انقاذ محتوم ٣

انقاذ محتوم ٣

38 0

٦٨ . . . _ليه الإنسان ممكن يعمل كده في حد من بني جنسه؟ ليه يعمل كده في كائن شبهه وعارفه بالضبط؟ سؤال دائمًا ما كان يراود عقل إبراهيم، عقل إبراهيم الفائض الطافح بالتفكير المؤرق. كان تفكيره يتلاطم كالأمواج الهائجة دون سكينة أو راحة، ذلك المكان الملعون كان يجعل من أمواج أفكاره أمواج حمم بركانية. كلما فكر، احترق عقله من شدة الألم والصداع، بسبب فظاعة ما يفكر فيه من أشياء مفجعة رآها. ليجيبه إلياس الجالس بجانبه، أثناء ما كانوا في مهجع مبنى الدعارة: _الإنسان أصله كائن متوحش. هاد أكتر كائن بيحتاج للمبادئ والقوانين، لأنه لو أخذ حريته بشكل مطلق، بتطلع همجيته علينا. قال إبراهيم له مستنكرًا: _يعني إيه؟ عايز تقولي إن الظلم والجرم البشع ده حاجة غريزية فينا؟ مش المفروض الضمير والرحمة والإنسانية تكون هي اللي في غريزتنا؟ _ليش بتعتقد إنو الله أرسل نبي عشان يتمم مكارم الأخلاق؟ لأنو الإنسان ما بطيق الأخلاق، ما بطيق يمشي على قواعد ومبادئ، ما بطيق الضمير ولا الإنسانية. كل هادول بيكبحوا حريته في الأذى. الإنسان هو الوحيد اللي بيستمتع بالأذى بدون فايدة، عكس الحيوانات اللي بتأذي عشان تستفيد أو تاكل. الله خلق الإنسان بهالصورة الأخلاقية، صورة الكائن الشرير والظالم والرجس، عشان يبدأ امتحانه ويمحي كل هالصفات القبيحة بالدين. عشان هيك، يا إبراهيم، تمسك بدينك، عشان ما تتحول وتصير زي هالوحوش، حطب جهنم. . . . لطالما كان حديث إلياس يهدئ من روع أمواج عقل إبراهيم الحارقة. لن ينسى أبدًا آخر حوار بينهما قبل أن يموت، كان هذا هو، حديث سديد رشيد ينتهي بنصحه بالتمسك بدينه. ولكن بعد مماته، عادت الأمواج في التضارب والتلاطم، واشتد تفكيرُه المؤرق المضطرب واشتدّت حرارته. أمواج من حمم مسمومة تكوي عقله. كلما زادت أفكاره، كلما شعر بآلام عقله التي لا تحتمل، النابعة من حرارة صدره بسبب كثرة القهر والإهانة والذل والتعذيب الذي يواجهه. يخرج تفكيره على هيئة دموع حارقة من عينيه تارةً، أو قيء من معدته تارةً أخرى. لا تخرج سوى بألم قاتل، كما لا تستقر في عقله سوى بألم قاتل. ولا يوجد أحد يهدئ من تلك الأمواج الحارقة سوى إلياس. إبراهيم الآن في غرفته في مبنى التجارب، جالس بين الظلمات التي كانت تواسيه. فقد استوحش بقوة لدرجة أن خُيِّل له أن الظلام يواسيه، والصمت يواسيه، والتراب يواسيه. دائمًا ما يحاول التمسك بوصايا إلياس له، فلا يتوقف عن التفكير في الله وفي حضور الله معه في وحدته. يعلم أن الله يمهل إلى أن تأتي المواساة العظيمة منه عن قريب. فُتح باب الغرفة، تلاه صوت شارلوت: _إبراهيم! انتفض إبراهيم في صدمة وهو يقول: _شارلوت؟؟ وقف إبراهيم بصعوبة ووهن، مصدومًا لا يعرف كيف يبدي ردة فعله، ولكن انهالت شارلوت بالبكاء وركضت لحضنه وعانقته بقوة، وهي تصيح باكية على حالته. ثم نظرت إليه، واضعة كفيها على وجنتيه، وقالت بحسرة قاتلة: _إبراهيم... عيناك.. ماذا حدث لعيناك؟ نعم، فقد ابيضت عينا إبراهيم تمامًا وأصبح كفيفًا لا يبصر، وهذا ما جعل شارلوت تهلع وتبكي بهستيرية، متحسرة على حبيبها وعلى جمال عينيه البنيتين اللتين لطالما كانت تتغزل بهما. إن ما يواجهه إبراهيم لا تطيقه أقوى الوحوش الأسطورية. إبراهيم سُلب منه شبابه، سُلب منه صحته، سُلب منه كرامته، سُلب منه طهارته، سُلب منه إنسانيته، وسُلب منه بصره. ولا يعلم إن طال به المقام في هذا المكان ماذا قد يُسلب منه بعد. لطالما تمنى أن يسلبوا روحه في أسرع وقت، فهي الأسهل في السلب، والأكثر راحة له. قالت شارلوت وقد تآكل قلبها من السخط والتحسر على إبراهيم: _ذهبت عني وخطفوا بصرك وعينيك الجميلتين. أقسم بأني لن أتركهم، أقسم بأني سأنقذك من هذا الجحيم يا إبراهيم. ابتسم إبراهيم وهو يقول لها بصوت واهن منهك: _إني أخشى عليكِ الأذى، ولكن هذا يسعدني حقًا أن تعزمي على هذا الأمر. أرأيتِ؟ أرأيتِ ما يفعلونه بالناس؟ أسمعتِ صراخهم وأنينهم؟ قالت شارلوت برجفة قوية في جسدها ونبرة مرتجفة: _سمعت، ورأيت، ولا أصدق أن أبي يدعم كل هذا الإرهاب ويشارك فيه. ولكن صدقني يا إبراهيم، عودتي لبريطانيا لن تكون لأبكي وأتحسر، بل لأخطط في تحريركم. هل تستطيع الانتظار؟ قال إبراهيم بابتسامته: _لقد انتظرت ثلاث عشر سنة، وأستطيع الانتظار أكثر.                             ********* _افتحوا الباب!! حكومة!! هبط على رؤوسهم سهام الهلع والصدمة المتجمدة لتقوم بتجميد أجسادهم تمامًا وتحجرهم ببرودتها. فور سماعهم بذلك، شعروا ببرودة زمهرير تخترق مسام جلدهم كالدبابيس الشائكة. الأسلحة أمامهم، والشرطة أمام الباب. لم يشعروا بهلع في حياتهم كما شعروا في هذا الموقف. لطم هشام فمه وعيناه جاحظتان وهو يقول: _هنعمل إيه؟! روحنا في داهية!! روحنا في داهية!! نظر إسماعيل لجمال، ونظر جمال لإسماعيل. تبادلا نظرات الاستسلام والتوكل على الله، وقال إسماعيل: _مفيش حل تاني... أنا هروح أفتح الباب. كاد أن يصرخ هشام في وجهه ليمسكه جمال ويكتم فمه ويكبح حركته مستسلمًا هو الآخر. كان جمال واسماعيل لا يعلمان لما استسلما بتلك السرعة، شعرا أن الأمر ليس برغبتهما، شعرا أن ما يحركهما الآن ليست إرادتهما. يجهلان مصدر هذا الشعور، ولكنهما لم يقاوموه. فقد رأيا أن المقاومة في هذه اللحظة هي غباء، وأن التوكل على الله هو الحل الأمثل. خرج إسماعيل من الغرفة واتجه للباب، واستنشق نفسًا عميقًا وهيأ نفسه تمامًا. وبملامح باردة ثابتة، فتح الباب لهم وطلب منهم مذكرة التفتيش أولًا. وحين رآها سمح لهم بالدخول، وهو يراقبهم. كانت دقات قلوب كل من إسماعيل وجمال وهشام كقرع الدفوف، كادوا يسمعونها وشعرون بها ترتطم بضلوعهم. علم إسماعيل أن تلك هي نهايتهم ونهاية مصطفى. ها هم يدخلون الشرطة غرفة مريم، ليغمض إسماعيل عينيه في استياء وحسرة مما سيفعلونه بهم وبمصطفى. هذه هي النهاية إذن؟ سيتم سجنهم جميعًا، وسيثوى مصطفى في المعتقلات؟ يا حسرتاه على شبابهم، يا حسرتاه على أحلامهم وآمالهم. ماذا ستفعل مريم؟ ماذا ستفعل نجلاء؟ كيف تكون تلك النهاية؟ شعر إسماعيل أنه سيفقد الوعي من هول النكبة. وكل ما فعله أنه همس مناجيًا ربه، ليسمع بعدها أحد الضباط يقول: _مفيش حاجة هنا يا فندم. فتح إسماعيل جفونه بجحوظ عينيه وصدمة عظيمة وهو لا يفهم ما معنى ذلك. كذلك جمال وهشام، الواقفين أمام صندوق الأسلحة، وأمامهم بمسافة متر واحد فقط الشرطة، وهم يلتفتون حولهم بحثًا عن أي شيء، كما لو كان جمال وهشام والصندوق مختفيين تمامًا. ثم كرروا مجددًا: _مفيش حاجة هنا يا فندم. فتح إسماعيل فمه في صدمة عارمة كذلك جمال وهشام. وبعدما تأكدوا من الضباط أن لا وجود لأي شبهه في هذا المنزل، خرجوا وتركوا الثلاثة شباب في حالة اندهاش قاتلة. هنا خرج جمال وهشام من الغرفة في حالة صدمة واندهاش تام بينما كان جمال يردد: _{وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}. تقدم إسماعيل لهم وهو يسألهم: _هو ايه اللي حصل دا؟! قال جمال: _الله أعلم، الله وحده اللي يعلم باللي حصل. يقف نور الصاوي الأن أمام العمارة في الجهة المقابلة. وفور أن رأى الضباط عائدين بأيادي فارغة، عرضت ابتسامته لنجاح خطته وقوته في تحكمه بهم. كان حتى نور الصاوي متفاجئًا من نفسه، فلم يكن يعلم بأمر الأسلحة تلك أبدًا سوى بالصدفة، ليقرر أن يأتي إلى مصطفى بأسرع وقت. وبقدوم الشرطة، كان قد وصل معهم بالفعل. حين تأكد نور من ذهاب الشرطة، قرر العودة لعمله. وهنا سمع رنين هاتفه ليخرج ويجيب: _أيوة يا ديميت، عايزة إيه؟ أجابته ديميت، ويظهر الغضب على صوتها: _هكون عايزة إيه؟ نور! أزيّني الفلاشة واللابتوب بتوع بابا في أسرع وقت، وإلا والله هقول لسليم، أنا لحد دلوقتي ما قولتلوش. أجابها ببرود ولا مبالاة: _قوليله عادي يعني هو هيعمل لي إيه؟ وبعدين قلت لك اصبري وهديهم لك زي ما هما. إنتِ اللي مستعجلة، ودي مش مشكلتي. يلا، سلام.                             *********** وصل نوح إلى المستشفى حيث نجلاء ومعه غادة، ساروا مسرعين إلى غرفة نجلاء ووجدوا هاجر تنتظر خارجها. وفور أن جاءوا إليها، قالت لهم: _بص يا نوح، خليك مع نجلاء لأن ورايا مشوار مهم محتاجة أخلصه. _طب هي حصلها إيه؟ _ابقت شوفها بقى جوه، سلام عشان مستعجلة. مضت هاجر وتركتهم ليدخلا كل من نوح وغادة الغرفة ويجدا نجلاء في حالة إغماء تام، يجلسان معها ريهام ومريم. سلم نوح عليهما وهو يسأل عن حالة نجلاء، لتقول ريهام وقد أهلكها القلق والتوتر الدائم: _والله يا بني فجأة وقعت من طولها كده.. هي بقالها مدة طويلة أصلاً مش على بعضها. قالت غادة بنبرة شفقة وهي مهمومة: _أكيد عشان غياب مصطفى، غيابه طول أوي. كانت ريهام ممسكة بهاتف نجلاء الذي لم يكف عن الرنين، وحين لاحظ نوح عزيمة المتصل الغريبة تلك، قال لها: _تعرفي مين اللي بيتصل ده؟ _لا يا بني، خد هزقه عشان ميتصلش تاني لأني تعبت مش قادرة أكلم حد. أخذ نوح الهاتف وخرج خارج الغرفة وهو يجيب على المتصل، ليتفاجأ بفتاة تصيح باكية: _دكتورة نجلاء، أبوس إيدك، الحقيني، أرجوكي. لم يتوقع نوح هذا الرد الباكي ليقول: _أ... أنا مش نجلاء، أنا قريبها، خير في إيه؟ _أ... أنا هالة، كنت اتكلمت مع دكتورة نجلاء قبل كده على إن أهلي هيبيعوني آخر السنة، بس اكتشفت إنهم هيدوا ورقة بيعي وهيبيعوني دلوقتي، ومقدرتش أمنعهم إلا لما قولتلهم إن فيه عريس متقدملي وهيكلم بابا عشان ييجوا الليلة دي، وأنا معرفش حد ومعنديش عريس، أقسم بالله هموت، معرفش أعمل إيه لو محدش جه هتباع. ظهر على ملامح نوح الاهتمام والقلق حيال تلك الفتاة، وهنا وجد الطبيب يقدم عليه ويدخل الغرفة ليقول نوح لها: _متقلقيش، الليلة هتلاقي حد بيتصل على والدك وييجي يخطبك النهاردة، متقلقيش، سلام وشوية وهكلمك. أغلق نوح مع هالة ودخل خلف الطبيب، وسمعه وهو يقول: _دكتورة نجلاء ناقصها فيتامينات كتير، أهمهم فيتامين دال، ولكن مش بشكل خطير، هكتب لها أقراص تساعدها، وهكتب لها نظام غذائي مناسب برضو عشان يبدو إنها مكانتش ماشية على نظام يناسب حالتها. انتبه نوح من الكلمة الأخيرة وقال مستفسرًا: _يعني إيه يناسب حالتها؟ اندهش الطبيب وقال مبتسمًا بتواضع: _حضرتك متعرفش؟ ازدادت حيرتهم أكثر، وأجاب نوح: _معرفش إيه؟ سكت الطبيب برهة، والابتسامة تكسو وجهه، بقوله: _زوجة حضرتك حامل في الشهر التاني، ألف مبروك. انتفض نوح متفاجئًا من قوله "زوجته" وتبادلا هو وغادة النظرات، ولم تستطع ريهام كبح شهقتها من هذا الخبر المبهج الرائع، فوضعت يديها على فمها لتمنع نفسها من الصراخ فرحًا، وضحكت مريم هنا وهي تقول لريهام: _هيبقى ليا نونو؟ قالت ريهام بعدما قبلت رأس مريم: _إن شاء الله يا حبيبتي، إن شاء الله، ادعي كتير. قال نوح هنا مبتسمًا بشكل بسيط، يظهر برودة مشاعره في الآونة الأخيرة: _لا، دي مش زوجتي، ب... بس الحمد لله ده خبر جميل. _أنا بعتذر، فين زوجها يشارك الخبر الحلو ده؟ _هو مشغول دلوقتي، بس هنعملها مفاجأة، متقلقيش... أشكرك والله. قالت ريهام والقلق يصارع سعادتها: _طب محتاجين دكتورة نسا تكشف عليها لأن عندها مشكلة في الحمل، وفي العادة بتاخد حقن تثبيت وكده. أومأ الطبيب برأسه وهو يقول: _أه، أول ما تصحى إن شاء الله هبلغ دكتورتها عشان تكشف عليها وعلى الجنين أكتر بشكل أعمق، ووقتها هي هتحددلكم حالتها بالضبط. _ماشي يا دكتور، جزاك الله خيرًا، جزاك الله خيرًا. هنا قال نوح لغادة عن مشكلة هالة، وقال لها إنه سيذهب ليتصرف في هذا الأمر، لتبقى هي مع نجلاء وتتصل بعلا لتأتي بدلًا عنه. بعدها خرج من الغرفة وفور خروجه، وجد كل من جمال وإسماعيل وهشام قادمين تجاه الغرفة. فور أن رأى نوح جمال، ظل يتمعنه بعمق وهو يشعر أن ملامحه مألوفة. حين وصلوا ثلاثتهم له وسلموا عليه، قال هشام: _أخبار الدكتورة إيه؟ و... ومين حضرتك معلش؟ _أنا ابن عمة نجلاء واخو مصطفى، جيت أتطمن عليها، وهي زي الفل الحمد لله، منتظرين مصطفى صغير في الطريق. ضحكوا ثلاثتهم في ابتهاج عارم وهم يحمدون الله، وكان نوح ينظر لجمال طيلة الوقت. ملامح جمال المألوفة جعلت عيني نوح لا تتزحزح عنها. ارتبك جمال بشدة من نظراته تلك لأنه يعلم من هو بالضبط ويعلم ماضيه معه في تلك الشقة، قال نوح ليسكت فضوله: _هو أنا شوفتك قبل كده؟ قال جمال وهو يهز رأسه نافيًا: _ل... لا، مظنش. أومأ نوح برأسه وهو يقول: _أنتوا صحاب مصطفى صح؟ أجابوه بالإيجاب، ليردف نوح: _كان مصطفى حكالي إن فيه واحد منكم كان معاه لما اتباع نور هجموا عليه وساعد مصطفى في إنه ينقذ غادة مراته منه. قال إسماعيل: _أ... أيوة أنا. ابتسم نوح له وربت على ظهره وهو يقول: _شكرًا يا إسماعيل، تعالى معايا. اختفت ابتسامة إسماعيل في حيرة وهو يقول: _على فين؟ _تعالى يا حبيبي، متخافش، هشرحلك وإحنا ماشيين. بعدما مضيا كلاهما، اختفت ابتسامة هشام تدريجيًا بعدما استوعب ما قاله نوح. فنظر جمال، الذي اختفت ابتسامته هو أيضًا، وقال هشام: _ه..هو قال إنه أخو مصطفى؟ قال جمال: _أيوة... أنا أخدت بالي برضو. ظل جمال واقفًا، والأفكار تتوالى في عقله تدريجيًا. شعر بحيرة واضطراب شديدين في أفكاره، ورغب في وجود أحد يساعده على ترتيب تلك الأفكار... وخطر في باله هاجر، إذ شعر أنها تملك كل إجابات الأسئلة في عقله. احتفظ نوح بهاتف نجلاء وذهبا كلاهما إلى سيارته، فور أن ركباها وانطلق نوح بالقيادة، رن الهاتف مجددًا وأجابها نوح بقوله: _مش عايزك تقلقي، كل حاجة هتتظبط... أيوة العريس معايا، أهو. التفت إسماعيل ناظرًا لنوح بأعين متسعة ثابتة في تعجب واستغراب شديد، ليردف نوح: _أيوة، هديكي رقم والده، وانتِ ابعتيلي اللوكيشن، وهيجيلك النهاردة بالليل على حسب اللي يناسبكم... تمام... تمام، سلام. أغلق نوح مع هالة وهو يقول: _طبعًا عايز تفهم الموضوع إيه؟ _ياريت. استنشق نوح نفسًا ثم سرد له ما فهمه من هالة، حيث تلك الفتاة التي خيرها أهلها بالزواج أو البيع، وقد تفاجأت بعقد بيع لها في وقت غير المتفق عليه، ولكي تدافع عن حياتها كذبت وقالت إن لديها رجل يرغب بالزواج منها هذه الليلة. بعدما اتفق مع هالة وأهلها، قال نوح: _يادوبك هنعرف المكان وتروح تتقدملها بقى. قال إسماعيل وما زال يحدق في نوح لا يستوعب كل هذا الحشو في عقله: _هو مين ده اللي يتقدملها؟ _إنت. شرد إسماعيل بشدة من كبر حجم الصدمة والمسؤولية التي حملها في ثوانٍ، وشعر بإرهاق شديد من كل ما حدث له في هذا اليوم فقط. ظل يحدق في الطريق وعقله لا يكف عن التفكير عاجزًا عن استيعاب الأمر. شعر نوح بالضوضاء والبلبلة في عقل إسماعيل، فقال له ليهدئ منها: _ أنتوا بس هتقرأوا الفاتحة النهاردة بس، تبين لأهلها إن فيه عريس، ويمكن تطلع حلوة وتعجبك وتكملوا الموضوع وتتجوزوا عادي. _ب... بس أنا معنديش حاجة. _اليوم ده يعدي بس، وبعدين نبقى نجيب، وأنا هساعدك في كل حاجة. قال إسماعيل متعجبًا بشك: _ليه يعني؟ ليه تساعدني بالشكل ده؟ سكت نوح برهة وهو يفكر في إجابة لذلك السؤال. في الحقيقة، تجنب نوح من نفسه حين اندفع بشجاعة عارمة لإنقاذ تلك الفتاة. إن علم بهذا الأمر في الماضي، كان سيتجاهل الأمر ولن يتدخل، ولكن هذه المرة سيتدخل ويتدخل. فإن كان هو أقوى رجل في العالم، فسينهض بهذه الميزة ويسحق أي حثالة سيفتك بمستضعف. هل سيتقمص نوح دور البطل الخارق الذي ينقذ المستضعفين؟ ربما، قد يكون نوح عالمًا بهدفه، ولكن ما زال يجهل غرضه من ذلك الهدف. هل غرضه الإنقاذ الإنساني، أو إطفاء نيران الذنب الذي تشتعل في صدره دائمًا بسبب نسيانه لذلك الشخص المجهول؟ او عدم تكرار ما حدث له من تعذيب واهانة؟ _أنا بس مش عايز أشوف أي ضحايا للموضوع ده حواليا... مستحيل أسمح بكده تاني. أومأ إسماعيل برأسه وهو قلق، واتصل بأبيه لكي يحدثه في الأمر ويتجهز هو الآخر. وأثناء حديثه مع والده، قال إسماعيل لنوح: _ط... طب هي اسمها إيه؟ _هالة. لا يعلم ما الشعور الذي من المفترض أن يشعر به إسماعيل حاليًا، ولكنه مندهش من قدر الله، ويشعر بقوة أن هالة ستحول حياته رأسًا على عقب.                             ********** إن أمر نوح ومصطفى جعل عقل جمال يفيض بالشك حول حياة مصطفى السرية. لم يكن شك في مصطفى، بل كانت تكثر مشاعره القلق والخشية حياله. كان قد فكر في محادثة هاجر عن ذلك الأمر، ولكنه لم يعزم على ذلك. ليكتشف من ريهام أن هاجر طلبته شخصيًا ليذهب إليها في منزل نوح ليلًا لتخبره عن أمر معين ومهم. وصل الآن أمام باب المنزل وطرق الباب، وبعد برهة فتحت هاجر ليكتشف أن ملابسها مكشوفة. التفت منتفضًا وهو يغض بصره لتقول بامتعاض: _مالك؟ في إيه؟ شوفت عفريت؟ قال جمال بنبرة ثابتة صرامة ظهر غضبه المكبوح فيها: _يا آنسة، ما ينفعش تطلعي للناس كده. قالت هاجر بلا مبالاة: _أطلع للناس زي ما أطلع... خش يلا. تركت الباب مفتوحًا ودخلت غرفة المعيشة، تاركة إياه ظنًا منها أنه سيدخل خلفها، ولكنه لم يدخل. التفتت له وهي تقول: _هتخش ولا لا؟ _ما ينفعش أخش. _خلاص، انت حر. ارجع مطرح ما جيت، مش هتحايل عليك يعني. زفر جمال بنفاذ صبر واستغفر ربه ودخل رغمًا عنه وأغلق الباب. اتجه حيث ذهبت، وجدها تجلس على الأرض والأسلحة حولها من كل جهة. بدا عليها أنها قسمت كل جهة: جهة لشرائح التعقب، وجهة للأسلحة السليمة، وجهة للأسلحة المفككة، وجهة للأسلحة التي لم تُخرج منها أجهزة التعقب. من نظرة واحدة، خمن أنها دمرت ما يقارب العشرين جهاز تعقب بعدما أخرجتها من الأسلحة. _جبتيني عشان آخد الأسلحة السليمة؟ _أيوة. _ومجبتينيش ليه بعد ما تخلصي؟ رفعت هاجر رأسها له وهي تقول: _عشان أنا عارفة إنك عايز تتكلم معايا من أول ما شفتني، قلت انتهز الفرصة وتقول اللي عايز تقوله لحد ما أخلص. قال لها وهو ما زال لا يبصرها: _أنا مش عايز أتكلم معاكي في حاجة. حين لاحظت هاجر أنه لا ينظر إليها أبدًا ويبتعد عنها ببضعة أمتار، ارتسمت ابتسامة غريبة على شفتيها ثم نهضت وهي تقول: _هعملك حاجة تشربها، الأسلحة السليمة في الناحية دي. ياريت ترجعها الصندوق لو سمحت. أومأ برأسه، ثم ذهبت للمطبخ لتقوم بعمل كوبين من الشاي. وهو بدوره بدأ يضع الأسلحة في الصندوق. أثناء ما كانت المياه في طريقها للغليان، كانت واقفة تفكر في جمال وفي وضعهما الحالي، إلى أن ذهبت لغرفة غادة وارتدت جلباب الصلاة الخاص بها. ثم عادت للمطبخ وكانت المياه قد وصلت إلى غليانها. انتهى جمال هو الآخر من وضع الأسلحة. خرجت هاجر له بالشاي ووضعته على المنضدة وجلست ليشكرها ويجلس على الأريكة المقابلة. قالت له وهي تشير إلى جلبابها: _مش هحب برضو أخليك قاعد وأنت مش مرتاح. رد جمال ببرود ونبرة ثابتة: _حتى لو لبستي نقاب مش هبقى مرتاح عشان إحنا لوحدنا. قالت هاجر بتهكم، فيها نسبة من الغضب الطفيف وهي ترفع حاجبيها بلا مبالاة: _فعلاً؟ أنا غلطانة. بعد صمت طال برهة، قالت له: _عايزاك أنت وصحابك تخبوا الأسلحة دي في مكان معين عندكم. مش هعرف أخبيها هنا، يعني عشان في حالة لو احتجتوها. قال جمال وهو متحفظ على بروده وعدم النظر إليها: _أعتقد في الوقت ده خطر نحط أي سلاح عند قرية مصطفى. يستحسن أول ما يرجع وقتها نبقى نشوف الموضوع ده، لأن في الغالب الشخص المعتقل بيتم توزيع بعض المخبرين عشان يراقبوا الحتة عنده. أومأت هاجر برأسها وهي تحدق في جمال ومبتسمة ابتسامة عريضة من دهائه الذي يظهر فجأة، ثم قالت: _تعرف إن حوار غض البصر ده حسسني بإحساس غريب؟ تعجب جمال من جملتها وسألها مستفسرًا: _إحساس إزاي؟ _حسسني إني أنثى أخيرًا. فكرة إن حد غريب يتعامل معايا على إني أنثى من غير ما يجامل، دي حاجة نوعًا ما فرحتني. ابتسم جمال ابتسامة خفيفة من غرابة حديثها: _في العادة البنات بيتضايقوا لما حد بيرفض يبصلهم. قالت وعيناها تفيض بالهم والبرود: _عشان دول بنات طفحت الأنوثة طفح، قدروا يستمتعوا بحياتهم لدرجة إنهم عايزين كل الناس تشوفهم وهما بيستمتعوا بيها، من هدوم جميلة، ومكياج، وصوت ناعم، واهتمام وغيره. بس أنا عذراهم في رغبتهم دي... لأن أنا لو زيهم هحب الناس تشوفني كده برضو. استمع جمال لحديثها وشعر بصدقها من ذبذبات نبرتها المتحسرة التي وصلت لقلبه، وذلك أشعره بالندم. فقد ظن بين نفسه ظن سوء تجاهها، وشك في ميولها منذ بداية ظهورها في حياته. وبكونه إنسانًا صادقًا، قال لها: _سامحيني، لما لاحظت إن تصرفاتك فيها نوع من الذكورية، ظنيت فيكي ظن سوء. أعتذر وأتمنى تسامحيني. عذرته هاجر وقالت وهي غير مبالية: _ولا يهمك.. أدهم أجبرني أكون زيكوا في كل الأحوال. هو كان عايز كل اللي يشوفني يفكر زي تفكيرك كده، فعادي أنا متعودة. دار بينهم صمت لم ترغب هاجر في أن يطول لذلك قالت: _سيبك بقى من الجو ده وقولي اللي عايز تقوله. أنا عارفة إنك عايز تقول حاجة من أول ما شوفتني. أظن دي هتبقى اللحظة المناسبة. سكت جمال في تردد وهدوء تام يدل على الفوضى العارمة في عقله التي سببها قلقه، إلى أن قال: _هي علا... أخت مصطفى بالرضاعة؟ قالت هاجر بابتسامتها التي تبدو ساخرة: _مصطفى قالكوا كده؟ _أيوة. أومأت برأسها ثم قالت: _عذراه، لأن الحقيقة معقدة ومتنفعش تتقال مرة واحدة كده. اشرب الشاي عشان هحكيلك قصة طويلة. جلست هاجر على الأرض وعادت لتفكيك الأسلحة، وهي تسرد له عن أدهم وأولاده السبعة. ولم يتوقع جمال أبدًا في حياته، مهما كثر تفكيره المفرط، أن تكون تلك الحقيقة. حقيقة جعلته أخرس لا يبدي أي رد فعل صادم؛ فالصدمة كلها تراكبت في عقله من شدة غرابة الأمر. وانتهت هاجر بقولها: _وكل ده مصطفى ماعرفوش إلا من شهر تقريبًا أو أكتر... إيه رأيك؟ مصدقني؟ صمت جمال مدة طويلة من الوقت، وقد عذرته على أصالة صمته؛ فهي تعلم أن عقله لن يستوعب كل تلك الصدمات. سمعته يأخذ نفسًا عميقًا ثم يقول: _أنا مش هكدبك، بس احتياطي هاخد تأكيد كلامك ده من علا ومصطفى. هنا أتت عينيه عليها وعلى وجهها، ليفزعه مجددًا شدة تقارب ملامحها بملامح آنية. وقد قالت له إن أمهاتهم قتلوا. نما الشك في قلبه، وهو إنسان صريح ولا يحب إلا أن يواجه، لذلك سألها: _هو انتِ بنت آنية على كده؟ تلك الجملة كانت كتعويذة سحر أيقظت الشيطان الأحمر الهائج. فور أن سمعت اسم أمها، جحظت عيناها والتفتت لترمقه بنظرة أرعبته وغلغلت القشعريرة المؤلمة لجسده. لم يفهم تلك النظرة المتوحشة، ولم تكن النظرة فقط ما جعله في حالة صدمة عارمة. فقد مدت يدها وأمسكت سلاحًا من الأسلحة، وانقضت عليه بقوة وسرعة خاطفة، وألصقت السلاح بجبهته، وهي تقول بنبرة خافتة مرعبة تتعالى سخطًا كلمة بعد كلمة: _انت تعرفها منين؟! تعرفها منين؟! تعرفها منين؟؟!! رفع جمال كفيه كحركة لا إرادية لإثبات سلامته، وقال وهو يحاول كبح توتره وفزعته من حركة هاجر القوية المفاجئة تلك: _اهدي يا هاجر أنا..... أطلقت رصاصة بجانب رأسه وأذنه مباشرة، ليصرخ من شدة الألم بسبب الصوت العظيم للطلقة. شعر أن طبلة أذنه قد أُذت، وكررت السؤال وهي تصرخ: _تعرفها منين؟ انطق!!! أقسم بالله لو انت منهم!!! صاح جمال أيضًا، وقد طفح غضبه ولم يعد يطيق كبحه طيلة اليوم: _أنا مش من حد!!!! آنية كانت عايشة مع عبدالله في شقته وكنت بشوفها عنده بس مش أكتر!!! ظلت هاجر تحملق فيه بشك قاتل، ثم سألته: _وليه لسه فاكرها لحد دلوقتي؟ سكت جمال برهة وهو يتذكرها، ويتذكر نظرات القلق في عينيها حياله، ويتذكر محاولاتها في إصلاحه، ويتذكر كفها الرقيق وهو يربت على كتفه، ولهجتها الجميلة التي لطالما أحب سماعها، ويتذكر آخر حديث دار بينهما. ليقول جمال، وقد لمعت عيناه من الدموع الطفيفة التي بدأت في الخروج: _أنا مستحيل أنساها... هي الوحيدة في حياتي اللي كانت عايزة تنقذني. كانت حنينة وطيبة، كانت بتهتم بينا كلنا، ومكانتش شبهنا أبدًا. الظروف أجبرتها تبقى بيننا... بس ربنا رحمها ووداها مكانها اللي تستحقه... وراحت الجنة وارتاحت من اللي في الدنيا. اغرورقت عينا هاجر ودمعت متحسرة على والدتها، وأنزلت سلاحها تدريجيًا، وجمال يردف: _أنا واثق إنها كانت بتحبك أوي، وواثق إنها لو شافتك كده هتحضنك وتواسيكي... وتحاول تساعدك بروحها. ألقت هاجر بالسلاح، والتفتت مبتعدة عنه، وأجهشت بالبكاء وهي تحاول أن تكبح نفسها. ثم قالت: _تقدر تمشي دلوقتي.                            *********** بقميص وبنطال أنيقين يظهران جسده الصحي المتناسق رغم عدم انتظامه في الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية، بألوان مريحة متناسقة تدعم بشرته البيضاء التي تميل للحنطية بشكل خفيف، واضعًا الكحل الإثمد والمسك، مستعدًا للقاء بهالة. _مش عارف يا بني أنت طلعت لي بالحوار ده فجأة إزاي؟ يعني أنت خوفت تقولي قبليها لا أحسدك يعني؟ وصل كل من إسماعيل ووالده أمام بناية هالة، ليجيبه إسماعيل محاولًا ألا يظهر ضجره لوالده من البر: _يا بابا، ما أنا شرحت لك كل حاجة خمس مرات، والله ما عندي مانع أشرحها لك للمرة السادسة، بس إحنا خلاص وصلنا. _يا حبيبي، أنا فاهم، بس... مش حاسس إن في حاجة غريبة يعني؟ _حاسس؟ ما كل اللي بيحصل ده غريب، سيبها على الله. صعد كلاهما إلى شقة هالة، ورحّب والدها بهما ترحيبًا حارًا بحفاوة، يظهر الابتهاج العارم على وجههما كما لو كانا سيتخلصان من رزيئة كانت ملاصقة بهما طيلة العمر. جلس إسماعيل ووالده وتعارفا على بعضهما، وبدأ إسماعيل يعرّف عن نفسه من ناحية العمل والحياة المادية وغيرها. وهنا خرجت هالة تحمل صينية المشروبات، تلك العادة المصرية التي لن تموت إلى ما شاء الله. أتت هالة بالمشروبات ثم جلست لتبدأ في تفحص إسماعيل من شكله ومظهره، بينما هو كان يغض بصره من إحراجه. إن معايير الجمال تختلف بين الإنسان والآخر، وكان إسماعيل شابًا عاديًا لا يمتلك وجهًا أيقونيًا أو وسامة سينمائية أو ما شابه. قد يراه البعض جذابًا أو لا، ورغم أن معظم الناس في حياته كانوا يعترفون بجاذبيته، إلا أن هالة لم تره جذابًا. رغم صوته القوي، إلا أن ملامحه كان بها لطف لم يكن من ذوقها، لكنها تقبلته. كانت الاتفاقات بين العائلتين تزداد حدّة كحد السكين مرة بعد مرة. شعر إسماعيل أنهم لا يريدون تزويج الفتاة من تلك الطلبات التعجيزية، إلى أن طلبت هالة الانفراد بإسماعيل أمامهم. وافق أبوها، وجلسا كلاهما على أريكة أخرى مبتعدين عنهم، وهم أمامهم. حاول إسماعيل انتهاز الفرصة ليرى هالة بما أنها رؤية شرعية، وكانت مثلَه لا تمتلك ملامح أيقونية ووسامة عارمة. لكنه رجل، فقد رآها جميلة حقًا. كانت بشرتها حنطية مائلة أكثر للسمرة، وقد أعجب بلون بشرتها حقًا. كانت نحيفة نوعًا ما ولديها ملامح مصرية، وكانت ترتدي حجابًا بعض الشيء، فنصف شعرها ظاهر وعنقها كذلك. قالت له هنا وهي تشعر بالهم والقلق: _أنا آسفة أوي يا إسماعيل، واضح إنهم عايزين فلوس وبس، وهيستغلوك استغلال وحش. أنا بنصحك تسيبك مني عشان ما تتعذبش معايا. قال إسماعيل رافضًا: _لا طبعًا، ما ينفعش أسيبك تتباعي وتروحي المكان الملعون ده. _طب هتعمل إيه برضو؟ أنت مش شايف الطلبات اللي بيطلبوها لك؟ _ما عنديش حل غير إني أوافق، وهبقى أرجع لنوح اللي كلمك وأقول له أعمل إيه، لأنه اشترط عليّ إني لازم أوافق على أي حاجة هم عايزينها. سكتت هالة قليلًا وهي تشعر بالضيق والغم: _شكلي هبقى حمل تقيل أوي عليك. قال إسماعيل بنبرة لينة ليزرع الطمأنينة في قلبها: _ما تقوليش كده بس. بالعكس، أنا فرحان أوي وعايز أنتهز القعدة دي عشان نتعرف على بعض أكتر ونسيبنا من حوار البيع ده دلوقتي. نبرته كانت لطيفة معها بطريقة أراحتها وأشعرتها بقيمة كبيرة. شعرت أنه يهتم بمشاعرها حقًا، فرفعت عينيها لتنظر إلى عينيه بإعجاب لتجده يشيح ببصره في ارتباك من نظرات عينيها المباشرة. وحين لاحظت ذلك، قالت: _ملاحظة إنك بتتكسف كتير. الموضوع ده نادر لما ألاقيه عند رجالة. فجأة، رمقها بنظرة ثاقبة محتدمة وهو يقول بصوته الغليظ رغم خفوته بحنق شديد: _قصدك إيه؟! أنتِ بتشكي في رجولتي؟! انتفضت هالة رعبًا من رد فعله وظلت تحدق فيه بخوف وهي تقول بارتجاف وارتباك: _أ..أنا مش قصدي... أ..أنا بس.... لم يتحمل إسماعيل أن يكبح ابتسامته، فضحك ضحكة خفيفة وهو يقول: _أنا بهزر معاكي، مالك خفتي أوي كده ليه؟ تنفست هالة في طمأنينة وضحكت ضحكة خافتة وهي تقول: _خوفتني يا إسماعيل... ما بحبش نوعية الهزار دي، ما تعملهاش تاني لو سمحت. قال إسماعيل وهو مستمر بالضحك: _خلاص ماشي، أنا آسف. قولي لي بقى، أنا لو قلت لك إن فيه شخص بتستحي منه الملائكة، هتقولي الشخص ده ذكر ولا أنثى؟ سكتت هالة قليلًا وهي تفكر، ولم تجد إجابة مقنعة سوى: _أكيد أنثى، لأن الأنثى لها حاجات كتير كل الكائنات تستحي منها. هز إسماعيل رأسه نافيًا، ثم قال: _لا، ذكر. الشخص اللي بتستحي منه الملائكة هو عثمان بن عفان رضي الله عنه. لاحظتِ من كلامك إن الحياء للرجالة حاجة شاذة، بس هي مش كده خالص. الحياء ده قمة الأخلاق والدين. أول حاجة مصطفى علمها لنا كرجالة بعد فروض ربنا هي الحياء. لما الإنسان يبقى حيي وينجح إنه يبقى كده، وقتها هيكتسب مكارم الأخلاق بكل سهولة. فرسول الله ﷺ، أكمل رجل ربنا خلقه، كان يُقال عنه إنه أشد حياءً من العذراء في خدرها. الرجل أصله لازم يبقى حيي وبيتكسف، واللي يقولك غير كده فرجولته ناقصة. قالت هالة بفضول وهي تنصت لإسماعيل بتركيز شديد: _عندك حق والله، ب... بس يعني إيه العذراء في خدرها؟ أجابها إسماعيل، ويظهر في نبرة صوته ولغة جسده الاستمتاع بطرح المعلومات الدينية بكل مهارة ولغة فصيحة سليمة: _يعني البنت البكر في بيتها. ده كان مثال عند العرب لأن البنات الأبكار عندهم كانوا شديدي الحياء والحرص على حياتهم، وكان بيتم معاملتهم معاملة القطعة الثمينة. _أ..آه، م..ما أنا برضو شديدة الحياء في بيتي وبتكسف آه. ابتسم إسماعيل وهو ينظر إليها لتكمل أسئلتها الفضولية التي تدل على استمتاعها باستماعها له يتحدث: _طب ليه الملائكة بتستحي من عثمان بن عفان؟ _كل الألقاب اللي لُقِّبت للصحابة والصحابيات لها سبب، ولها موقف، وكلها لُقِّبت من قبل الرسول ﷺ. واللقب ده ظهر في حديث. مرة كان الرسول ﷺ قاعد في بيته ومعاه عائشة رضي الله عنها، وكان الرسول راجل كأي راجل بيرتاح في بيته قاعد كاشف ساقيه. وأشار إسماعيل إلى ما فوق ركبتيه، ثم أردف: _وهما قاعدين دخل أبو بكر رضي الله عنه، اتكلم معاهم شوية وطلع. بعدين دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اتكلم معاهم شوية وطلع. وكل ده والرسول ما زال بوضعيته اللي تريحه ﷺ، لحد ما جه عثمان بن عفان. وأول ما الرسول عرف إن عثمان جاي، اتعدل في جلسته وستر ساقيه في حضور عثمان. وطبعًا عائشة رضي الله عنها امرأة ذكية وبتاخد بالها من تفاصيل الرسول حبيبها، فبعد ما عثمان رضي الله عنه مشي معاهم سألت الرسول اشمعنى عملت كده مع عثمان بس؟ فرد عليها وقال: "إن عثمان رجل حيي، ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟". اندهشت هالة من تلك القصة اللطيفة، فقد كانت تنصت لإسماعيل بأعين لا تطرف، تتأمله وتتأمل أسلوب حديثه الجذاب الجميل. قد قيل إنها لم تر إسماعيل جذابًا، لكنها الآن تراه أكثر الرجال جاذبية على وجه الأرض. لا تعلم كيف وقعت في حبه بتلك القوة، فقط من أسلوب حديثه المتقن المميز، من صوته ولغة جسده ونظراته. أردف إسماعيل هنا: _قال المناوي وهو بيوصف حياء عثمان بن عفان رضي الله عنه: "كان يستحي حتى من حلائله يعني زوجاته، كان يستحي في خلوته، ولشدة حيائه كانت تستحي منه ملائكة الرحمن". شوفتي بقى إن الحياء هي أكمل صفة لازم تبقى في الراجل؟ فمين أكمل الرجال من بعد الرسول ﷺ وصحابي جليل زي ذو النورين عثمان بن عفان؟ قالت هالة وفضولها يزداد أكثر فأكثر: _ذو النورين ده لقب تاني؟ احكيلي، احكيلي. ضحك إسماعيل من فضولها وحماسها، وكاد أن يكمل ليوقفه والده لتأخر الوقت. شعرت هالة بضيق شديد فور أن علمت أن إسماعيل سيتركها، ليقول إسماعيل بابتسامته اللطيفة وبنبرة رأفة: _ما تزعليش، هنشوف بعض تاني إن شاء الله وهحكي لك حاجات أكتر. أومأت هالة برأسها في تلهف: _ماشي، هستنى.                            *********** إن خيروكِ بين أن يتم اغتصابكِ من رجل واحد أم عشرة رجال. هل ستختارين الموت أم الموت؟ أم ستحاولين النجاة بخيار ثالث وهو الموت؟ ما تعيشه فريدة حاليًا يجعل روحها تنسحب من جسدها شيئًا فشيئًا. يتم تجهيزها الآن للقاء ذلك الرجل الذي طلبها في تلك الليلة. بكت، صاحت، قاومت، ثارت، حاولت الهروب، ولكن بلا فائدة. أبرحوها ضربًا وخيروها بين اغتصاب من رجل واحد أو اغتصاب من عشرة رجال تحت الأرض، فاختارت فريدة الخيار الثالث: الموت. هي الآن في القاعة المخصصة لتجهيز كل من يعمل في الدعارة، يتم تجهيزهم جسديًا ونفسيًا، إذ كانوا يأخذون عقاقير كالمخدرات لتقليل مقاومتهم. في العادة، يتم تناول هذه العقاقير من قبل المجبورين حتى الموت. نعم، إن فريدة مجبورة، لكنها أظهرت لهم الرضا حاليًا لتخطط للانتحار لاحقًا، هربًا من ذلك الرجل الملعون الذي طلبها. كانت دموعها لا تتوقف عن الانهمار من قهرتها الحارقة التي كانت تذيب قلبها وعقلها وعظامها تدريجيًا. أيقنت أنها ذاهبة للموت بنفسها كمن يُنفذ عليه حكم الإعدام، ولكن هذا أهون عليها من أن يلمسها رجل آخر سوى سليم. يبدو أنها خُدعت بنفسها إلى حد كبير. حين عادت وتذكرت أنها كانت واثقة من الهروب، ضحكت بتهكم على نفسها الماضية. صدّقت أنها بطلة، وأنها بفضلها سيتحرر المظلومون. إنه لعبث عظيم أن يأمل الإنسان الحرية في هذا العالم. مستحيل أن ينالها من أمثالهم مهما طال الزمن أو تغيرت الخطط. _وقفي بُكاكِ، ما أقدر أحطلك المكياج، خلاص. قالت لها تلك الموظفة اليمنية، فاعتذرت فريدة لها، لتقول الموظفة محاولة مواساتها: _يمكن كلامي يبانش مش مقبول، لكن صدقيني، اللي بتواجهيه بسفرك أهون من اللي قد تواجهيه تحت التراب. فخبّي دموعش ولا تستفزيهم زيادة، أنا خايفة عليش من بطشهم. أومأت فريدة برأسها وكبحت دموعها قدر الإمكان. وحين انتهت وارتدت ملابسها، رأت مجموعة من الأطفال لا يتعدى سنهم التسع سنوات يدخلون القاعة، بينما كان الموظف الأعجمي يقول لهم باللهجة المصرية: _لما تروحوا هناك اسمعوا كلام الكبار، ماشي؟ مش عايزكم تخافوا، متخافوش. هتلاقوا كتير صحاب ليكم هناك وهتتبسطوا أوي وهتلاقوا حاجات حلوة كتير هناك، ماشي؟ اعتبروها رحلة وهترجعوا تاني. تكاد فريدة تقسم أن ما تراه حاليًا هو أفجع وأبشع ما قد رأته عيناها طوال تلك المدة. لم تتأثر بالجثث وأشكالها، ولا بأصوات المعذبين، ولا بغيرهم. ذلك المشهد جعل إعياها يبلغ حده. لم تستوعب أن ما تراه حقيقي. أصيبت بدوار شديد، وأمسكت ببطنها واستفرغت كل ما في معدتها من بشاعة ما تخيلته قد يحدث لهؤلاء الأطفال الأبرياء. انتبه كل من حولها باستفراغها، فقال الموظف الأعجمي ساخطًا بلغته: _خذوها واجعلوها تغسل فمها وأسنانها. طائرتها ستقلع بعد دقائق. هيا بسرعة. أخذوها للحمام بصحبة فتاتين عربيتين، وهما تحاولان تهدئتها. لكنها كانت تصيح باكية، تلطم وجهها وتضرب رأسها، وقد بدا عليها أنها دخلت في نوبة هلع. ما ذنب الأطفال؟ ما ذنب الطفل الذي يطمح أن يكون طبيبًا ولكن لم يكن لديه المال لتدريسه فباعوه؟ ما ذنب الطفلة التي كانت تطمح أن تكون فنانة ولكن رأوا أن وجودها وصمة عار فباعوها؟ ما ذنب الطفل الذي لم يكتمل تفكيره بعد وكل همه هو اللعب والأكل فقط؟ ما ذنبهم؟ ما ذنبهم؟ كيف يفرط الإنسان في ابنه لأجل المال ولأجل الشرف المزيف؟ كيف؟ فريدة الآن في طائرتها، متجهة إلى مصر. كانت لا تكف عن البكاء، ولكن فور أن لاحظت أنهم متجهون إلى مصر، سألتهم عن ذلك الرجل الذي طلبها، ليقول لها الموظف: _يوسف إمام. وصلت فريدة إلى مصر، حيث منزل يوسف إمام في العاصمة الإدارية الجديدة. بطبيعة الإنسان، لا تُنتزع غريزة البقاء منه بسهولة؛ فقد كانت تفكر في طريقة للهروب، مع اعتبار الانتحار خيارها الثاني إذا تم الإمساك بها. دخلت المنزل بصحبة حارسين من المبنى، وأوصلوها إلى غرفة معينة ثم تركوها تدخلها بمفردها. كانت الغرفة خالية تمامًا. حاولت فريدة البحث عن أي أداة حادة يمكن أن تستخدمها، ولكنها لم تجد شيئًا. _مفيش داعي تدوري على حاجة تنتحري بيها. ذلك الصوت! فور أن سمعته، شعرت وكأنها استيقظت من كابوسها أخيرًا، شعرت برئتيها وشعرت أنها تأخذ انفاسها ولو للحظة قصيرة. استدارت سريعًا لتجد مصدر الصوت، فرأته واقفًا خلفها، كما لو كان ملاكًا هبط من السماء. لقد كان سليم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة