انقاذ محتوم ٢

انقاذ محتوم ٢

36 0

٦٧ فور أن انبلج الشروق، خرج كلٌّ من جمال وإسماعيل وهشام من المسجد وقرروا أن يأكلوا وجبة الإفطار سويًا، ثم يذهب كلٌّ منهم إلى عمله. ثلاثتهم يعملون أعمالًا حرة على حواسيبهم لأنها أكثر الوظائف أجرًا ومنفعةً في هذا الزمان. يكسبون مقابل عملهم بالدولار تارةً وبالجنيه تارةً أخرى. يضطرون للذهاب إلى الشركات التي يعملون معها أحيانًا، وأحيانًا يعملون من بيوتهم. انهم مجتهدون في عمل الدنيا والآخرة حقًا! جلسوا في مطعم مختص بإعداد إفطار من الفول والفلافل، وهو المطعم الذي يضم كل الكادحين من الرجال الذين لا يمتلكون فرصة الفطور في منازلهم. أثناء ما كانوا يأكلون، رن هاتف إسماعيل، فاستأذنهم ونهض للتحدث. كان المتصل أمه. بدا على إسماعيل إصابته بالهم والضيق فور أن رأى رقمها يتصل، وقبل أن يجيبها استنشق نفسًا عميقًا، ثم أجابها: _السلام عليكم، إزيك يا ماما؟ _حبيبي، عامل إيه؟ _أنا تمام، الحمد لله. قالت أمه بنبرة تفيض بالحماس، يستطيع إسماعيل أن يتنبأ بابتسامتها العريضة أثناء تحدثها: _عندي ليك مفاجأة حلوة أوي أوي النهارده، هاجي أزورك وأقولك عنها. عقد إسماعيل حاجبيه وهو يتدعي السعادة: _ه... هتيجي فعلًا؟ ت... تعالي يا حبيبتي، انتِ وحشاني أوي. قالت أمه وقد تغيرت نبرتها وظهر فيها بعض التحدي: _أنا عارفة إنك مش عايزني أجي. أنا أصلًا خايفة أجي، لحسن الدواعش اللي عايش وسطيهم، اللي متعلمين من شيخك الإخواني دا يغتصبوني. أغمض إسماعيل عينيه وهو يتنهد بنفاد صبر، وقال لها محاولًا إجبار نفسه على الحفاظ على نبرته اللينة معها: _حبيبتي، ممكن تبطلي تجيبي سيرة الشيخ مصطفى بالشكل دا لو سمحتي؟ بطلي تضايقيني. _لا يا حبيبي، مش هجيب سيرته خلاص، ما هو أخد جزاءه واتسجن. يستاهل! دا شيطان، قلبك وقلب نص شباب البلد على أهاليهم. أنا عارفة إنه بيخطط يعمل جماعات إرهابية زي طالبان وداعش، بس انت مش عايز تقولي. مسح إسماعيل بكفه على جبهته ووجهه من شدة تبرمه من حديث أمه المتكرر ذاك، ثم قال لها: _ماشي يا أمي، ماشي، هتيجي الساعة كام؟ _هخليها لك مفاجأة. يلا بقى عشان أجهز نفسي، سلام يا حبيب مامي. _طب ممكن قبل ما تقفلي، ماما لو سمحتي تلبسي لبس محتش... قاطعت أمه حديثه بإغلاقها الخط قبل أن ينهيه. وفور أن أغلقت الخط، زفر وعاد إسماعيل إليهم بوجهه العابس الممتعض. قلِق كل من جمال وهشام على حال إسماعيل، فقال هشام: _مالك يا عم؟ بوزت كده ليه؟ مين اللي كلمك وعكنن عليك كده؟ حرك إسماعيل رأسه بحركة معناها أنه لا داعي للقلق واحتفظ بسكوته. وأثناء جلوسهم، أمسك هشام هاتف جمال بعدما طلبه منه ليرى شيئًا في محادثتهما سويًا، إذ كان قد مسح كل المحادثات من جواله. وأثناء البحث، عقد هشام حاجبيه بتعجب من تلك الرسالة التي رآها: <عايز أزور والدك وأطلب إيدك منه. حددي معاد معاكي وبلغيني لو سمحتي.> كانت تلك الرسالة مرسلة من جمال لعلا، وقد رأتها علا دون رد. فقال هشام ممتعضًا: _إنتوا أخدتوا أرقام بعض؟ نظر جمال له وقال: _نعم؟ _إنت وعلا، أخدتوا أرقام بعض إمتى وإزاي وليه؟ انتبه إسماعيل ونظر لهما، أما جمال فاحتفظ بثباته الانفعالي وبروده، وقال له بهدوء: _بتسألني ليه بقى؟ ما إنت اتفضلت وفتحت الشات. اتفضل شوف أنا أخدت رقمها ليه. بدأ هشام يقرأ كل الرسائل بينهما، والتي لم تتعدَّ عشر رسائل من الأساس، وكان محتواها عن مصطفى ووضعه. قال إسماعيل هنا معترضًا، متعجبًا من وقاحة هشام: _هشام، انت اتهبلت؟ انت قاعد تقلب في موبايل جمال عشان شاكك فيه؟ إيه شغل لعب العيال دا؟ سيبت الموبايل، حرام تتجسس كده! قال هشام وهو ما زال يحدق في الرسائل: _معلش يا إسماعيل، بس دي أخت شيخنا، مش أي واحدة. ودي تعتبر خيانة للشيخ فلازم أتأكد. وبعدين أشمعنى تسألك إنت عن مصطفى وتاخد رقمك؟ ليه تاخد رقمك أساسًا؟ ما كانت تيجي تسأل نجلاء ليه تكلمك؟ رفع نظره بعدها لجمال وقال بابتسامة خفيفة على شفتيه متشمتًا: _دا حتى مش باين إنها معجبة بيك. آخر رسالة شافتها مردتش عليها. قال إسماعيل متبرمًا عاضبًا: _خيانة للشيخ إيه يا هشام؟ استغفر ربك. يا أخي فيه أعذار كتير، مينفعش تسيء الظن من أول مرة وتنطح زي الطور. وأديك مشوفتش بينهم حاجة، خلاص انتهت القصة، وأسأت الظن وتجسست ورميته بالباطل من قبل ما تفهم منه حاجة. كان جمال صاحب غضب سريع، وانفعالاته تكون قوية أحيانًا، وهو يسعى لمعالجة هذا العيب. لذلك طيلة الجلسة كان يحاول التحكم في غضبه وحنقه، وهو يردد هامسًا حديث رسول الله ﷺ: _إذا غضبت فاسكت، إذا غضبت فاسكت، إذا غضبت فاسكت. بعدما عم الصمت ووضع هشام هاتف جمال ملتزمًا بالصمت، قال جمال: _شوفت اللي إنت عايزه؟ _آه، شوفت. أومأ جمال برأسه وقال: _عن إذنكم، السلام عليكم. أخذ هاتفه ونهض تاركًا إياهم. زفر إسماعيل ليطرد الضيق في صدره، ثم قال لهشام بنبرة غليظة ونظرات ثاقبة: _اسمع يا هشام، أنا تعبت من كتر ما بنصحك. أنا صبري وصبر جمال مش زي صبر مصطفى، فلو متعلمتش الأدب بتاع دينك كويس منه أو من أهلك، هنعلمهولك إحنا بس على طريقة الدواعش. ربنا يهديك. نهض إسماعيل أيضًا ولحق بجمال مهرولًا. لم يطل الطريق؛ فبعد خمس دقائق سيرًا وجده في شارعه المفضل حيث يطعم القطط. كان إسماعيل يعلم أن تلك عادة جمال الدائمة. ابتسم واقترب منه، لكن سرعان ما اختفت ابتسامته فور أن استوعب وجود ضيفٍ ما. على بُعد أمتار، في الجهة المقابلة، تجلس علا على الرصيف في هدوء، لا تفعل شيئًا سوى مشاهدة جمال وهو يطعم القطط. كانت تتأمل جمال وتتأمل القطط باستمتاع واندماج شديد. كان وجهها شاحبًا، ملامحها باهتة، ابتسامتها مختفية تمامًا، ولكن يمكن لإسماعيل أن يلمح راحة عينيها الممزوجة بالهم أثناء مشاهدتها لجمال. ظل إسماعيل ينظر إليها ليتأكد من هويتها، ولما تأكد أنها علا، غض بصره واقترب من جمال قائلًا: _شوفتها؟ أجابه جمال وهو منشغل بالقطط: _شوفتها. _جت كلمتك؟ هز جمال رأسه نافيًا، فأردف إسماعيل: _طب ما تروح تكلمها. التفت جمال إلى إسماعيل وهو يرمقه قائلًا: _نعم؟ _اسألها بس لو محتاجة خدمة. غير كده، خلاص سيبها وتعالَ، وأنا هبقى أُطعم القطط يا سيدي، ولا يهمك. سكت جمال في تردد وهو ينظر إلى إسماعيل، فابتسم له إسماعيل مشيرًا برأسه أن يذهب إليها. قرر جمال أن يحدثها إن وجد ضرورة، وإن لم يشعر بوجود ضرورة في حديثهما، سيتركها فورًا. لاحظت علا اقتراب جمال، فرفرف قلبها كالطائر المتحمس، وبحماي مكتوم ولهفة مكبوحة وقفت منتظرة قدومه. وصل إليها وهو يحدق في الأرض قائلًا: _حضرتك محتاجة مساعدة؟ سكتت علا قليلًا وقالت بصوت واهن منهك لاحظه جمال وقلق حياله: _اعذرني إني ما رديتش على رسالتك آخر مرة... حصلت حادثة عندي و... ماتوا تلاتة من عيلتي. فمن وقتها ما كنتش قادرة أتكلم ولا أشوف حد. عقد حاجبيه حزنًا وقال: _إنا لله وإنا إليه راجعون. البقاء لله. ربنا يصبرك. _يا رب... _عن إذنك. التفت ليذهب، لكنها أوقفته بقولها: _أ... أنا عادي ممكن أحدد معاد بس. انت لازم تعرف كام حاجة عني قبل ده عشان ما تتصدمش وقتها وأحطك في موقف محرج. توقف جمال وعاد، التفت إليها متجنبًا النظر إليها وقال: _اتفضلي. _عايزاك تعرف إني أكبر منك بخمس سنين، وإني اتجوزت وخلفت قبل كده، لكن اتطلقت بعد ما ابني مات. وتعرف إني ماليش نسب وأهلي اتبنوني، يعني مش بنت ناس زي ما بتقولوا... ظل جمال واقفًا بثبات دون رد. حين لاحظت اضطرابًا خفيفًا على ملامحها، قالت بنبرة زادت رجفتها من تحسرها على رفض جمال لها: _عن إذنك أنا بقى. _طب... هتحدديلي معاد إمتى برضو؟ اتسعت عيناها دهشة، ولم تستطع كبح ابتسامتها التي لم تكن عريضة على أي حال. قالت بتعجب: _لسه عايزني؟ ليه؟ ابتسم جمال ابتسامة خفيفة وهو يرفع منكبيه قائلًا: _عادي... هو إيه اللي يمنعني؟ مفيش حاجة تمنعني غير شريعة ربنا ومبادئ دينه. وأنا مش شايف إن فيكي حاجة الشريعة تمنع بسببها وتقول "ما تتجوزوش اللي زيها". ب... بس ممكن لو حابة نأجل الموضوع لوقت أطول لو الوقت مش مناسب، مع إن لا يجوز الحداد لأكثر من تلات أيام. نظرت علا إلى ملابسها السوداء، ثم عرضت ابتسامة علا الباهتة وهي تقول: _تمام، هبقى أقول لبابا وأخذ رأيه، وهبقى أبعتلك اليوم والساعة. أومأ جمال برأسه مبتسمًا بتواضع، ولكنها أوقفته للمرة الثانية قبل أن يذهب وهي تسأله: _ط..طب ينفع قبل ما تمشي أسألك سؤال؟ _اتفضلي. _أنت عايز تتجوزني عشان حبيتني؟ ولا عشان عايز تبقى قريب من مصطفى أكتر؟ بدت علامات التوتر والارتباك على ملامحه، وتحركت حدقة عينيه يمينًا ويسارًا، وصمته الذي طال مدة ليست بقصيرة إلى أن قال: _مينفعش حضرتك أقول حاجة زي كده، أنا آسف. قالت علا بابتسامة رضا: _ولا يهمك، مع السلامة. ༼عشان بحبك... ل.. لا، مينفعش أقولها... مينفعش أقولها إني أعجبت بيها زي المجنون لدرجة إني مستعد أغمض عيني عشان مشوفش شعرها... أقولها عشان مصطفى؟ بس كده هي هتزعل، مش عايز أزعلها، عايز أثبتلها حبي ليها، بس مقدرش، حرام، مينفعش أقولها كده.༽ تلك الكلمات التي سمعتها علا أثناء سكوت جمال قبل أن يجيب بالإجابة التي نطقها بلسانه. كانت تسير وهي تشعر بأمل طفيف فيمن سيدخل السلام إلى حياتها. كانت تتمنى أن تطيل معه الحديث أكثر، ولكنها تحترم رغباته. تبادل أبسط الكلام بينهما كان يدخل الطمأنينة والأمان إلى قلبها. إنه شعور ناعم جدًا كنعومة القطن، وبالنسبة لعلا، لم تشعر بهذا الشعور أبدًا في حياتها سوى مع جمال. أقدم جمال على إسماعيل بابتسامة عريضة، ليقول إسماعيل بحاجبه المرفوع وابتسامته المداعبة: _الله؟ أول مرة أشوف وشك منور كده؟ قال جمال والانشراح يدغدغ روحه: _ادعي يا إسماعيل، ادعي إن الموضوع يتم على خير. أسعد حاجة في حياتي إني أناسب مصطفى وأكون قريبه. قال إسماعيل وهو يضيق عينيه بمكر وسخرية: _تناسب مصطفى برضو؟ قال جمال وما زالت الابتسامة على وجهه: _إسماعيل، خد بالك من كلامك. آه السبب الرئيسي هو الإعجاب، بس مش عايز أخوض في الموضوع ده كتير، بحاول أتقي الله بقدر الإمكان. أومأ إسماعيل برأسه ثم قال: _بس متقلقش، واضح إن الموضوع هيتم إن شاء الله، لأن باين إنها حباك أوي. هز جمال رأسه بابتسامته وهو يستغفر ربه، ليستغفر إسماعيل ربه هو أيضًا. وسرعان ما تختفي ابتسامة إسماعيل ليلاحظ جمال ذلك التحول في ملامحه. _مالك يا إسماعيل؟ من بعد المكالمة اللي جاتلك دي وأنت متضايق؟ سكت إسماعيل قليلًا وهو يشعر بالمغص والضيق، فأخذ نفسًا عميقًا ليخفف منهما، ثم قال: _أمي جاية النهاردة. اختفت ابتسامة جمال وتحولت ملامحه وكأنه سمع فرمان إعدام. بعدها ابتلع ريقه ليكبح زمام مشاعره، وكل ما قاله: _ربنا يهديها يا رب. في تلك اللحظة يلاحظان قدوم هشام إليهما، لترتسم بسمة عريضة على شفتيهما فور أن رأوه. فقد علما لما أتى إليهما. أقدم عليهما وهو يعتذر لجمال نادمًا، ليربت جمال على ظهر هشام وهو يقول له: _ولا يهمك يا هشام، أنا متضايقتش منك أصلًا، بس قمت بسرعة عشان ألحق القطط. ابتسم هشام وشعر بطمأنينة من قبول جمال اعتذاره، وقرر أن يشارك في إطعام القطط معهما.                          *********** في قصر باكنجهام، كانت شارلوت في جلسة عائلية ثم ذهبت إلى غرفتها لتنفرد بمساعدها الخاص. دخلت غرفتها وخلفها مساعدها، وفور أن دخلت قالت له وهي قلقة مضطربة: _هل وصل لك أي خبر عن إبراهيم؟ _للأسف، سمو الأميرة، ولكن قيل لي إنه لم يعد يعمل في وظيفته تلك بناءً على تعليمات من والدك شخصيًا. اتسعت عيناها في صدمة شديدة وقطب وجهها في إنكار وهي تقول غاضبة: مستحيل، لن أقبل بذلك. أنا أريد إبراهيم بأي طريقة. قال مساعدها وبدأ الارتجاف يظهر في نبرته من خوفه منها: _هذا ما أوصله لي الموظفون من سجن دارين، حتى تأكدت من حارس جلالة الملك شخصيًا. صدقيني يا سمو الأميرة... لقد انتهى أمر إبراهيم. قالت شارلوت وهي تهز رأسها بإصرار: _لا، لم ينتهِ أمره. إن لم يأتي لي فسأذهب أنا له. رفع مساعدها بصره وهو يقول في صدمة كبيرة: _ستذهبين إلى منطقة دارين؟! مستحيل، مستحيل! هذا المكان كالجحيم، يُوضع فيه العرب وأصحاب الأعراق الحيوانية. هذا المكان لا يصلح لوجودك أبدًا! صاحت في وجهه بصرامة، والاحتدام قد فاض من رأسها: _اخرس!! أنا سأذهب هناك رغماً عنك وعن أبي، وإن لم تطيعني فسوف تكون مكان من يُعذبون هناك، أفهمت؟! عزمت شارلوت على أن تذهب إلى منطقة دارين لترى إبراهيم، وليس لتراه فقط، بل كان يجول في خاطرها أن تنهي هذا الأمر بشكل مطلق. لا يهمها أن تغضب الملوك أو الجهات العليا، كل ما يهمها هو إبراهيم. لديها العزيمة على أن تقف ضد العالم من أجل عشقها.                          ************ في منطقة دارين، تستكمل فريدة عملها وحياتها المُرّة الشائكة. كل دقيقة وكل نفس تتنفسه فريدة في هذا المكان تشعر بعده بشوكة غليظة تدخل حلقها وقلبها، لتزداد ألم الغصّة حدّ الموت. اختفى إبراهيم من أنظارها تمامًا، واختفت سيرته من بين ألسنة الموظفين من حولها. خُيِّل إليها أنه قد وقع في مأزقٍ عظيم أدى إلى هلاكه. لماذا خُيِّل؟ بل أيقنت بذلك، أيقنت أنه مات بالفعل، وبموته تتبخر كل آمالها في العودة والتملص من ذلك المكان الملعون. ما يزيد من ألم الأشواك ويجعلها منصهرة حارقة من قهرها العظيم هو والدها. طيلة ذلك الأسبوع كانت تحاول بكل الطرق أن تصل إليه وتره للمرة الثانية، ولكن باءت محاولاتها بالفشل. كان فشل محاولاتها نابعًا من خشيتها أن يمسكوا بها ويأخذوها تحت الأرض لتعذيبها والانتقام منها كما كانوا يسردون لها. هذه المرة ظهر إنتواها لرؤية والدها لجهلها الشديد بالعواقب الوخيمة التي ستنهال فوق رأسها كمطرٍ من أسياخ الحديد. هي الآن تركت إحدى مهماتها في مبنى المختبرات ومضت من طابق مهمتها إلى طوابق أخرى، باحثة عن والدها. كلما لمحت موظفًا أعجميًّا تختبئ خلف أحد الجدران منتظرة ابتعاده، ثم تعود للسير. وصلت إلى الطابق الأخير وبدأت تسير بين زنازين الطابق، مرهفة السمع لكل ما بداخلها. كانت تسمع حشرجات الموت في بعض الغرف، وأصوات أطفال تحدث أنفسهم، وأنين رجال. ومن بين هذا الأنين شعرت بصوت مألوف، لتقف بسرعة أمام إحدى الغرف ويقشعر جسدها كما لو غُرِزَت دبابيس في مسامها. للتأكد، نادت باسم والدها: _س.. سيد ناصر؟ أجاب الرجل بصوت منهك متحسر: _أيوة... كفاية بقى، أرجوكم. شهقت فريدة، وترقرقت عيناها وجحظتا من هول الصدمة والفجعة. اصطكت ركبتاها من شدة ذعرها وقهرها الحارق الذي كاد يقتلها من شلل رئتيها وسرعة دقات قلبها. وضعت يدها على فمها خشية الصراخ والانهيار. تمنت حقًا لو هلك، تمنت لو مات بأسرع وقت. _ب.. بابا؟ اتسعت عيناه وقبض قلبه، ونهض بصعوبة وسرعة وهو يقول بنبرة مرتجفة فزعًا: _م.. مين؟ مين؟ قمة الحسرة والمأساة أن يلتقي أبٌ بابنته في مكان كهذا بعد غياب طال سنين. لم يلتقِ بها في المطار ليحتضنها بشوق عظيم، أو في المدرسة حيث ينتظر أن تحكي له عن يومها الدراسي بحماس، أو في الحديقة بعدما انتهت من اللعب والمرح طيلة اليوم، بل اجتمع بها في جحيم الدنيا. اجتمع بها في لعنة عظيمة أبدية، حيث التعذيب والإذلال والظلم. انصهر قلبه من شدة القهر وهو يردد سؤاله وأجهش باكيًا: _مين فيكم جه هنا؟! مين فيكم جه هنا؟! لم يتعرف على صوت فريدة للأسف، ولم يفرح بقدوم أحد من أولاده هنا بالطبع، فكلاهما تمنى الموت لبعضهما لنجاة الآخر. فلا توجد أي فرصة للنجاة من هذا السعير سوى الموت، ولا حيلة لدى الأحباء في هذا المكان سوى تمني الموت لأحبابهم. وكان هذا صريح الحب. ظلّت تبكي دون توقف من قهرتها العظيمة، وكلما سمعت صوته ازداد بكاؤها قهرًا. لم تعد تشعر بأعصاب قدميها وسقطت جاثية على ركبتيها وهي تنتحب، ليقطع هذا المشهد صاعقة في عنقها من الطوق، فتصرخ ألمًا. وتقدّم موظف أعجمي قائلًا: _لقد سيطر عليكِ الغرور فور أن مرّت عليك تلك الأسابيع دون أن تُعذَّبي تحت الأرض كأصدقائك. حملقت فيه بذعر خارق، فأتى موظفون وأمسكوا بها. وأمرهم الأعجمي أن ينزلوها تحت الأرض لتعذيبها بضعة أيام. بدأت فريدة بالصراخ، وانهمرت بوابل من الاعتذارات والرجاء بأن يتركوها، ولكن بلا فائدة. كانوا يسحبونها بقوة وهي تقاوم. وفور أن خرجوا من مبنى التجارب، أتاهم موظف أعجمي آخر وسأل: _هذه فريدة؟ _نعم، أتحتاجها؟ _أرسلها لمبنى الدعارة في الحال، فقد طلبها أحدهم الليلة.                             *********** _يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. _هاجر؟ بعد الظهيرة، بينما كانت هاجر في المطبخ تقوم بغسل صحون الفطور، كانت تردد تلك الآية بشكل لا إرادي إلى أن سمعتها ريهام. وعندما نادتها، التفتت هاجر لها: _أيوة يا حجة. اقتربت ريهام وقالت بقلق وتعجب، وهي تضع يدها على كتف هاجر: _إيه يا بنتي اللي بتقوليه ده؟ _دي آية من القرآن، سمعتها من نجلاء وهي بتقرأها في الفجر. عجبتني بصراحة، قلت أتمنى الموت بيها بما أن تمني الموت موجود في القرآن، عادي. ابتسمت ريهام برأفة، وهي تشفق على هاجر، وقالت بنبرة لينة: _دي مش آية ناخد منها حكم ونستدل بيها يا بنتي... ما هي الآية اللي بعدها بتقول "لا تحزني". صمتت هاجر حين علمت أن حديث ريهام حق، لتردف ريهام وهي تربت على ظهر هاجر، محاولة مواساتها: _أنا عارفة يا حبيبتي إن ماضيك كان صعب... والتفكير فيه بيدخلك في حالة من الضيق الشديد. بس متخليش ده ينسيكي حاضرك... هل الحاضر اللي أنتِ فيه دلوقتي بيخليكي تتمني الموت؟ قالت هاجر، وهي تهز رأسها بملامح ثابتة لا مشاعر فيها كالعادة: _بصراحة لا. _يبقى ده تطور جميل في حياتك... حافظي على التطور ده عشان مستقبلك من جماله ينسيكي ماضيك وينسيكي كل حاجة. وثقي في ربنا إنه هيعوضك عوض عمرك ما هتتخيليه. ابتسمت هاجر وشعرت بإنشراح كبير في صدرها من حديث ريهام الجميل، وأومأت برأسها. لتردف ريهام بنبرة صارمة بها القليل من المداعبة: _وبعدين، بطلي تقوليلي حجة دي تاني، قوليلي ماما، ماشي؟ ابتسمت هاجر وقالت: _ إنتِ ست جميلة أوي... أنا هحب أقولك ماما فعلاً بس حاسة إني مش مستاهلة واحدة بجمالك ده. ضحكت ريهام في استحياء وبهجة شديدة، وقبلت خد هاجر وقالت: _يا حبيبتي، إنتِ تستحقي كل حاجة جميلة لأنك جميلة. شعرت هاجر أنها ستجهش بالبكاء من حب ريهام العارم لها غير المشروط. إن ريهام حقًا تمتلك حب هذا العالم كله وتقوم بتوزيعه على كل من حولها. امرأة فقدت هبة أن تكون أمًا لأطفال من دمها، ولكن كل من تعامل معها كاد يقسم أنها أجمل أم قد يراها من حبها ورأفتها ورحمتها بكل شيء ليس في الحيوانات والناس فقط، بل في الجماد أيضًا. يظهر ذلك في جمال منزلها، حيث السكينة والراحة بسبب اهتمامها بهم، كما يظهر على هاجر ونجلاء ومصطفى وغيرهم السكينة والراحة بسبب اهتمام ريهام بهم. هنا دخلت نجلاء إليهم وهي تحمل صحون فطورها، لتقول ريهام في تعجب: _إيه يا نجلاء؟ إنتِ مأكلتيش؟ أجابت نجلاء بوهن وملامحها شاردة: _لا، أكلت والله يا ماما. _يا بنتي، حالك الكام يوم ده مش عاجبني. بتصحي بعد الظهر، وتاكلي لقمتين بس؟ صحتك يا بنتي حرام عليكِ. سمعوا صوت قرع جرس الباب، فتركت هاجر ما بيدها وخرجت لفتحه. وعندما فتحت الباب، لم تجد أمامها أحدًا، لكن وجدت أمامها شيئًا. وجدت صندوقًا خشبيًا عملاقًا ومستطيل الشكل، كان مظهره عجيبًا وغامضًا. كلما تمعنت فيه، كلما زاد شعورها بالغربة والنفور، إلى أن قالت: _نجلاء، جيبيلي جوانتي لو سمحتي. أجابت نجلاء بحيرة من المطبخ: _خير؟ في إيه؟ قالت هاجر ببرود وثبات انفعالي، وهي تحدق في الصندوق: _هتعرفي.                            *********** في الوقت نفسه، يقف إسماعيل في متجر عطارة والده، ويقوم بعمله مع الزبائن، الذين لطالما مدحوا تربية إسماعيل السليمة ومدحوا في صدق تجارة أبيه وخشيته من الله وتقواه فيها. يدخل من بين الزبائن زبونة صاحبة مظهر غير اعتيادي في تلك القرية، ترتدي بنطالًا ضيقًا كذلك قميصها الذي يظهر جزءًا من بطنها، وشعرها مجعد أحمر اللون، وبدخولها فاحت رائحة عطرة نفاذة جعلت كل من في المتجر ينتبه لها إلا إسماعيل. أتت الفتاة الشابة إلى إسماعيل وهي تقول له: _إسماعيل صح؟ أجابها إسماعيل دون النظر إليها: _اتفضلي. عرضت ابتسامتها وهي تتأمل فيه لتقول: _عندك بهارات برجر؟ أومأ إسماعيل برأسه واتجه إلى خزانة زجاجية معينة يتم الاحتفاظ بالبهارات فيها. وهنا دخلت امرأة في منتصف العمر صاحبة رائحة أقوى من تلك الفتاة ومظهر أجْرَأ من الفتاة الشابة، وتلك المرة التفت إسماعيل للمرأة وهو ينظر إليها بالكامل. كانت ترتدي تنورة قصيرة بقميص ضيق وشعرها مموج مخضب باللون الأصفر ووجهها مليء بمساحيق التجميل الذي لم يخفوا تجاعيدها. فور أن دخلت ورأت إسماعيل، بسطت ذراعيها وهي تقول بصوت عالٍ: _إسومي حبيبي، ماامي، واحشني يا روح قلبي. رجاء عاشور، أكبر معارضة علمانية في مصر، أسست الكثير من المؤتمرات والمحاضرات العلمانية، وهي أهم فرد في حركة علمانيون، وتسعى دائمًا في هدم كل ما هو ديني في مصر والاعتراض على مصطفى وأمثاله وظهر ذلك في الكثير من مناظراتها علي التلفاز. وهي من المشجعين على مشروع بيع الناس لأنها مقتنعة أن المسلمين الإرهابيين هم من يتم بيعهم، ودائمًا ما تحرض النساء على بيع رجالهن المتشددين دينيًا وغيرهم. ظل إسماعيل يحدق فيها بثبات، رغم أن ملامحه متجمدة محتفظة بثباتها، إلا أن شعور الإحراج كان ينهش روحه ولكنه لم يتجنبها. فتقدمت إليه ومسكت وجهه بكفيها وجعلت رأسه ينحني لها لتقبل خده بقبلة عميقة وقوية بين كل الزبائن الحاضرين في المتجر الذين كانوا يحدقون في إسماعيل بصدمة وتحير شديد. بعدما قبلته، استقام إسماعيل وهو يقول بوجه بارد به عبوس خفيف: _أ... إزايك يا أمي؟ عاملة إيه؟ _متقوليش أمي دي يا واد تاني، قولي ماما أو مامي، متستخدمش لغة داعش دي. أجابها إسماعيل ببرود: _ما أنتِ بتسخدميها. تنهدت رجاء بنفاذ صبر وعادت للابتسامة وهي تقول للفتاة بحماس: _إيه؟ اتعرفتوا على بعض؟ قالت الفتاة بنبرة يأس بها تهكم خفيف وهي مبتسمة: _لا للأسف، مكانش بيبصلي حتى عشان أعرف أكلمه. قالت رجاء وهي تضرب في صدر إسماعيل مداعبة إياه: _آه، مهما عوّدوه على كدة، اتعلم إن الستات دول عورة وعيب يتبص فيهم. المهم يا إسماعيل، دي هانيا كنت بحكيلها عنك وشافت صورك واعجبت بيك، قولت أنا أجيبها معايا تتعرفوا على بعض كدة. استنشق إسماعيل نفسًا ليتحكم من خلاله في اتزانه ليقول لها بنبرة خافتة لم تحجب غلاظة صوته: _ممكن تستني يا ماما برا على ما أخلص الزبائن وهطلعلك نتكلم زي ما تحبي؟ _هو أنا جيت هنا على أساس إني هشوف أبوك، بس شوفتك أنت. أنا كدة كدة عايز أزور بيتي، ومن هنا هكلمك في المفاجأة اللي قولتلك عليها. _ماشي، تقدري تستني برا لحد ما أخلص معاهم وهقفل المحل وهجيلك. قالت رجاء بنبرة تحدٍ: _لا، مش هنستنى برا في الحر، هنستنى هنا. رمقها إسماعيل بنظرات متعبة من ألاعيبها، نظرات تدل على عدم رضاه بجلوسها هنا، لتقول له وهي توبخه: _إيه يا واد بتبحلقلي كده ليه؟ هقعد هنا يعني هقعد هنا. ابتلع إسماعيل غيظه وبالاكراه أتى بكرسيين ووضعهم لهما، ثم عاد لعمله. وأثناء ذلك، أشار له أحد الزبائن على خده ليخرج إسماعيل جواله ويرى ما على خده، ليرى أثر قبلة أمه من أحمر الشفاه عليها، ليزفر بضيق ويخرج منديلًا ويمسحه. ومع مرور الوقت وذهاب الزبائن، أغلق إسماعيل المتجر وصعد بهما إلى منزله. وهذا هو أكبر بلاء لإسماعيل في عمره، أمه التي كانت عشق والده الأول والأخير انتهت علاقتهم بسرقتها له وأجبرته على طلاقها وهو في عمر العشر سنوات. امرأة ضد حياته وضد أبيه وضد دينه تحديدًا، ورغم ذلك هو لا يستطيع زجرها لأنها أمه، وهذا ما أمره دينه، إن كانت كافرة لا يستطيع أن ينهرها أبدًا. كلما يرى أمه، تتضخم الشوكة في حلقه من الهم الذي يصيبه ومن يقينه أنه سيأخذ وابلًا من حديث الناس الرجس بسببها ولها. كم تمنى أن يحمي أمه من الناس ومنها شخصيًا ومن معتقداتها المسمومة، ولكن بلا فائدة. أدخلها الشقة واستضافهما إسماعيل بأكواب الشاي، وبعدما جلس قال لها: _قوليلي بقى إيه المفاجأة؟ _مش تكلم هانيا الأول يا حبيبي؟ مالك محسسني إنها مش موجودة كده؟ تنهد إسماعيل بضيق وقال وهو ما زال يصب بصره على أمه: _مع احترامي لهانيا بس أنا مش بتاع الكلام ده، و... أساسًا في واحدة في بالي يعني وبحبها. اعتدلت رجاء في جلستها متحمسة وهي تقول بابتسامة عريضة متلهفة: _بجد؟ مين؟ ارتبك إسماعيل قليلًا حيث إن لا وجود لتلك الفتاة من الأساس بعدما أخذ جمال علا. ظل صامتًا قليلًا وقال وهو يتهته: _أ...أ...اسمها ها... كان اسم هانيا متشبثًا في عقل إسماعيل، وبطريقة لا إرادية نطق أول حرفين ليكمل: _ها.. هالة، اسمها هالة، وإن شاء الله هقابلها قريب. المهم بقى يعني إيه المفاجأة بقى؟ شربت رجاء رشفة من الشاي لتستعد في إعلامه بهذا الخبر المهم، ثم وضعت الكوب على المنضدة وهي تقول بأعين واسعتين من بهجتها وترقبها لرد فعل إسماعيل: _أنا هتجوز. لم ينكر إسماعيل أن ذلك الخبر جعله يشعر بتفتت عظام جمجمته من الصداع القوي الذي ضربه كالبرق من صدمته الكبيرة، ولكنه مجددًا كظم غيظه، وتشبث بثباته الانفعالي وقال بعدما ابتلع حنقه: _فعلاً؟ ألف مبروك... رينا يتمملك على خير. اختفت ابتسامتهز بريبة ودهشة عارمة وهي تقول: _إيه ده، أنت مش هتعترض؟ قال إسماعيل وهو يرفع منكبيه: _مفيش حاجة في الشرع تمنعك إنك تتجوزي تاني، بالعكس ده حقك. أكيد مش هاعترض على شرع ربنا، استغفر الله. تبادلت رجاء وهانيا النظرات، وهزنيا تقول لها: _مهو ابنك طيب، أهو، أومال حسستيني إنه إرهابي ليه؟ _هتشوفي دلوقتي. أخرجت رجاء هاتفها وأخرجت صورة شاب، ثم أعطت الهاتف لإسماعيل. فعقد إسماعيل حاجبيه في تعجب وصدمة وقال وهو يتأمل مظهره: _هو عنده كام سنة؟ _سبعة وعشرين. رفع إسماعيل نظره لأمه وهو يقول: _ده نفس سني! قالت رجاء بثقة وهي تومئ برأسها: _أيوة، نفس سنك. هز إسماعيل رأسه بإستياء شديد وهو ملتزم الصمت، وأعاد لها الهاتف دون أن يبدي أي رد فعل، لتردف رجاء وهي محتفظة بابتسامتها العريضة: _اسمه لعازر. تبدلت ملامح اليأس وكظم الغيظ في وجهه إلى ملامح صادمة، وعيناه متسعتان ووجهه قاطب وهو يقول: _مسيحي؟! أجابته أمه ببرود واستفزاز: _كان مسيحي، بس هو دلوقتي ملحد. صاح إسماعيل محتدمًا وجحظت عينيه في صدمة عارمة: _كمان؟؟!!! صاحت رجاء فيه بصرامة: _في إيه يا إسماعيل، ما تلم نفسك؟! شوفتي؟! شوفتي اتحول إزاي لما عرف إني هتجوز ملحد؟ مش قولتلك همجي زي شيخه. نهض إسماعيل واقفًا وقد طفح كيله: _قوليلي يا أمي إنه مش كافر، وإنتِ بتعملي كده عشان تعصبيني! وقفت هي الأخرى أمامه وهي تصيح ممتعضة: _ما تبطل بقى جو الإرهاب بتاعك ده؟ فيها إيه لما مسيحي ولا ملحد ولا بوذي، إنت اتجننت؟! أقسم بالله، أمنية حياتك إنك تطلع من الزريبة اللي إنت عايش فيها دي وتعيش العالم وتعيش حياتك وتتبسط. أحنا في ٢٠٤٢ ولسة بتقول كافر ومش كافر؟! قال لها ونبرته مرتجفة كما لو كان سخطه يتضارب مع أحباله الصوتية محاولًا الخروج والانفجار صارخًا في وجهها: _مينفعش، مينفعش تتجوزيه كده، هيبقى زنا، إنتِ مسلمة! _أنا مش مسلمة، وميشرفنيش أبقى تبع الدين ده!!! تلك الجملة اخرست إسماعيل تمامًا، وشل جسده وتحجر تمامًا، وتحجرت دموع الصدمة الخفيفة على جفون عينيه التي تحملق في أمه بثبات، لتردف رجاء بقولها: _أنا لسة عندي امل إن مسيرك تتغير وتبقى إنسان أحسن. أول ما عرفت إن مصطفى اتسجن، وأنا أملي زاد وتفائلت إن كلامه السم يروح من مخك مع الوقت. أنا مش هزعل منك يا بني يا حبيبي. قال إسماعيل وهو كظيم بنبرة ثابتة من غلاظتها تظهر حنقه القاتل بدون صياح: _إنتِ عارفة مكان الباب... مش محتاج أوصلك. رفعت رجاء حاجبيها في دهشة وصدمة ساخرة وهي تقول: _بتطردني يعني؟ ماشي، على العموم إحنا كلامنا لسة مخلصش.. لما حالتك تتحسن هجيلك تاني، يلا يا هانيا. نهضت هانيا وخرجتا من المنزل. ومن بعد خروجهما، ظل إسماعيل يحدق في الباب، عقله ينكر كفر أمه، عقله ينكر ولا يرغب بالاستيعاب. لطالما حاول تجاهل هجومها على الدين وإخراج أعذار مثل أنها لا تقصد الدين الحقيقي أو ما شابه، ولكن للأسف من بعد ما اعترفت به، لا أعذار لها.. وضع إسماعيل يده على صدره متألمًا وهو يزفر أنفاسه محاولًا إخراج النيران المضطرمة في صدره. _{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} التفت إسماعيل لقائل الآية ليجده والده واقفًا خلفه. بعدها اتجه للأريكة وجلس عليها وهو يقول: _في صحيح البخاري قال الرسول ﷺ: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة؛ فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال لإبراهيم: ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار." سكت والد إسماعيل برهة ثم أضاف: _الله تعالى حول صورة والد إبراهيم عليه السلام إلى صورة ضبع، وبعدها انقلب على وجهه إلى نار جهنم. ربنا مش بتاع مجاملات، أعوذ بالله. لو مش عايز تشوف أمك كده... ادعي لها بالهداية، ومتخليش سخطك يخليك تدعي عليها. قال إسماعيل بنبرة متحسرة: _إنت كنت عارف؟ عشان كده تعبت اليومين دول عشانها؟ سكت والده دون رد، ليكون سكوتُه دليلًا على صحة كلام إسماعيل. وفي تلك اللحظة رن هاتف إسماعيل وكان جمال، وبعدما فتح الخط قال له: _إسماعيل تعالى ضروري، في حاجة غريبة في بيت الشيخ مصطفى.                          *********** صعد إسماعيل مسرعًا لمنزل مصطفى ليرى جمال وهشام واقفين أمام الباب في انتظار، ليسألهما: _إيه؟ خير حصل حاجة لمريم؟ هزا رأسهما بالنفي، وأجابه جمال: _لقيت دكتورة نجلاء بتتصل بيا وتقولي نيجي ضروري، معرفش ليه. في تلك اللحظة فتحت هاجر الباب وسَمحت لهم بالدخول، دخلوا المنزل ليظهر أنهم قاموا بوضع حاجز كالستارة مُعلق من السقف ليكون حاجبًا عن نجلاء وريهام في الجهة الأخرى من الصالة، ولكن لم يكن هذا ما جذب أنظارهم، بل ذلك الصندوق الخشبي العملاق المليء بالأسلحة والبنادق. دخلوا وهم يحدقون في الصندوق بتهيع شديد حتى نسوا أن يلقوا السلام، لتلقيه نجلاء هي من وراء الحجاب. _السلام عليكم استفاقوا ثلاثةٌ وردوا السلام، ثم قالت نجلاء: _الصندوق ده وصلنا قدام باب البيت من ساعة، هاجر نزلت قعدت تسأل كل اللي في الشارع عن أي حد دخل العمارة في المدة دي، محدش جاوبها. إنتوا مشوفتوش؟ قال هشام: _لا، القهوة في وش العمارة وأنا كنت قاعد فيها طول اليوم، ف... لو شوفت حاجة كنت هعرف، بس مشوفتش بصراحة. بدأت تحك نجلاء أصابعها من التوتر والقلق العارم لتقول هاجر، التي كانت مع ثلاثتهم: _ده معناه إن الشخص موجود لسه في العمارة. قال جمال وهو يحدق في تلك الأسلحة: _ليه ده اتحط ليكوا بالظبط؟ قالت نجلاء: _ده اللي عايزة أعرفه، ليه ومين وازاي؟ كمان هاجر قالت إن دي أسلحة المليشيات... وعايزة أتأكد منكوا بما إنكوا مسكتوا أسلحتهم قبل كده. اقتربوا ثلاثةٌ وهم يتمعنون النظر ليقول إسماعيل: _أنا مش بتاع أسلحة بس.. شكلهم بالفعل أسلحة المليشيات لأن أسلحتهم شكلها غريب... ومتطور أكتر. قالت هاجر، وبدا على نبرة صوتها الثابتة أنها غير متأثرة بالأمر، بل بدا عليها السعادة: _اللي بعت ده أكيد غرضه المساعدة... وكأنه بيقول لينا نجهز للي هيحصل يوم التلات الجاي. نظر هشام لها وهو يقول بتوتر: _هيحصل إيه التلات الجاي؟ _المليشيات هتيجي القرية دي. قال جمال باستنكار: _إنتِ مصدقة اللي قاله نور؟ نظرت إليه وهي تقول: _ومصدقوش ليه؟ مهو اللي بيشغل المليشيات، كونه يقول إن المليشيات هتيجي دي مش نبوءة منه، ده معناه إنه هيبعت المليشيات على هنا ويأمرهم بده. التزم ثلاثةٌ الصمت فور أن شعروا بتقدم الخطر إليهم شيئًا فشيئًا، صمتوا حين استوعبوا بجدية الأيام القادمة وجسامة الكارثة المترقبة. وحين طال صمتهم قالت نجلاء: _إحنا مينفعش نرمي الأسلحة دي أو نوديها الشرطة، عايزاكوا تحتفظوا بالصندوق ده... بأي طريقة. قال جمال: _مش يمكن دي حيلة من الحكومة عشان يلفقوا تهمة لمصطفى ويخلوه يكمل في السجن؟ يبعتولنا السلاح ده بعد زيارة نور لينا على أساس إننا نصدق إن اتبعتلنا ده عشان نحارب المليشيات بيه، بعد كده ييجوا لبيته عشان يفتشوه ويلاقوا الصندوق ده وده سيكون دليلًا لحبسه. قال إسماعيل وظهر القلق على عينيه: _لو كلامك صح.. فلازم نتخلص من الأسلحة دي في أسرع وقت، لأن احتمال كبير يكون حد بلغ الجيش إن فيه مليشيات هتيجي وممكن لما الجيش ييجي الشرطة تيجي معاهم ويفتشوا المكان ده. قال هشام بنبرة مرتجفة محاولًا طمأنة نفسه: _هيبلغوا ليه أساسًا وهما مصدقوش نور زيّنا كده؟ _يمكن في حد صدقه بينه وبين نفسه وقرر يبلغ احتياطي. أثناء حديثهم كان جمال صامتًا يفكر، وجذب انتباهه ذهاب هاجر وعودتها ببعض أدوات التصليح والتفكيك في يدها، ثم أمسكت بكلاشينكوف متطور وبدأت في تفكيكه. لاحظوها ثلاثةٌ وهم يحدثون فيها في صدمة وتهيع، وقال هشام مندهشًا وهو يهمس لهم: _دي بتفهم في الأسلحة وبتعرف تفكهم... هي مين دي بجد؟ رفعت هاجر بصرها لهشام لتثبت أنها سمعته، فسكت بشدة خوفه من نظراتها، ثم عادت للنظر لما تفعله، وقال جمال هنا: _شكلك واحدة فاهمة... ما تقوليلنا رأيك. ظلت صامتة دون رد إلى أن فككت السلاح وفحصته جيدًا وارتسمت ابتسامة عريضة تثبت النكبة التي هم فيها. كأنها تمامًا ابتسمت فور غضبها وشعورها بالخطر، وأخرجت شريحة بيدها والتي جعلتها تبتسم وهي تقول: _رأيي إن البوليس في الطريق، وإن نور بعت الأسلحة عشان يوقع بمصطفى ويلفقوله قضية إرهاب وتعاون مع مليشيات كمان، وده جهاز التعقب اللي الشرطة هتتبعه، يعني، لازم نخفي الصندوق ده في أسرع وقت. فجأة سمعوا صوت ارتطام جسد بالأرض في الجهة الأخرى من الحجاب، وصراخ ريهام ومريم من فزعهما، لتدخل هاجر عندهم بسرعة وتجد نجلاء فاقدة الوعي. لحسن الحظ كانت مرتدية النقاب بالفعل، حاولت هاجر تهدئتهما وحملت نجلاء بسرعة وهي تقول لثلاثتهم: _اتصرفوا إنتوا في الأسلحة دي بسرعة على ما نروح المستشفى ونشوف فيها إيه. خرجت هاجر بنجلاء وتبعها ريهام ومريم تاركين جمال وإسماعيل وهشام مع تلك القنبلة الموقوتة. قال هشام وجسده ينتفض هلعًا: _هتعملوا إيه؟ هنودي المصيبة دي فين؟ هنعمل إيه؟ أغلق جمال الباب وهو يقول محاولًا إخفاء توتره الشديد: _إحنا ندخلها أوضة من الأوض دلوقتي بعدين نخبي سلاح سلاح في مناطق عشوائية، مفيش حل غير كده. حملوا ثلاثةٌ الصندوق بصعوبة جسيمة لم يصدقوا أن هاجر حملته وحدها، أدخلوه إلى غرفة مريم، وقبل أن يبدأوا في التخطيط والتفكير، طرق باب المنزل بعنف، ويلي ذلك الطرق صوت رجل يقول بجهر وصرامة: _افتحوا الباب!!، حكومة!!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة