٥٥ تم تصوير كل ما حدث في مقطع فيديو بعنوان "مدرس يحاول إنقاذ طالب من الانتحار" وعنوان آخر "مدرس شجاع ضحى بحياته لإنقاذ طالبوتم التعرف على هوية الطالب والمدرس" وعنوان آخر "شاهد بالفيديو مدرس خارق ينقذ طالب ويضحي بنفسه ويعيش بعدما يسقط من الطابق السادس". مرت ست ساعات على تلك الحادثة، ووصل المقطع إلى ثلاثة ملايين مشاهدة، وأصبح الأمر "تريند" في هذا اليوم، خصوصًا أن هذا المدرس معروف بأنه هو نفسه الذي قتل أحدهم بغير عمد. فور أن انتشرت صورته بين الناس، انتشرت النظريات وبدأت الناس تتسائل: كيف لم يمت من هذا الارتفاع العالي؟ وكيف من ضربة واحدة خلع رأس بشرية؟ ولماذا ملامحه تشبه ملامح أدهم داغر، واسمه يشبه اسمه؟ بدأ محنكين الإنترنت في جميع مواقع التواصل الاجتماعي يتحدثون عنه، ويكتبون النظريات عن هويته الحقيقية، وكلهم اجتمعوا على شيء واحد: إنه ابن أدهم داغر. هو الآن بالمستشفى في العناية المركزة، يوجد كسور في جسده، في ضلوعه وعموده الفقري وساقيه، وجرح شديد في رأسه أدى لشرخ، ولكن رغم تلك الكسور العديدة، فقد كان الأطباء في حالة ذهول قوية، فهذه ليست إصابات شخص عادي سقط من هذا الارتفاع، فمن المفترض أن يسقط وكل قطعة في جسده متفرقة. والمتوقع أنه سينام مدة من الوقت ليست بقليلة. في ليلة هذا اليوم، عاد مصطفى ونجلاء من زيارتهم لنوح. دخل مصطفى غرفته منهكًا للغاية، بينما كانت نجلاء في غرفة ابنتها تحدثها. كم كان يومًا مرهقًا ومقبضًا حقًا. لم ينسَ مصطفى تلك الورقة التي أعطاها إياه والده، فأخرجها وقرأها: <ريد مونكي بكرا الساعة عشرة بالليل> لم يفهم مصطفى شيئًا، ولكن كما قال له... سيذهب لهاجر غدًا ليتفهم منها هذا الشيء. بعد قليل، عادت نجلاء وجلست معه. _مريم قالتلي إنها خايفة منك ليه.. _بجد؟ ليه؟ قوليلي، أرجوكي، أنا هتجنن. قالت له نجلاء عن ما رأته مريم يحدث في غرفتهما تلك الليلة، ليضع مصطفى يده على جبهته من شعور الورطة التي شعر بها. ************ تفتح فريدة جفونها مستيقظة من النوم، وتحت عينها اليسرى وشم (EG-53412)، فور سماعها لطفلة توقظها. _طنط...طنط. نظرت فريدة لها وقامت من نومها الذي كان على الأرض. _أيوة يا حبيبتي؟ _أنا عملت على نفسي... نظرت فريدة إلى المكان الذي كانت الطفلة نائمة فيه ووجدت بقعة ماء، وبنطالها أيضًا كان مبتلًا لتقول فريدة: _مش هيخرجوكي خالص يا حبيبتي دلوقتي للأسف. _مينفعش تستأذنيهم أغير؟ _مينفعش، هيضربوكي جامد. معلش يا حبيبتي، استني لحد الصبح ونشوف. تعالي نامي في حضني. _مش هتقرفي مني؟ ابتسمت فريدة وقالت: _لا، مش هقرف. تعالي. بعد ساعات، فور أن دقت الساعة الخامسة صباحًا، أيقظوهم لبدء العمل، وعينوا فريدة موظفة لهم هي الأخرى. لم يكن الأمر صدفة، فهذا كان جزءًا من إرادة نوح في جعلها تعمل كما يعمل إبراهيم، فالمأمول أن يتقابلا ليتشاركًا خطة النجاة سويًا. استيقظت فريدة وهي متوجهة إلى مبنى المخدرات حيث ستنقل إحدى البضائع للمقر الذي أبلغوهم عنه. هذا المبنى الوحيد الذي يجلس ساكنوه في عمل دائم دون توقف أو نوم، إذ يحقنونهم بمنشطات بشكل دائم ليكونوا مستيقظين لأطول فترة ممكنة، ليقوموا بتعبئة المخدرات، وصناعتها من نباتها، مبتكرين طريقة مميزة لتهريبها دون شك. وإن غفا أحدهم، يتم صعقه وتعذيبه حتى الموت. لاحظت فريدة أن هناك علامة تجارية مشهورة للغاية تخص النبيذ الأبيض، وهي في الحقيقة ليست لنبيذ أبيض. إنه كوكايين ذائب يتم وضعه في زجاجات نبيذ مع تعليمات عن كيفية تجفيفه وتحويله من حالته السائلة إلى الحالة الجافة، ثم طحنه ثم استنشاقه. ويتم نقل زجاجات الكوكايين الذائب تلك أمام العلن دون شكوك، لأنه أمام الناس هو مجرد نبيذ أبيض ولكنه في الحقيقة كوكايين. حين انتهت فريدة من عملها في مبنى المخدرات، طلبوها لمبنى التجارب لأخذ جثة ما، ويصاحبها شاب سوري الجنسية. اقتربت من مبنى التجارب وهي تسمع أصوات صراخهم وأنينهم المهلك الذي كان يحرق قلبها رمادًا. دخلا إحدى الغرف ليجدا طفلة، أجزاء من جسدها متضخمة حتى انفجرت، ويوجد من لم تنفجر. ليقول لهم الموظف الأعجمي: _كان يأمل العلماء في صناعة عقار يكبر من عمر الشخص كما كان في المحقق كونان، وفور أن صنعوه وقاموا بتجربته على هذه الطفلة كانت تلك النتيجة. هيا احملوا جثتها وأوصلوها لمبنى الجثث. تقدمت فريدة بخطوات بطيئة نحو تلك الطفلة، وفور أن رأت وجهها شعرت أنها ستدخل في حالة من الانهيار العصبي وستنفجر باكية، فتلك الطفلة هي ذاتها التي نامت في حضنها الليلة الماضية. كظمت فريدة مشاعرها بكل ما أوتيت من قوة، وتذكرت تحذيرات غادة لها، أن أظهرت أي تعاطف أو مشاعر سيتم تعذيبها. حسن، لاحظ الشاب السوري ثبات فريدة وارتعاد جسدها وجحوظ عينيها، فقال لها: _إنتِ منيحة؟ التفتت إليه ليردف: _بعرف أن هاد المكان ما فيه حدا منيح، بس... بدي أقولك، تمالكي حالك شوي، لمصلحتك. أومأت برأسها واستنشقت نفسًا عميقًا، وبدأت في حمل الجثة معه ولملمة أشلائها لتوصلهما لمبنى الجثث. وحتى الآن لم يظهر إبراهيم. ************ وصل مقطع نوح إلى ستة ملايين مشاهدة حتى الآن، ليس لأجل الحادث، بل لأجل السمعة التي وصل إليها نوح، من قاتل غير متعمد إلى بطل منقذ ومضحي لابن أخطر رجل في العالم. في الوقت ذاته، يجلس مصطفى على مكتبه أمام حاسوبه، يتابع الأخبار بقلق وحذر. يقرأ كل تعليق وكل مقال وكل شيء يقوله الناس عن نوح، والغالبية العظمى اقتنعوا أنه ابن أدهم داغر. وإن تأكد أنه ابن أدهم بالفعل، فستكون هذه أعظم رزية قد تحدث لهم جميعًا. _ياااا متررر انتفض مصطفى والتفت لمصدر الصوت، وكان موريس ليقول: _إيه يا موريس، بتزعق ليه؟ _أنا نديت عليه خمسين مرة، حضرتك يعني... في إيه؟ _بجد؟ _أه والله. صمت برهة وفرك عينيه بإرهاق، محاولًا إيقاظ عقله، ليقول موريس: _شكلك تعبان أوي، أول مرة أشوفك كده. _أمبارح كان يوم متعب، اتفضل قل اللي عايزه. _لا، أنا بس جيت أقولك إن ده وقت البريك... حبيت أقولك بس عشان نفطر سوا. ابتسم مصطفى وقال: _عايزني أنزل الكافيتيريا معاك؟ _أيوة، يعني خليها مرة واحدة في الأسبوع على الأقل... هتفضل قاعد لوحدك كده تفطر لوحدك دايمًا؟ _أنا مبحبش التجمعات. _عشان حرام وكده؟ هنقعد لوحدنا ولا يهمك وافق مصطفى ونزلا معًا لمطعم الشركة، وجلسا فيه. كان مصطفى يأكل بحركات بطيئة، وكان يفكر بإفراط منغمسًا في تفكير عميق إلى حد فقدان القدرة بحواسه. حين لاحظ موريس أن مصطفى غارق في عالم موازي وسارح لحد كبير، قال: _هتطلع لايف النهاردة؟ _ا.. أه. _شوفته المرة اللي فاتت وكان حلو أوي. _أنت اتفرجت عليه؟ _أه. _متأكد؟ _أيوة بأمانة، مش مصدقني ليه؟ _وهو عجبك بقى على كده؟ _أه أوي. _دا معناه إن الدين عجبك. _هو حد قالك إني بكرهه يعني؟ _طب ما يلا، انطق الشهادة وخش الإسلام. _لا، مش للدرجة دي. سكت مصطفى وعاد للغرق في تفكيره إلى أن شعر أنه يريد أن يبوح بما يفكر فيه، وسأل موريس سؤالًا: _بقولك يا موريس، هو إيه الريدمونكي ده؟ فجأة، عم الصمت في المكان بسكون الموظفين فور سماعهم لجملته تلك، والتفتوا كلهم ناظرين إليه بحذر وحيرة. فيبادلهم مصطفى نظرات الاستغراب لا يفهم ما خطبهم، ليقول موريس بقلق: _أنت بتسأل ليه؟ _عشان معرفش، فعايز أعرف. _أيوة يعني مين قالك على البتاع ده؟ _معرفش يا موريس، يعني لما تعرف مين قالي هتفرق في إجابتك يعني ولا إيه؟ _لا يا متر.... مالك النهاردة متعصب ليه؟ _عارف ولا لأ يا موريس؟ التفت موريس حوله ناظرًا للموظفين الذين أعادوا نظرهم عنهم، وفور ذلك قال موريس بصوت خافت: _ده بث مباشر الناس بتتعذب فيه في الدارك ويب، تابع أدهم داغر، ومش بيجيب أي ناس، ده بيجيب ناس مهمة أوي أوي، تخيل بيجيب الناس اللي الجن الأزرق ميقدرش يلمسهم، بيجيبهم ويعذبهم قدام ملايين ويقتلهم في الآخر. ظل مصطفى يحدق في موريس بنظرة تعجب متجمدة، ثم أردف موريس: _عارف نتنياهو؟ _عارفه. _نهايته كانت في الريد مونكي... البث بتاعه كان أعلى مشاهدات بث مباشر في العالم، كان بيشوفه خمسة مليون نفر. حتى الفيديو اللي مات فيه من التعذيب اتنشر على اليوتيوب بس كله اتمسح، ولو جيبت سيرته على أكونتك هيتقفل، والموضوع عليه تشديد جامد في إن سيرته تتجاب على النت، تعرف؟ أدهم بنفسه هو اللي عذبه، كان طول الوقت بيتكلم ألماني، وبعد ما قتله عمل تحية هتلر. بأمانة الراجل ده ساعات بيعمل حاجات جامدة. بعدما استمع مصطفى كل ما قاله، لم يهدأ هذا من حالة الهيجان التي كان بها عقله، بل ازدادت وشعر أن عقله يضخ من شدة التفكير. حين انتهى وقت الاستراحة وعاد لمكتبه، حاول التركيز في عمله ولكنه لم يستطع، كان الأمر شاقًا وعسيرًا لأبعد حد. هنا دخل موريس إليه وهو يقول: _في واحد من المطبخ عايز يكلمك، ادخله ولا إيه؟ _ادخله طبعًا. عاد موريس لمكتبه، ثم دخل شاب موظف في مطبخ الشركة. حب مصطفى به بلطف، وأجلسه أمامه ثم قال هذا الشاب: _ا.. أنا عارف إن حضرتك مستغرب ليه أجيلك مكتبك كده، بس بما إنك شيخ فكنت عايز استفسر من حاجة، وعايزك تطمني يا شيخ، ارجوك. _اتفضل يا حبيبي. _ه... هو إحنا مذكورين في القرآن؟ _إحنا؟ قصدك الرجالة يعني؟ أكيد طبعًا، ربنا ذكر الأنثى والذكر بشكل صريح في القرآن، والأنبياء كلهم رجال. _لا، مش قصدي الرجالة، قصدي الناس اللي زيي كده. قطب مصطفى حاجبيه وهو يقول: _حضرتك مفيش غير ذكر وأنثى، لو عندك نوع تالت فمفيش الكلام ده في الدين. _لا لا، مش قصدي، أنا مبتكلمش عن الإنسان عمومًا، قصدي علينا إحنا... الأندرويدز. اختفت عقدة حاجبيه في دهشة وسكت برهة في تعجب، ثم قال: _أنت... روبوت؟ _أيوة... ظل مصطفى ملتزمًا بالصمت، لا يعرف كيف يتعامل مع هذا الشيء، ليردف الشاب الآلي: _شكلك مش مصدقني. رفع الشاب يده وتبدل لون جلده إلى اللون الشفاف ليظهر تحتها اللون الحديدي المائل للأبيض. _صدقت؟ ابتلع مصطفى ريقه وهو يلملم شتات عقله ومشاعره وقرر أن يتعامل معه معاملة طبيعية. _عايز كلام عاطفي ولا كلام صريح؟ _لا، كلام صريح. ظل مصطفى متلزمًا بصمته، لا يعرف كيف يتعامل مع هذا الشيء، ليردف الشاب الآلي: _شكلك مش مصدقني. رفع الشاب يده، وتبدل لون جلده إلى اللون الشفاف، ليظهر تحتها اللون الحديدي المائل للأبيض. _صدقت؟ ابتلع مصطفى ريقه وهو يلملم شتات عقله ومشاعره، وقرر أن يتعامل معه معاملة طبيعية. _عايز كلام عاطفي ولا كلام صريح؟ _لا، كلام صريح. _للأسف، أنت مش محسوب عند ربنا بحاجة... أنت مجرد آلة صنعتها البشر، زيها زي الكمبيوتر وهكذا. _ي..يعني أنا مش هروح جنة؟ _لا.. أنت معندكش روح أصلاً. ازدادت أنفاسه بحسرة، وقال بنبرة مرتجفة من شدة الأسى: _ط..طب مفيش أي حاجة مذكورة في الأحاديث؟ أي حاجة، أي حاجة. تملك مصطفى نفسه، وحاول ألا يتعاطف معه. _مفيش، مفيش غير أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم يلعن فيها المصورين، زي اللي بيصنعوك. ذرف الشاب الدموع، وانهال بالبكاء وهو يردد: _يعني بعد كل التعب ده مفيش مقابل؟ يعني بعد كل التعب ده مفيش جنة؟ يعني وجودي زي عدمي، مفيش هدف لحياتي؟ ظل مصطفى يحدق فيه بإرباك شديد، لا يصدق أن ما أمامه هو إنسان آلي، ويبكي على حاله. لقد اشفق عليه حقًا، ولكن كيف يشفق على آلة؟ هنا توقف الشاب الآلي عن البكاء فور أن رأى النافذة، وبدون أي مقدمات نهض الشاب راكضًا بسرعة جعلت مصطفى يعجز عن إيقافه وقفز من هذا الطابق العالي، مقدمًا على الإنتحار ليرتطم بالأرض ويتفتت جسده تمامًا، ودماؤه الأرجوانية تنهال منه، مكونة بركة على الأرض. أما رد فعل مصطفى على ما حدث، فكان الصدمة والجمود والحيرة التامة. ********** ظلّت نجلاء في مطبخها تطبخ، سمعت صوت هاتفها من غرفتها. نظرًا لإنشغالها الشديد، نادت على مريم لكي تأتي لها بالهاتف. أطاعتها مريم ونهضت من أمام التلفاز متجهةً إلى غرفة والدتها، وفور أن فتحت الباب ودخلت، قبض قلبها عندما رأت شخصًا مجهولًا نائمًا على السرير على جانبه، ويكسو كامل جسده اللحاف. اتجهت مريم لمكان الهاتف بجانب السرير بخطوات حذرة وبطيئة، ورأت أن الشخص النائم رجل غريب لا تعلم من هو. وما زاد قشعريرة جسدها وهلعها، أنه لم يكن نائمًا، بل كانت عيونه مفتوحة جاحظة تحدق فيها، وكأنه غاضب على دخولها في هذا الوقت. التقطت مريم الهاتف بسرعة، وخرجت راكضة بذعر. وعندما لاحظت نجلاء خوفها، قالت: _مالك يا مريم، في إيه؟ قالت مريم بصوت مرتعد: _في واحد نايم عندك في الأوضة يا ماما. ظنت نجلاء أنها هلاوس من ابنتها كالعادة، فذهبت إلى الغرفة لكي تثبت أنها بالفعل أوهام ولا يوجد أحد بالداخل. ولكن فور أن فتحت الباب، انكمش قلبها هلعًا حين رأت بالفعل جسد رجل نائم على السرير، وفي تلك اللحظة وجدته يعتدل ويجلس لينهض إليها. تضرب نجلاء الباب بعنف وهي تغلقه بسرعة، وتصيح في وجه ابنتها: _انزلي لجدتك بسرعة! _ليه يا ماما، في إيه؟؟ _قلتلك انزلي، يللا! ركضت مريم وخرجت من الشقة، واتبعها نجلاء راكضة بعد أن ارتدت جلبابها ووضعت قماشًا على رأسها لتغطي وجهها، في اللحظة التي فتح فيها الرجل الباب، هي بدورها خرجت من الشقة راكضة إلى شقة ريهام. فتحت ريهام الباب عند طرق مريم، وهنا وجدت مريم ونجلاء يدخلان بسرعة مذعورتين. _بسم الله الرحمن الرحيم، مالكوا في إيه؟ دخلت نجلاء وجلست تبكي، ونزعت الحجاب من وجهها: _مالك يا بنتي، اهدي يا حبيبتي، مالك؟ قالت مريم: _في راجل غريب فوق يا تيتا... _يا نهار أسود؟؟ جه منين ده؟؟ أنا هتصل بالبواب ييجي يمسكه يرنه علقة! أمسكت ريهام هاتفها، فوضعت نجلاء يدها وهي تقول: _ده مش راجل يا ماما... ده مش راجل. _يعني إيه؟ _نور رجع يجنني زي ما كان بيجنني... _حسبي الله ونعم الوكيل... حسبي الله ونعم الوكيل. هنا قالت مريم بعدما شهقت بصدمة: _ماما، إحنا سيبنا فيفي فوق. _اياكي تطلعي لوحدك. قالت منار: _متقلقيش، هطلع أنا معاها، ولو قرب مننا والله أديه بالجزمة في دماغه! أخذت منار بيد مريم وصعدا معًا، وقالت ريهام هنا: _قومي يا بنتي، اغسلي وشك واتوضي واقرأيلك قرآن تهدي بيه نفسك. قامت نجلاء بالفعل وبدأت تتوضأ، وأثناء ذلك بدأت تسمع صوت احتكاك جسد بستارة حوض الاستحمام التي بجانبها. هنا نظرت بسرعة لتجد الرجل يطل النظر إليها من بين فتحة الستارة دون أن يفتحها. من هول المشهد المرعب لم تصرخ نجلاء، ولكنها ركضت بسرعة وخرجت من الحمام، وهي تنظر إليه بعيون جاحظة وتقول لريهام: _موجود في الحمام يا ماما، والله العظيم شوفته جوا! _اهدي يا بنتي، اهدي! هنا دبت صرخة مدوية صادرة من منزل مصطفى، وكان مصدرها مريم. ومن فزعة نجلاء خرجت بسرعة متجهة لمنزلهم راكضة، وهي كاشفة الوجه، ولحسن الحظ لم يراها أي حد. حين دخلت، نظرت إليها منار وكانت في حالة قوية من الصدمة والهلع، وتقول: _بنتك مجنونة... بنتك مش طبيعية... بنتك مش طبيعية!!!! نظرت نجلاء ناحية الصالة لتجد مريم على الأرض تصيح باكية بشكل هيستيري، وهي ممسكة قطتها فيفي... على جزئين. في يدها اليمنى ممسكة برأسها، واليد اليسرى ممسكة بجسدها، ودماء القطة المسكينة متناثر في المكان. _والله يا ماما، مش أنا اللي عملت كده، والله مش أنا، والله. نظرت نجلاء لمنار لتقول منار: _متبصيليش كده، ورب الكعبة، أنا شفتها بعيني وهي بتمسك القطة ورأسها كأنها عروسة لعبة... شوفي، أنا إيديّ نظيفة، مفيش ثواني على ما دخلتي، أنا مستحيل أنضف نفسي بالسرعة دي... وبعدين أنا أقتل قطتكوا ليه؟!! _مصدقاكي يا منار.. مصدقاكي... خديها لو سمحتي واطلعي لماما... متخافيش، ارجوك خديها وخلي ماما تغسل إيديها كويس. وقفت مريم وهي لا تستطيع أن تأخذ أنفاسها من شدة البكاء حسرةً على قطتها، وخرجت هي ومنار. واتجهت نجلاء للقطة الصغيرة التي تم قتلها بوحشية، وذرفت دموعها حزنًا عليها وهي لا تعرف... إلى متى؟ *********** عصام الآن في مكتبه ممسك بقلم رصاص ميكانيكي، وكان من إحدى الأقلام الموجودة في محفظة مريم. ظل ممسكًا به وهو يحدق فيه بشدة، وهو حائر وقلق. في الليلة الماضية، قام بالكشف عليه بحمض اللومينول في غرفته وحده، وظهرت آثار الدماء عليه. ومع إبلاغه أنه لا يوجد أي قلم من بين آلاف الأقلام ظهر عليها آثار دماء، تأكد أنه لا يوجد سواها. هو لا يستبعد فكرة أن يكون الطفل قاتلًا، ولكن أن تكون ابنة مصطفى أخيه فهذا أمر من العسر تقبله، ولكنه يريد أن يعلم ما علاقة عمر بهذا الأمر. أخرج عصام هاتفه واتصل على رقم شيماء التي علمه بطريقته الخاصة. _ألو. _شيماء، مرات الدكتور عمر مش كده؟ _أيوة، مين حضرتك؟ _أنا عصام شرف. صمتت شيماء في نفور، وهي لا تعرف ماذا يريد هذا الرجل ليدلها على مكان القسم، وأردف قائلاً: _تعالي، متقلقيش... عايز أستجوبك بس في كذا حاجة، حتى دا مش استجواب رسمي، اعتبريه دردشة. _لا، مش جاية. _لازم تيجي... الموضوع يخص جوزك. فور أن علمت أن لعمر علاقة بالموضوع، دخل القلق قلبها وقالت: _حاضر... حاضر. أغلقت شيماء وبدأت الوساوس تتغلغل في عقلها، فأسرعت في ارتداء ملابسها وحجابها وخرجت. فور خروجها لمحت شخصًا غريب الشكل، لا تعلم من هو، ولكن لم تكن المرة الأولى في ملاحظته. كان رجلًا يرتدي قناعًا أسود به عيون خضراء، فور أن لمحته ابتعد عنها واختفى بين الناس. تجاهلته وأكملت سيرها لتركب أقرب مواصلة لعصام. بعد ساعة تقريبًا، وصلت شيماء وطرقت باب مكتب عصام. دخل الحارس ليخبره عنها، فسمح لها بالدخول. دخلت شيماء وهي تشعر بقلق ورهبة من المكان وجلوسها معه وحدهم. سمح لها بالجلوس أمامه ثم قال لها: _قوليلي يا شيماء، تعرفي إيه عن مصطفى عبد الباقي؟ _أنا مكنتش أعرفه بس عمر عرفني عنه، لما شوفته فاتح اللايف بتاعه وكده. _عرفك عنه ليه؟ _هو عمر مبيتكلمش عن الناس كتير يعني... هو عرفني إنه شيخ كويس جدًا. _بس؟ مجابلكيش سيرة أي حد يخص الشيخ دا؟ _أه، افتكر إنه قالي إن بنته بتاخد جلسات عنده. صمت عصام برهة ثم سألها: _احكيلي عن عمر يا شيماء، ممكن؟ تحولت ملامح شيماء وفاضت منها الانشراح والإعجاب الشديد، وبابتسامة عريضة على شفتيها قالت: _عمر، دا أجمل راجل في الدنيا، جميل في شكله وفي طبعه، راجل ذكي وطيب وحنين ورحيم... وبيستحملني وبيحرص دايمًا أن نفسيتي تكون كويسة. عمر دا بطل... دايمًا قلبه على الناس وبيحب يساعدهم دايمًا... خصوصًا نوح. _وهو دايمًا كده؟ _أه. _إنتِ مش حاسة إن في حاجة غلط؟ يعني مظنش إن في إنسان طبيعي يكون حلو بشكل كامل كده طول الوقت ومثالي. _لا، هو أكيد بيتعصب ساعات وبيتخانق وكده، عادي هو إنسان. _وهو بيرجع من شغله الساعة كام؟ _العيادة ولا المستشفى؟ _العيادة. _بعد نص الليل كده... مبيبقاش في وقت محدد. _وهو عنده شغل في المستشفى الصبح؟ _أه. تنهد عصام وسكت قليلاً وهو يفكر ثم قال: _بصي، أنا عايزك تتواصلي معايا، أي حاجة غريبة تلاحظيها في عمر تبلغيني عليها، وإياكي تقولي له. _لا طبعًا. _هو إيه اللي لا؟ جوزك مشتبه به في قضية قتل أربع طالبات... ومحدش يعرف دا غيري، وأنا متكتم على الموضوع لحد دلوقتي... يا تساعديني يا أوديه في داهية. _مشتبه بيه إزاي يعني؟ وإيه دخله؟ _ريحة سيادته كانت في الكيس. _لا يا شيخ؟ طب روح كده قولهم إن دي ريحة عمر وإنت شاكك فيه عشان برفانه، هيضحكوا عليك. بذمتك دا دليل؟ سكت عصام حين شعر أن حديثها مقنع ثم عاد وقال: _لا، مش دا الدليل، الاشتباه في أن مريم بتجيله العيادة. _مريم مين؟ _بنت مصطفى. _ومالها البت مش فاهمة؟ فرك عصام عينيه متبرمًا، لا يرغب في الشرح أكثر، وقد ضاق بالأمر ذرعًا، فنهضت شيماء وهي تقول: _أنا ماشية. تركته شيماء وهو منغمس في حيرته وتشتته وانهاكه. ********** عاد مصطفى إلى منزله بعدما كاد أن يتورط بمصيبة واتهامه بأنه من ألقى بالإنسان الآلي من مكتبه ودفع ثمنه. ولكن بفضل الله تمت تبرأته بعدما رأوا تصوير كاميرا المراقبة في المكتب. كان الإنهاك ينهش عقله، فقط يريد أن يعود إلى منزله ويرتاح في حضن حبيبته. فور أن فتح باب المنزل ودخل، وقع بصره على هذا المشهد في الصالة: بقعة دماء في الأرض وقطعة قماش ملتفة ببعضها مكان البقعة. سرعان ما اتجه مصطفى لتلك قطعة القماش وفتحها ليجد القطة مفصولة الرأس. تحجرت نظراته الجاحظة الصادمة المقهورة حزنًا على قطته. كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ ذرفت عينه بالدموع، فتلك قطته التي أحبها وأنقذها، لم يتوقع أبدًا أن تكون نهايتها بتلك البشاعة. أخذ القطة وخرج بها من الشقة متجهًا لأقرب حديقة بجانب منزله وبدأ يحفر فيها ليدفن قطته الصغيرة. بعدها عاد لمنزل أمه بعدما علم أنهم به. طرق الباب وفتحت ريهام التي كان على وجهها الإرهاق الشديد. _أخيرًا جيت يا بني. _إيه اللي حصل؟ _خش يا بني، خش. قولي لمنار بس عشان تستر نفسها. _حاضر. دخل مصطفى ووجد في غرفة المعيشة مريم جالسة تبكي بهدوء. تقدم إليها وجلس بجانبها، لكنها نهضت مستنفزة منه وجلست بعيدًا عنه، ليقول لها: _أنا شوفت فيفي... ودفنتها، عيّطت أوي عليها، متعرفيش مين اللي عمل فيها كده؟ _مش أنا... هي اللي اتحكمت في إيدي وقطعت راسها. ظل مصطفى صامتًا ثم قال: _طب هي ليه عملت كده؟ _معرفش... كانت متعصبة أوي من دكتور عمر. _طب هتفضلي خايفة مني لحد إمتى؟ _لحد ما أموت. _يا حبيبتي، والله أنا مش وحش... اللي شوفتيه ده طبيعي. سكت مصطفى فجأة وهو يضع كفه على جبهته لا يستوعب كيف يتحدث عن شيء كهذا مع طفلته. وهنا أتت ريهام له ليسألها: نجلاء فين؟ _نجلاء نايمة... وبصراحة منامتش إلا بمهدئ... في راجل بتشوفه حواليها دايمًا ولما تعبت مكانتش عارفة تروح فين وجالها حاجة زي انهيار عصبي، مسكتتش إلا بعد ما منار نزلت وجابت الصيدلي وحقنها بمهدئ. صمت مصطفى وهو يفكر في محاولة التخفيف عن حبيبتيه، ثم نظر لمريم وقال: _مريم حبيبتي، تيجي ننزل النهاردة نتفسح أنا وإنتِ وماما بالعربية الجديدة؟ لانت نظراتها، وكأي طفلة، شيء كهذا أدخل السرور والحماس قلبها، فأومأت برأسها. فقال مصطفى لريهام: _ماما، سيبيني لوحدي معاها لو سمحتي. ذهبت وتركتهم سويًا، فقام وجلس بجانبها مع مسافة بينهما، ثم قال: _ينفع نتكلم سوا؟ ماشي. _ينفع تقوليلي خايفة مني ليه؟ صمتت مريم في خوف ولم تجب، ليردف بقوله: _حبيبتي... أنتِ متعودة تقوليلي كل حاجة، مش إحنا بنقعد ندردش ساعات ونحكي؟ احكيلي، متخافيش. _خايفة عشان شوفتك بتعذب ماما. _وليه شوفتي إن دا عذاب لها؟ _عشان هي خليتني أشوف الأربعة اللي عذبوها... وكنت مكانها، والموضوع كان وحش أوي. اعتدل مصطفى في جلسته وتحولت ملامحه للحيرة والصدمة الطفيفة وهو يقول: _لا، مش فاهم... ممكن تحكيلي بالتفصيل؟ سردت مريم له ما سردته لنجلاء وعمر، ورغم نظرة مصطفى المتجمدة، إلا أنه كان يستشيط. دماؤه تغلي من شدة الصدمة التي هبطت عليه كالحمم البركانية والقهر الذي يعصر قلبه. _إنتِ حسيتي بكل دا ولا شوفتيه بس؟ _حسيت بيه... بس بعد ما رجعت للمكان بتاع دكتور عمر حسيت إنه كان حلم. أمسك مصطفى رأسه وهو يحدق في الأرض بجحوظ. شعر بدوار قوي من هول ما سردته مريم له، بدا وكأن رأسه سينفجر من شدة الصدمة والقهر والاحتدام، واحمر وجهه وبرز عرق جبينه من غضبه، ولكن كظم كل هذا واجتمع في لعباه الذي ابتلعه بصعوبة. نظر لابنته البريئة، إنها لا تستحق أن ترى كل تلك الأهوال، وقال لها: _مريم، عشان خاطر ربنا،قوليلي مين دي، أرجوكي قولي، أرجوكي. _والله يا بابا، بسمعها بتكلمني مبتقوليش هي مين، بس سمعتها وهي بتكلم دكتور عمر، وأنا بشوف الرجالة دول بيعذبوني، سمعت بتقول إن اسمها نور. تحولت ملامحه مجددًا، من صدمة قهر إلى صدمة سخط، وأتى في باله أن نور الديب هو السبب في كل ذلك، لذلك فكل ما شعر به انصب على نور الديب، ووعد نفسه أن هذه الليلة لن تمر إلا بمقتله. قاطعت أفكاره مريم وهي تسأله: _أنت كده كنت بتعذب ماما صح؟ نظر مصطفى لمريم ثم قال بنبرة لينة: _حبيبتي... اللي شوفتيه ده تعذيب فعلًا، وده كان مجرد حلم أو وهم، مش شرط يكون كله حقيقي، إنما أنا وماما... إحنا متجوزين... وعادي تحصل حاجة زي كده بين المتجوزين، بس لو فيه عذاب بين المتجوزين ينفع وقتها يتطلقوا عادي. _يعني ماما لو كانت بتتعذب كانت اتطلقت منك من زمان؟ _أيوة يا حبيبتي، أيوة طبعًا. ابتسمت مريم ابتسامة راحة بريئة جميلة، وهي مطمئنة، ابتسامة جعلت مصطفى في قمة حسرته. فاقترب منها وقبلها واحتضنها بشدة وهو يقول: _أنا هعمل أي حاجة عشانك يا مريم... أقسم بالله أنا مستعد أموت عشانك وعشان متشوفيش الكوابيس دي تاني. _هنتفسح النهاردة ولا لأ؟ _هنتفسح يا حبيبتي، هوديكي أي مكان إنتِ عايزاه. ********* قرر مصطفى ألا يبث محاضرة اليوم، نظرًا للخطة التي يريد تنفيذها. وانتهى من فسحته مع نجلاء ومريم، التي استمتعوا بها بالفعل. فقط من رؤية مريم تضحك بانشراح وابتهاج من أعماق قلبها، أنساهم همومهما وغمهما. عاد مصطفى إلى منزل نوح، وحين توقف عنده، أخرج ورقة لنجلاء وهو يقول لها: _ياريت يا نجلاء تباتي مع هاجر النهاردة أنتِ ومريم، تبعدوا عن البيت شوية عشان ترتاحوا، وابقي اديلها الورقة دي تشوف اللي فيها. قالت نجلاء مستفسرة: _ليه يا حبيبي؟ عايز تقعد لوحدك؟ قال مصطفى: _لا، أنا مش راجع البيت. _أومال؟ _هروح مشوار كده، هبقى أقولك عليه بعد ما أرجع منه. _خلاص، هنروح البيت أنا ومريم يا حبيبي. _لا، متروحيش البيت. أنا عايزك أنتِ ومريم تباتي عند هاجر. صمتت نجلاء في حيرة واستغراب، ثم قالت: _طب خليها يوم تاني... وبات معانا هنا عادي. _نجلاء... أنا خلاص قررت. _قلبي مش مرتاح يا مصطفى... أرجوك، خليك معانا الليلة دي. ابتسم مصطفى وأمسك بيدها وقبلها قبلة عميقة وهو يقول: _أنا لما بقرر حاجة بعملها. صمتت نجلاء في حزن وقلق شديد، ثم سلمت عليه هي ومريم وخرجا من السيارة لينطلق مصطفى لمقصده. صعدتا لمنزل هاجر، وأدخلتهما هاجر وهي ترحب بهما بحفاوة، وسعدت للغاية فور أن علمت أنهما سيمكثان معها. بعدها أعطته تلك الورقة التي أعطاها لها مصطفى. وعلمت فور أن فتحت ريد مونكي، أنها كانت حلقة تعذيب لمن عذبوا مصطفى في المعتقلات، وهذه هي هدية أدهم لمصطفى. ********** الساعة الآن الثالثة فجرًا، ووصل مصطفى إلى منزل من منازل نور الديب بعدما ذهب لثلاثة منازل أخرى ولم يكن فيها. ~أتمنى تستخدم قوتك. _مش هستخدمها. نزل من سيارته ودخل ساحة المنزل، ووجد الناس نائمين في الخيام كالعادة. مر بينهم واتجه للباب وطرقه، وبعد مدة، فتح الباب فتحة قصيرة، وقال أحدهم من الداخل: _مولانا في وقت راحة، تعالى في وقت تاني. _موجود جوا؟ _أيوة، تقدر تستني بعد الفجر وتحجز براحتك. _ لا، عايز أشوفه دلوقتي. _مينفعش.. واتفضل امشي عشان متقلقش منام مولانا وينزل غضبه ولعنته علينا. أغلق الرجل الباب في وجه مصطفى، ليقف برهة ثم يستنشق نفسًا عميقًا وهو يبتعد عن الباب خطوتين للخلف. كان الباب خشبيًا قويًا وضخمًا، لذلك استجمع مصطفى قواه وبكل عنف وقوة ركل الباب بقدمه لتسقط درفة واحدة من درفتي الباب، والدرفة الأخرى تفتح بقوة وكادت أن تسقط هي الأخرى. كان الصوت أشبه بالانفجار، فاستيقظ كل من في الخيام وفزع الرجل الذي في المنزل. دخل مصطفى بخطوات ثابتة مستشيطة، لمح المطبخ أثناء سيره فقرر أن يعود كما كان في الماضي. دخل إليه وأمسك بأكبر ساطور كان فيه وصعد للدور الثاني ليبحث عن نور في كل غرفة. حاول أن يفتح أول غرفة أتت في طريقه، ولكنها لم تفتح. فركل بابها هي الأخرى وسقط الباب أرضًا ليبصر مشهدًا غريبًا حقًا. وجد أمامه فتيات شابات عاريات تمامًا، أجسادهن مليئة بالكتابات الغريبة. أشاح ببصره مسرعًا وهي تقول إحدى الفتيات: _أرجوك، خرجنا.. أرجوك، خرجنا. تمالك نفسه وعاد ينظر إليهن، ووجدهن مكبلات، فهرع إليهن وفك قيودهن. كان ما يقارب الاثني عشر فتاة، كلما فك قيد فتاة، تنهض هاربة كما لو كانت تهرب من جهنم إلى الجنة. وهم يخرجن، قال لهن: _شوفوا أي حاجة تستروا بها نفسكوا. وجد ثلاث فتيات تقريبًا لم يخرجن، فقال لهن: _اخرجوا يلا، مستنيين إيه؟ قالت إحدى الفتيات: _مينفعش، لو خرجت أختي مش هتعرف تخلف... أنا وجودي هنا مهم عشان حياتها تتحسن وعلاجها يجيب مفعول. احتدم مصطفى وصاح في وجهها: _مفيش حاجة اسمها كده! أنتِ بتذلي نفسك ومعرية نفسك عشان أختك تخلف؟؟ هو دا العلاج بتاعها؟ اتقِ الله أنتِ وهي واخرجي استري نفسك وارجعي لأهلك وتوبوا لله، حرام عليكم. خرج مصطفى مسرعًا وفتح غرفة أخرى، ووجدها غرفة نوم عادية، فنادى على الفتيات لكي يبحثن عن شيء يسترهن. حين دخلن هذه الغرفة، قالت له الفتاة: _في أطفال وبنات تانيين في الأوض التانية، وفي السرداب تحت...أرجوك إنزل السرداب لان اللي بينزل السرداب بيدخل ومبيرجعش، احنا جينا لنور بسبب اهلنا، هو أه مبياخدش فلوس بس بياخد بني آدمين عشان يقتلهم ويشرب دمهم ودا بيزود قوة سحره، دا غير الميليشيات بتيجي مخصوص لبيوت نور عشان يغتصبوا البنات اللي عنده وهو مبيمنعهمش، نور دا شيطان ارجوك انقذهم. نظر مصطفى لها وهو يقول: _متقلقيش. خرج مصطفى من الغرفة وظل يفتح ويركل الغرف الأخرى ويكسر أبوابها التي كان يوجد فيها بالفعل أطفال ونساء وكلهم عرايا، لم يتخيل أبدًا أن يشهد مصطفى هذه المشاهد البشعة مجددًا. أصبح المنزل في فوضى عارمة، بكاء أطفال وصراخ النساء وهم يحاولون أن يستروا أنفسهن ويحاولن الهروب. أما نور، فهو في غرفته المليئة بالألوان والألعاب والدمى، نائم بعمق محتضنًا دميته الضخمة. حين سمع هذه الفوضى، فتح عينيه وقام بصعوبة وهو يفركها محاولًا أن يستفيق. فجأة، فتح الباب بعنف بضربة قوية ليجد أمامه مصطفى واقفًا بشموخ بساطور في يده. ظل نور يحدق فيه ببرود شديد، ومصطفى يحدق في عينيه بأعين منفعلة حانقة. أغلق مصطفى باب الغرفة واقترب من نور، وهو يقول: _عمري ما كنت أتوقع أني أقع في مقلب من مقالبك... _أنت حررت الأضاحي؟ _أضاحي؟ _آه.. النسوان والعيال اللي كنت حابسهم. اقترب مصطفى ووضع الساطور على رقبة نور، وهو يقول: _ممكن أتفهم تركيزك على نجلاء، وعارف إنك بعت واحد من أوساخك عشان يجننها، بس عمري ما توقعت إنك تقرب من بنتي وتخليها تتجنن لمدة سنتين بحالهم. _بنتك؟ أنا معرفش بتتكلم عن إيه الحقيقة... أنا بس بعت الراجل الطيب لنجلاء لأنك تدخلت في شغلي. مش قولتلك متدخلش في اللي بعمله وأنا هبقى بعيد عنها؟ وأنت أهو اتدخلت المرة اللي فاتت، استحمل بقى. لم يتحمل مصطفى استفزازه ولكمه بمقبض الساطور بقوة وهو يصرخ محتدمًا: _انت خليت بنتي يعملوا فيها كددة يا وسخ يا كافر، اوهمتها بالقرف والوساخة دي ومفكرني هسكت!!!. ضحك نور وضعًا يده على مكان الضربة وهو يقول: _ياعم انت بتتكلم عن ايه؟ لوح مصطفى بالساطور إلى رقبه نور لكي يذبحه ويفصل رأسه عن جسده كليًا ولكن فجأة تحول الساطور في يده لرمال تتساقط من يده، وهنا ركله نور في وجهه ركله قوية جعلته يطير ويرتطم بالحائط. نهض نور مبتسمًا ابتسامة عريضة، متحمسًا لقتال مصطفى كما لو كان ينتظر هذه المعركة منذ سنين. ودار بينهما قتال حاد ظهر فيه قوة جسديهما الخارقة ومهارتهما القتالية، وأُجبر مصطفى على استخدام قوته. نفث نور النار، فأخرج مصطفى الماء من يديه ليطفئ هذه النيران، وعندما ألقى عليه الأثاث طائرًا، أحرقهم مصطفى رمادًا. لم تكن معركتهم استعراضًا لقدراتهم الخارقة، بل فضل نور القتال الحر وألا يستخدم أيًّا من قواه. لكمات وركلات مصطفى يصدها ويردها، كانت معركة عنيفة بينهم، تمنى مصطفى لو كان ساطوره بحوزته لينهي الأمر بسرعة. فجأة، توقف نور حين سمع صوت باب القبو يفتح، ليتصاعد احتدامه. ركض بأقصى سرعته متجاهلًا مصطفى، خرج من غرفته ليجد تجمعًا كبيرًا وحشودًا من الأهالي الذين كانوا بالخارج في الخيام، والفتيات والأطفال الذين كانوا محبوسين، ويوجد مجموعة تحاول فتح باب القبو. ازداد حنق نور، وفجأة طار الأهالي خارج المنزل. أخرج نور بقدرته من الأرض شيئًا أشبه بالحائط السد على باب المنزل ليحبس الفتيات والأطفال، أو ما يسميهم الأضاحي، من الداخل. نظروا إليه بهلع، وقال لهم: _اللي عملتوه دا مش شيء هيّن... وانتوا تستحقوا تتلعنوا. انقض مصطفى عليه لينهي أمره، ولكن طار مصطفى والصقه نور بالجدار وهو يقول: _مش وقتك دلوقتي. فجأة وجد مصطفى الفتيات والأطفال يدخلون للقبو على عكس ما كانوا يريدونه، فظل يصيح محاولًا أن يحرك جسده الذي شُلّ تمامًا: _رايحين فين؟ ارجعوا! رايحين فين؟ شعر مصطفى أنهم منومون مغناطيسيًا لا إرادة لهم، خصوصًا بعدما رأى أنهم ينزعون ما يسترهم ويعرّون أنفسهم مجددًا، فبدأ يقرأ آيات من القرآن، لينفجر نور ضاحكًا وهو يقهقه: _يا عم، القرآن مش هينقذهم، صدقني. حاول مصطفى استخدام قوته في إنقاذهم، ولكنه مبتدئ لا يجيد استخدامها بعد، ليظهر نتائج عكسية في الطقس. برقت السماء، اشتدت الرياح، وتراكمت الغيوم فوق بعضها معلنة عن قدوم أمطار غزيرة، لم تكن تلك رغبة مصطفى، ولكنه سوء استخدام لما لديه من هبة. فور دخولهم جميعًا القبو، سقط مصطفى أرضًا، وأخذ حريته في الحركة ليركض بسرعة نحو الباب. حاول فتحه فلم يفتح، فبدأ يركله ويضربه بكل ما أوتي من قوة، ولكن دون جدوى. رغم قوته الجبارة، إلا أنه لا يستطيع أن يكسر هذا الباب الهزيل. بدأ يسمع صراخ الفتيات والأطفال يجلجل في سكون الليل، جعل الأرض والجدران تتقفقف من شدة عظمتها، كما لو كانوا قد دخلوا جهنم يعذبون فيها. كلما زاد الصراخ والصياح والعويل، كلما حاول مصطفى فتح الباب وكسره بكل الطرق الممكنة دون كلل أو ملل أو استسلام، بينما كان نور جالسًا ببرود يشاهده. _متتعبش نفسك يا مصطفى، هما خلاص بيتقطعوا جوا الوقتي عقابًا ليهم، وانت السبب... لو مكنتش طلعتهم مكانش دا حصل لهم. نظر مصطفى إليه بملامح مكفهرة وعينيه مستشيطة، ليردف نور ببروده: _انت اتسرعت يا مصطفى، وأنا حذرتك كتير تقرب مني. انت واثق في ربك أوي يعني إنه هيخليك تفوز؟ اهو أديك جيت مشوارك كله عشان تقتل أكتر من ستين نفر ومنهم أطفال. دا ذنبك انت مش ذنبي أنا. فجأة سكت الصراخ وسكنت الأصوات تمامًا. حاول مصطفى فتح الباب بسرعة وفتح بالفعل، أول ما قد أتى لأنظاره هي يد طفل مقطوعة ممسكة بالمقبض من الداخل والدماء تملؤ الدرج، وكأنه صعد وامسك بالباب لكي يهرب ولكن أكله الوحش وترك يده معلقه. دخل مصطفى بخطوات بطيئة بقلبٍ منكمش من الهلع والصدمة، ينزل للدرج وفي كل درجة يرى قطع لحم، أعضاء، وأشلاء، إلى أن وصل لغرفة القبو نفسها، كانت الدماء تطغو الارض والجدران وتقطر من السقف. والأعضاء والأشلاء أكوام كالرمال المتراكمة، ظل يذكر الله ويدعي لهم بصوت مرتجف، يبحث بعينيه بيأس متأملًا في رؤية احد ما زال حيًا ولكن لا يوجد، بعدها عاد للأعلى بسرعة وهو مُصرّ ان يقتل نور اليوم. هرع للأعلي ولم يجد نور فظل ينادي عليه وصعد لغرفته ليجد نور جالس على سريره يبكي ويصيح وهو يحتضن دميته. توقف مصطفى وهو يحدق فيه بإستغراب وشجب قوي، وهو لا يفهم ما خطبه، ليقول نور باكيًا: _أنا تعبت من كل دا، والله أنا عايز ماما والله، نفسي أشوف ماما بس، مش عايز أعمل كدة في الناس، أنا عايز ماما، أنا عايز ماما!!! نظر نور لمصطفى وقال وهو يبكي بحرقه شديدة: _عشان خاطر ربنا يا عمو اقتلني دلوقتي، اقتلني دلوقتي والله مش همنعك، وهو دلوقتي مش هيقدر يمنعك. اكفهر مصطفى وقال وهو يحملق فيه: _انت بتلعب بيا....انت مش طبيعي. _أبوس إيدك اقتلني، ف..ف...في مسدس في الدرج اللي هناك دا اقتلني بيه بسرعة قبل ما يرجع. نظر مصطفى للدرج وفتحه ليجد مسدس بالفعل، أمسكه ليقف نور باسطًا ذراعيه مُطلقًا صدره لمصطفى: _يلا بسرعة يا عمو أرجوك. وجه المسدس على نور وبدون أي تردد أطلق الرصاص على جسده بالكامل وسقط نور غارقًا في دمائه، ولكن سقوطه لم يوقف مصطفي عن إطلاق النار، فقد أستمر في إطلاق الرصاص وكل رصاصة تخرج معها حرارة احتدامه وغضبه الذي لطالما كظمهم، كل رصاصة تحمل إنتقام لدينه ولعائلته ولنفسه، ظل مصطفى يطلق النار إلى أن انتهى الرصاص. ونور جثة هامدة على الارض... اقترب مصطفى من جثته وهو يرمقها في شك وهو يتسائل: أمات حقا؟ فجأة وجد أمامه رجال يعرفهم جيدا، إنهم ظباط من الامن الوطني، يبدو ان أحدهم قام بالابلاغ عنه _محدش يلمسني، أنا جاي معاكوا. تقدم مصطفى بكل هدوء وذلك الحائط الذي كان على باب المنزل قد اختفى، خرج مصطفى وحوله الظباط والعساكر وفور خروجه كانوا الأهالي يسبونه بكل السباب القذرة، وأدخلوه السيارة وإنطلقوا. وتم القبض على مصطفى رسميًا. ******** بينما كانت فريدة نائمة، أيقظها أحدهم وهو يهز جسدها بعنف، لتنتفض مفزعة من منامها وهي تقول: _في إيه؟! قال لها أحد الشباب المصريين: _تعالي يلا، اختاروكي في عملية تهريب من دولة لدولة. _دلوقتي؟ _أه، يلا بسرعة، وهشرحلك الدنيا وإحنا في الطريق. قامت بصعوبة وهي تحاول أن تستفيق، بعدها سار معها وهو يشرح لها كيف ستكون العملية: _العملية دي بتتعمل كذا مرة في الشهر لأنها سهلة. بيبقى واحد طالب كمية قليلة من الكوكايين فبنهربها له عن طريق إنك تبلعيهم في أكياس. وأول ما نوصل المطار ونعدي من عند التفتيش، تدخلي أوضة هناك وترجعي كل اللي بلعتيه قبل ما معدتك تهضمه. أنا هبقى معاكي، متقلقيش. بس عايز أحذرك إنهم هيحطوا في رجلينا طوق، لو مشيتي بيه وبعدتي كيلو عن طريقنا اللي مرسولنا، الطوق هينفجر ورجلك هتضيع. فهمتي الدنيا هتمشي إزاي؟ _فهمت. بينما كانا يسيران، ظلت فريدة تنظر إليه حتى قالت له: _ممكن نعرف أسامي بعض بما إننا هنعمل العملية دي سوا؟ _اسمي إبراهيم، وانتِ؟ --------------------- *•عطلة الاسبوع القادم•*
ROMISAA