لأنه عادةً ما كان يفعلها. لذلك، أخذت حقيبة لها بها متاعها لتبقى ليلة في إحدى الفنادق. وهذا القرار قد يكون أنسب قرار قد تتخذه في حياتها كلها، قرار اتخذته وهي لا تعلم أن رزقها الله عمرًا جديدًا به. عادت للخروج، وبينما كانت تسير باحثة عن مواصلة، أتى في بالها أن تزور نوح في المستشفى لتطمئن عليه. إن خلوتها بذاتها في أي مكان وإن كان بين حشود من الناس يجعلها تعيد نظرتها لحياتها ولقراراتها. لطالما حُرمت من نعمة الانتماء بسبب عائلتها المشتتة، تلك الرغبة التي جعلتها تطمع في الانضمام لعصابة أدهم. كم كانت غبية، ظنت أن بانضمامها لتلك العصابة سيجعل من حولها يهابها، سيجعل والديها يحترمانها ويزيدون من معاملتهم الحذرة والسليمة معها، ولكن لم يفد ذلك بأي شيء. لم تستطع التكيف على حياة العصابات أو تشعر بالانتماء معهم، ولم تستطع أن تكسب احترام من حولها ولا حب والديها. وما جعلها توقن ذلك هي تلك المكالمة الغريبة من إحدى الأرقام المجهولة بعد ساعة من خروجها من المنزل. _أيوة، مين معايا؟ _أنا رشا يا رحمة، بكلمك من تليفون جارتي. _خير؟ رفعت مشي ولا لسة؟ _إياكي ترجعي يا رحمة، إياكي ترجعي لا لبيتي ولا لبيتك ولا للمدرسة ولا لأي حتة، اختفي بأي وسيلة ممكنة، رفعت عايز ياخدك لسردار وابن عمك بيدور عليكي عشان يقتلك. استقبلت رحمة أوامر رشا المقبضة بملامح منهكة غير مبالية، لم تهلع ولم تفزع، فقط أومأت برأسها بحسرة واستسلام، وهي تقول: _تمام يا رشا... على كده مش هعرف أتواصل معاكي تاني؟ _احتمال لا، وموبايلك ارميه في أي حتة، لأنهم لو لاحظوا غيابك هيجيبوكي بيه، تمام؟ _تمام. _مع السلامة يا رحمة، هتوحشيني. وأغلقت رشا الخط، ورحمة في سيارة الأجرة تحاول استيعاب كل ما قالته لها. أهكذا حياتها الآن؟ هل ستعيش هاربة دائمًا؟ هل ستظل لابدة في مكمنها التي ستختبئ فيه طيلة حياتها؟ إن كانت ستهرب من سردار فهذا منطقي، ولكن هروبها من أهلها لهو القهر بعينه. قلبها ينصهر من شدة جزعها على حالها. إن هرب المرء من أهله، فإلى من يلجأ؟ إن فقد المرء السكينة والأمان في أهله، فمن يعيدهما إليه سواهم؟ توقفت بسيارة الأجرة متجهة لأقرب متجر هواتف، وبعدها أخرجت الخط ومسحت كل ما فيه، باعت هاتفها وبثمنه اشترت هاتفًا آخر مستعملًا. وهاتفها الجديد هذا هو بداية دخولها لحياة جديدة أكثر تعاسة من ذي قبل. حياة ستعيشها وحيدة، هاربة كالمجرمين رغم أنها لم ترتكب أي جرم. هاربة وهي لا تعلم ما خطيئتها التي ستهرب بسببها. حالة من التيه الشديد أصابتها مع الغم والقهر الذي يجعل قلبها يندك، بينما وجهها وملامحها في حالة ثبات من شدة البلاهة التي حب بها. ولا يخطر في بالها سوى سؤال واحد: إلى أين المفر؟ مع وصولها للمستشفى حيث نوح، قابلت أمامها علا بالصدفة، وتوقفت علا لتذكرها بوجود رحمة في فرح نوح. أتت إليها وسلمت عليها وهي تقول: _أنتِ صاحبة نوح مش كده؟ _أيوة... هي الزيارة انتهت؟ _لا، مفيش زيارة أصلاً، دَبيت كل المشوار دا عالفاضي زيك كده. أومأت رحمة برأسها وكادت أن تلتفت لتعود إلى المجهول، لتوقفها علا متسائلة: _أنتِ كويسة؟ نظرت رحمة إلى علا بنظرة شديدة الإرهاق وقالت بكل صراحة: _لا... بدور على مكان أعيش فيه... تعرفي مكان؟ _ليه؟ وأنتِ كنتِ عايشة فين في الأول؟ التزمت رحمة الصمت لعدم قدرتها على الإجابة، لتردف علا: _أعرف بيت، مبروحهوش كتير بس هو ليا نوعًا ما، هوديكي هناك وتعيشي هناك براحتك خالص، ماشي؟ قالت رحمة في تعجب: _بجد ولا بتهزري؟ _لا بجد والله، والمفتاح معايا. تعالي نروح هناك سوا ونقضي الليلة مع بعض عشان لو مش مصدقاني. ابتسمت رحمة بإرتياح مؤقت وهي تنظر لعلا كما لو كانت تنظر لملاك أرسله الله لها في الوقت ذاته لينقذها بها. ولكنها لا تعلم أن تلك الشقة التي ستعيش فيها هي البيت الآخر لعصام، ولسبب ما، علا لم تخبرها بذلك.
ROMISAA