٨٠ قرابة منتصف الليل، بدراجتهما النارية، كان كل من مصطفى وأحمد يسيران بأقصى سرعة في الخندق الموصل إلى سوهاج. تلك الخنادق ينتهي مخرجها عند مكان سري غير معلوم. في العادة، يكون منزلًا اتفق مصطفى مع أصدقائه من قبل، أو حافلة مهجورة بداخلها باب صغير تم صنعه ليكون بابًا للخندق، وما إلى ذلك. يقود أحمد الدراجة حاملًا على منكبه قناصته الخاصة عالية التقنية، طولها متران وعيار رصاصتها ١٦ ملم، ويصل مداها إلى ثلاثة كيلو مترات. لذلك، حين وصلا كلاهما إلى مفترق طريقين في الخندق، أمر مصطفى أحمد بقوله: _انت هتخش شمال، نهايته هتوصلك لأوضة بواب في عمارة عالية، بعيدة عن مقر الميليشيات باتنين كيلو ونص تقريبًا. هتقف في السطح هناك وتراقب الدنيا تمام؟ _تمام. _استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. انطلق أحمد بدراجته في يمين الخندق، ومصطفى اتجه بدراجته يساره. وبعد ساعة من القيادة، وصل إلى مخرجه. توقف بالدراجة وهبط منها، وحمل أسلحته على منكبه وصعد على السلم، ثم طرق باب السقف منتظرًا أن يفتحه صاحب المنزل. وبعد برهة، فتحه رجل في منتصف العمر، وساعد مصطفى بالصعود. صعد مصطفى عند منزل هذا الرجل، وكان الرجل يشعر أن رئتيه تصفق وترفرف كأجنحة الطير الهائجة من شدة ابتهاجه وسروره بوجود القائد أمام عينيه. ألقى مصطفى عليه السلام، ثم قال: _قولت لجيرانك عن الموضوع؟ _ا.. آه يا بيه، قولتلهم. والله الفرحة مسيعانيش، أنا عايز أبوسك بجد وأبوس راسك وإيدك. ضحك مصطفى وقال وهو يربت على ظهر الرجل: _متقولش كده يا راجل بس. قولي بقى في الحي بتاع جارك فيه جنود ميليشيات؟ _آيوة يا بيه، في جندي بيتمشى في نص الليل كده، بيفضل يراقب المكان. سكت مصطفى برهة، ثم أخرج اللاسلكي. _أحمد، وصلت؟ _لسة فاضلي نص ساعة. _طب استعجل شوية. استأذن مصطفى الرجل بأن يجلس، فسمح له الرجل بكل سرور. جلس مصطفى أرضًا، وأخرج خارطة الخنادق التي سيحفرها بقوته. المربع الذي هو عليه قد انتهى من حفر الخنادق فيه بالفعل، ولم يتبقَّ سوى ما يقارب التسع مربعات. يجب أن يذهب مصطفى إلى كل منها دون مواجهة مع جنود الميليشيات المتجولين. والخطة التي حددها مصطفى هي أن يتعاون مع أهل منزل واحد صاحب مكان استراتيجي في المربع. يخرج أحد من أهل المنزل لينادي على جندي الميليشيات لإلهائه، وفور أن يقف الجندي على مدخل المنزل، رصاصة من قناصة أحمد تخترق رأسه، ثم يخبئ أهل المنزل جثة الجندي بسرعة وسرية تامة. تلك الخطة التي اعتمدها مصطفى. كل ما ينتظره هو وصول أحمد. جلس مصطفى تلك النصف ساعة وهو يرسم الخريطة والسيوم في عقله، يوجهه وينصحه بالاتجاهات التي قد تكون عسيرة على قوته في إنشائها. هنا جاء إرسال اللاسلكي بقول أحمد: _أنا وصلت يا عمي. وصف له مصطفى عن الحي والمنزل الذي هو فيه بالضبط. وحين أكد أحمد أنه رآه، أشار مصطفى للرجل بأن يبدأ مهمته. اتجه الرجل لباب المنزل وفتحه ليجد الجندي الهندي يتجول على بعد أمتار. فبدأ الرجل ينادي عليه: _هاااي برازررر بلييز... كَم كَم... بليز برازر كَم. التفت الجندي له واتجه إليه ووقف أمام المدخل وهو يتساءل عن المشكلة، وفي تلك اللحظة أطلق أحمد رصاصة من على بعد اثنان كيلومتر ونصف، واخترقت رأس الجندي ببراعة. وقبل أن يسقط، أمسكه الرجل وأدخله بسرعة إلى منزله، ووجد مصطفى يفتح باب الخندق وهو يقول له: _ارميه هنا، ارميه. ألقاه الرجل في حفرة الخندق، ثم قال مصطفى بابتسامة عريضة مشجعة: _الله يجعله في ميزان حسناتك ويكتبك من المجاهدين، آمين يا رب. بعدها سلم عليه وخرج مصطفى تاركًا الرجل مبتسمًا ابتسامة عريضة تظهر عظمة حبوره وسعادته الشديدة بتلك الدعوة العظيمة. سار مصطفى بخطوات رغم سرعتها إلا أنها كانت رقيقة هادئة كخطوات النمل، ظل يسير حتى وصل إلى المربع الثاني واتجه إلى المنزل المتفق عليه. تجنب مصطفى تجولات الجندي وأتى من الباب من شرفته وطرقه، وبعدها فتحها صاحب المنزل، وقفز مصطفى إلى داخل المنزل. بعدما سلم على الرجل قال له بكل سرور: _أنا شيلت البلاط، أهو يا بيه زي ما قولتلي. _تمام، أشكرك جدًا. عايزك تسمحلي تسيبني لوحدي. خرج الرجل من الغرفة، وهنا جلس مصطفى أرضًا ودس يده داخل تراب الأرض وأغمض عينيه وهو يتخيل ويرسم طرق الخنادق. كان الأمر شاقًا ومهلكًا بجسامة، فتكوين خنادق كبيرة دقيقة لمربع واحد بمفرده كان بحجم إجهاد حفرها بأدوات الحفر البدائية. كانت تندفع هزة أرضية طفيفة بالكاد ملحوظة نتيجة إنشاء الخنادق بتلك السرعة، ولكن تلك الهزة الأرضية لا تقارن بارتجاف جسده العنيف إثر استخدام تلك القدرة بذلك المجهود الجسيم. جسده يرتجف، خيط من الدم يسيل من أنفه بسبب الضغط الشديد، صفير عالٍ في أذنه موجع، أشبه بالأشواك تطعن في طبلة أذنه، وعقله ينبض بقوة وألم. شعر لوهلة أنه ستنشق جمجمته من شدة الضربات المؤلمة. وبعد عشرين دقيقة من هذا العذاب ولسانه لا يتوقف عن الذكر والدعاء، انتهت الخنادق تحت هذا المربع. فسحب مصطفى يده وهو يشهق بقوة كما لو أن ضلوعه تحولت إلى قضبان تكبس على رئتيه وتخنقه. فور أن انتهى من استخدام قدرته، عادت تلك القضبان لتحرر رئتيه وأصبح لديه القدرة على استنشاق الهواء بنقاء مجددًا. ظل يلهث ويذكر الله باستمرار، فذكر الله كان مفتاح طاقته التي يشحن بها روحه وليست قدرته فحسب. قام مصطفى واتجه إلى باب الغرفة وتركه ليفتح الرجل ليقول مصطفى: _ يلا انده على العسكري. بعدها حدّث مصطفى أحمد على اللاسلكي لكي يتجهز، وكالمرة السابقة نادى الرجل على الجندي. وفور أن وصل الجندي إلى المدخل، أطلق أحمد رصاصة وسحب الرجل جثة الجندي وألقاها في حفرة الخندق الذي حفرها مصطفى للتو، ثم دعا مصطفى له الدعوة ذاتها، بعدها انتقل مسرعًا إلى الحي التالي. وصل مصطفى إلى الحي، واقترب من منزله ليستوقفه سماع صوت الرجل وهو يتشاجر مع زوجته: _أنت عايز تساعد الإرهابي ده يا محمد؟! مشوفتش مولانا قال عنه إيه؟! _يا ولية فكري شوية بقى، الراجل ده هينقذنا من الاحتلال الأسود اللي إحنا فيه ده!! يعني أنتِ راضية باللي بيحصل؟! دول اغتصبوا بنت أختك!! _مهو الميلشيات سواد ومصطفى وجيشه الإرهابي سواد أكتر، إحنا منسيبش حد يدافع عننا، إحنا ندافع عن نفسنا. _اقسم بالله أنتِ مجنونة، سيبيني افتح للراجل الباب. _لا يا محمد، مش هدخل الراجل ده بيتي. تنهد مصطفى محاولًا بث الصبر في قلبه، بعدها قرر أن يرى خطة أخرى. يستطيع أن يهجم على الجندي، ولكن سيحدث تبادل إطلاق نار أو سيكبس على زر الطوارئ في سترته أو ما شابه. لذلك كان يريد أن يكون الأمر سريًا وخفيًا. بالنسبة للقناص، فالإطلاق على جسد متحرك هو أمر في غاية التعقيد، حيث لن يستطيع القناص التنبؤ باتجاهات السائر أو سرعة خطواته، ولكن ليس بالنسبة لأحمد؛ فهو يستطيع أن يطلع على السائر بكل سهولة ومهارة. ولكن ماذا بعد؟ أين سيضع مصطفى جثة الجندي؟ كيف له أن يحفر الخندق في العلن بدون تمويه حوله؟ لا فائدة، يجب أن يدخل المنزل رغم أنف صاحبته. طرق مصطفى باب النافذة، وقد سمع صوت صياح المرأة في أن تمنع زوجها من فتح النافذة، ولكن بعد عراك طويل، فتح الرجل النافذة. دخلها مصطفى وألقى السلام على الرجل، بعدها قال له بنبرة خافتة لكن بجدية: _ابقى اشكم مراتك شوية، تمام؟ عشان ده مش وقته. شعر الرجل بإحراج شديد وقال مطاطئ الرأس: _اعذرني يا بيه، والله. على العموم، أنا شايل البلاط جاهز، أهو، وأنا مش هخليها تعمل أي حاجة. جلس مصطفى أرضًا وقبل أن تلمس أنامله التراب... _هييير، هييير مصطفى هييير كَم، كَم اند كيل هيم ياااس. سمعا المرأة تنادي جندي العدو لقتل مصطفى، لينهض مصطفى بسرعة ويلطم الرجل على وجهه وهو يسب امرأته. أخرج مصطفى مسدسًا ووضع فيه كاتم الصوت، الذي لا يكتم بشكل كامل ولكن يجعل الصوت غير مفزع. بينما أحمد كان يراقب الأمر، لمح أن الجندي يقترب من المنزل ويمسك باللاسلكي لكي يتحدث فيه، وفي تلك اللحظة استشعر بوجود شيء غير عادي فقام بعمله وأطلق على رأس الجندي بينما كان يسير، وقبل أن ينطق في اللاسلكي. شهقت المرأة فور أن رأت رأس الجندي يتفجر ويسقط أرضًا، لتجد مصطفى يخرج من جانبها بسرعة ويحمل الجندي ويدخله المنزل. بعدها نظر للمرأة وهو يقول محاولًا كبح سخطه: _أنتِ محظوظة أن الدولة لا تمشي بالشريعة الإسلامية، عشان وقتها هيكون حلال فيكِ القتل. قالت المرأة وهي تصيح: _شوفت؟! شوفت يا محمد؟! مولانا طلع صح، شوفت بيهددني إزاي؟! برضو مش مقتنع إنه إرهابي؟ قال الرجل وهو متورط يرغب في أن يفرم امرأته وأن يفتك بها: _اسكتي خالص، استني بس أول ما يطلع، وأقسم بالله لأطل... أوقفه مصطفى وهو يصيح بصرامة باسمه: _محمد!!!! توقف الرجل والتفت لمصطفى، وفهم من نظرات مصطفى أنه يمنع من تطليقها. بعدها دخل مصطفى الغرفة وألقى جثة الجندي أرضًا، بعدها دس يده في التراب وبدأ عمله. وبعد عشرين دقيقة، ألقى جثة الجندي في الخندق، وبعدها خرج من الغرفة. نظر لمحمد وهو يدعو له مبتسمًا بإرهاق: _الله يجعله في ميزان حسناتك ويكتبك من المجاهدين، آمين يا رب. بعدها نظر مصطفى للمرأة وهو يقول: _ربنا يهديكِ لطريق الحق. بعدها خرج من المنزل متجهًا للحي الآخر. شعر مصطفى أن طاقته بدأت بالنفاذ فقرر أن يكون ذلك آخر حي لهذا اليوم. كان يصاحب هذا الحي ميدان كبير يستخدمونه مجموعة من الميلشيات كمقر استرخاء لهم أو ما شابه. قرر أن يكون مصطفى أكثر حذرًا في هذا الحي، فكان يكثر فيه جنود الميلشيات. أثناء تنقله بين الأزقة في الخفاء، استطاع أن يقترب إلى الميدان أكثر. بينما هو يطل من الزقاق ويتمعن في عدد الجنود في الميدان، رأى ما لم يتوقعه مطلقًا. شخص بصره واتسعت عيناه حين وجدها، كانوا جالسين يضحكون ويسكرون، بينما هي جالسة بينهم بالإكراه، فمها مربوط مكتوم بالضمادات، كذلك أطراف جسدها مكبلين. أثناء جلوسهم، كانوا يتحرشون بها ويصفعونها ويجذبون شعرها بين كل حين وآخر. كانا يستمتعان بوقتهما ويتحدثان، وليزيدا من مرحهما، يقومون بإهانتها بتلك الطريقة القذرة. كان مصطفى وجهه مكفهرًا ويشعر بشجب وسخط عظيم وهو ينطق اسمها: _ سعدية...! *********** قبل هذا ببضع ساعات دخل عمر منزله دافعًا الباب برفق لعل شيماء نائمة، حاملاً معه أثقال ذلك اليوم الطويل من التعب والإرهاق، متثاقل الخطى يتكئ على قدميه متألمًا من كثرة ركضه العنيف السريع في هذا اليوم، فهو في الثلاثينات من عمره على أي حال لم يعد جسده يطيق مثل هذا المجهود. كان الصمت يحوم المكان، لكن رائحة كعكة البرتقال الدافئة التي تخللت الهواء باغتته، تمسح عن روحه التعب. استنشق الرائحة بعمق، فتسللت إليه دفعة من الدفء المريحة للصدور. نظر بجانبه حيث الصالة، فرأى شيماء جالسة تشاهد المقاطع على هاتفها، يكسو وجهها شحوب الإرهاق، لكن ابتسامتها وترحيبها به كانت كفيلة بإطفاء كل تعب الدنيا. كان التعب جليًا على ملامحها، لكنه لم يكن أقوى من دفء عنايتها. بين يديها راحة تستحق أن يُختتم بها اليوم، وعلى المنضدة أمامها كعكة برتقالية اللون، يلمع سطحها تحت الضوء الخافت كأنها كنز صغير خُبز بحبٍّ خالص. ابتسم عمر بإمتنان وحنين بالغ وهو ينظر إليها نظرة قلق واهتمام، ثم جلس بجانبها وهو يقول: _مكانش ينفع تتعبي نفسك. قالت شيماء في استحياء كعادتها: _لقيت نفسي فاضية، قولت أعملهالك. أنا عارفة إنك بتحبها أكتر من الشوكولاتة. عرضت ابتسامته وأمسك بكفها ومال ليقبلها قبلة عميقة، ثم عاد ونظر إليها وعيناه متعلقان بها يحدّقان في ملامحها، في تفاصيلها المتعبة الجميلة. وكأنها المنجى الوحيد من قسوة الأيام. بعدها قامت بتقطيع قطع الكعك له وأخبرته بوجود الحليب الساخن، فقام وصب لهما كوبين من الحليب لكي تتغذى شيماء وجنينها. بعدها جلس بجانبها ولمح من هاتف شيماء الذي وضعته على المنضدة دون إغلاقه، مقطع الفيديو القصير الذي كانت تشاهده بشرود منذ قليل. ظل يشاهده بتعجب طفيف كان يتزايد حدته في كل مرة يقترب المقطع إلى النهاية. حين لاحظت شيماء عمر يحدق في المقطع ويتأمله بشدة، قالت له: _إيه يا حبيبي؟ سرحت؟ استفاق عمر وابتسم وهو يعطيها الكوب قائلاً: _آه... نوعًا ما، استغربت أوي إزاي عملت كده. _أيوة، موهوبة أوي بجد. _آه... جدًا... قال عمر ذلك وابتسامته تندثر تدريجيًا من على شفتيه، ونظره ثاقب في الفراغ، كما لو أنه دخل لدوامة شلت من حركته وجعلت عقله لا يستوعب العالم من حوله. كان ثبات جسده وثبات نظرته يظهر استيعابه لشيء عظيم. ذلك المقطع جعله يشك، يخمن، يتفكر في شيء قد يكون متأكدًا منه بنسبة تسعين في المئة، وفور أن يحل الصباح سيخبر الأمر لنوح على الفور. بدأا في أكل الكعكة وشرب الحليب سويًا في أجواء لا يُقال عنها رومانسية، فعلاقتهما قد تخطت الرومانسية بمراحل عديدة. ذلك الحب بينهما كان أعظم من أن يكون كذلك، يظهر ذلك حين انتهى عمر وقرر أن يتوسد فخذي شيماء ليريح عقله وبدنه وروحه على جسدها الواهن، كصخرة تتكئ على زهرة زاهية لا تتأذى ولا ينكسر غصنها. ************ _حرام عليكم بتعملوا فيا كده ليه؟ _حرام عليكم، أنا معملتش حاجة. _أنا معملتش حاجة، والله ما عملت حاجة. سيبوني بالله عليكم. _أنا تعبت خلاص، كفاية. كفاية أبوس إيديكم، أنا تعبت. _بتعملوا فيا كده ليه؟ _بتعملوا فيا كده ليه؟ _أنا معملتش حاجة، بتعملوا فيا كده ليه؟ سؤال كرره نوح أكثر من مئات المرات في كل مرة كانوا يحرقون جلده، في كل مرة كانوا يقطعون جزءًا من جسده، في كل مرة كانوا يكسرون فيه عظامه. يكرره نوح لعل أحدهم يجيب، لعل أحدهم يجيب إجابة تحرث بذرة الصبر في قلبه لتنبت فور نجاته من هذا العذاب. ولكن لم يجيب عليه أحد، لم يسمع سوى الضحكات المستمرة، وكأن صرخاته وعويله وتألمه كان سردًا من النكات المتتالية. ما لا نعلمه أن نوح في كل ليلة كان يحلم بكل ما حدث له بكل التفاصيل الدقيقة، يعيد ويعيش السعير بذاته كل ليلة، يستمع لصوت ضحكاتهم المختلطة بصراخه التي كانت أشبه بموسيقى تصويرية لإبراز هلعه العظيم في صياحه. لم ولن يتخطى البتة. تلك الجرائم التي يفعلها، ظنًا منه أنه سيتخطى من خلالها لم تجدِ نفعًا. يشتد عليه الكابوس واقعيته حين يفكر في غادة، وحين يمر بوقت عصيب كما مر به مع لقائه بيوسف آخر منه. ليأتي المشهد الأخير الذي ينهي كابوسه. كان نوح يتمنى أن يستمر التعذيب، أن يستمر الحرق والقطع والسلخ ولا أن يصل لما سيصل إليه حاليًا. حيث يجعلونه ينام أرضًا، ثم يأتي رجل أمامه وهو ممسك بعصا خشبية طويلة. كيف للحرق والأدوات الحادة وكسر العظام أن تكون أهون عند نوح من عصا خشبية؟ وكالعادة، فور رآها استفاق نوح مذعورًا وهو يصرخ صرخة مدوية زلزلت جدران البناية. استيقظ جالسًا وهو يلهث بعسر عظيم كما لو أن رئتيه يصيبهما صاعقة كهربائية كلما يدخل الأوكسجين بداخلها. جسده غارق في عرق بارد، قلبه يخفق بهستيرية كطائر حبيس يحاول الفرار من قفص سعير هذا اليوم الذي لطالما حاول نوح الفرار منه. كل شبر في جسده يؤلمه بجسارة كما لو تم الانتهاء من تعذيبه منذ لحظات. ظل يئن وهو يمسك بجسده والدموع تنهمر من عينيه، يعاني تلك المعاناة المفجعة وحده بين ظلمات غرفته المعسعس. كلما يلمس جزءًا من جسده يئن، أصابعه المصطكة الباردة كيد جثة كان يشعر بألم إصابة ذلك المكان ذاته وكأنه يلمس جرحًا لم يلتئم بعد. لم يكن مجرد كابوس، بل ذاكرة متجددة، جرح لا يكفّ عن النزيف في عقله وفي جميع أنحاء جسده. يعيد نفسه كل ليلة بوقاحة سادية، يسلبه راحته، يجرّه من نومه كما لو كان يعود إلى مسلخه الخاص. أغمض عينيه للحظة، فارتدت صور الألم والقهر العظيم، الطاولات المعدنية، السلاسل، تلك العصا الخشبية، الظلال التي تحجب وجوههم لكن لا تخفي قسوتهم وفجورهم. أصداء صرخاته تتردد في جمجمته حتى كادت تشق عظامها، وكأنه لا يزال محبوسًا في جدران الغرفة التي لم يرها مجددًا لكنها لم تغادره أبدًا. فتح جفونه سريعًا، بمحاولة بائسة في أن يهرب من الماضي إلى الحاضر، لكن أي حاضر هذا؟ مجرد غرفة صامتة، جدران باردة تزدحم بالمعادلات الرياضية، سرير ضيق، ونفس منهك لم يعد يعرف كيف يكون سوى حطام إنسان. لا فرق بين ظلام الخارج وظلام الداخل، كلاهما يحمل ذات الوحشة، ذات البرودة، ذات العبثية التي تجعل العالم مكانًا غير صالح للنجاة. _أروح فين يا رب، أروح فين يا رب، أروح فين يا رب، يا رب ارحمني، يا رب ارحمني. في تلك اللحظة سمع نوح صوت أحدهم يأخذ أنفاسه بصعوبة، كان صوت أنفاسه مختلطًا بصوت رطب وكأن حلقه يترع بالدماء، أنفاس صعبة متتالية صادرة بجانبه. هو يعلم جيدًا أنه وحيد في المنزل، ولكن من رد فعله بدت أنها لم تكن المرة الأولى له في سماع أصوات الأنفاس تلك. التفت نوح إلى جانبه بحركة بطيئة خشية لما سيراه، ليرى ما كان يخشاه. كان هو نوح، ولكن بهيئته المعذبة، عينه اليمنى منزوعة تمامًا، أذناه الاثنان مقطوعتان وسبعة من أصابع يده مقطوعة، وكسر في عظم فخذه اليمنى، معظم أسنانه مخلوعة والكدمات والحروق والجروح البليغة في كل شبر وسنتيمتر في جسده، وكسور في عموده الفقري. كان نوح المعذب واقفًا يحدق بعينه الوحيدة، ونظرًا لكسور عموده الفقري وفخذه كان يقف بعوج شديد في قامته، مطاطئ الرأس لا يفعل شيء سوى التحديق في نوح وأخذ الأنفاس المختلطة بالدماء، وفي كل نفس عسير كان جسده يتحرك حركة خفيفة مع صدره. فور أن رآه نوح نهض بسرعة من سريره وهو يبتعد بخطوات للخلف ويقول بنبرة مرتجفة وعينيه مغرورقتين جاحظتين: _أنا عملت اللي أنت عايز... أنا قتلت كل اللي يستحقوا القتل، عذبت كل اللي يستحقوا التعذيب، عذبت اللي عذبونا نفسهم، عايز إيه تاني؟ أرجوك سيبني في حالي، سيبني أرجع لغادة، سيبني أرجع زي ما كنت، أنا راضي أعيش في هلاوس... راضي أشوف البنت الصغيرة، كل اللي عايزه إنك تبعد عني، أرجوك. كان نوح يراه كل ليلة بعد أن يحلم بذلك الكابوس، كل ليلة كان يظهر له بعدما يفتح جفونه من ذلك الكابوس كستار المسرحية فور انتهائها، وكون نوح يراه هذا العذاب يوميًا لمدة خمس شهور لا عجب في أن ينتشر الشعر الأبيض في كل أنحاء وجهه وجسده. ظل نوح المعذب واقفًا في ثبات، عينه متحجرة لا تطرف، إلا أنه بدأ في التحرك والسير بخطوات متعرجة كانت تزيد من فظاعة هيئته المرعبة. لينتفض نوح ويفتح باب الغرفة بسرعة وهو يهرب من نفسه المعذبة، بينما الأخير كان يسير بخطوات سريعة متعرجة وهو يترنح، وفي كل خطوة يصدر أنين مؤلم مرعب يقشعر له الأبدان. فتح نوح باب منزله وخرج وهو يهرع هاربًا من نوح المعذب، ويا ليتَه يهرب! لم يكن يهرب خوفًا من نفسه، بل يهرب ابتغاء أن يفر بالفعل من ذلك اليوم وتلك الذكرى الملعونة، أن يهرب من كوابيسها، أن يهرب من أوجاعها، أن يهرب من حسرته على كرامته فيها. وظل نوح يركض في الشارع وهو يسمع صراخ نوح المعذب يتردد خلفه، ليسرع من خطوات ركضه ويشتد بكائه متجهًا للمجهول. ************* خمسون جنديًا من الميلشيات لن يكونوا عائقًا أمام مصطفى، فهو قادر على أن يفتك بالآلاف منهم وحدة، خصوصًا بعدما رأى بنت أخيه في تلك الحالة من الإهانة والذل الذي لا يرضاه حتى لحيوان. سعدية، تهان وتمتهن أمامه، وأيدي الجنود تمتد لجسدها الطاهر من تحرش وصفعات ومضايقات كأنهم ضباع تمزق غزالًا جريحًا. فاض صدره بزئير مكتوم وسخط يعصف به كالبركان، وقرر أن يستخدم سلاحه المفضل لهذه المهمة. فهو لا يخاف من قذائف وذخائر، فحين يمسك مصطفى ساطورًا في يده، كل شيء سينتهي. أخرج مصطفى سلاحين حادين كبيران في الحجم، لم يكونا في حجم الساطور ولم يكونا بطول السيف، عرضهما كعرض الساطور ولكن شفرتهما مُمَوَّجة كأنها شفرة السيف. كان سلاحًا مميزًا ومفضلًا لدى مصطفى. أخرج وشاحًا ولثم وجهه، ثم تجهز قائلاً: _يارب تقبل منا، وأيدنا بنصرك، بسم الله، والله أكبر. ومن بعدها اندفع مصطفى بسرعة البرق منقضًا على تلك المجموعة كذئبٍ يثب بين القطيع. سيفاه يرقصان بين الرقاب والأطراف كما لو أنهما سيفان من اللهب، وكل التفافٍ بجسد مصطفى كانت كرقصة احترافية توضح جوهر المتعة في قتل الأعداء الكفار وحماية الأحباب. صرخاتهم تتعالى وأعينهم تتسع ذعرًا، فقد شهدوا بأم أعينهم كيف يستطيع رجل واحد أن يكون جيشًا كاملًا. قضى مصطفى عليهم جميعًا دون أن تخدشه رصاصة واحدة بعدما تأكد من أمان سعدية. ولكن في تلك اللحظة، سمع أنين سعدية طالبة النجدة، ليلتفت ويرى جنديًا متبقيًا ممسكًا بها كدرع بشري، مصوبًا المسدس في رأسها مهددًا إياه. وقف مصطفى هنا وهو يحملق في الرجال بنظرات تهكم. فلم تمر ثانيتان حتى اخترقت رصاصة قناصة أحمد رأس هذا الجندي ليسقط جثة هامدة. فور سقوطه هرعت سعدية إلى حضن مصطفى وعانقته بشدة، وبادلها العناق ذاته، ثم نظر إليها قائلاً: _أنتِ عارفاني؟ أومأت سعدية بقوة برأسها ليظهر أنها تعلم أكثر مما قد يتوقع مصطفى، ليأخذها إلى أقرب خندق ليهربوا من هذا الميدان. وهنا نرى أحمد، بينما كان نائمًا على بطنه وعينه ملتصقة بمنظار القناصة، يبتسم ابتسامة عريضة وهو ينفث الصعداء، وأخيرًا وصل إلى أخته التي بحث عنها لمدة خمسة أشهر. ************* بينما كانت علا تُجهز حقيبة سفرها إلى الوادي الجديد، وقد مر منتصف الليل بالفعل، وهي متوقعة أن يأتي إسماعيل بهالة عندها ليأخذهما إلى الوادي الجديد. سمعت جرس باب المنزل، شعرت بريبة من قدومهم في الساعة التي لم يتفقوا على القدوم فيها، تلك الريبة جعلتها تتوخى الحذر. خرجت علا بخطوات حذرة بطيئة، نزلت من الدرج، واتجهت إلى الباب، ثم نظرت من عين الباب، لتشهق شهقة عالية وتتمسك بمقبض الباب وتفتحه بسرعة دون أي تردد، لترى أمامها نوح. فتحت علا الباب بسرعة وهي تحدق في أخيها الذي غاب عنهم لشهور عديدة. لم يكن بالحال الذي تمنت أن تراه فيه، كان بملابس منزله، حافي القدمين، وجهه شاحب منهك وملامح متهجمه، شعره الرمادي مبعثر على جبينه، يقف على ساقين يصطكان ببعضهما من وهنه العظيم. وكل ما قاله نوح لها: _أروح فين؟ أروح فين يا علا؟ أروح فين عشان يسيبني؟ أروح فين عشان أهرب من كل ده؟ أمسكت علا بيده بسرعة وهي تقول: _خش يا نوح، خش يا حبيبي خش. ادخلته علا إلى إحدى غرف الضيوف، ومن إرهاقه الشديد من الركض لعدة كيلومترات سقط جاثيًا على ركبتيه وهو ينحب متشبثًا بيد علا كأنها الملاذ الوحيد له ليثبت أنه يعيش الواقع. _عذبوني يا علا، حرقوني وقطعوني، واغتصبوني، عملوا كل حاجة فيا يا علا، أنا عملت إيه عشان كل ده؟ عملت إيه عشان كل ده؟ عملت إيه يا علا؟ مش عارف، مش عارف أهرب منهم، قتلتهم كلهم ومش عارف أهرب منهم، مش عارف أهرب من نفسي، مش عارف أهرب من غادة، مش قادر أهرب منها ومش قادر أوريها وشي. لو عرفت إن جوزها حصله كده هتعمل إيه يا علا؟ أروح فين يا علا؟ أروح فين؟ كانت عينا علا شاخصتين، ومن فجاعة ما مر به أخوها، ذرفت بالدموع وهي تحدق فيه، لا تعلم بماذا تواسيه. كل ما فعلته أنها وضعت رأسه بين سحرها ونحرها واحتضنته بشدة وهي تقول: _إنت معايا يا نوح، إنت معايا يا حبيبي، ليه تسيب نفسك كده؟ ليه ما تطلبش المساعدة يا نوح؟ مهما حصل ليك إنت هتفضل بالنسبالنا أخونا الكبير وراجلنا وابونا وحبيبنا، متخافش يا حبيبي، أنا جنبك خلاص. مر ما يقارب الخمسة عشر دقيقة من بكاء نوح المستمر في حضن أخته، وحين لاحظت أن نحيبه قد هدأ وأصبح يبكي بهدوء ودموعه تهمع في صمت، نظرت إليه وهي تقول: _هجيبلك حاجة تشربها ماشي؟ استناني، ماشي؟ أومأ نوح برأسه في حركة واهنة وهو يحدق في الفراغ. بعدها نهضت وخرجت من تلك الغرفة التي لم تسنح لها الفرصة في أن تُنير ضوءها بعد. أثناء جلوس نوح على الأرض بين الظلام، لاحظ شعيرات رأسه على جبينه وهي تتراقص بانسيابية. التفت إلى نافذة الغرفة، وجدها مفتوحة على مصراعيها، شعر بشعور مريب، فخيل له لوهلة أنها لم تكن مفتوحة عند دخوله تلك الغرفة. أثناء ما كان يحدق في النافذة محاولًا التذكر إن كانت مفتوحة أم لا، سمع صوت باب الغرفة يغلق برفق، ليلتفت في حركة سريعة ويرى من تسلل للمنزل كالأشباح وأغلق الباب. بالطبع كان نور الصاوي. ولكن كان مظهره مختلف تلك المرة، لم يكن يمضغ الأنديوم، لم يكن يرتدي نظارات، لم يكن يرتدي ملابس شتوية في عز الصيف أو الربيع، لم يكن حتى يخبئ ذلك الجهاز الذي في عنقه، كان يحملق في نوح بأعين جادة عازمة على شيء ما. قطب نوح وجهه في صدمة من وجود نور فجأة بشكل غير متوقع وغير مقنع أبدًا، حتى كاد يشك أنه جزء من هلاوسه. وقف نوح وهو يردد بشكل جنوني: _إنت مين؟ إنت مين؟ قولي إنت مين؟ قولي إنت مين؟ تقدم نور إلى نوح وهو يقول بنبرة متبرمة وكأن قد طفح كيله: _أنا مين؟ إنت اللي مين يا نوح؟ إنت نوح اللي عنده خمستاشر سنة اللي شارك في مسابقات عالمية في علوم الرياضة وكانت نسبة ذكائك أعلى من علماء بالغين كتير؟ ولا إنت نوح اللي عنده عشرين سنة الشمام اللي كان بيضرب أمه ليل نهار عشان فلوس المخدرات؟ ولا إنت نوح المدرس المجنون اللي مابيعديش يوم إلا لما يلاقي نفسه في مكان شكل؟ ولا إنت نوح القاتل اللي قتل أكتر من ألف واحد عشان يرضي ضميره ويحاول يتخطى اللي حصله؟! إنت مين يا نوح؟ إنت مين فيهم؟! كلما يقترب نو. منه، كلما يبتعد نوح عنه بخطوات للوراء وهو لا ينبس ببنت شفة، فهو في الحقيقة لا يعلم من هو. أضاف نور بنبرته الصارمة: _إنت لازم تفوق يا نوح، هيقتلوا مريم وهيقتلوا إخواتك كلهم، هيقصفوا مصر، هيدبحوا المسلمين في سجن دارين ومنهم إبراهيم وفريدة كمان بعد أسبوعين، نور بدأ يحكم العالم، إنت لازم تفوق يا نوح، إنت تقدر تمنع كل ده في غمضة عين منك، غمض عين واحدة!!!! إنت لازم تفوق، أنا مش هقدر أستحمل جنونك أكتر من كده!! وهنا مد نور يده بسرعة وأمسك برأس نوح بقوة عظيمة، يظهر على نور أنه أقوى جسديًا من نوح بالفعل. وأثناء إمساكه برأس نوح، بدأ يقول: _مقدرش أنسيك ذكرياتك زي ما هو عمل فيك، بس أنا أقدر أنسيك مشاعرك في اليوم ده بالذات على الأقل، أقدر أرجعك عاقل زي ما كنت، أقدر أخليك تتخطى بسرعة، أقدر أخليك أقوى نفسيًا من الحالة الوسخة اللي إنت عليها دي!!! أقدر أخليك إنسان طبيعي!!!! يبدو أن قدرة نور كانت أكثر من كونها تحكم في الإرادة، فكل ما يتعلق بالوعي والإدراك والعقل، هو بسهولة يستطيع التحكم فيه. لذلك كانت العملية مرهقة بالنسبة لعقل مضطرب كعقل نوح. _نوح.. نوح في إيه؟ بيحصل إيه عندك... نوح افتح الباب. كانت علا تحاول فتح الباب الذي أغلقه نور بالقفل، ومع مرور بضع ثوانٍ، انتهى نور في اللحظة ذاتها التي ركلت فيها علا الباب وكسرته، فركض نور وقفز من النافذة هاربًا. ووجدت نوح جالسًا على ركبتيه على الأرض، يلهث كما لو أنه نجا من معركة عصيبة طالت لساعات. هرعت إليه بسرعة وهي تقول: _مين ده يا نوح؟ إنت كويس؟ وريني وشك إنت كويس؟ رفع نوح وجهه لها، ولا تعلم كيف، فقد كانت نظرات عينيه والطاقة التي تفيض منها حاليًا لم تكن كما هي منذ دقائق. الحسرة البالغة والقهر العظيم الذي كانا في عينيه اختفيا فجأة، ما زال المتبقي من دموع القهر على مقلتيه، لكن عينيه ذاتها... كانت عادية تمامًا وكأن شيئًا لم يحدث. _نوح...؟ إيه اللي حصل؟ حرك نوح رأسه بحيرة وهو لا يعلم، فهو متحير مما حدث ومن الشعور الذي يشعر به حاليًا. يشعر بنوع غريب منا لارتياح، وكأن تم إعفاؤه من سجن من الجحيم طال مدة حبسه فيه، سجن عقله المؤذي الذي كان يدفعه للجنون دائمًا. كان ينظر إلى يديه، وللأشياء من حوله، وكأنه يرى العالم بعين المنطقية والواقعية لأول مرة منذ سنوات. مشاعره مستقرة، تلك النيران التي حولت صدره وقلبه لرماد أسود أخيرًا تم إخمادها. يظهر وكأن... نوح لم يعد مجنونًا بعد الآن، وإن عاد ورأى ما هو خارق للطبيعة، فبالتأكيد لن يكون من عقله هذه المرة. كانت علا عازمة ألا تترك أخاها، ولكنه أقنعها بالسفر، تحديدًا بعدما علم أن مصطفى قد طلبها. أقنعها أن حالته تحسنت، لأنها بالفعل أصبحت كذلك. كان متحيرًا من الأمر، وتحسنه لم يجعله ينسى ذلك اليوم الملعون وشعور القهر حياله، ولكنه جعله حين يتذكرها، يتذكرها كما لو أنها ذكرى عابرة لن تؤثر على عقله ونفسيته. ************ _عمر، عمر حبيبي اصحى فتح عمر جفونه متضحًا له أنه عفى على ساق زوجته فنهض وبدأ يحك عينيه محاولًا أن يستفيق وهو يقول لها: _أنا أسف يا حبيبتي، أتمنى رجلك ما تكونش وجعتك. _لا يا حبيبي خالص والله، أنا كنت عايزة أسيبك أصلاً بس في حد عمال يتصل بيك مش عايز يسكت. رأى عمر هاتفه يرن برقم مجهول فوقف وأمسك بالهاتف وأجاب على المتصل ليسمع صوت أدهم يقول له: _إزيك يا عمر، صحي النوم. تحجر كل شبر في جسد عمر وتجمدت عيناه من هول الصدمة، ليردف أدهم وهو يأمره بنبرة هادئة وواثقة: _اطلع البلكونة. بخطوات متثاقلة مترددة خرج عمر لشرفته ليجد سيارة تومض بنور كشافاتها. _العربية اللي بتقلبلك نور دي، انزل واركبها، يلا سلام. أغلق أدهم الخط وشعر عمر ببرودة قاتلة في جسده، شعر أن قلبه يتدحرج بين ضلوعه حتى سقط بين قدميه. أهكذا هي النهاية؟ أسيذهب للموت بقدميه بالفعل؟ التفت عمر وهو ينظر لزوجته المسكينة، ليتضخم الخوف في صدره حيالها، يخشى أن الرفض قد يحدث لها مكروهًا. ذهب إليها وأقنعها بوجود عمل عاجل سيجعله مضطرا للنزول الآن، أعطاها عناقًا عميقًا، واوصاها ان ترسل مقطع الفيديو ذلك لنوح، ثم خرج وبدأ يتجه للسيارة، كان يسير بخطى متثاقلة، جسده يرفض، روحه ترفض، عقله يرفض، قلبه يرفض، القشعريرة في جسده موجعة جعلت عمر وكأنه يسير على أشواك. فتح الباب الخلفي للسيارة وركبها مكتشفًا أن أدهم لم يكن فيها، يبدو أنه ينتظره عند مكان محدد. العتمة تزحف على صدره. أنفاسه متلاحقة، لا يجرؤ على تهدئتها، كأنها الفاصل الوحيد بينه وبين الهاوية التي يقف على حافتها. يداه باردتان، رغم أن الليل لم يكن قارصًا، لكن الذعر المتغلغل في عروقه جعله يشعر وكأنه يجلس في صقيع لا مرئي. عجلات السيارة تمضي ببطء، كل ثانية تمزق أوصاله كمديةٍ بطيئة، تزرع في صدره يقينًا مُرعبًا: إنه ذاهب إليه. إلى الجحيم ذاته. إلى الرجل الذي تسيل الدماء على يديه كأنها ماء. رجل لا يخضع لمنطق، لا تؤثر فيه توسلات، لا يتراجع إن قرر شيئًا. ومع ذلك، يريده. يطلبه. استدعاه بنفسه وكأنما انتُزعت روحه حين تلقى الرسالة. كان يمكنه الفرار. لكن كم من الأرواح ستُزهق إن فعل؟ كم من الصرخات ستخنق المدينة بسبب جبنه؟ لا، لم يكن أمامه خيار. لكنه كان يخدع نفسه، لأنه يعلم الحقيقة: الخيار الوحيد الذي بيده هو كيف سيموت. دخل العاصمة الإدارية الجديدة متجهًا إلى مجمع سكني. اقترب. الضوء الساطع القادم من النوافذ البعيدة تراقبه، كعيون متربصة تترقب لحظة الافتراس. توقف السائق أمام إحدى البنايات ووصف لعمر عن الطابق ورقم الشقة. ترجل عمر من السيارة ودخل البناية وصعد للطابق، وقف عند الباب، معدته ملتوية كحبل يتلوى تحت وطأة الهلع المكبوت. لحظات، وثانية، ونصف ثانية أخرى، ثم رفع يده المرتجفة ليطرق الباب. كان يعلم أنه ما إن يدخل، لن يكون خروجه بيده. ارتفع صوت القفل يُفتح من الداخل. وخلال لحظةٍ قصيرة بدت كعمر طويل، أدرك عمر أن قلبه، رغم كل شيء، لا يزال ينبض. ولكن، إلى متى؟ فتح أدهم الباب وعمر يتجنب النظر إليه كالذي يتجنب النظر إلى ميدوسا كي لا تحجره وتقتله من نظراتها المفزعة. _خش. بنفس نبرة الأمر الهادئة ذاتها أمره أدهم بالدخول فدخل عمر وجلس عند الأريكة التي أشار أدهم له أن يجلس عندها. _عامل إيه؟ _عايز أروح. ضحك أدهم ضحكة قصيرة ثم قال: _لا دا مش هيحصل دلوقتي اصبر شوية. _طب عايز إيه..؟ _عايز أتكلم معاك، الكلام معاك نوعًا ما... كان مختلف وممتع قولت أما أجرب الموضوع دا تاني. أومأ عمر برأسه في صمت منتظرًا أدهم ليبدأ حديثه فقال أدهم له بنبرة امتعاض طفيفة: _مبتبصليش ليه؟ رفع عمر بصره وهو ينظر إلى أدهم محتفظًا ببروده وثباته الانفعالي. _أنا ببصلك أهو.. اتفضل اتكلم. ابتسم أدهم في صمت بعدها أخذ كوبًا وصب الجعة من الزجاجة التي كانت على الطاولة وعزم على عمر ليُرفض عمر بعدها. اتكأ أدهم وهو يشرب الجعة ويقول: _قبل كدة بعد ما عرفتلك أني بنشر بخوف بين الناس كنوع من المساواة، وسألتني لو كنت بخاف من نفسي ولا لأ، بس محتاج أعرف إزاي الواحد يخاف من نفسه؟ في العادة الخوف بيكون من المجهول، أو الحاجة غير المتوقعة، أو الأذية، فأزاي الشخص يكون خايف من نفسه للأسباب دي؟ سكت عمر برهة وهو يفكر في الجواب ثم قال: _الفشل. سأله أدهم بنبرة يبدو عليها التهكم: _فشل؟! قال عمر بنبرة ثابتة كنظراته إلى أدهم: _سبب إن الواحد يخاف من نفسه هو الفشل، كل أنواع الفشل هي أساس الخوف من النفس، فأحتمال أنت خوفت من نفسك مرة، خوفت من إنها تفشل في حاجة معينة، زي ما خوفت بعد ما فشلت في إنك تقتلني... أنا عارف إن طعنتك ليا دي سببها إنك خوفت من نفسك لأول مرة... خوفت إنك تفشل في قتل حد. عرضت ابتسامة أدهم التي كانت لا تبشر بالخير أبدًا وهو يقول بتحدٍ لعمر: _دا معناه إنك حققت المساواة الكاملة من بعدي؟ خليت الشخص اللي مبيخافش أبدًا يخاف... حتى لو من نفسه. حين شعر عمر أنه تورط قال: _لا، معرفش... _أما نشوف. نهض أدهم واتجه إلى إحدى الخزانات الصغيرة وأخرج منها حقنة معبأة بالمخدر بعدها اتجه لعمر، وقف عمر وهو مذعور مشلول في مكانه، مد أدهم يده وهو يأمره بالنبرة الهادئة ذاتها: _هات دراعك. لم يعطه عمر ذراعه وحرك رأسه نافيًا ليقول أدهم: _إيه؟ هتقاوم ولا إيه؟ مكنتش أعرف إنك بالغباء دا... معقول هتقاومني؟ كان جسد عمر ينتفض ويرتجف وهو يوقن بالفعل أن مقاومة أدهم لا فائدة منها البتة، أعطاه عمر ذراعه وحقنه أدهم بالمخدر ليسحب وعي عمر تدريجيًا من روحه ثم يفقد الوعي ويمسكه أدهم منعًا له من السقوط. لم يشعر عمر بمرور الوقت، قد يبدو أن فقد الوعي لدقائق ولكن بالنسبة له كانت طرفة عين، فور أن أغلق جفونه وفتحها وجد نفسه واقفًا على كرسي، مكبل اليدين، حول عنقه حبل مشنقة متصل بالسقف ويجلس أمامه أدهم يدخن لفافة تبغ ويتأمل عمر بأعين رغم برودتها إلا أنها مستشيطة. _قولتلي بقى أنا خوفت من نفسي عشان فشلت أقتلك؟ أنت بجد مصدق نفسك يا عمر؟ جايب الثقة دي كلها منين؟ لقد ورط عمر نفسه، لقد ورط نفسه مع الشيطان، لقد دخل طريقًا لا عودة منه، جسده ينتفض وهو ينظر حوله في هلع وقال بنبرة مرتجفة: _أ.. أنا مكانش قصدي، أنت سألتني وأنا رديت. وقف أدهم وتقدم إلى عمر وهو يقول بينما كان ممسكًا بخنجر: _ماشي. وأنا هثبتلك إن ردك دا غلط ببساطة. قطع أدهم ما يكبل يد عمر، وفي تلك اللحظة ركل الكرسي الواقف عليه ليتدلى جسد عمر ويتم شنقه، وهو يمسك بيديه الحبل حول عنقه، محاولًا إنقاذ نفسه، يصرخ بهلع عظيم، يسعل، يحاول أخذ أنفاسه، يركل الهواء ويتأرجح. أما أدهم فعاد للجلوس، وهو يشاهد ببرود عمر يموت ببطء، وهو يحتسي السيجارة. _أ...ا..أدهم...ا..ن..ا بم...بمووت. رد أدهم باستخفاف: _طب ما أنا عارف، وريني كده هتنقذ نفسك إزاي؟ الدموع تنهمر من عيني عمر، التي كادت أن تخرج من جمجمته أثر جحوظها. المجهود كان عظيمًا، الحمل كله على يديه التي تبعد الحبل عن عنقه لكي لا تنسكر ولا يختنق، ولكنه مستمر في الاختناق بينما هو يتجنب كسر عنقه. بدأ وجهه الأبيض يتحول للأحمر، وعروق جبينه برزت، ورويدًا رويدًا بدأ يتغير لون وجهه للأزرق. رغم أن عمر يموت حرفيًا، إلا أنه لا يظهر على أدهم نظرات الرضا والانتصار، كما لو أنه غير قابل لهذا الأمر، مما يدل على أن كلام عمر صحيح في المقام الأول. يبدو أن أدهم بالفعل لا يستطيع قتل عمر لسبب ما. لذلك، قام أدهم وبالخنجر ذاته، وقف أمام عمر الذي يصارع الموت بعسر عظيم، ثم قطع حبل المشنقة ليهبط عمر مرتطمًا بالأرض وهو يشهق شهقة عالية مصحوبة بصياح وسعال عصيب موجع أدى لتقيؤ كل ما أكله في الساعات الأخيرة. ظل أدهم واقفًا يحدق في عمر بلا مبالاة منتظرًا أن ينتهي من انهياره العصبي. وفور أن شعر عمر بجسده ووعيه مجددًا، نهض مسرعًا وهو يهرع ليفر من هذا الملعون، ولكن كان الهروب من أدهم أشبه بالهروب من ظلك. فادهم من المستحيل أن يهرب منه أحد. أمسك أدهم بالحبل الموصل بالمشنقة التي على عنق عمر، ليسقط عمر، وأدهم يقول: _أنا ماليش مزاج اقتلك النهاردة بصراحة...ممكن يوم تاني، على ما يجيلي مزاج، هقعدك عندي حبة حلوين. وسحب أدهم عمر كالبعير الواهن منتظرًا ذبحه في أقرب وقت. كان عمر منهكًا ولكنه لم يسئم من المقاومة. كان يصرخ، يترجى أدهم بأن يتركه، يبكي، يحاول النهوض، يحاول كل ما في وسعه، ولكن كان أدهم يسير ممسكًا بالحبل ويجر عمر وراءه دون الاكتراث. ظل يسير حتى وصل لغرفة محددة، فتحها وألقى عمر فيها ثم أغلق الباب وقام بحبسه. وعمر على الأرض، الذعر يعصر رئتيه، الهلع كالفأر ينهش في لحم قلبه بألم عظيم. الصدمة تعتليه وتلتهمه كالحوت الهائج. كان المكان بالفعل أشبه بجلسه في بطن حوت، من دُهمة الظلام حوله. ظل للحظات متحجرًا، مشلول الحركة، كما لو أن قيوده لا تزال تحكم قبضتها حول معصميه. حلقه جاف، وعضلاته متصلبة، ونبضه يقرع في أذنه كطبول حرب لا تنتهي. لا يصدق ما يحدث له ولا يعرف لماذا في المقام الأول. الظلام يحوم حوله في كل مكان، كما لو أن أدهم ألقاه في ثقب أسود. صدره يصعد ويهبط في محاولة يائسة لأخذ أنفاس طبيعية، ولكن كل ما يتنفسه هو التراب ورائحة الدماء المتجلطة والصدأ. يداه ترتجفان بقسوة من تحامل الأعصاب عليها لإنقاذ روحه. نظراته تتوه في الظلام، ينشر بصره الضائع في كل الأركان، يبحث عن منفذ، عن أمل لإخراجه من هذا الجحيم، لكن الظلام لا يجيب إلا بالصمت. الصدمة والوحدة هنا ثقيلتان كالحجر العملاق، تثقل على صدره، لا صوت إلا أنفاسه المتقطعة، ولا أنيس سوى... سوى ذلك الهيكل العظمي الصغير الخاص بطفلة الذي رآه معه في الغرفة ذاتها.
ROMISAA