٥٠ في صباح اليوم التالي يتوقف عصام بسيارته عند إحدى المباني المهجورة. يخرج من سيارته متهجًا لصندوقها ثم يفتحه ليظهر شاب مكبل اليدين والساقين ووجهة مهشم بدا أن تم ابراحهة ضربًا بشكل قاتل. أخرجه عصام وقام بسحبه لداخل ذلك المبنى التي كانت تقف بداخله رحمة. سحبه عصام كالبعير والقاه أمام رحمة على الارض ونزع القماشة التي على عينيه واللاصق ما كان يكتم فمة وهنا نظر الشاب لرحمة بأعين فازعتين _ر...رحمة تقدمت رحمة لذلك الشاب وقالت لعصام: _هو دا اللي قال إني كنت معاك في العربية؟ قال عصام: _مش بس كدة، حتى قبل ما أنا أكلمك، هو كان غاوي يطعن في شرفك وفي أخلاقك للناس في الشارع كله من سنين. ظلت رحمة تحدق في هذا الشاب بإستياء وغضب وتقول: _عارف دا يا عصام كان بيعملي ايه عشان أوافق اتجوزه؟ كان ناقص يبوس جزمتي كل مرة يشوفني فيها. قال عصام هامسًا لنفسه: _عنده حق والله، هو في حد يشوفك وميبقاش عايز يبوس جزمتك؟ هنا قال الشاب متوسلًا إليها باكيًا: _أ..أنا اسف أبوس إيدك أنا غلطان والله العظيم آسف مش هعمل كدة تاني والله العظيم. _عصام. _عيون عصام. _اقتله لو سمحت. أخرج مسدسه ليصيح الشاب ويهلع بإرتجاف قوي في جسده وهو يقول: _لا لا لا ابوس ايدكوا أمي لوحدها مالهاش غيري مش عايز أموت واسيبها متموتنيش متموتنيش بالله عليك بالله عليك. أشارت رحمة لعصام أن يتوقف فتوقف وقالت: _ماشي يا أحمد...احنا هنسيبك، بس بشرط إنك ترجع سمعتي زي الفل زي ما خليتها وسخة زيك...تمام؟ _حاضر حاضر والله هعمل كدة والله العظيم. أخرجت مالاً وأعطته له لكي يستطيع العودة من هذا المكان. بعدها، ذهبت هي وعصام وركبا السيارة، فقالت له أن يوصلها إلى المدرسة. وطيلة قيادته، كان يمدحها بإعجاب شديد. _أقسم بالله، أجمد جيرل بوص شوفتها في الدنيا، إيه الجمال والحلاوة دي؟ تبسمت رحمة في صمت وأردف: _والله، كوين كوين بجد يعني، كوين بالفطرة. نظرت إليه وهي تقول: _أنا بجد مشوفتش حد في غرابتك، إنت غريب أوي يا عصام. _دي حاجة حلوة ولا وحشة؟ _ساعات بتبقى حلوة وساعات وحشة. _طب إيه؟ مش هتحبيني بقى؟ _لا، بس مبقيتش بكرهك، ودا يعتبر تقدم. فور أن قالت رحمة ذلك، أصبح وجه عصام يشع حبورًا وشعر بانشراح لم يشعر به أبدًا في حياته، كالمراهق في بداية حياته حين يكتشف مشاعر الحب والإعجاب لأول مرة. شعر أن الحياة أصبحت أفضل، وتعالت آماله في علاقته مع رحمة وأنها أخيرًا سيلين قلبها إليه في يوم من الأيام. أوصلها لمنزل رشا، وسلمت عليه، وخرجت، وهو ظل يحدق بها بعين لا تطرف وكأنه لم يشبع منها بعد حتى غابت تمامًا عن نظره. *********** حيث كان مصطفى في مكتبه يقوم ببعض الأعمال التي كانت معظمها لعقود ومشاريع عادية وشرعية. طرق الباب وسُمح بالدخول، ومن دخل كانت رشا. بشعرها المسترسل الطويل وتنورتها الضيقة القصيرة، وبصوت كعوب حذائها المثير العالي، تقدمت إليه. _إزيك يا مصطفى؟ قال مصطفى دون أن ينظر إليها ودون أن يجيب على سلامها: _في شغل تاني رفعت مديهولي؟ _لا، أنا جيت بس أتطمن عليك. قال بنبرة ساخرة طفيفة: _إنتوا كل يوم هتطمنوا عليا؟ _أنا عن نفسي معنديش مانع أتطمن عليك كل يوم، إنت غالي أوي علينا أصل. وضعت أمامه كوب عصير وهي تقول: _اتفضل، خليتهم يعملوه مخصوص ليك. _جزاكِ الله خيرًا، تقدري تطلعي بقا عشان ورايا شغل. جلست أمامه وهي تقول: _الشغل مش كتير، متضغطش نفسك، ريح شوية واشربلك عصير. شعر مصطفى بالضيق ونادى على موريس. وحين دخل موريس، قال مصطفى له: _تعالي يا موريس، اقعد مع أستاذة رشا عشان عايزانا ما نضغطش على نفسنا في الشغل ونريح شوية. تعالي، ريح شوية يا موريس. نظر موريس إلى رشا التي تظهر مشاعر الامتعاض من تعامل مصطفى معها، وقال ضاحكًا: _إيه يا رشا؟ مش كنتي بتقرفينا بالشغل وبتضغطي على أبوينا عشان نطلع الشغل أحسن حاجة لأستاذ رفعت؟ دلوقتي عايزانا نرتاح؟ ابتسمت رشا ونهضت واقفة وهي تقول: _واضح يا مصطفى أنك مش حابب وجودي معاك، على العموم رفعت إدالك هدية وحطهالك في الدرج التاني... عن إذنك. التفتت وخرجت من المكتب، لينظر موريس لمصطفى وهو يقول: _لو عايزني أطفشلك أي حد تاني، أنا تحت أمرك. ضحك مصطفى وقال: _شكرًا ليك يا موريس، شوية وهحتاجك عشان أستشيرك في كام حاجة. بعدما عاد موريس لمكتبه، نظر مصطفى للدرج الثاني وهو يتساءل عن تلك الهدية. مد يده وفتحه ليجد مفتاح سيارة. كم هي هدية خارقة حقًا. أمسك بالمفتاح يتفحصه ثم دسه في جيبه لكي يتأكد في نهاية اليوم من ذلك الأمر. يعدها بكل تلقائية، أمسك بكوب العصير ومرّت شفتاه بطرف الكوب. ~متشربش. توقف مصطفى وهو يسأل: _حطالي سم؟ ~لا، هي بتحبك، متقدرش تقتلك، هي بس حاطة مادة معينة بتخليك تفقد وعيك بس بتكون صاحي... ووقتها ممكن تخليك تعمل أي حاجة معاها، إنت فاهم بقا. استغفر مصطفى ربه وهو يبعد الكوب عنه، والسيوم يردف: ~هتقابل الحاجات دي كتير، متقلقش، أنا منتبه دايمًا. _شكرًا يا سليمان. ~اسمي إلسيوم. هنا دخل موريس عليه وهو يقول: _أستاذ ياسر صلاح الدين عايز يقابل حضرتك. _مين دا؟ رفع موريس منكبيه ليبتسم مصطفى وهو يقول: _طب دخله نشوف هو مين. عاد موريس لمكتبه، وبعدها دخل من باب مكتب مصطفى ياسر، فور أن رأى مصطفى وجهه، علم في الحال من هو. وقف له وسلما على بعضهما، وياسر يقول بسرور: _أنا سعيد إن سنحت ليا الفرصة أشوف حضرتك. قال مصطفى بإندهاش: _حضرتك كنت عايز تشوفني؟ _أه، وعرفت من رفعت أنك بقيت بتشتغل معاه. أحسنت الاختيار، رفعت ماسك معظم شركات مصر وراجل شغله حلو جدًا. أومأ مصطفى برأسه وأشار لياسر بأن يجلس، وجلسا كلاهما، وياسر يقول: _معرفش كنت بتلاحظني ولا لأ، بس بين الفترة والتانية كنت بحضر محاضراتك في السنتر. _مخدتش بالي خالص. عمري ما توقعت أن خطابي الديني هيروق لليساريين. ضحك ياسر وقال: _حتى أنت يا شيخ؟ أنا مش يساري والله. _بعتذر، دي غلطة مني. _ولا يهمك. الجمهور حدد إن يساري متطرف بسبب إني بواجه اليمينيين دايمًا في مناظراتي، بس أنا شخص عايز الحق، مش أكتر. مش أي حد بيهزق في اليمينيين يبقى يساري يعني. _عندك حق. صمت ياسر قليلًا ثم قال: _أنا من القلائل اللي صدقوك يا أستاذ مصطفى، ومن اللي بيواجهوا قانون بيع الناس والمليشيات. كل مرة بكون فيها في مجلس الشعب بنتهز الفرصة عشان أحط أثر لعل الناس تتعظ. _جزاك الله خيرًا بجد. _أنا بس... محتاج أعرف أنت عرفت إزاي يا أستاذ مصطفى؟ سؤالي دا مش إنكار لكلامك، بل بالعكس، أنا مؤمن إن كلامك صحيح بس أنا عايز المصدر عشان أبحث بنفسي وأظهر دلائل ملموسة للعالم. سكت مصطفى سكوت يدل على عدم استطاعته في إجابته ليردف ياسر: _أستاذ مصطفى... هو منعك في إنك تقول الدليل هي حماية ليك ولعيلتك؟ عشان لو كدة أنا مش هضغط عليك. _بص يا أستاذ ياسر، حوار بيع الناس دا مشكلة عالمية. محاربتها من مصر بدون امتلاك دلائل هو شيء مستحيل. أبسط البدايات إننا نقنع الناس إنها حاجة مؤذية، والكلام اللي عرفته عرفته من حد يعرف حد واجه كل الكلام دا بنفسه. أنا بس مستني نقطة معينة اللي تخليني أعرف أبوح بحجتي، والنقطة دي هتيجي لما المليشيات تختفي. _يعني نحارب المليشيات الأول؟ _أيوة. _طب إحنا حتى منعرفش قائدهم مين. _مش مهم تعرف قائدهم، اعرف بس اللي بيساندهم بكل قوته، وهو نور الديب. _نور الديب؟ مش دا دجال مجنون؟ _لا... هو بيدعم المليشيات بفلوس وبأسلحة وبنفوذ. المليشيات زادوا في طغيانهم بعد ما ظهر. كتب مصطفى له رقمه الشخصي وهو يقول: _محتاج أتكلم معاك أكتر يا أستاذ ياسر، دا رقمي وابعتلي ونحدد يوم بإذن الله ونتكلم على راحتنا. اتفقا كلاهما سويًا، ثم خرج ياسر. وبعد قليل، نادى على موريس ليقوم باستشارته في بعض الأعمال، وأثناء جلوسهما سويًا، أتى اتصال لمصطفى من جمال. _السلام عليكم. _وعليكم السلام، إنت في شغلك يا مصطفى؟ _أه يا حبيبي، في حاجة؟ _في مصيبة، في مصيبة، في مصيبة! _لا إله إلا الله، خير يا حبيبي اهدى وقولي بالراحة. _هشام صحانا على خبر خلانا أنا وإسماعيل نوقف شغلنا ونروح على معرض الكتاب. نور الديب الوسخ عامل لنفسه كتاب مقدس وبيزعم إنه مصحف جديد، وبيسموه مصحف النور أو النور المقدس. _إنت بتهزر؟ _إحنا التلاتة في معرض الكتاب والله، وكمية الناس اللي شايفهم بيجيبوا الكتاب دا مش طبيعية. إحنا محتاجينك يا مصطفى، كل لما نكلم حد بيتجاهلنا، مش عارفين نوقفهم. _طب اقفل يا جمال.. اقفل، هشوف الموضوع دا. أغلق مصطفى وحين لاحظ موريس تقطيب وجهه وحزنه الشديد، سأله بقلق: _م.. مالك يا متر، هو في حاجة لا سمح الله؟ قال مصطفى وهو يبحث عن الأمر في حاسوبه: _سمعت اللي نور الديب عمله والكتاب بتاعه دا؟ _أه، شوفت كتير متعصبين منه، بس في كتير بيدافعوا عنه وبيقولوا عادي يكون فيه مصحف تاني وإن دا دليل على وجود ربنا وأنبياء وكدة. ممكن تكون نسخة تانية للمصحف عادي بس مش هتكون متناقضة مع المصحف الأصلي، يعني زي عندنا إنجيل لوقا وإنجيل متى ومرقس وكدة. _مينفعش، المصحف هو واحد بس واللي بيعمل غيره دا يبقى كافر تمامًا. _ه.. هو مش عندكوا مصحف ورش عن نافع، وحفص عن عاصم وكدة؟ مش دي بتبقى مصاحف مختلفة؟ _يا حبيبي، دي قراءات... المختلف فيهم كلمة ولا كلمتين مبيغيروش المعنى ولا بيحرفوا فيها حاجة، إنما دا عامل كتاب جديد بيتدعي إنه كتاب مقدس!!! _لا، ليك حق تضايق، لا ويقولك مسلم نوري. بدأ يقرأ مصطفى الأخبار عن هذا الكتاب وكاد يجن من سكوت الشعب على هذه المهزلة، حتى لم تعترض الحكومة أبدًا. لم يتحمل مصطفى ونهض وهو يقول: _أنا هروح لمعرض الكتاب. _ط.. طب والشغل؟ _يبقى يخصموا اليوم من مرتبي، مش مشكلة. أخذ حقيبته ونهض من مقعده مسرعًا للباب، وبخطوات طويلة مستشيطة مغتاظة وغيورة على دينها، ذهب مصطفى لموقف السيارات الخاص بالشركة وظل يكبس زر مفتاح سيارته حتى سمع صوتها واتجه مهرولًا لها. كانت سيارة أحدث نوع عالية وكبيرة ورائعة حقًا، ولكنه لم يكترث لذلك وركبها بسرعة منطلقًا لمعرض الكتاب. كان قلب مصطفى ينصهر من شدة حسرته وغضبه على دينه، الدين الذي أنعم الله علينا وبواسطته نلجأ إليه وحده ونستعين به وحده. إنه المنهج، والمنطق صاحب القواعد السليمة العادلة التي تظهر رفق الله بعباده وبحبه لنا، والتي لوثها طمع الإنسان وأنانيته، لأجل انتشاره ووصوله لنا، بصق في وجه النبي صل الله عليه وسلم وعذب الصحابة بكل طرق التعذيب الممكنة. لم يتحمل مصطفى وذرف الدموع أثناء قيادته، فلا شيء أسوأ من أن يرى دين الله يُهان ويُستهان به بتلك الطريقة. أهذه هي خير أمة أخرجت للناس؟ الأمة التي تظلم نفسها وتستهين بدينها لهذا الحد؟ حتمًا لن يترك نور ينشر الكفر والباطل بهذه الطريقة، وإن كلف هذا حياة ابنته شخصيًا. *********** في الوقت نفسه، كانت نجلاء في المنزل وحدها، مشتاقة لعملها في المستشفى، مشتاقة لمساعدة المستضعفات من النساء، مشتاقة لمداعبتهن والتلطف معهن قبل كل عملية ولادة، ومشتاقة لحمل الجنين وسماع صوت بكائه الدال على صحته الجيدة. جالسة في منزلها وحيدة، تدرس الشريعة تارة، وتقوم بالأعمال المنزلية تارة أخرى. حين انتهت من طبخ الطعام وترتيب المنزل، كانت جالسة تدرس بعض العلوم الشرعية، وحين تنتهي، ستكمل قراءة ما في دفتر هاجر، ولكن غلبها النعاس فور انتهائها، لتقرر أخذ قيلولة حتى يعود مصطفى ومريم. أراحت رأسها على السرير، وفور أن غفت عينيها، حلمت حلماً مرعباً وواقعياً للغاية. حلمت أنها بنفس وضعية نومها تلك، ويدخل غرفتها الرجل ذاته الذي رأته أمام المستشفى. من شدة طوله، انحنى ليمر إلى الغرفة، وبخطوات بها عرج خفيف، وقف أمام المكتب وفتح الدرج حيث آخر مكان وضعت فيه الدفتر. التقط الدفتر وهو ينظر إليها بنفس الابتسامة المرعبة ذاتها، لتفتح جفونها بجحوظ وهي مفزوعة، ولم تجد أمامها أي شيء، ولكنها لمحت أن الدرج مفتوح كما فتحه الرجل. نهضت بسرعة متجهة إليه لتجد أن الدفتر اختفى، وكأن ما رأته ليس بحلم. بدأت تبحث عنه وهي محتارة بفزع، وفي تلك اللحظة، سمعت صوتاً من الحمام الخارجي. كان صوت سعال، سعال رجل غليظ الصوت، وبعد هذا السعال، سمعت باب الحمام يفتح. لم يكن هذا مصطفى، يوجد رجل معها في المنزل فجأة. اقشعر بدن نجلاء من الهلع، وبسرعة أغلقت قفل غرفتها وارتدت جلبابها ونقابها ظنًا منها أنه لص. فور أن مسكت بهاتفها لتتصل بمصطفى، سمعت ذلك الرجل يطرق باب غرفتها. التزمت نجلاء الصمت حتى انتقل طرق الباب من خارج غرفتها إلى داخل حمام غرفتها الخاص. علمت هنا أن ما معها ليس بشرياً، فبدأت في قراءة القرآن بصوت عالٍ، ليزداد الطرق من داخل حمامها طرقاً متتالياً وشديداً، مع كل دقة كان ينقبض قلبها رعبًا وهي تزيد في قراءة القرآن. إلى أن سكت الطرق تمامًا، لتأخذ نجلاء أنفاسها بقلق. ولكنها لم تكن النهاية، فرأت ذلك الرجل نفسه يفتح باب الحمام والابتسامة ذاتها على وجهه، ويخرج متجهًا إليها. صرخت نجلاء بفزع، وسرعان ما خرجت من الغرفة ومن البيت كله راكضة. ومن هلعها الشديد، خرجت من العمارة كلها وتوقفت وهي تلهث، وتأخذ أنفاسها بصعوبة تحت نقابها، وجسدها يرتجف وركبتاها تصطك من شدة الرعب. حين رفعت رأسها، وجدت الرجل واقفًا ينظر من نافذتها. لم تتحمل نجلاء أن تبقى في هذا المكان، فتوقفت أول سيارة أجرة تراها عيناها، وركبتها بسرعة لتذهب لمصطفى حيث الشركة، ولا تعلم أنها ذاهبة للموت بقدميها، ففور أن تقع تحت قبضة رشا، ستسلمها لرفعت ليكمل عملية الإعدام التي بدأها بليلى. ********** _ازيك يا ماما، أتمنى تكوني بخير. عارفة إن دي أول مرة أجيلك بعد ما موتي. المفروض أجيلك دايمًا وأدعيلك دايمًا، بس الموضوع كان صعب عليا... ولكني مسامحاكي، وجيت أدعيلك وأقولك إني عرفت إبراهيم فين.. ومصيري هرجعه واخليه ييجي ويتكلم معاكي ويدعيلك.. أتمنى تكوني في مكان أحسن وربنا يسامحك.. ربنا يسامحك. انهالت دموع غادة حين كانت واقفة أمام قبر أمها ليضعها نوح في حضنه وهو يحسس على منكبها ويواسيها وهاجر معهما. مسحت غادة دموعها وودعت أمها، ثم خرجوا من المقابر وركبوا السيارة منطلقين لمكان معين أصرت غادة على الذهاب إليه. لقد سردت غادة لهم كل ما رأته، من بداية دخول إبراهيم لمنطقة دارين إلى احتراق إلياس حيًا. هنا قالت هاجر وهي تقرأ من هاتف نوح: _دارين جاب هي أخطر الأماكن على وجه الأرض، والمرور منها أشبه بحكم إعدام لشدة خطورة هذا المكان، فهي عبارة عن ١٦٠ كيلومتر من الغابات الكثيفة الخطيرة والجبال الشاهقة والمستنقعات الملوثة، تقع بين بنما وكولومبيا. وكما يبدو أنه خط سير مناسب لما يريد التنقل بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، إلا أن المناخ القاسي والأمطار المستمرة في هذا المكان تجعل من المستحيل بناء طرق فيه. وقد سجل أنه يوجد مجموعة بالفعل قد مرت من هذه المنطقة، ولكن لم ينجُ منهم أحد سوى القليل. خطورة هذا المكان لا تكمن في الحيوانات البرية الشرسة والمجهولة فقط، ولكنها تكمن في المجرمين المستوطنين فيها والعصابات، نظرًا لعدم وجود أي قانون أو شرطة تتابع ما يجري في منطقة دارين. سكتت هاجر ليقول نوح هنا: _دا معناه اللي يهرب من المبنى مش هيقدر يهرب من الغابات واللي فيها؟ قالت هاجر: _معرفش هل دا بالفعل حقيقي ولا مجرد كلام بيذيعوه عشان محدش يقرب من منطقة دارين ويكتشف اللي فيها. صمتت هاجر برهة ثم أردفت: _فيه في دماغي خطة... قالت غادة: _قوليها ارجوك. _معرفش تعرفوا الموضوع دا ولا لا، بس اللي سليم هيتجوزها. عايزة تبيع نفسها، وهو هيمنعها بعد الجواز... بس بفكر ميمنعهاش ونوديها هناك ومنها نعرف نهرب إبراهيم. _ازاي؟ هي هتبقى زيها زيه، مش هتقدر تعمل حاجة. _مهو احنا نجهزها لدا. معرفش ازاي بس لو الخطة مناسبة محتاجة أخططلها أكتر. قال نوح: _طب افردي راحت لروسيا زي فرح كده؟ سكتت هاجر وهي تفكر، وبدا عليها الاستياء وهي تقول: _معرفش... بعد مدة طويلة وصلوا للعاصمة الإدارية الجديدة، اقتربوا من مجموعة من الوحدات السكنية المترابطة (الكومباوند)، وعلى بوابتها أوقفهم الحارس ليسألهم عن سبب دخولهم، فأخرجت غادة بطاقتها وهي تريها للحارس قائلة: _أنا بنت مجدي الجرايحي، ومحتاجة أزوره. تأكد الحارس من هويتها ثم سمح لهم بالدخول، وبعد بحث قليل قالت غادة هنا: _أيوة يا نوح، هو دا رقم بيته، هو دا بيته. كانت فيلا ضخمة ومترفة لأبعد حد، توقف نوح أمامها ونزلوا ثلاثتهم، وتوقفت غادة أمام البوابة، وعلى عينيها نظرات إصرار وتحد كبيرة. كبست زر الجرس من خارج البوابة لتسمع من السماعة: _أيوة مين؟ بدا أنه صوت امرأة، بدا أنه زوجته الأخرى. _أنا غادة، عايزة أشوف أبويا. سكتت المرأة مدة طويلة، وحين طال سكوته، كبست غادة الجرس مجددًا إلى أن أتى خادم الحديقة إليها وفتح البوابة لهم بأمر من سيدته طبعًا. كانت عيون هاجر تتنقل بين الحديقة والمنزل بإندهاش مصحوب بحسرة خفيفة، وقالت لأخيها هنا: _قد إيه الموضوع سهل للراجل إنه يرمي عيلة ويروح لعيلة تانية لما يجيله مزاج، يعيش هو في نعيم ويرمي أهله في جحيم. رأت غادة باب المنزل يفتح من قبل تاليا، ليتبادلا كلتاهما النظرات. كانت نظرات تاليا بها اندهاش وشوق وحب، على عكس نظرات غادة البارد العابسة. _عايزة أشوف أبوكي. توترت تاليا من نبرة غادة المتيبسة التي لا مشاعر فيها، وقالت: _هو مش هنا... ب..بس شوية وهييجي... ماما مكانتش عايزة تدخلك بس أنا أصريت. بصراحة كان نفسي أشوفك وأتكلم معاكي من زمان. أدخلتهم وسلَّمت تاليا على هاجر وهي تقول: _بجد وحشاني أوي. قالت هاجر مبتسمة بتعجب: _يابنتي أنا كنت خطفاه، كنت عايزة آخدك ديزني لاند. _بس قعدتك كانت حلوة. جلس ثلاثتهم، وهاجر ما زالت تنظر لكل تفاصيل المنزل الشاهق، وعادت لتقول لأخيها: _حاسّة إننا هنوسخ البيت والله. قال نوح: _البيت نجس من أهله مهما كان نضيف. جلست تاليا معهم، وقال نوح هنا: _هي والدتك مش هتقابلنا ولا إيه؟ _ل..لا هي قالتلي مش عايزة. قالت غادة بالنبرة ذاتها: _مش عايزة ليه؟ أنا عملتلها إيه؟ هو إحنا اللي أخدنا جوزها منها؟ ولا أخدنا ابنها منها؟ ولا موتناها من الزعل مثلاً؟ قالت تاليا في ارتباك: _واضح إن زيارتك دي مش مجرد زيارة عادية. _لا طبعًا مش زيارة عادية... أنا هزوركم ليه أصلاً من حبي فيكم؟ التزمت تاليا الصمت وبدأت تشعر بعدم ارتياح وحزن. وحين طال صمتهم، التفتا فجأة كل من نوح وهاجر، الاثنان أصحاب الجينات الغريبة التي تفوق حواسهم حواس الإنسان العادي. نظرا لغرفة معينة، وقالت غادة هنا: _في إيه؟ قال نوح: _مجدي موجود هنا... في الأوضة دي. التفتت غادة للغرفة ثم عادت ونظرت لتاليا بنظرة صارمة، وتاليا لا تقول شيئًا من توترها الشديد. نهضت غادة واتجهت للغرفة وفتحتها بإندفاع قوي، لينتفض مجدي الجالس على مكتبه وهو يصيح غاضبًا: _إيه قلة الأدب دي؟ إزاي تخشي عليا بالشكل دا وإزاي تيجي لهنا أساسًا؟ ظلت تحدق فيه بأعين متجمدة أنهكها البكاء، أعين أنهكها الإجهاد في العمل لأجل المال، ووالدها ثري منعم. أنهكها الذل والنم، أنهكها القهر على أخيها الضائع المعذب بسبب بخل والدها. وأول ما قالته غادة لوالدها: _مش مخلف ولد ليه؟ _نعم؟ _مش كنتوا عايزين تجهضوني وتبيعوني لمجرد إنكم عرفتوا إني بنت؟ مش مخلف ولد ليه؟ _أنا ما يهمنيش الحاجات دي. _دلوقتي ما يهمكش الحاجات دي؟ طب هو عشان مابقاش يهمك، بقى معندكش مانع ترمي ابنك الوحيد كده؟ _ابني تلاقيه في أوروبا ومبسوط، انسيه خلاص. قالت غادة والحسرة تغطي نبرتها المرتجفة وأعينها الدامعة: _إبراهيم في منطقة دارين، محبوس هناك وبيتعذب بقاله ١٣ سنة!!! وأنا جايالك عشان تساعدني في إننا نطلعه بأي وسيلة تقدر تعملها، ساعدنا ولو مرة واحدة في حياتك، اصرف فلوسك علينا لأول مرة في حياتك، اصرف فلوسك عشان تنقذ حياة ابنك، أرجوك. نهض مجدي وهو يستهزئ بها رغم دموعها التي ملأت وجنتيها: _إيه يا بت الكلام العبيط بتاعك دا؟ محبوس إيه وبيتعذب إيه؟ كل الفيلم الهندي دا عشان تاخدي مني فلوس؟ مهو أنتِ متجوزة ياختي وجوزك بيصرف عليكي، عايزة إيه أكتر من كده؟ روحي قوليله اصرف فلوسك عشان تنقذ أخويا والكلام الأهبل دا، هو أهبل زيك وهيصدقك، إنما أنا الحوارات دي مبتمشيش معايا، اطلعي برا ومتجيليش هنا تاني. _أنا مبكدبش عليك، أنت عندك نفوذ وتقدر تتأكد بنفسك. أقسم بالله إبراهيم بيشوف عذاب ميتحملهوش أي حد. ثار مجدي عليها وصاح في وجهها وهو يتقدم لها: _قولتلك اطلعي برا، أنا مش عليا أشوف وشك تاني ولا تفكريني بوجودك أصلاً، أنتِ شؤم. _أنا شؤم؟ دا أخويا بيتعذب بسببك أنت، بتقولي إني السبب في إنه اختفى وطلعت أنت السبب. أنت السبب في موت أمي، وأنت السبب في إني اتذللت واتضربت واتهنت من أختك وبنتها. كل دا وأنا اللي شؤم؟ دا أنت اللعنة والشؤم كله! ازداد احتدامه ورفع يده ليصفعها، ولكن يظهر نوح أمامه فجأة ممسكًا بيده بقوة لمنعه، وقبض قلب مجدي من ظهور نوح المفاجئ في تلك الثانية، ورفع نظره لأعين نوح التي كانت تحدق فيه مخترقة روحه. _كان نفسي تحبني يا بابز مرة واحدة بس، كان نفسي تشوفني بنتك مرة واحدة بس. اتمنيت المرة دي تبقى عشان إبراهيم حتى... بس مفيش فايدة... مفيش فايدة. وخرجت من الغرفة وترك نوح يد مجدي وخرج خلفها لترى هاجر غادة متقدمة لباب المنزل وتخرج مع نوح، وكادت أن تتبعهم، لتوقفها تاليا وهي تقول: _ب..بقولك يا هاجر، عايزة أسألك سؤال لأن سكلي مش هشوفك تاني. نظر هاجر إليها لتردف تاليا بسؤالها: _أخبار سليم إيه؟ _كويس زي الفل، هيتجوز كمان كام يوم. تجمدت تاليا في صدمة، وتركتها هاجر في تلك الحالة وخرجت. ********** وصل مصطفى لمعرض الكتاب الذي كان في العاصمة الإدارية أيضًا، ينزل من السيارة وهو يسير مسرعًا متجهًا للمكان الذي وصفه له جمال. دخل مصطفى ذلك القسم ليجد حشودًا لا تعد ولا تحصى من الناس من جميع الأعمار وجميع الطبقات، واقفين يبتاعون ذلك الكتاب الحقير، وجمال وإسماعيل وهشام واقفين يحدقون فيهم بأعين مليئة بالاستنكار والاحتدام. أتى مصطفى إليهم وهو يقول: _مطلعتوش بتكدبوا... كان نفسي تكونوا بتكدبوا. قال إسماعيل: _لاحظنا أنهم بياخدوا الكتاب وبيروحوا في حتة معينة، مستنيينك عشان نروح نشوف هم بيروحوا فين. ظل مصطفى واقفًا يحدق إليهم بأعين لا تطرف من هول المصيبة، ابتلع ريقه واختارت عينه فتاة صغيرة في سن المراهقة، ملابسها غريبة وشعرها أحمر اللون، وهو يقول: _لو سمحتي، هو إيه الكتاب دا؟ _دا مصحف جديد؟ وحي من النبي نور. _لا والله؟ _أه، المصحف دا أحسن من المصحف بتاع سيدنا محمد بكتير، يعني قرأته ملقيتش فيه حروب وغزوات ولا بيمنع الشذوذ ولا بيمنع لحم الخنزير، والله كتاب حلو أوي ومليان رسومات وفن كده جميل، حاجة تلمس روحك كده. _حضرتك، المصحف مش بتاع سيدنا محمد دا كلام ربنا... مينفعش يبقى ليه جزء تاني ولا تالت. ربنا عز وجل قال في سورة الأنعام: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.}، مينفعش يكون فيه جزء تاني. القرآن كامل، اللي في إيدك دا مش قرآن، دا كتاب عادي من راجل ساحر ودجال. _لا يا شيخ؟ ساحر ودجال؟ طب وريني كده معجزاتك؟ _هو السحر بتاعه اللي بتقولوا عليه معجزات دا اللي مخليكوا تصدقوا إنه نبي. _أه، أومال نصدقه إزاي؟ وبعدين عادي ربنا يقول على القرآن دا كامل ويحب ينزل قرآن تاني، فيها إيه؟ _انتِ مفكرة يعني ربنا عز وجل هيرجع في كلامه، استغفر الله؟ _انت شكلك سلفي وهتخنقني، ابعد عني لو سمحت. خرجت تاركة إياه، ولكنه لم يستسلم. ظل يوقف كل شخص يستطيع التحدث معه وينصحه، محاولًا إنارة بصيرته لكي يتوقف عن شراء هذا الكتاب، ولكن لا فائدة. رغم أن حديث مصطفى كان لين القول وذكي ومقنع، إلا أنه يواجه سباب وتجاهل، حتى كان يوجد من يتطاول عليه باليد. ظل مصطفى يحدث لما يقارب الثلاثين شخصًا في مدة طويلة، لم يمل ولم يكل، إلى أن أتى حارس الأمن له وهو يقول: _لو سمحت، في ناس كتير اشتكوا منك، أنا مضطر أطردك برا. بدا على موظف الأمن أنه رجل عاقل، فقال مصطفى: _يعني حضرتك عاجبك اللي بيحصل دا؟ مصحف جديد؟ معقولة؟ قال رجل الأمن باستياء: _مش عاجبني طبعًا، بس هنعمل إيه... ربنا يسامحنا، والله أنا مش عايز أخرجك بس أنا مضطر، دا شغلي. _الحجة دي مش هتشفعلك قدام عقاب ربنا، متسكتش على المهزلة دي، مينفعش الشغل يكون أهم من دينك. _لو سمحت، تعالى معايا... لو سمحت. خرج مصطفى وتبعوه كل من جمال وإسماعيل وهشام، وهشام يقول: _معقول دي بداية النهاية؟ بداية حديث لكع ابن لكع ابن لكع؟ قال إسماعيل: _شكلها كده. قال جمال: _مستحيل، ما دام مصطفى لسة موجود هو واللي زيه يبقى لسة في أمل. هنا لاحظ مصطفى أن كل من يبتاع الكتاب فعلاً يذهب لطريق معين، فقال مصطفى لهم: _تعالوا نشوف هم رايحين فين. خيمة كبيرة كخيم السيرك، بداخلها مئات بل الآلاف جالسين أرضًا وأمامهم منصة أشبه بالمنبر جالس فيها نور الديب، ممسكًا بكتابه ويقرأ كلامه أو ما يسميها بالآيات ويفسرها لهم. كل من يشتري الكتاب يدخل الخيمة ليستمع لتفسير نور الديب. كانت الخيمة في أرض فارغة بجانب معرض الكتاب مباشرة، يدخل مصطفى الخيمة مع أصدقائه وهو يحدق في نور بأعين مستشطة لامعة من شدة الاحتدام. لم يتحمل فتقدم بخطوات سريعة إلى المنصة وخطف السماعة من أمام فم نور، ورفع نور يديه مانعًا الأمن من الاقتراب أو من الجمهور في الاعتراض، كأنه يقول لهم اتركوه يتحدث. _بسم الله الرحمن الرحيم، ربنا عز وجل قال في كتابه الوحيد في سورة الكهف {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} فلا تجادلون يا قوم استحلفكم بالله، قال الرحمن في كتابه في سورة النساء {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} يعني الكتاب الحقير الذي في أيديكم هذا مستحيل أن يأتي بجناح بعوضة جنب القرآن. القرآن الكريم هو كتاب الله الوحيد الشامل، به الشمول العقدي في التوحيد والدين، به الشمول التشريعي لكل مناحي الحياة من العقيدة وأسلوب الحياة والأخلاق، به الشمول الخطابي للنفس الإنسانية، فالله خاطب فيه العقل، وخاطب الوجدان، وخاطب العاطفة، وحث المنطق. الدين الإسلامي كامل شامل بواسطة القرآن الكريم، وقال الله عز وجل في سورة الإسراء {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}. أقسم بالله، أقسم بالله، أقسم بالله، هذا الكتاب الذي تزعمون أنه مصحف جديد فهذه أكبر إهانة وكفر بيّن عظيم فلا يوجد كتاب من بعد القرآن ولن يوجد رسول من بعد النبي صلى الله عليه وسلم. سكت مصطفى قليلًا ونظر إلى نور الديب الذي كان يحدق فيه ببرود، ليردف: _قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح الترمذي: "لا تقومُ الساعةُ حتى تلْحقَ قبائلُ من أمَّتي بالمشركينَ، وحتى تُعبدَ الأوثانُ، وإنَّه سيكونُ في أمَّتي ثلاثونَ كذَّابًا، كلُّهم يزعمُ أنَّه نبيٌّ، وأنا خاتمُ النبيينَ لا نبيَّ بعدي". وبلا شك نور الديب هو من ضمن الثلاثين، نور الديب كذاب دجال يتدعي النبوة ولا نبي من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا قرآن من بعد كتاب الله الذي أنزل على نبيه خاتم الأنبياء. هنا فجأة ألقى على وجه مصطفى صخرة أدت إلى جرح حاجبه وانهالت الدماء منها، كانت ضربة قوية أسقطت السماعة التي كانت يمسكها مصطفى، وهنا تقدم نور وأمسك بالسماعة وهو يقول: _أحيي الشجاعة التي رمت الطوبة عليه، لأنه نفذ آية من آيات كتاب الله الجديد، والآية تقول: "بإذن من النبي الجديد ارجموا المشركين المكذبين به، فعلى كل حجر يتم رجمها بهم بركة". هنا رأوا الناس الصخرة تتفتح أمامهم ويخرج مكانها زهرة، وأردف نور: _ هي دي البركة، وأنا بأذن ليكم، ارجموا مصطفى وأصحابه. ظهرت الأحجار في يد الجمهور فجأة وبدون أي تردد بدأوا في رجم مصطفى، ليركض مصطفى لينجو بروحه، وحتى بدأوا يرجمون جمال وإسماعيل وهشام. خرجوا ألاربعة من الخيمة ليطاردهم الآلاف من الناس والآلاف من الحجارة تنهال عليهم، وإن استمروا على هذا الحال سيقتل أحد منهم. ~استخدم قوتك يا مصطفى، استخدم قوتك مفيش وقت أنسب من كده، واجههم واستخدم قوتك! توقف مصطفى والتفت وحده ليواجه الآلاف من الصخور والناس، وصرخ أصدقاؤه بأن يكمل في الركض. ~قوتك هي النار، الرياح، الأرض، والماء، استخدم اللي يجي في بالك، وأنا هساعدك، متقلقش، قول آيات من القرآن عشان القوة تزيد وعزيمتك تزيد. لم ينكر مصطفى هلعه من تلك اللحظة ولكنه تشجع وظل يذكر آيات من القرآن ورفع ذراعه وهو يلوح بها لتتهب رياح قوية على الصخور والناس، ويلوح بذراعه الأخرى لتهب رياح أقوى. طارت الحجارة من شدة الرياح وتشتت الحشود بشدة وبدأوا يركضون ليهربوا من تلك الرياح القوية التي انتشرت في الحي كله. السيارات تهتز، الأشجار تتأرجح، الناس يصرخون، وكتاب نور الذي كان بين ايديهم تطاير للسماء كانت رياح قوية صارخة تدل على سخط مصطفى وعلى مشاعر الغضب القوية. مع هروب الناس من حوله وجد نور بينهم يقف محدقًا في مصطفى بحيرة وقلق شديد حين استوعب أن مصطفى أيضًا يمتلك قوة. شق مصطفى الرياح بقوة جسده وهو يركض لينقض على نور ويقتله بيديه العاريتين. وفور اقترابه، ألقى نور الرمال على وجه مصطفى بحركة طفولية، حينها أغمض مصطفى عينيه وفتحها مجددًا فلم يرَ نورًا أمامه. اختفى نور، وحين لاحظ شدة الرياح قال مصطفى: _خلاص، خلاص يا كالسيوم، لو الرياح زادت عن كده الناس هتموت. وفي ثوانٍ، سكتت الرياح وهدأت تمامًا. بعدها قال السيوم: _اسمي السيوم، وعلى العموم أنت اللي تحدد قوة الرياح، فمتقلقش، اهي هديت عشان أنت عاوز كده. التفت مصطفى لأصدقائه وركض إليهم بسرعة وهو يقول: _حد اتأذى؟ حد حصله حاجة؟ قال جمال: _لا يا شيخ، مجرد كدمات بس الحمد لله ربنا ستر. قال هشام بنبرة ترتجف من الصدمة: _شيخ مصطفى... هو أنت كمان عندك معجزات ولا إيه؟ _لا يا هشام في الكلام دا. _أ.. أصل حسيت أن.. الرياح جت أول ما عملت الحركات اللي بدراعك دي. قال إسماعيل: _عادي يا هشام، ربنا بيحمينا يعني، الحمد لله الحمد لله. قال هشام: _الحمد لله. ظل مصطفى واقفًا وهو لا يصدق ما فعله، أقدرته قوية إلى هذا الحد؟ بدا العبوس والإرهاق على ملامحه وهو يقول لهم: _يلا... يلا نرجع ونشوف الحوار بعدين، الله المستعان.
ROMISAA