٢٥ قاعة مفتوحة وجميلة في مكان راقٍ جدًا، واسعة ومريحة ومنظمة. نرى عائلة غادة كلها موجودة، ومعظمهم غادة لا تعرفهم من الأساس، وأصدقاء والدها كذلك. نرى أيضًا أصدقاء نوح: علاء، أشرف، رحمة، ورشا، وبعض المدرسين الآخرين، وكذلك رفعت المدير. وهنا قال احد المدرسين: _هو نوح مالوش عيلة خالص؟ قالت رشا: _لا، أمه وخاله ماتوا وبقى مقطوع من شجرة. نرى عصام يدخل القاعة بوجه عابس وبارد كعادته وهو يبحث بعينيه عن أي أحد من إخوته أتى اليوم ولديه مشاعر مختلطة من بين عدم الراحة وبين الفضول، أثناء ما كان يتفحص الحاضرين وقعت عينيه على رحمة لتتحول ملامحه تمامًا. لم يتوقع أن يراها أبدًا. ظل يحدق فيها بإعجاب شديد وبأعين تلمع كالأطفال... إنها جميلة حقًا، جميلة بشكل لا يستطيع وصفه. _أحم. التفت عصام ليجد سليم. _ممكن أعدي؟ _ما تعدي... _واضح إنك مش مستوعب إنت عملاق ازاي، أنت حرفيًا سادد البوابة... اتزحزح شوية. وقف عصام جانبًا ومر سليم وهو يبتسم إليه بسخرية وعصام يحدق فيه بإنزعاج. جلس سليم في أحد الكراسي ناحية النصف الخاص بالعريس وهو يهمس لنفسه: _فينك يا أنوبيس؟ هنا نظر أشرف جهة البوابة وقال لرحمة: _الحقي شوفي مين اللي جاي. نظرت رحمة للبوابة لتغضب بشدة وتقول مصدومة: _دا إيه اللي جابه دا؟؟؟ نظر رفعت لعصام ثم نظر لسليم بعدها نظر لرشا وقال وهو يهمس: _معقول نوح عرف؟ _شكله كده. أثناء ما كان سليم جالسًا، أتت إليه تاليا التي تم اطلاق سراحها هي وأخواتها اخيرًا: _سليم... إزيك؟ التفت سليم لها وقال: _إيه دا؟ إنتِ هنا؟ _أيوة، أنا وإخواتي وماما. _طيب كويس... _شكلك حلو اوي. _وإنتِ كمان. _بجد؟ الفستان عاجبك؟ _حلو حلو. صمتت تاليا قليلاً وشعرت أنه لا يهتم بأمرها، فعادت وذهبت لمقعدها. أثناء ما كان عصام واقفًا، سمع أحدهم يحدثه: _مستني حد؟ نظر عصام لمصدر الصوت وكان مصطفى، فقال عصام: _مش مستنيك. _منا عارف، عشان كده بسألك، مستني حد؟ _لا، بتفرج على النسوان. تنهد مصطفى بنفاذ صبر وهو يستغفر ربه وكان ممسكًا بيد نجلاء التي أصبحت منتقبة الآن، وهي ممسكة بيد ابنتها مريم. ذهبوا جميعًا وجلسوا في النصف الخاص بالعريس. وهنا لمح مصطفى أمامه سليم جالسًا، وقال لها: _دا اخويا التاني. _تيجي نقعد معاه؟ _مش عارف... نظر سليم لهم فإبتسم وقام وأتى إليهم وسلم عليهم وهو يقول: _ينفع أقعد معاكم؟ ابتسم مصطفى ابتسامته اللطيفة وهو يقول: _اتفضل يا حبيبي طبعًا. جلس سليم بجانب مريم ومد يده لكي يسلم عليها. _إزيك؟ اسمك إيه؟ نظرت ليده ونظرت لمصطفى، ليقول مصطفى له: _سلمي عليه يا حبيبتي عادي. سلمت مريم عليه وهي تقول: _اسمي مريم. هنا نرى رفعت يحدق فيهم وهو يقول: _مصطفى كمان بقى موجود...ولبس نجلاء النقاب على اساس اننا كدة مش هنعرفها. في تلك اللحظة وقعت أعين نجلاء على رفعت الذي كان يحدق بها، ودبت قشعريرة قوية في جسدها من الذعر التي اصابها، وأمسكت يد مصطفى بقوة شديدة جعلته يقلق. _مالك يا حبيبتي في إيه؟ أبعدت نجلاء نظرها وهي تقول همسًا: _الراجل دا... ا... الراجل اللي هناك دا... شبه اللي شوفته يوم ما قتلوا عمتو... نظر مصطفى إليه وكادت أن تلتفت مريم لتنظر إليه ليمنعها سليم وهو يقول: _لا لا متبصيش عليه بقى، عشان شكله وحش قوي. _بجد؟ _أه، أه، عنده عين طالعة لبرا وأقرع وسنانه عاملة زي سنان التعابين. قال مصطفى همسًا لنجلاء: _دا شبه برضو الراجل اللي مريم رسمته. _مين دا؟ وهو ليه هنا؟ كان سليم يلهي مريم ولم تسمعهم، فقال مصطفى لسليم: _سليم، هو مين الراجل دا؟ _دا مدير المدرسة اللي نوح بيشتغل فيها...ورجل اعمال برضو ومش عايز أقولك هو بيعمل إيه تاني... هبقى أقولك بعدين. قالت نجلاء وهي تنهض: _أنا عايزة أقوم أغسل وشي. ذهبت مسرعة للحمام، وكان يريد أن يذهب مصطفى خلفها، فنظر لمريم وهو لا يريد تركها وحدها ليقول سليم: _متقلقش، هقعد معاها أنا. _شكرًا. دخلت نجلاء حمام النساء ووقف مصطفى بالخارج وهو قلق. وهنا نرى نجلاء بالداخل تنزع نقابها وتبدأ في البكاء الهاديء وهي تسترجع احساس الذعر الذي يقتحم قلبها كلما تتذكر ذلك اليوم، حاولت أن تتمالك نفسها وظلت تغسل وجهها وتضربه بالماء البارد لتهدأ. خرجت من إحدى المراحيض... علا. وقفت بجانب نجلاء وهي تغسل يدها، نظرت لها وقالت: _إنتِ كويسة؟ _أ... أيوة. _ملامحك جميلة اوي... حقك تخبيهم على فكرة. نظرت نجلاء لعلا وابتسمت بحرج وقالت: _شكرًا والله... إنتِ كمان جميلة قوي. _بجد؟ يعني البس النقاب بقا؟ _لو دا هيناسبك. ابتسمت علا وقالت: _اسمك إيه؟ _أنا نجلاء. _أنا علا، قوليلي مين اللي خلاكي تعيطي وأنا أضربه. _حبيبتي والله... مفيش حاجة... أنا مضطرة أطلع بقى. _ماشي، هطلع معاكي. خرجا كلاهما ورأت مصطفى، فأتت إليه: _إيه يا حبيبتي، إنتِ كويسة؟ _أنا آسفة... مقدرتش أمسك نفسي. _ولا يهمك. قبل رأسها وأمسك يدها لكي يعودا للقاعة، ولكنه لمح علا واقفة تحدق فيهم. ابتسم مصطفى واقترب منها وقال: _إزيك يا علا؟ _إنتوا جمال اوي. ضحك مصطفى وقال: _الطرابيزة اللي قاعد عليها سليم، اقعدي فيها... عارفة شكله؟ _أه، أه. تركها مصطفى ونجلاء ودخلا القاعة. وقبل أن يصلا لمقعدهم، أتت رشا لمصطفى: _حضرتك الشيخ مصطفى؟ قال مصطفى وهو لا ينظر إليها ويغض بصره: _أيوة انا. _أنا بحبك اوي اوي بجد، دي مراتك؟ قالت نجلاء ونبرة الغيرة والغضب في صوتها: _أيوة أنا مراته، مش بنته أكيد. ضحكت رشا وقالت: _ممكن أتعرف بحضرتِك؟ أصل أنا بحب الشيخ مصطفى اوي وبشوف كل محاضراته، وشوفت له دورة كاملة والله، وهبقى سعيدة لما أتعرف عليكي. _ما دام بتشوفي له محاضرات ودورات، ما شوفتيش محاضرات الحجاب ولا إيه؟ _ربنا يهديني بقى. _يارب. _متعرفناش برضو. نظرت نجلاء لرشا ثم نظرت لرفعت الذي كان يراقب وشعرت أنه يريد أن يعرف يراقبها من خلال رشا، فقالت نجلاء: _مالكيش دعوة. وذهبت هي ومصطفى لمقعدهم. فعادت رشا وجلست بجانب رفعت وهي تقول بنبرة ساخرة: _شكلها مبتصاحبش متبرجات. صمت رفعت ولم يرد. وهنا نرى علا تأتي لعصام: _واقف لوحدك ليه؟ مش قاعد معاهم ليه؟ نظر عصام لعلا فابتسم تلقائيًا من جمالها وأمسك يدها وجعلها تلف وهو يقول: _إيه الجمال والحلاوة دي؟ ضحكت علا وهي تقول: _شكلي حلو؟ _إنتِ أحلى واحدة هنا، بس من بعد رحمة. _رحمة مين؟ _أم فستان أخضر هناك دي، اللي شعرها كيرلي. _تصدق جميلة اوي. _بقالي مدة بحاول أقرب منها، بس هي بترفض. _جدعة. _نعم؟ _أه، أصل مين الغبية اللي ترضى بيك أصلاً؟ يلا تعالى نقعد معاهم. أمسكت يده وذهبت إليهم، وجلست بجانب مصطفى وعصام جلس بجانبها وبجانب سليم. نظر عصام إلى مريم وقال لمصطفى ساخرًا: _مش ملبسها نقاب ليه؟ لم يرد مصطفى، فضربته علا وهي تقول: _ياريت يا عصام تحترم نفسك، إحنا أول مرة نشوف بعض. قال عصام وهو ينظر لمصطفى بسخرية: _أول مرة؟ مشفتوهوش لما حاول يقتلني؟ قال مصطفى مبتسمًا: _أنا مقدرش أقتلك يا حبيبي... نظرت علا إلى سليم وقالت: _إحنا كلنا كده خلاص، صح؟ _لا، لسة اتنين... في نور منعرفش هو مين وفين بس التانية المفروض تيجي معرفش هتيجي امتى. قال عصام: _واضح إننا كتير أوي. قالت علا بابتسامتها: _مش أكتر من عيالك. إنتبه مصطفي من جملتها مستغربًا فقال عصام لها: _ششش، أنت هتفضحيني؟ هنا قال سليم: _إنتم كلكم متقبلين الحال اللي إحنا فيه ده، مش كده؟ قالت علا: _أنا عن نفسي فرحانة إن طلع ليا أخوات. قال عصام: _أنا مش فرحان... خصوصًا لما عرفنا مين أبويا. قال سليم: _عايز اعرفكم بس اننا معرفناش من نوح لانه مكانش يعرف زيينا، احنا عرفنا من انوبيس. قال مصطفى مستغربًا: _مين؟ _أنوبيس دي أختنا اتربت معاه وهي هربانة منه دلوقتي. _دي المشردة؟ _كانت مشردة، دلوقتي هي عايشة في بيت تاني بتاع أمي. بصوا، أنا هحكيلكم اللي هي حكتهولي بالظبط. بعدما حكى لهم سليم ما قالته له انوبيس قالت علا: _وأمك عايشة إزاي؟ _معرفش الحقيقة... الحمد لله إنها عايشة. هنا قالت نجلاء: _أنا شوفت الميليشيات وهما بيقتلوا عمتو اللي هي أم نوح... وقبلها شوفت راجل بنضارة شبه الراجل اللي قاعد في الطرابيزة اللي هناك دي. قال سليم: _الراجل ده مش مظبوط أصلاً... هو راجل أعمال مشهور وماسك كذا شركة وطبعا فلوسه كلها مشكوك فيها... بيتاجر في اي حاجة حرام... بس في عنه اشاعات انه يكون رئيس الميليشيات اللي ظهروا اخر عشرين سنة. ولكن لسة مش متأكد دا صح ولا لا. هنا فجأة سمعوا صوت زغاريط فالتفتوا بسرعة ليروا فتاة بتاج كبير وفستان أبيض كبير وجذاب ورائع للغاية تدخل القاعة مع أمها التي كانت تزغرط. فقال عصام: _هي إزاي العروسة تدخل كده من غير زفة ولا حاجة، إحنا محسيناش بيها. قال سليم: _دي مش غادة أصلاً... مين دي؟ قالت علا: _دي مش العروسة؟ أومال هي لابسة كده ليه؟ إيه قلة الذوق دي؟ في المنضدة الاخرى حيث اصدقاء نوح، قال علاء: _هي العروسة دخلت كده فجأة ليه؟ قال أشرف: _واضح إن نوح مكانش معاه فلوس يعمل زفة. قالت رشا: _طب هو فين نوح أصلاً؟ قالت رحمة: _يا جماعة، دي مش العروسة... دي مش غادة خالص، أنا دخلت أكونتها وشوفت صورها، دي مش غادة. قالت رشا: _مستحيل... دا فستانها ومكياجها مكياج عروسة... دا حتى الطرحة اللي على الرأس والتاج بتاع عروسة. _مين بنت الهبلة دي؟ ******* في الفندق، نرى نوح يتجهز وعمر يساعده. وأثناء ما كان يعدل ربط عنقه، قال له: _أتمنى تكون التالتة تابتة. ضحك نوح وهو يقول: _متقلقش، دي تابتة وتابتة أوي كمان. في غرفة غادة، نراها انتهت وأصبحت جاهزة، وشيماء زوجة عمر معها تقول: _ما شاء الله تبارك الله... أقسم بالله إنتِ أجمل واحدة شوفتها في حياتي.... ضحكت غادة وهي تقول: _شكرًا والله يا شيماء... بجد أنا حلوة أوي كده؟ هعجب نوح يعني؟ _تعجبي نوح؟ دا إنتِ مش بعيد تعجبي عمر نفسه. _متقوليش كده، مش للدرجة دي. _اجهزي بقى عشان تعملوا الفيرست لوك في الجنينة تحت. _تمام، أنا جاهزة أهو. في الحديقة، ينزل نوح وعمر والمصورون، وحين رأوا غادة توقفوا واكمل نوح سيره لها، كانت تنظر اليه وهو يقترب منها وعينيه تلمعان لا ترمش من جمالها ورقتها وكأنها حور عين سقط من السماء ازدادت ابتسامته من جمالها الخارق وهو لا يعرف ماذا يقول وهي ظلت مبتسمة بإحراج. أتت شيماء بجانب عمر، وقال عمر في هذه اللحظة: _إيه الجمال ده؟ قالت شيماء وهي تنظر لغادة: _عندك حق والله، هي جميلة أوي. _هي مين؟ أنا بقول عليكي إنتِ يا هبلة. نظرت إليه وقالت مندهشة: _إيه ده، قصدك عليا؟ _أيوة، أومال مين يعني؟ _شكرًا يا حبيبي... ظلت غادة تحدق في نوح وهي صامتة لا تفعل شيئًا. _إيه رأيك؟ _أنا عمري ما شوفت واحدة بجمالك ده في العالم... أنا متضايق إنك هتظهري للناس بجمالك ده. _متقلقش... في البيت هتشوف حاجات أجمل. ضحك نوح ولم يتحمل، فإقترب منها ليقبلها، ولكنها ابعدته وهي تضحك وتضرب صدره، وقال المصور: _اهدى يا عريس، مش من الأول كده، اصبر. ابتعد نوح وهو مرتبك وبدأوا في جلسة تصويرهم، حين انتهوا منها، اتجهوا للقاعة، وعمر يقود السيارة بجانبه شيماء وخلفهم نوح وغادة. _أنا متوترة أوي يا نوح. _ليه يا حبيبتي؟ هتكون ليلة حلوة بإذن الله، متقلقيش. _هو صحيح أخواتك كلهم موجودين هناك؟ _المفروض... المهم عندي أختي اللي منعرفش عنها حاجة دي ولا ليها اسم... لازم أشوفها. _أكيد هي عارفة وهتيجي، متقلقيش. صمتت غادة قليلاً وهي تمسك ببطنها بتوتر وكأنها غير مستعده ان تقابل الشخص التذي لم تقابله منذ عشر سنوات، وقالت هنا: _معقول أنا هشوف بابا من بعد عشر سنين...؟ عادت غادة لصمتها ثم اكملت: _كان نفسي إبراهيم يكون معايا... هو اللي يوصلني ليك، مش بابا... أنا متأكدة إن إبراهيم بيحبني بجد وعمره ما هيكون زي بابا. أمسك نوح بيدها ثم قال: _مش عايزك تفكري كتير... أنا جنبك وبإذن الله هكون أبوكي وأخوكي وجوزك مع بعض. ابتسمت غادة له وبعدها بقليل وصلوا للقاعة... وكان مجدي والد غادة واقفًا يستقبلهم. خرجوا الأربعة ووصلت السيارات الأخرى للمصورين خلف سيارتهم. خرجت غادة من السيارة وأمسك نوح بيدها لكي تصعد الدرجة ووقفت أمام أبيها وهي تنظر له. _إزيك يا بابا؟ نظر والدها ببرود شديد ثم ابتسم وقال: _إزيك يا غادة أخيرًا هتتجوزي... شكلك حلو أوي... جميلة زي أمك الله يرحمها. _ولو هي أمي جميلة، أنت سيبتها ليه؟ _الجمال مش هيرجع أخوكي اللي راح بسببك. _يعني إيه راح بسببك؟ هنا قال نوح: _باشمهندس مجدي، ممكن تكتم وتعمل دورك كأب ولو يوم واحد بس؟ _إنت بالذات، أنا مش هسامحك عاللي عملته في بناتي. _إنت بتقول إيه؟ عملت إيه في بناتك؟ قالت غادة: _خلاص يا نوح خلاص، خلي اليوم يعدي. بعد الزفة، دخل نوح القاعة، وفور دخوله وقعت عيناه على المنضدة التي يجلس عليها إخوته. تبسم تلقائيًا، ونظروا جميعًا إليه بإعجاب وابتسامة عريضة على وجوههم، ما عدا عصام بالطبع. بعدها نظر إلى أصدقائه أشرف وعلاء، الذين بدأا يهتفون بفرح له، فإبتسم لهم ايضًا. ثم وقف في منتصف القاعة ليستقبل العروس. اختفت ابتسامته حين أتت إليه. شهدت بذلك الفستان، استغرب بشدة، وقالت له: _إزيك يا مستر، هستأذنك أتصور صورة معاك. _إيه اللي إنتِ لابساه ده؟ _إيه؟ ده فستان عادي كان عندي من زمان، قولت ألبسه. يلا يا مدحت صورنا. _استني يا مدحت متصورناش. ارجعي مكانك لو سمحتي وعدي الليلة دي على خير، عشان لو بوظتيها، أقسم بالله ما هرحمك... ارجعي يلا. عادت شهد لمقعدها منزعجة. بعدها دخلا عمر وشيماء، وحين لاحظا فستان شهد وهيئتها، قالت شيماء: _إيه ده؟ مين اللي لابسة فستان فرح دي؟ هي مجنونة؟ ده فستانها أكبر من فستان غادة. _عندك حق.... واضح إن غادة مش مكتوبلها تفرح في ليلتها دي. بدأت الموسيقى ودخلت غادة ممسكة بذراع والدها وسارا بشكل مستقيم نحو نوح. أخذ نوح بيدها وانحنى ليقبلها، وبعدها بدأا رقصتهما الهادئة سويًا. هنا قالت نجلاء وهي سعيدة: _شكلهم حلو أوي... قالت علا: _آه جدًا بجد. كان عصام ملتفتًا ليس لينظر إلى أخيه وزوجته، بل كان يحدق في رحمة، يحدق فيها وعيناه لا تتزحزحان عنها. _إيه ده؟ الشيخ مصطفى؟ التفت مصطفى ليجده ناحية القائل وكات... المأذون. وقف مصطفى وسلم عليه. _خلاص بقيت متفتح وبتحضر أفراح؟ مش كنت قارفنا بالأغاني حرام والاختلاط حرام؟ _أنا همشي بعد كتب الكتاب على طول. العريس عزيز عليّا ولازم كنت أباركله. _عرفت إنك بقيت عاطل... مش لو كنت كملت في وزارة الأوقاف كان زمانك متدلع دلوقتي. ابتسم مصطفى ابتسامة مستفزة وهو يقول: _صدقني، لو خيروني أموت أو أشتغل فيها، هختار الموت... أنا مستحيل أتعاون مع حد افتوا ان بيع الناس حلال، مستحيل اكون منافق. ضحك المأذون وقال: _أومال لو مكانش ليك ماضي...؟ كنت عملت فينا إيه؟ صمت مصطفى وذهب المأذون وتركه. جلس مصطفى وعصام يقول بسخرية: _انت طلع ليك ماضي؟ متوقعتهاش منك دي يا شيخ. ظل مصطفى صامتًا لا يرد، ليعود عصام قائلًا: _كنت بقى بتزني بكام واحدة في اليوم؟ ولا كنت بتقتل بالعشرة والعشرين؟ ولا كنت شمام وحشاش زي أخوك؟ هنا قالت علا غاضبة: "_ما خلاص بقى يا عصام، انت ماسكه من أول ما قعدنا ليه كده؟ هنا نرى مجدي مع بناته يحدثهم: _احكولي الوسخ ده عملكم إيه؟ والله لاسجنه. قالت تاليا: _هو مين؟ _نوح. _إحنا ماشوفناش نوح ده خالص... اللي شوفناهم هو سليم... اللي شعره برتقالي اللي قاعد هناك ده... وواحدة تانية منعرفش اسمها... وهما ماعملولناش حاجة بصراحة. قالت أمهم: _أكيد مهددينك... قولي يا حبيبتي عملولكم إيه؟ _والله يا ماما ما عملولنا حاجة، بالعكس كانوا بيأكلونا وبيهتموا بنضافتنا. هنا قالت أختها الصغرى: _سليم كان بيأكلنا بانكيك كل يوم. صمتت الأم ونظرت لمجدي، فصمت مجدي أيضًا. بعدها قالت تاليا: _إنت إزاي يا بابا ما تقولناش على غادة؟ أنا مش مسامحاك على فكرة... دي حتى شكلها طيب وجميلة. _شكلها طيب؟ دي ملعونة... دي بسببها أخوكم راح وما رجعش... ولو حاولتم تقربوا منها مصيركم هيبقى زي مصير أخوكم كده. هنا نرى شهد تتجول في القاعة كلها بالمصور لكي يصورها في كل الأماكن، إلى أن صعدت مقعد العروس (الكوشة) وجلست عليه وبدأ يصورها. وأثناء ما كانت غادة ترقص مع نوح، رأت شهد وهي جالسة على الكوشة... بفستانها وتاجها وأناقتها... وصدمت صدمة كبيرة وعبس وجهها من انزعاجها الشديد. _نوح... شوفت شهد عاملة إيه في نفسها؟ _افردي وشك، ولا كأنك شوفتي حاجة. حاولت غادة الابتسامة وشعرت أنها تريد البكاء بشدة. _دي شكلها أحلى مني... شكلها العروسة مش أنا يا نوح. _غادة... بصيلي. نظرت غادة إليه، ثم قال: _ركزي معايا وسيبك منها... هي عايزة تضايقك كده... هي نفسها تكون زيك، بس هي مش عارفة... صدقيني، إنتِ أحسن منها وأجمل منها حتى لو لبستي شوال رز. يلا بقى، اجهزي عشان المأذون جه. بقدوم المأذون انتهيا من الرقصة وجلسا بجانب بعضهما، وجلست شهد بجانب غادة. وهنا نظر المأذون إلى هنا وقال: _مين فيكم العروسة؟ ضحكت شهد ولم ترد، وانزعجت غادة بشدة ليقول نوح بنبرة غضب خفيفة: _فوق شوية يا شيخ، اللي قاعدة جنبي هي العروسة. _آه، ماشي.... هنا وقف خلفه عمر ومصطفى، وبدأ المأذون بعقد النكاح بطلبهم لقراءة الفاتحة، وبعدها قال المأذون: _إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعدها قرأ ثلاث آيات وآيات عن الزواج وتحدث عن الزواج بشكل عام وإيجابي. بعدها جعل مجدي يقول: _إني استخرت الله العظيم وزوجتك موكلتي وابنتي غادة على كتاب الله وعلى سنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله والحضور شهود على ذلك والله خير الشاهدين. بعدها جعل نوح يقول: _إني استخرت الله العظيم وقبلت زواج موكلتي غادة على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله والحضور شهود على ذلك والله خير الشاهدين. واكملوا عقد النكاح وانتهى المأذون بقوله: _بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير. وهنا بدأت شيماء وعلا بالزغاريط، وقررت أن تزغرت رحمة أيضًا. وبعدما انتهوا من التوقيع، نظر نوح لغادة بسعادة، وغادة مبتسمة لا تستطيع أن تعبر عن سعادتها. وقفا كلاهما واحتضنه عمر ومصطفى، وشيماء احتضنت غادة، وعلا أيضًا. أثناء ما كان مصطفى يبارك لنوح ويسلم عليه لكي يعود إلى منزله، دبت قشعريرة قوية في جسده جعلته يتوقف عن الكلام. شعر بطاقة غريبة دخلت المكان... وهنا نرى نور يدخل القاعة، شاب طويل ووسيم، صاحب اعين داكنه حادة وابتسامة عريضة على وجهه. التفت مصطفى ونظر إلى نور وكأنه استشعر دخوله القاعة، وتقابلت أعينهما... تحولت ملامح مصطفى تمامًا، من ملامح سعيدة مطمئنة الى ملامح القلق والصدمة والغضب الشديد، وكأنه ينظر لمصيبة كبيرة أو ينظر لعدو لدود قديم قد طال غيابه. سار نور وابتعد وجلس على منضدة وحده وهو يشاهدهم بهدوء تام، تحرك مصطفى بسرعة شديدة واتجه إلى نجلاء: _قومي بسرعة يا نجلاء، يلا بسرعة. _حاضر، حاضر بس في إيه؟ اهدأ. _لما نروح هقولك، يلا. استغرب عصام وسليم من استعجاله الشديد، وأمسك مصطفى بيد نجلاء، ونجلاء أمسكَتْ بيد ابنتها، وخرجوا جميعًا من القاعة بسرعة، بينما نور يتابعهم بعينيه ببرود وابتسامة مستفزّة.
ROMISAA