٦٩ كيف ينسى الإنسان من ظلمه ومن نهب كرامته؟ كيف ينسى الإنسان من قام بأذيته؟ أيَنسى الإنسان؟ أيَنسى نوح ما حدث له كما نسي الكثير من ذكرياته؟ كم ابتغى نوح نسيان تلك الليلة، ولكنه يعود ليستوعب أنه لا فرق في نسيانها، حتى إن نسيها، فما زال الأثر باقيًا. إن اختفى الأثر الجسدي فسيبقى الأثر النفسي دائمًا وأبدًا، والعلة تكمن هنا. كم كان عسيرًا على نوح تخطي الأمر؛ نومه يفيض بالكوابيس، لا يكف عن سماع ضحكاتهم بينما كان يشعر بكل ما يفعلونه بجسده. كان يُعذب وهو مُغطى العينين، لم يكن يرى ما يفعلون به، ولم يكن يتنبأ بالخطوة القادمة منهم. بسبب تلك الليلة أصبح نوح يقاوم إغلاق جفونه، يخشى أن يغلقها فتُقطع أصابعه أو تُكسر عظامه، أصبح يخشى ظُلمة الليل، أصبح يخشى الغرف الضيقة التي لا أثاث لها، وأصبح يخشى أصوات احتكاك الحديد، حيث تبدو كالأصفاد التي كان مقيدًا بها. كان يجاهد طيلة الأسبوع ألا يظهر عليه التأثر القوي، كان يتجاهل كل شعوره وردات فعله تجاه الأمور، كان يحاول إقناع نفسه بأنه بخير كما كان، ولكن يومًا بعد يوم تخرج الأمور عن السيطرة تدريجيًا. مرت ثلاثة أيام أخرى. تدخل غادة غرفتها في منتصف الليل بعدما انتهت من واجباتها، فإن كان نوح يجلس على مكتبه كانت تنهي عملها على مائدة الطعام. كان نوح منشغلًا على مكتبه بكتابة الكثير... والكثير... والكثير من المعادلات الرياضية. فقد اعتادت غادة على ذلك؛ تدخل الغرفة فتجد نوح على مكتبه ومئات الأوراق متناثرة حوله على الأرض، أوراق تحمل عشرات المعادلات الرياضية المعقدة. وهي، بدورها، كما اعتادت، تأتي إليه وتلملم كل الأوراق من على الأرض وتضعها جانبًا، ثم تجلس على سريرها في انتظاره. طيلة العشرة أيام التي مرت بعد تلك الليلة، أصبح نوح، بعد انتهائه من أعماله، يجلس على مكتبه ويبدأ في كتابة المسائل والمعادلات دون توقف، مما يظهر هيجان وثوران عقله المُسعَّر. كان عقله في حالة هلع دائم، لا يُعبَّر عنه باللسان، ومن المستحيل أن يظهر في لغة الجسد. ولم يجد نوح طريقة لتهدئة فوران عقله سوى بالتفكير في المعادلات الرياضية المعقدة وكتابتها. تكاد غادة تُقسم أن نوح، خلال العشرة أيام، كتب ما يقارب سبعة آلاف معادلة، ولا واحدة منها تشبه الأخرى أبدًا. هذا الأمر أخافها وجعلها في حالة رعب عظيمة عليه. كانت تشعر بالعجز الشديد؛ فمحاولاتها لتخفيف اضطراباته كانت تبوء بالخيبة دائمًا. _ن... نوح؟ فور أن سمع نوح صوتها ارتجف جسده كما لو كان استفاق من عالم المعادلات الخاص به، وأجابها: _أ... أيوة يا حبيبتي. سكتت غادة منتظرة أن يلتفت لها، ولكنه استمر في الكتابة. لم يعلم أنها كانت متزينة له زينة قد تفوق حور العين جمالًا. لم تكن تلك المرة الأولى على أي حال؛ ففي العشرة أيام لم يلمسها نوح أبدًا. لم تعلم أهذا بسبب اضطرابه النفسي الخارق أم يوجد سبب آخر. اقتربت غادة منه ولمست منكبيه وهي تتحسس عليهما، ثم تحسسّت شعره، وهي تقول: _أظن من كتر المعادلات اللي بتكتبها دي تستحق جايزة نوبل، أنا واثقة إن فيه معادلة بينهم تهزم أعظم عالم رياضيات في العالم. ابتسم نوح ابتسامة باهتة دون النظر إليها لتقرر أن تجلس على المكتب أمامه ليضطر إلى أن يراها. وفور أن وقعت عيناه عليها، كان من المستحيل أن يزحزح نظره من شدة حسنها وجمالها الذي لا وصف له. ابتسم، ولكن ابتسامته لم تدم؛ لسبب ما، عبس نوح وهو ينظر لها وقال: _عندك كلية بكرة... الحقي نامي. عبست غادة هي الأخرى وقالت: _لا، ما عنديش يا حبيبي. يلا يا نوح... أنت واحشني. أنا مش طالبة منك حاجة، بالعكس... أنا عايزة أفرحك. أغمض نوح عينيه، كما لو كان يحاول كبح غضبه بجفونه، وقال: _امشي يا غادة! _يا نوح، طب... فتح جفونه وهو يصيح محتدمًا، وارتجف جسده من شدة انفعاله: _قولتلك امشي!!!! انتفضت غادة مرتعبة ومصدومة من رد فعله، ولكنها عذرت حالته ولم تُصرّ. سرعان ما ابتعدت عنه وخلعت ما كانت ترتديه لترتدي ملابسها العادية، وهو بدوره أخرج ورقة أخرى وعاد لكتابة المعادلات. رغم أن وجود غادة هو ما يُغلغل الصبر في قلبه، حيث لا ينام إلا بعد أن يتأكد أنها بجانبه، ولا يستقر في منزله إلا بعد أن يتأكد أنها موجودة معه، ولا يدخل أي غرفة وحده أو الحمام إلا وقد تأكد من حضورها معه في المنزل، إلا أنه دائمًا ما ينهرها طيلة تلك الأيام. ينهرها لأنها تظن أنه ما زال كما هو، ينهرها لأنها تعتقد أنه لم يتغير فيه شيء، ولكنها لا تعلم أن كل ما في نوح قد تغير تمامًا. أثناء كتابته للمعادلات، استوحش وشعر بعدم حضور غادة معه، فالتفت ونادى عليها بنبرة مرتجفة: _غادة؟ حين لم يسمع ردًا، قبض قلبه بألم شديد، فوثب من مكانه وهو ينادي عليها كالمجنون: _غادة؟ غادة؟ غادة!!! ظل يسير بسرعة باحثًا عنها، إلى أن سمع صوت بكائها في غرفة هاجر، أو غرفة الأم سابقًا. لا، لم يكن بكاؤها، بل كان بكاء شخص آخر. التفت نوح إلى الغرفة واقترب منها برفق خشية مما سيراه بداخلها. _أخد نور خلاص يا وائل، خلاص أخدها خلاص. كانت أمه جالسة على السرير، تبكي وتحدث أخيها في الهاتف، وبدا على دموعها الغزيرة الحارقة الندم العظيم. _نور مين يا ماما؟ التفت نوح للقائل ليجده هو نفسه، ولكنه أصغر بستة عشر سنة تقريبًا. كان شابًا في العشرين من عمره، يدخل الغرفة قلقًا على ليلى، ويقول: _نور مين يا حبيبتي اللي بتعيطي عليه كده؟ من صدمة ليلى ودهشتها، توقفت عن البكاء وقالت بأعين متسعة: _ما تعرفش نور؟! ارتبك نوح الصغير من نظراتها وقال: _ل... لا معرفش، مين بقى عشان أعرف؟ ابتسمت ليلى ابتسامة حزينة ومسحت دموعها لتدّعي أنها بخير، وقالت لابنها: _ولا حاجة يا حبيبي، واحدة صاحبتي زعلت عليها، ما تهتمش كتير. أومأ نوح الصغير برأسه وقال: _طيب... ما تعيطيش كده تاني بس، عشان كده بتخوّفيني عليكي. مش عايزة أعملك أي حاجة؟ _لا يا حبيبي، أنا تمام. أنا هقوم أروح مشوار وهرجعلك تاني، ماشي؟ هز نوح الكبير رأسه نافيًا، وكأنه يرفض مغادرتها. كان واقفًا يشاهد هذا المشهد بعدم رضا وتعجب شديد، وظل يردد لأمه، لعلها تسمعه: _نور مين؟ نور مين يا ماما؟ قوليلي نور مين؟ نور مين؟؟؟ وكأن هناك حجابًا على أعينها يخفيه عن بصرها وسمعها. لم تسمعه ولم تره، بل سارت خارج غرفتها وخرجت من المنزل، بينما هو يناديها بإلحاح كالطفل. خرج إلى الشرفة وهو ينظر إليها وهي تسير بين ظلمات الشارع. _روح وراها. انتفض نوح حين سمع صوت طفلة من تحت شرفته، تقف عند شرفة شقة سردار. تلك الطفلة التي اعتاد أن يراها قالت له: _روح وراها واعرف نور مين. خليها تفكرك. لازم تفتكر نور، لازم! وبدون أي تردد، بقدميه الحافيتين وملابس بيته، خرج نوح مسرعًا من منزله يهرع خلف أمه، وظل يسير خلفها وهو يحدثها: _ماما، استني. ماما، أرجوكِ قفي وتكلمي معايا. ماما، أرجوكِ... أنا نفسي أتكلم معاكي. إنتِ لسة زعلانة مني؟ ماما، أرجوكِ قفي. ذرفت دموع نوح بغزارة وهو يلاحق أمه كالطفل الناشئ الذي لا يعلم شيئًا في حياته سوى والدته. لا يرى نجاة سوى في والدته، لا يرى أمانًا سوى في والدته، لا مسكن سوى مع والدته، لا طعام سوى من والدته، لا حياة سوى مع والدته. ولكنها تبتعد عنه، لا تجيبه، وكأنها تهرب منه مستنفرة، ليصيح نوح باكيًا وهو يهرول نحوها: _إنتِ لسة زعلانة مني؟ أنا آسف والله العظيم. أ... أنا بقيت إنسان أحسن والله. اديني فرصة، أقبّل رجلك وأعتذرلك عن كل حاجة عملتها فيكي. والله، اديني فرصة أصلّح كل اللي بوّظته بيننا. أرجوكِ يا ماما، قفي أتكلمك، أرجوكِ. عويل نوح كان عاليًا وثقيلًا؛ حيث تثاقلت دموعه على ساقيه حتى لم يعد يطيق السير والهرولة. سقط على ركبتيه مستمرًا في البكاء على طرقات الشارع المظلم الحامل لقطرات دموعه الحارقة. وبين المباني الساكنة الشاهدة على انكساره العظيم وجنونه الشديد، ومن يعلم، قد يوجد من بداخل المباني يشهد على ذلك أيضًا. بكاؤه في هذا الوقت من الليل، بتلك الحرقة العظيمة، بين هدوء الليل المكفهر، لهو أمر مخيف ومقلق وبالتأكيد قد ايقظ بعض النائمين. كان ممسكًا بقلبه، قابضًا على ملابسه، على أمل أن يقبض على قلبه حقًا ويقتلعه من صدره من شدة الألم الذي ينتج عنه. وكأن قلبه يضخ حممًا بركانية لا دماء. _وقفت ليه؟ تعالى ورايا، هدلك على مكان نور. وقتها هتعرف نور مين. رفع نوح رأسه حين وجد أمه واقفة أمامه. لم يستطع رؤية وجهها من عتمة الليل. التفتت وأكملت سيرها، فنهض في دهشة خفيفة وأكمل السير خلفها بصمت مترقبًا المكان الذي ستقوده إليه. لم يشعر نوح بمسافة الطريق كما لم يشعر بوحشته، فظل يسير إلى أن وصل إلى كوبري فوق النيل، فور أن وصل إليه اختفت أمه، ليتلفت حوله في هلع وهو ينادي عليها، لتأتيه الإجابة من النيل. إن عقل نوح ليس بمحله، فلم يتساءل لماذا يخرج صوت أمه من عمق النيل. فقد خُيِّل له أن المصريين القدماء ألقوها لتكون عروس النيل بسبب جمالها. لذلك، ولأجل اللقاء بها، صعد نوح على السور وقفز بدون اي تردد ليرتطم جسده بسطح الماء ثم يبتلعه النيل تدريجيًا. غريزة بقائه كانت تجعله يحاول السباحة والعودة للحياة، ولكن استوقفه صوت مايا وهو يقول: ~متقاومش يا نوح، الموت هيعيدك لأصلك، بس أنت موتك معصلج شوية. الموت هو بداية قوتك، سيب نفسك يا نوح، متقاومش. كلمات مايا كانت كالسحر وجعلت نوح يستسلم. تراخى جسده وتركه يغوص في جوف النيل المعتم، وتغلغلت المياه داخل رئتيه في انتظار موته. _أعمل إيه يا هاجر؟ أعمل إيه؟ هيموت! أعمل إيه؟؟!!! صوت بعيد المدى... غادة تصيح باكية محدثةً هاجر. حين انتبه نوح لصوت غادة، قال مايا: ~متخافش، هترجع لها تاني، متخليش عياطها يأثر في رغبتك. احتمال أصلًا اللي بتسمعه ده يكون وهم... هي ممشتش وراك كل ده... نام يا نوح. جه الوقت أن تنام النوم الأكبر. نام. ببطء، كانت جفون نوح تتثاقل وتنسدل على عينيه لتعلن عن استسلامه وتسليم روحه إلى خالقها. ولكن قبل أن يغلق عينيه بشكل كامل، رأى جسدًا يعوم باتجاهه. لم يكن مكترثًا إن كان هذا الجسد قاصدًا أذيته أم حمايته. فقد أغلق عينيه على أي حال، مستغنيًا عن العالم. ************ . . . _ب... بروفيسور، ينفع أطلب منك خدمة؟ ومستعد أعمل أي حاجة عشانها. ابتسم يوسف ابتسامته الطيبة المرهقة، وقال بنبرة مطمئنة: _قولي إيه الخدمة يا سليم، من غير ما تعمل حاجة، هعملهالك متقلقش. _ه... هو ينفع تطلب حد من سجن دارين عشان الدعارة؟ _أيوة، كل أصحاب النفوذ والمشهورين يقدروا يطلبوا منهم بس. عرضت ابتسامة سليم حتى كادت أن تصل لأذنيه ولمعت عيناه بدموع البهجة: _مراتي... مراتي في سجن دارين وعايز أشوفها، ينفع تطلبها على أساس إنك انت و... نقعد أنا وهي في بيتك لحد ما هما ياخدوها؟ أومأ يوسف بابتسامته الطيبة وهو يقول: _حاضر، هطلبها لمدة أسبوع وده أطول وقت ممكن، وقتها اقعدوا سوا براحتكم. قهقه سليم من سروره العارم الذي جعله يرفرف منشرحًا ويقفز بشكل لا إرادي، ثم اتجه إلى يوسف وأمسك وجهه وقبّل وجنته بقوة وهو يقول: _أقسم بالله أنا بحبك، أقسم بالله. . . . قبل ثلاثة أيام، حين كانا سليم ويوسف يعالجان عصام، انتهز سليم الفرصة لطلب تلك الخدمة من يوسف. ومن رأفة يوسف بأولاد أدهم، وافق يوسف لتعود فريدة لبلدها ولزوجها ولأهلها لمدة أسبوع واحد فقط. مضت ثلاثة أيام كانت شفاء لفريدة جسديًا ونفسيًا. ثلاثة أيام مع حبيبها الذي لم ينسها ولم يمل التفكير فيها، ولم يكل من متابعة خط سيرها بعينيه التي لم تكن تطرف. حتى الآن، ومع وجود فريدة معه، كان لا يغمض جفونه خشية اختفائها وذهابها كما ذهبت سابقًا بطرفة عين منه. كان لا يتركها بيديه وعينيه. في نومهما، كان يضعها في حضنه وينام بعين واحدة خشية أن تذهب أو يخطفها أحد منه. كان موسوسًا، يتبعها دائمًا في المنزل كله، بينما كان حراس السجن خارج المنزل ينتظرون أخذها للعودة إلى سجن دارين. رغم سعادة فريدة العارمة بعودتها المؤقتة، والتي كانت دواءً مسكنًا لها بعد كل هذا العناء المفجع، إلا أن صوت والدها لا يغيب عن أذنيها. مشهد الأطفال في مبنى الدعارة لا يختفي من عينيها. اختفاء إبراهيم المفاجئ كان يؤرق عقلها. كل شيء كان يؤرق بالها، ولمسات سليم لها كانت تهدئ من البلبلة التي تمزق روحها إربًا إربًا. لم تكن لمساته فقط، بل صوته، نظراته، رائحته، حضوره، نسيم الرياح البسيط الناتج عن مروره بجانبها. كل شيء يخصه كان يزرع السكينة فيها، لكنها كانت تعلم أنها سكينة وطمأنينة مؤقتة، وهذا ما يجعل إعياها يزداد. عند منتصف الليل، لم ينم كلاهما وقد شعرا بالجوع، فكانا يقومان بطبخ وجبة غريبة وخفيفة في هذا الوقت. أثناء وقوفهما في المطبخ، قالت فريدة: _رغم فرحتي إنهم هييجوا بكرة، بس مرعوبة أوي أواجههم. بعد ما شفت بابا وسمعت صوته... معرفش أقولهم ولا لأ. _إيه اللي يمنعك إنك تقوليلهم؟ سكتت فريدة وهي تحدق في الفراغ بعينيها الواسعتين المتحسرتين. فهم سليم إجابتها من نظراتها ليقول بنبرة لينة مشفقة: _خايفة تعشميهم؟ حاسة إنه هيموت قريب؟ حركت رأسها بوهن وهي تقول: _مش عارفة يا سليم، حالته كانت صعبة أوي. هو المفروض دلوقتي عنده أربعة وخمسين سنة... بس لما شوفته حسّيته تمانين سنة. كان زمان عريض وتخين وجسمه قوي... بس دلوقتي هو أرفع منك بأضعاف. معرفش أنا عرفته إزاي، بس مستحيل معرفهوش. سكت سليم برهة، حيث كان مشغولًا بمسح دموعها الساخنة من على وجنتيها النحيفتين، إلى أن قال: _بروفيسور يوسف كلمني وقالي إنك هترجعي بخطة للهروب... هانت، كلها مسألة وقت. أومأت فريدة برأسها وهي مبتسمة ابتسامة أمل باهتة وأكملا الطبخ إلى أن انتهيا وبدأا بالأكل. كان سليم بطبعه شابًا فكاهيًا ومداعبًا، وقرر أن يجتهد في إظهار طباعه الجميلة التي ترسم البسمة على وجهها وتدخل البهجة في قلبها. كان يمنعها من العبوس ولا يعطي الفرصة لها بالشعور بالغم. وبينما كانا يأكلان، قال لها: _تحبي تشوفي تجربة علمية تمتعي بيها عينك ولا مالكيش مزاج؟ ابتسمت فريدة وبدت عليها عدم الضيق الخفيف، ثم قالت بتردد خشية جرح مشاعر سليم: _مش دلوقتي... عشان بصراحة جو المعامل والتجارب بقت بتجيبلي ضيق تنفس. مش قادرة أسمع سيرتهم ولا أشوف أي حاجة ليها علاقة بيهم. أومأ سليم برأسه وقال وهو يمسك بيدها ليطمئنها: _ولا يهمك يا حبيبتي، أهم حاجة راحتك. *********** في الوقت نفسه، تجلس رحمة في منزل عصام الآخر، إذ هي مستقرة فيه إلى حين تجميعها للمال والذهاب إلى منزل آخر. ولكن حتى تجميع المال كان عسيرًا نظرًا لقلة العمل وصعوبة إيجاد العمل المناسب الذي يجعلها في أمان وخفية. كانت وحدها لم تنم بعد. ارتطم قلبها بضلوعها فور أن سمعت صوت طرق الباب، ولكن سرعان ما هدأت حين سمعت صوته: _افتحي يا رحمة، متخافيش. كان صوت عصام. لم تكن تتوقع قط في حياتها أن تطمئن لصوته، ولكن الظروف القاسية دفعتها لأن ترى مقر الشيطان مقرًا آمنًا. وبينما كانت ترتدي جلبابها، عاد وطرق الباب ثم قال: _عارف إن وجودي يخوفك، بس أنا محتاج أدخل فعلا. أنا آسف. ذهبت مسرعة إلى الباب وفتحته لتتفاجأ بكل الحقائب حوله. تحيرت بشدة وقالت رحمة وهي تفسح الطريق أمامه وتسمح له بالدخول: _خ... خش خش، إيه دا كله؟ كان يحمل ما يقارب أربع حقائب قماشية كبيرة في يديه ويجذب حقيبتين سفر كبيرتين. وضع الحقائب وأغلق الباب وقال دون النظر إليها: _آ... آسف إني أزعجتك في الوقت دا، بس كنت مضطر، وشكلي هضطر أقعد معاكي كام يوم. أنا آسف. قالت رحمة وما زالت محتارة من وضعه: _ل... لا عادي، دا بيتك كده كده، مش بيتي. بس إيه كل دا؟ غيبت أكتر من عشر أيام ورجعت كده فجأة... الموضوع خضني شوية. سكت عصام قليلًا، ولاحظت رحمة تغيرًا كبيرًا في ملامحه ونظراته، كما لو كان الشرود والبلبلة تفيض من عينيه، والقلق يضرب قلبه في كل دقة. علمت هذا حين التفت إليها وهو يقول: _أصل... كنت بحاول أبيع شقتي وعربيتي في العشر أيام دول، والحمد لله بيعتهم بالأسعار اللي كنت عايزها. عقدت حاجبيها في صدمة وقالت: _إيه دا؟! ليه؟! امتنع عصام عن الإجابة، وحين لاحظت رحمة ذلك لم تكرر سؤالها. لاحظت وجود ذراع آلية جديدة وحديثة تبدو متطورة أكثر، فقالت لتداعبه لعلها تخفف من اضطرابه: _دي جيبتها جديدة بفلوس العربية؟ ابتسم عصام ابتسامة باهتة وهو يجيب: _ل... لا، دا البروفيسور ادهالي لما كنت عنده و... سكت عصام فجأة، رادعًا نفسه عن إكمال الإجابة مجددًا، ثم قال: _آ... أنا محتاج أنام. أنا جيبت حاجات أحمد كلها معايا و... معرفش أحطهم فين. هخلي شنطة هنا، ماشي؟ ي... يلا تصبحي على خير. أوقفته رحمة وهي تقول: _طب لاحظت حاجة غريبة تحت؟ نظر لها وهو يسأل مستغربًا: _حاجة غريبة زي إيه؟ قالت وهي تعقد أصابعها من قلقها المكتوم: _بقالي كام يوم بلاقي واحد وشه مش واضح بيمشي ورايا وبيقف تحت البيت دا. كنت خايفة أوي، عشان كده أول ما سمعت صوتك اتطمنت. انتبه عصام واتسعت عينيه وهو يقول: _إيه؟ إيه آخر كلمة قولتيها؟ _أول ما سمعت صوتك اتطمنت. ابتسم ابتسامة عريضة وقال بنبرة مرتجفة تدل على استحيائه وهو يشيح بنظره: _ل... لا ولا يهمك. متخافيش، أنا... أنا هحميكي. ذلك السلوك الذي قام به عصام جعل رحمة في حالة قوية من الحيرة والمفاجأة. شعرت بشذوذ غريب فيه، لتسأله بنبرة مندهشة: _عصام، انت... أ... انت اتكسفت من كلمتي؟ اختفت ابتسامته وارتبك من ردها ذاك ليقول: _آ... آه، عادي... عادي يعني بتكسف، عادي. _لا مش عادي، انت عمرك ما اتكسفت في حياتك. _طب انتِ زعلانة ولا متضايقة؟ أنا مش فاهم. _ل... لا مش كده. بس مستغربة شوية. هو انت عملت إيه في العشر أيام دول؟ زفر عصام وقال بلين برغم شعور الضيق الشديد في صدره: _خلاص بقى يا رحمة. خلاص لو سمحتي. أومأت رحمة برأسها والتزمت الصمت. سلّم عليها ودخل غرفته، وهي تتبعه بنظرات تفيض دهشة وتعجبًا. دخل غرفته ووضع الحقيبتين القماشيتين على سريره، وهو يحدق إليهما كالذي يحدق إلى منقذه الوحيد من هذه الحالة المزرية التي هو بها. هاتان الحقيبتان هما أمله الوحيد في مسامحة علا له ولعائلتها أيضًا. لم ينم عصام منتظرًا الفجر لتأدية صلاته. طيلة تلك الفترة كان يفكر في الطريقة المناسبة لطلب العفو من علا وأهلها. هل سيسامحونه حقًا؟ كيف سيقابلونه؟ سينهرونه أم سيعطونه فرصة لطلب التسامح؟ كان يفكر في كل الاحتمالات والسيناريوهات الممكنة، المشؤوم منها والمبهج. أليس الأمر غريبًا؟ إنها المرة الأولى في حياته التي يكرس فيها تفكيره وأفعاله وسلوكه لغيره، لا لنفسه. يبدو أنه تخلص من سجن الأنانية أخيرًا. *********** . . . _إنت هتعلميني السباحة ليه يا إبراهيم؟ على أساس إننا بنروح البحر كل يوم؟ قالت غادة، صاحبة الثماني سنوات، تلك الجملة بتهكم، ليضحك شقيقها بقوله: _لازم تتعلمي يا حبيبتي عشان لو غرقت في مرة تنقذيني. _هتغرق إزاي وإنتَ بتعرف تعوم؟ قال إبراهيم بنبرة مداعبة لطيفة: _يلا يا بت بطلي كسل، مش هسيبك إلا لما تبقي محترفة في السباحة. . . . تتذكر غادة تلك الأيام، حيث الشمس الساطعة الحارقة مع رياح البحر الرطبة، وصوت الأطفال الضاحك والصارخ في كل اتجاه حولها، مع أصوات حديث الناس المستمر الدال على راحتهم وسرورهم بوجودهم في هذا المكان المبهج. تلك الأصوات يزينها في الخلفية صوت تلاطم الأمواج، البحر المستقر كما يبدو، استقراره دليل على سعادته بزواره. كان إبراهيم يحاول تدريبها على السباحة دائمًا في كل مرة يقومون بالسفر إلى مدينة ساحلية في الصيف، منتهزًا الفرصة لتعليمها شيئًا جديدًا ومهارة جديدة، فكان يهتم بها لهذا الحد. كان يفيض منه الشغف لتعليم أخته وتدريبها على كل ما هو مفيد لأجلها ولمستقبلها. "عشان لو غرقت في مرة تنقذيني"، هي الجملة التي كانت تجعل غادة تتدرب بجهد وعزيمة قوية على السباحة، وللأسف لم تسنح لها الفرصة في إنقاذ أخيها من الغرق، ولكن رغمًا عن ذلك، فلديها الفرصة لإنقاذ حبيبها من الغرق. وبدلاً من العوم في البحر الأزرق في الصباحات المشمسة المبتهجة، أصبحت تسبح في النيل الأسود المعتم بعد منتصف الليل بين سكون الآنام وغفلتهم. كانت تغوص في النيل بتعسر كما لو كانت تسبح في الفضاء المعتم حيث لا ضوء ولا صوت ولا أكسجين، حتى ضوء القمر الطفيف لا يساعدها في شيء. لولا أنها رأت نوح يسقط في تلك البقعة لما استطاعت الوصول إليه. وصلت إليه وجذبته للأعلى بمشقَّة عظيمة نظرًا لثقل جسده مقارنة بجسدها. حين صعدت إلى سطح الماء اكتشفت طامة أخرى، وهي أن جسدها لن يتحمل ثقل نوح على جسدها أثناء العوم، لتكثر احتمالات غرقهم سويًا. رغم ذلك، فقد تشبثت به عازمةً ألا تتركه، لا تكترث إن كانت ستموت، فما يرضيها هو أن يموتا سويًا أو يعيشان سويًا. كانت المياه باردة والدماء تنسحب من أطرافها تدريجيًا، مما يزيد من عقبة عومها، ولكن بفضل الله لاحظت غادة مركبًا على النيل على مسافة بعيدة جزئيًا عنها، لتصيح وتنادي على من فيها. وسرعان ما لاحظ سائق المركبة، وأتى بأسرع ما يمكن إليهما، وأخذ بجسد نوح، ومن بعدها صعدت هي، ومن هنا بدأت غادة في إخراج الماء من رئتي نوح عبر القيام بالإسعافات الأولية له. أوصلهما الرجل إلى اليابسة وهو يقول قلقًا: _يابنتي يعني مش عايزاني أكلم الإسعاف ولا أي حاجة؟ _لا يا عمو دا اللي كنت عايزاك بجد، ربنا يرزقك الجنة والله مش عارفة أشكرك إزاي. _طب هتروحي فين بيه كده وهتشيليه إزاي؟ _حد من أهله هييجي ياخده، متقلقش. حملت غادة نوحًا على ظهرها بتوعر، ولكنها تحاملت على نفسها فقط لأجله. ظلت تسير ببطء وقدميها وركبتيها تصطكان من المجهود الجسدي الذي قامت به ومن هلعها الخارق والفزع المشبث في قلبها. ما فعلته غادة في تلك الليلة لم تكن تتوقع في عمرها أن تفعله لأحد قط. لم تستوعب أبدًا حبها البالغ لنوح قد يصلها إلى أن تلقي بنفسها في النيل الأسود مع نسبة ضئيلة من النجاة. لم ترتعب أبدًا من فكرة أن تفضل الموت معه على أن تنجو بنفسها وحدها. كانت قد اتصلت بهاجر قبل أن يحدث كل ما حدث، مما جعل هاجر تأخذ بسيارة مصطفى وتأتي بأقصى سرعاتها لهم، وتعود بهم إلى منزل مصطفى. ************ _إفراج يا شيخ. فتح مصطفى جفونه ببطء ووهن فور أن سمع أحدهم يقول تلك الجملة، اعتقد لوهلة أنه يحلم، ولكن كرر الضابط الجملة بقوله: _يا شيخ اصحى، إفراج يا شيخ خلاص قوم يلا روح بيتك. رفع مصطفى رأسه من على تلك الوسادة البالية التي ينام عليها على الأرض ليجد الضابط يقف أمام باب الزنزانة المفتوحة الممهَّدة لخروجه وإطلاق سراحه. كان مصطفى يشعر بوهن قوي وإعياء شديد، لذلك تقبل ذلك الخبر المبهج السار بابتسامة بسيطة وهو يحمد الله. قد قاموا بتجبيس قدمه المكسورة في عيادة السجن بشكل بدائي، فأعطى الضابط عكازين لمصطفى ليلتقطهما مصطفى ويقف بعسر وجسده يرتجف من شدة هزال جسده. ضعف جسده العظيم في هذه الحالة كان دليلًا على شدة قوة جسده، فمن يجلس لمدة تتجاوز عشرين يومًا دون طعام أو شراب وبتعذيب شبه يومي أدى لإصابات بليغة في جميع أنحاء جسده... إنه أمر قاتل، ولكنه لم يقتل مصطفى. يسير مصطفى بوجهه البشوش وهو يحمد الله بنفس راضية دون الاكتراث لما مر به أبدًا في تلك الأيام السابقة. خرج مصطفى من المبنى رافعًا رأسه إلى سماء الله، وهو يستنشق نسيم الهواء البارد الذي حرم منه طيلة تلك الأيام، ولا يكف لسانه عن تكرار ذكر الله وحمده. كل مرة يخرج مصطفى فيها من سجون الدنيا، يستشعر حقًا قيمة الحرية الشريفة، الحرية في امتلاك منزل وعمل وعائلة وطعام وشراب وصحة وكرامة ومكانة، الحرية في النظر إلى طبيعة الله من السماء والماء والحيوانات والنباتات، تلك الحرية التي يفتقدها الكثير من المستضعفين، تلك الحرية التي لم يذقها أحدهم طيلة حياته أبدًا. حين انتهى مصطفى من استشعار النعم وتأمل السماء ونجومها، لاحظ وجود يوسف منتظره أمام سيارته. استقبله مصطفى بوجه ضاحك وعينين ضاحكتين من شدة سروره وحبه ليوسف، ليبتسم يوسف ابتسامته المسرة ذاتها، ويتقدم لمصطفى ويعانقه عناقًا قويًا. _آسف يا مصطفى، كان المفروض أطلعك بدري عن كده. قال له مصطفى بابتسامته الطيبة وبنبرة واهنة راضية: _متعتذرش يا بروفيسور، دا قدر ربنا، وربنا قدر إني أطلع الوقت دا، الحمدلله أنا مش متضايق، أنا بجد مش عارف أرد جميلك دا إزاي في الدنيا، كل اللي أقدر أقولك إن ربنا يرزقك الجنة بكل نعيمها. ربت يوسف على ظهر مصطفى ولم يبدي أي رد فعل من حديث مصطفى الجميل كما لو كان قد تجاهله، فقد نظر إلى ساقه ثم قال: _تحب أعلجهالك قبل ما ترجعلهم؟ هز مصطفى رأسه نافيًا وما زالت الابتسامة على شفتيه وهو يقول: _لا حضرتك متتعبش نفسك... أنا كل اللي محتاجه إني أرجع لبيتي وبعدين نبقى نشوف الموضوع دا. ************ في منزل مصطفى، تحمل ريهام غطاءً ثقيلاً لنوح النائم على أريكة الصالة وهي تقول لهاجر: _خدي يا هاجر، غطيه بدي. قالت هاجر لها وهي تمسك بالغطاء: _ما خلاص يا ح... يا ماما انتِ مغطياه بتلات الحفة لحد دلوقتي. _غطيه يا بت، الواد بيترعش، الجو سقعة، غطيه. وضعت هاجر الغطاء على نوح الذي لم يفيق أبدًا بعد، وهنا تخرج غادة من الحمام بعدما تحممت، وأتت نجلاء بملابسها وهي تقول: _خدي البسي دول بسرعة قبل ما تاخدي برد. أومأت غادة برأسها في شرود ووهن وخرجت نجلاء للصالة بنقابها لتجد نوح ما زال نائمًا وحوله هاجر ومريم وريهام. _خشي يا مريم، كملي نومك يا حبيبتي. _لا يا ماما، عايزة أبقى مع عمو. سكتت نجلاء ونظرت إلى نوح، كان نائمًا بعمق كالأطفال، الله وحده يعلم ما يراه في غيبوبته الآن. كانت تنظر إليه برأفة وشفقة كبيرة بعدما سمعت من غادة ما حدث وقالت هنا بنبرة أسى: _عقل نوح عمره ما هيرجع زي ما كان، مش كدة؟ قالت هاجر بنبرة استياء وتهكم: _هو عقله كان كويس قبل كدة في حياته؟ عمري ما اتخيل أنه كان إنسان عاقل؟ أجابتها نجلاء بحسرة: _كان إنسان عبقري يا هاجر، كان بيتعلم بسرعة، وأخلاقه عالية، وعنده سرعة بديهة ما تتوقعيهاش. وهو في إعدادي كان قادر يحل معادلات رياضة وفيزياء من بتوع الكليات. كان بيبقى الأول في كل سنة من ابتدائي لحد ثانوي. كان الكل بيشهد على شخصيته الرشيدة الجميلة، وكل البنات اللي خواليه كانوا بيتمنوا بصة واحدة منه بس، بس واحدة واحدة بدأ تحصله مشاكل في ذاكرته وبعدها لجأ للمخدرات ودمر حياته كلها بيها. _ونور؟ انتفضت نجلاء ونظرت لهاجر، كذلك مريم نظرت لهاجر لتردف هاجر متسائلة: _نور فين في حياته؟ قالت نجلاء وقد انزعجت من نظرات الشك التي في أعين هاجر: _كانت مجرد جارة قريبة من عمتو، مش أكتر. لو عندك شك وحاسة إنها كانت أخته، أنا مش هنكر دا لأني معرفش أصلاً هي مين. ممكن تكون نور دي هي أختكم الأخيرة فعلاً بس تكون جارته وهو مكانش يعرف كل دا. أومأت هاجر برأسها والتزمت الصمت، ليسمعوا نوحًا يتفوه بكلام ما أثناء نومه: _ماما؟... نور مين؟ نور مين يا ماما؟... أنتِ لسة زعلانة مني؟ ماما... ماما. لم تطيق نجلاء كبح دموعها وذهبت مسرعة لغرفتها، وهاجر تتبعها بنظرات الشك ذاتها، وظلت ريهام تحسس على شعر نوح لتهدئه حتى رفق عن الكلام وأكمل نومه بصمت، بعدها وضعت ريهام كفها على جبهته وبدأت تقرأ الرقية الشرعية له. خرجت غادة من الغرفة بعدما ارتدت ملابسها ونظرت إلى نوح وهي تقول: _هو كويس دلوقتي؟ قالت هاجر: _آه، متقلقيش... تركتهم هاجر وخرجت إلى الشرفة وهي تشعر بالضيق وتفكر في أمر نور تلك. إذا كانت نور جارة نوح هي أختهم، فمن هو نور الصاوي والديب؟ أتت سيارة في تلك اللحظة جذبت انتباهها، وفور أن رأت من يخرج منها تبدلت ملامح الضيق في وجهها تمامًا إلى ملامح دهشة وبهجة، وهي تقول بنبرة خافتة من عظمة المفاجأة التي رأتها: _مصطفى؟ مصطفى؟!!!، أيوة.. دا مصطفى. عادت للداخل وهي تركض إلى الباب وتخرج مسرعة دون أن تقول أي شيء لهم من انشغالها الشديد بلقاء مصطفى. خرج مصطفى من سيارة يوسف وسلم عليه ثم انطلق، اقترب مصطفى وهو يسير بعكازيه إلى باب بنايته ليرى هاجر تأتي إليه وتتوقف فجأة أمامه. اندهش مصطفى من وجودها وقال متبسمًا: _هاجر! إزيك يا حبيبتي، إنتِ هنا؟ ظلت هاجر تحدق في أخيها، والانشراح في صدرها قد يجعلها تنفجر فرحًا، ليخرج هذا الانفجار على هيئة ضحك وقهقهة هيستيرية من هاجر، ليضحك مصطفى على ضحكها، وتتقدم بسرعة وتعانقها بقوة وهو أيضًا بادلها العناق بيد واحدة ثم قالت له: _تعالى، تعالى اطلع، دا كلهم فوق، تعالى. _كلهم مين؟ صعدا كلاهما بالمصعد، وفور أن وصلا، دخلت هاجر المنزل وهي تصيح: _مصطفى رجع!! مصطفى رجع!!! نهضت كل من ريهام ومريم وغادة من دهشتهم، وفور أن دخل مصطفى من باب المنزل، ذرفت دموع ريهام من رؤيتها لإبنها المخلص وصرخت في سعادة وأتت لتعانقه بقوة. _بابا، رجليك مالها؟ فور أن سمع مصطفى صوت ابنته ورأى نظراتها اللطيفة ويديها الصغيرتين وهي تمتد له ليحتضنها وسؤالها بنبرتها القلقة الضعيفة، لم يتحمل وأجهش باكيًا من شدة اشتياقه لصغيرته وحبيبته، فقد ترك العكازين وحملها في حضنه وهو يعانقها بقوة: _وحشتيني يا مريم، وحشتيني يا حبيبة روحي وقلبي، وحشتيني أوي يا حبيبتي. قالت مريم باكية: _وأنتَ أوي يا بابا، واحشني أوي، متسيبناش تاني عشان خاطري. جلس مصطفى على أقرب أريكة بجانبه وهو متشبث بعناق ابنته، وبعدما جلس نظر إليها بعينين تفيض بالشوق والحنين، يزيح الشعيرات عن وجهها ليرى ملامحها الذي حرم من رؤيتها لأيام. كان يحدق فيها ويتأملها كما لو كان يتأمل أجمل نعمة قد رزقه الله بها. يتأمل أجمل نعمة وأعظم رزق وألطف فتنة. ظل يقبل وجنتيها ويشم رائحتها ويتأمل وجهها الجميل الضاحك مع عينيها الدامعتين، وبرأفة الابنة وببراءة الطفلة، قامت بمسح دموعه من على وجنتيه ولحيته بيدها الصغيرة. هذه الحركة جعلت البهجة تدغدغ قلبه من شدة لطافتها واكتشاف حبها له، ليمسك بيدها ويقبلها بقوة. ثم بدأ يدغدغها ويداعبها ويحاول إضحاكها واللعب معها لكي لا يستمر هذا الحزن لمدة أطول. كان مشهدًا يرق له القلب، لقاء مبكي ومبهج بين أب وابنته الصغيرة يظهر تبادل الحب والشوق بينهما. إنه لأمر مدهش أن يظهر تحول الرجل من شخص ذو جسد قوي وروح صلبة إلى روح مرهفة وقلب لين وجسد ينحني فقط لأجل ابنته الصغيرة. كيف يتحول من رجل راشد وقوي إلى طفل مسرور يفيض قلبه بالحب واللهفة في ثوانٍ فقط لأجل ابنته الصغيرة، وذلك التحول أعظم إثبات لحب الأب لأولاده. إنه حب عظيم كانت هاجر وغادة يتأملانه بابتسامة عريضة على شفتيهما، ابتسامة اطمئنان على وجود أب كمصطفى في هذه الحياة، بينما كانت ريهام في المطبخ تحاول تسخين الطعام وإعداده لمصطفى. قالت غادة لهاجر: _هي نجلاء فين؟ استفاقت هاجر من اندماجها مع مصطفى ومريم وقالت: _صحيح... استني، هروح أقولها. قالت مريم هنا لكي توقف مصطفى عن اللعب والمزاح معها: _خلاص يا بابا، عشان منصحيش نوح. تيبَّس قلب مصطفى واختفت ابتسامته في صدمة مكتومة وهو يقول بهدوء وتعجب: _يعني إيه نصحي نوح؟ هو هنا ليه؟ تنحنحت غادة وقالت: _أ... إزيك يا شيخ مصطفى؟ التفت مصطفى لغادة فهو لم يلاحظها أبدًا منذ دخوله. وحين نظر لها، وجدها واقفة أمام نوح النائم على الأريكة. ظهر على ملامحه القلق على أخيه وقال لغادة: _الحمدلله، أنا آسف مأخدتش بالي أنكِ موجودة... هو نوح ماله؟ حصله إيه؟ قالت غادة وهي تشعر بالحرج: _قصة طويلة، أقدر أختصرهالك إنه دخل في حالة هلوسة شديدة خلته ينط في النيل... بس الحمدلله هو كويس، إحنا آسفين إن جينا بيتك والله، بس هاجر اللي جابتنا. عقد حاجبيه وهو ينظر لأخيه بشفقة وقال: _ولا يهمك، مفيش حاجة والله... أهم حاجة إنه كويس. لما يصحى هبقى أتكلم معاه وأفهم منه إيه اللي حصل. تدخل هاجر على نجلاء في غرفتها لتجد نجلاء واقفة والتوتر يعتليها: _أ... إيه يا هاجر؟ هو إيه اللي بيحصل برا؟ قالت هاجر وهي تحدق في نجلاء بحيرة وتعجب شديد: _إيه اللي بيحصل برا؟ جوزك جه يا بنتي! جوزك جه وأنتِ قاعدة كدة! شهقت نجلاء واتسعت عيناها بصدمة ودهشة، حتى لا تعلم كيف تعبر عن بهجتها من توترها الذي طفح لعقلها: _مصطفى برا دلوقتي؟؟!!! _أيوة!!! _ب... بس أنا مش جاهزة لسة. _يعني إيه مش جاهزة؟ توترت نجلاء بشدة وبدأت تفكر بتعسر عن طريقة لكي تبدو بمظهر جيد للقاء مصطفى كما لو كانت متزوجة حديثًا وقالت: _أ... أنا شكلي حلو طيب؟ لا، لا، مينفعش، لازم أجهز نفسي. مينفعش أطلع له كدة. قالت هاجر بنبرة غضب ونفاذ صبر: _مالو شكلك يا نجلاء؟! مهو حالته زي الزفت برا وهتشوفيه كدة عادي، دي مش ليلة دخلكوا! _لا لا، لازم أجهز نفسي، اطلعي برا. _نعم؟! قالت نجلاء وهي تدفع هاجر خارج الغرفة: _اطلعي يا هاجر لو سمحتي ومتدخليش خالص، يلا. أخرجتها نجلاء من غرفتها وأغلقت الباب بالمفتاح، والتفتت ناظرة حولها من مستحضرات تجميل وملابس وفساتين. شعرت أن عقلها سينفجر لفُتات. هناك زحام خارق من سعادتها العارمة بعودة مصطفى أخيرًا وتوترها الشديد منه ومن عدم التجهز لمظهرها الفاتن له. رغم أن مظهرها كان جميلًا واعتياديًا ولطالما رآها مصطفى بمظهر أسوأ من ذلك في كثير من الحالات بينما تكون مريضة ومنهكة، وهو لا يكترث ولا يتأثر بذلك من الاساس، إلا أن تلك فطرة نجلاء ورغبتها في أن تتجهز لزوجها بعد هذا الغياب الطويل. أتت هاجر لمصطفى، وقال مصطفى هنا: _إيه هاجر، هي نجلاء كويسة؟ أومأت هاجر برأسها وهي تقول: _أ... آه، كويسة، بس اصبر عليها شوية، أصل هي بتجهز نفسها عشان تشوف سلطانها. ضحك مصطفى في استحياء وقال: _أنا معرفش بتتعب نفسها ليه بجد. مر الوقت وبدأ مصطفى يأكل الطعام الذي أعدته ريهام له. كلهم كانوا حوله لا يحدثونه ولا يسألونه عن أي شيء، فقط كانوا يسردون له كل ما حدث طيلة تلك الأيام، وهو كان ينصت لهم باهتمام شديد. وكانت غادة طيلة الوقت لا تتحدث، فقط جالسة تحدق في نوح النائم بدون ملل، وهي تمر أناملها بين شعيرات رأسه. حين شبع مصطفى وارتوى من طعام وشراب والدته، الذي رزقه الله به، قرر أن يقوم ويستحم ويتجهز لصلاة الفجر. قام مصطفى وذهب إلى باب غرفة نجلاء وهو يقول: _السلطانة خلصت ولا لسة؟ بعد برهة، فُتح الباب ودخل. كانت تقف خلفه حين فتحته بتلهف، والابتسامة العريضة على وجهها، ولكن فور أن رأت العكازين وقدمَه المجبسة، اختفت ابتسامتها فجأة، وسرعان ما حاولت أن تمالك مشاعر الحسرة والفجعة لكي لا تفسد مشاعر الشوق والصبابة لحبيبها. اغلقت الباب لتأتي نجلاء أمامه، ويراها. يرى ثاني أجمل نعم الله له، وثاني أعظم رزق، وأجمل وأكبر فتنة. ظل واقفًا يحدق فيها بنظراته اللينة التي خلفها عشق عظيم مكبوت، عشق لا يوصف بالكلمات ولا الأفعال. مهما قال مصطفى لها أبيات الشعر الرومانسية من جميع اللغات ومهما فعل كل ما يتطلبه لإثبات عشقه لها فلن يكفي مقدار حبه العظيم حقًا. فقط النظرات ما تعبر عن مشاعره لها. ظل واقفًا يحدق فيها وهي تبادله نظرات الصبابة العظيمة باستحياء كما لو كان اليوم الأول من زواجهما. أومأ برأسه بشكل خفيف ليرى وجهها دون مستوى طوله، وهو يقول: _مالك واقفة كدة ليه؟ هو أنا موحشتكش؟ رفعت بصرها له وهي تقول: _من كتر ما أنت واحشني مش عارفة أعمل إيه وأنت قدامي كدة. عرضت ابتسامته من لطافتها، ثم قالت وهي تنظر إلى قدمه وقد اختفت ابتسامتها بتحسر: _هما عملوا كدة في رجليك؟ اقعد طيب ارتاح. قال مصطفى بنبرته الهينة الجميلة ليطمئنها: _متشغليش بالك بده، وأنا هاخد دش الأول عشان أعرف أقعد معاك. قال مصطفى وهو يومئ برأسه أكثر لنجلاء: _مهو واجب عليا أبقى جميل مع مراتي برضو، أنا اقابلهم بحالتي دي عادي، بس أنتِ لا مينفعش. ابتسمت في استحياء شديد ثم قالت: _ماشي يا حبيبي، أنا مجهزالك الحمام، تعالى، أنا هساعدك. _لا لا، متتعبيش نفسك، أنا بس هحتاج كيس كبير ألفه على رجلي وخلاص.
ROMISAA