٥٦ أصوات نحيب طفلة صغيرة تتسرب إلى أذني هاجر أثناء نومها. تفتح جفونها بفضول لترى غرفتها عائمة في لون أرجواني شديد القتامة ولا تشعر بجسدها، يفتح باب الغرفة برفق من قبل طفلة في عمر الخمس سنوات. حين اقتربت بخطوات قليلة، كبر جسدها إلى أن وصلت لجسد طفلة في سن التسع سنوات تقريبًا. ظلت تقترب بخطوات بطيئة، وكلما اقتربت، كلما كبر ونضج جسدها، وتتعالى أصوات بكائها. وهاجر جسدها مشلول متيبس، تحدق في تلك الفتاة المجهولة التي تقترب منها ببطء واستفزاز، إلى أن وصلت لسريرها وتضح صورتها. نضجت إلى أن أصبحت فتاة شابة، ترتدي رداءً أبيض عند بطنها متلطخ بالدماء ويتسرب إلى ساقها كالنفساء أو الحائض. إنها الفتاة ذاتها التي رآها نوح بين ثلوج روسيا، ولكن هذه المرة كانت تحمل بكفها جنينًا ما زال الحبل السري موصولًا به، وكان الجنين يبكي هو كذلك. قالت الفتاة وهي تقرب الجنين إلى هاجر: _عجبك كده؟ شوفتي عملوا فيَّ إيه؟ عجبك كده؟ تعالى عويل الطفل وتبدل صوته إلى أن أصبح صوته كالكلب الباكي، وكان بشعًا يشمئز منه السامعون من شدة نشاز الصوت. أردفت الفتاة بنبرة جهورية صارمة: _خليه يفتكرني، خليه يفتكرني، خليه يفتكرني! فجأة طار الأثاث من حولها وطارت هي الأخرى بعنف، وارتطم جسدها بالسقف، ثم هبطت بقوة على السرير، لتنهض هاجر بفزع وهي تشهق وتثب من على السرير بسرعة، وهي تنظر حولها وهي تلهث. كانت الغرفة عادية، مظلمة، لا ضوء أرجواني بها ولا شيء، ولكن صوت الفتاة الصغيرة الباكية ما زال يسمعه، وكان مصدره خارج الغرفة. خرجت هاجر مسرعة، ظنًا منها أنه بكاء مريم، وحين خرجت إلى الصالة كان ظنها في محله، رأت مريم جالسة على أرض الشرفة تجهش بالبكاء، متحفظة على صياحها لكي لا توقظ أمها نجلاء. كانت تبكي بحرقة قوية، جسدها يتقفقف وتأخذ أنفاسها بعسر وسرعة. تقدمت هاجر إليها وجلست أمامها لتعتدل مريم في جلستها وتحاول إسكات نفسها، لتقول هاجر: _كملي عياط عادي، متمنعيش نفسك. عادت مريم للبكاء لتردف هاجر: _بتعيطي ليه بقى؟ _أنا قتلت فيفي...قتلت القطة إللي بحبها، كنت بحبها أوي وكانت جميلة أوي، قتلتها بطريقة وحشة أوي، مش قادرة أسامح نفسي، يارب أموت أنا تعبت، دايما بتخليني اقتل الناس واقتل الحيوانات وأنا مش عايزة كدة، تعبت من كتر ما بشوف الدم، تعبت من كتر ما بشوف الناس بتموت، جسمي وجعني من كتر الزعل، أنا تعبت أوي يا عمتو تعبت والله، بابا فسحني امبارح واتبسطت شوية بس دا منسانيش كل اللي مريت بيه، ينفع انط من هنا؟ ينفع انتحر واموت؟ استمعت هاجر لكل ما قالته مريم بأسى وشفقة، لتجيبها: _لا مينفعش، بس قوليلي مين اللي بيخليك تعملي كده؟ _نور، بتقول إن اسمها نور، هي جوايا ودايمًا بسمع صوتها بتتكلم، وبشوفها دايمًا، وبسمع معاها صوت طفل رضيع بيعيط. _هي اللي كلمتني أول مرة شوفنا بعض؟ أومأت برأسها لتردف هاجر: _طب خليها تكلمني. سكتت مريم برهة، ولمحت نفضة طفيفة جدًا غير ملحوظة في جسدها كعلامة على تبديل الجسد، بعدها قالت نور: _في حاجة عايزة تقوليهالي؟ _أنتِ روح قوتها؟ _عرفتي الكلام ده منين؟ _أدهم عنده واحدة، حكالي عنهم بس مكنتش أعرف إنها ممكن تبقى عند الأحفاد كمان، بما إنك روح قوة واسمك نور، فده معناه إنك كنتِ جوا جسم واحدة اسمها نور مش كده؟ قالت نور هازئة: _ما شاء الله، ذكية أوي. _إيه علاقتها بنوح بقى؟ رفعت منكبيها ردًا على سؤالها لتردف هاجر: _لسه شايفاها مع ابنها وبتقولي خليه يفتكرني. _مين قالك إن قصدها على نوح؟ _مفيش حد عنده زهايمر غيره. نهضت نور متجاهلة إياها وخرجت من الشرفة متجهة لغرفة نوح التي تنام فيها نجلاء. فزفرت هاجر بأنفاسها وهي منزعجة، بعدها قامت متجهة لغرفتها. وفور أن فتحتها، وجدت يدًا صغيرة كانت ممتدة من تحت السرير، وتنسحب بسرعة كما لو كانت تختبئ عند دخول هاجر. أغلقت هاجر الباب واتجهت إلى السرير، وبكل سهولة حملته بذراعيها كما لو كانت تحمل ورقة من قوتها الجسدية الجبارة. ظلت هاجر تحدق بالأرض في تعجب وحيرة قوية أثناء حملها للسرير فوق رأسها. فما رأته تحت السرير هو باب أرضي موصل للشقة أسفلها، مغلق بقفل مجهول مفتاحه. ********* انتشر خبر تعذيب أدهم للمخبرين الأشهر في مصر في تعذيبهم للشباب في المعتقلات، وتسربت بعض المشاهد من "الريد مونكي" على مواقع التواصل، والملايين من الشباب كانوا سعداء بهذا الأمر وبدأوا في مدح أدهم ووضعوه رمزًا للفخر. ومعه انتشر خبر القبض على مصطفى عبدالباقي بعد اقتحامه لمنزل نور الديب، ثلاثة أخبار جعلت الناس في حالة من النشاط العجيب: نوح، أدهم، ومصطفى. وفي فجر هذا اليوم يتجهز يوسف للذهاب إلى مصر بعد أن أيقن أن دوره قد أتى، فمع اعتقال مصطفى وكشف هوية نوح، قد طلبه رئيس الجمهورية شخصيًا ليكون في اصطحاب أدهم لذلك الاجتماع السري. حيث لا أحد يقدر على أدهم سوى يوسف، أو تحديدًا لا أحد يقدر على يوسف إمام. إنه ليس عالمًا عبقريًا عالميًا فحسب، فنفوذه قد تصل لعنان السماء، وهو الوحيد من بين الثلاثة الذي صعد بتفوق، مع سقوط سردار واختفائه وإعدام ليلى. وليست نفوذه بسبب اختراعه لأعظم الاختراعات البشرية على الإطلاق وهي الروبوتات، ولكن في كل اختراع إنساني، في كل دواء يعالج مرضًا إعجازيًا، في كل ابتكار عبقري يكون من وراءهم هو يوسف أمام. لديه ملايين الطلاب العباقرة، والذين مهما تفوقوا في هذا المجال لن يتعدوا مستوى يوسف في العبقرية والدهاء، ويبدو أن لسبب ما، أمريكا تحميه بأعينها، لذلك فمكانته حساسة نوعًا ما. رجل في كامل صحته، رغم وصوله لعامه الستين، إلا أن هيئته الجسدية ووجهه قد يعطيان انطباعًا عن رجل في الأربعين من عمره، غير معلوم هل هو يهتم بصحته أم يتعاطى بعض مواد غامضة من ابتكاره ليحافظ على شبابه. انتهى من تجهيز حقيبته وبدأ في ارتداء ملابسه، وهنا تتقدم ليلى وتعانقه من خلفه واضعة كفيها على قلبه لينشرح صدره ويتبسم في راحة، يمسك يدها ويلتفت لها وأعينها تلمعان من شدة هيامه بها. ظل يحدق في عينيها البنية الناعستين الشاسعتين، ويحسس بإبهامه على وجنتها المستديرة، ثم عاد وامسك بكفها وقبله قبلة عميقة طويلة. _هفضل هنا لوحدي لحد إمتى؟ سألته ليلى ذلك ليجيبها: _لسه معرفش، بس صدقيني أنتِ مش هتحسي بالوقت. قالت ليلى بنبرة ضعيفة وهي تبعد بصرها بإستياء: _مبحبش إحساس إني أكون مطفية. _بتحسي بإيه وقتها؟ سكتت ليلى برهة ثم قالت وهي تعيد النظر إلى عينيه: _بحس... أن ماليش وجود في الحياة. قال يوسف وهو يحس على شعرها المموج: _أنتِ وجودك في الحياة أساسي زيه زي الماية والأكل، مهما حصلك هتكوني موجودة، حتى لو موتتي أنا هرجعك وهتفضلي موجودة، عدم وجودك في الحياة دي معناها عدم وجودي. ابتسمت ليلى في راحة بعدها وقال: _مضطر أخليكي تنامي... أومأت برأسها ثم أخذ بيدها واتجها إلى غرفة مخصصة لها، كبسولة كبيرة الحجم مخصصة للروبوتات ليناموا فيها ويتم الحفاظ على أجسادهم والميكنة الخاصة بها، وقفت ليلى أمام الكبسولة ونظرت بأعين ترتجف قلقًا إلى يوسف، ليهدئها يوسف ويعطيها قبلة وعناقًا محاولًا لتهدئتها. _صدقيني مش هتحسي بحاجة، كلها مدة وهرجعلك تاني صدقيني. _مش عايزة أكون لوحدي. _مش هتأخر عليكي، صدقيني. وأثناء عناقه لها، أزاح شعرها من على مؤخرة عنقها ليظهر ذلك الخط المنير الأرجواني، يحب بإبهامه عليه ثم كبس برفق كبسة طويلة عليه لتسقط ذراعيها المتشبثة حول عنقه وتتراخى ركبتيها ليمسكها يوسف ويمنعها من السقوط. أطفأ يوسف ليلى تمامًا، وأصبحت كالاموات، مغمضة جفونها، جسدها متراخٍ بشكل تام. حملها يوسف ووضعها في كبسولتها وأعطاها قبلة أخيرة في جبهتها ثم أغلق الكبسولة والتي كان مكتوبًا في مؤخرتها (نموذج-2)، وبعد غلقها ظل واقفًا يحدق فيها بتحنن وحزن طفيف، فهو أيضًا يرى فراقها صعبًا بتلك الطريقة. إن ماضيه بينه وبين ليلى مجهول ومُلغِز، ولكن ما يتضح أن يوسف رجل متيم بها، متدله في حبها، لا يرى سواها، ويظهر ذلك في غرفته الخاصة، حيث يضع صورتها على الجدران، صورة وحدها، وصورة أخرى لهما سويًا حين كانا عالمان شابان في بداية طريقهما لتلك المهنة، وصورة أخرى من المفترض أن يكون سردار معهما ولكن قام يوسف بقصه من الصورة. صورة لها في محفظته، صور لا تعد ولا تحصى لها في هاتفه، في كل مكان خاص بيوسف ستجد ليلى فيه. يوسف إمام يستحق وبشدة لقب مجنون ليلى. ********* قاعة شاسعة مهيعة في مبنى المخدرات، يجتمع فيها العديد من الأقفاص التي تجلس بداخلها مجموعة من النساء، وبين كل مجموعة وأخرى مجموعة من الطاولات متجمعين حولها موظفون ملثمون يقومون بتعبئة الكوكايين. دخل كل من إبراهيم وفريدة تلك القاعة، وفريدة تلتفت ببصرها في كل مكان بنظرات صادمة ومنفرة، فمشهد الفتيات في الأقفاص كان مُقْبِضًا ومليئًا بالأسى. لقد رأت حقًا في هذا المكان كل الطرق الممكنة لإهانة وإذلال الإنسان، وقد ترى أكثر من ذلك مع مرور الوقت، رغم أن يظهر على مظهرها انه متحفظة علي برودها وثباتها، ولكن في غصة في صدرها وضيق قاتل وألم لا يحتمل في قلبها لا يداويه سوى صبرها وتأمل خروجها من هنا في يوم من الأيام. أمسك إبراهيم بذراعها أثناء سيرهما، وهو يشير إلى إحدى الأقفاص. _خشي هناك لحد ما دورك ييجي. أومأت برأسها ودخلت القفص مُكرهة وجلست بين بقية الفتيات، أما إبراهيم فإتجه إلى مجموعة الموظفين الذين يعبئون الكوكايين في الأكياس البلاستيكية الخاصة للبلع. _انتِ جديدة هني؟ التفتت فريدة لمصدر الصوت لتجد فتاة علمت أنها عراقية الجنسية من الوشم الذي في وجهها، لتجيبها فريدة: _أيوة. _انتِ محظوظة لأنهم حطوكي ويا إبراهيم، هو وايد حنين وأحن واحد بينهم. _أحن إزاي؟ مش فاهمة؟ هو دا مش زيينا كده؟ _ لا، هاد مختلف عنّا. هاد واحد من الموظفين الموثوق بهم. جلس تلاتعش سنة يخدمهم ويطيعهم. عشان هيك حطوه بهالمهنة. هو المسؤول عن البنات من يبلعون الكوك، وهو الوحيد اللي يتعامل معانا بطريقة إنسانية كلش. كانت فريدة تنظر إلى إبراهيم طوال حديث تلك الفتاة لتردف: _بتعرفين؟ بيقولون إن بنت ملك بريطانية بتحبه وايد، وبتطلبه إلها هواي وتقضي لياليها وياه وتوصيهم عليه من حبها الشديد إله. _هو بيشتغل في الدعارة كمان؟ لم تجيبها العراقية، وحين لاحظت فريدة صمتها المفاجئ، التفتت لها لتجد العراقية تتسع حدقة عينيها وتختنق بشكل تدريجي وهي تترنح محاولة اخذ انفاسها بعسر. انتفضت فريدة وهي تقول: _مالك؟ مالك يا حبيبتي؟ في إيه؟ مالك؟ سقطت العراقية أرضًا لتصيح فريدة: _حد يلحقهااا، حد يلحقهااا. انتبه إبراهيم لينطلق راكضًا إليهن ودخل القفص، ثم حمل العراقية بسرعة ووضعها على إحدى الطاولات محاولًا إنعاشها، ليقول موظف من الموظفين الأعجميين: _لا تضيع الوقت في إنعاشها، الحق الكوكايين واخرجه بسرعة. اكفهر وجه إبراهيم باستياء، ثم أخذ أداة حادة وشق بطنها تمامًا وفتح معدتها بيديه وأخذ يلتقط أكياس الكوكايين منها، وكل ما أخرجه هم تسعة. _واضح أن فيه كيس اتهضم. قال الأعجمي: _هذه مسؤوليتك. لما تأخرت في حضور الفتاة المصرية؟ عليها بلع عشرين كيس لتعويض وجود تلك الجثة. نظر إبراهيم للأعجمي وهو يقول: _هتبلع عشرين إزاي؟ _وما المشكلة؟ يوجد سواها من يبلعوا بالخمسين كيس. _ماشي بس دي لسة جديدة. _افعل ما أمرتك به، أم اشتقت للطوق الصاعق؟ هل جسدك يشتهي الشحنات الكهربائية الآن أم ماذا؟ هيا اجلبها! أشار إبراهيم لبعض الموظفين أن يحملوا جسد العراقية ويرسلوه لمبنى الجثث. بعدها اتجه للقفص وأخذ بذراع فريدة وأخرجها منه واتجها كلاهما إلى جزء آخر من القاعة، حيث يتم وضع أكياس الكوكايين وتجميعها استعدادًا لبلعها. توقفوا، وخلع أحد الموظفين الطوق من عنقها بينما الآخر يضع واحدًا في كاحلها، وإبراهيم يقول لها: _الطوق دا مش بيبان في جهاز التفتيش في المطار. هنديك بنطلون طويل وواسع تلبسيه عشان تخبيه. ثم أخرج لها جواز سفر وهو يريها صورتها وهويتها المزيفة: _دا باسبورك، هنستخدمه عشان نحجز الطيارة. أتت موظفة وبدأت تخفي الوشم تحت عين فريدة بمستحضرات التجميل. بعدها اتجهت لإبراهيم وأخفت وشمه أيضًا. ثم تقدم موظف بصندوق وأخرج لها كيسًا صغيرًا من الكوكايين وقال لها: _جاهزة؟ نظرت فريدة إلى الكيس ثم نظرت إلى إبراهيم ليقول لها: _هتبلعي اتنين وعشرين كيس، ماشي؟ قالت فريدة: _إزاي؟ _متقلقيش، هتقدري، يلا بس بسرعة. التقطت فريدة الكيس بتردد، يدها ترتجف بشكل طفيف من رهبة الموقف والتقلب القاسي لأحوالها. استنشقت نفسًا عميقًا للإشتعداد ثم أدخلت الكيس إلى حلقها ليسهل بلعه. بعدها رفعت رأسها وابتلعته بالكامل، وعادت الكرة في كل كيس. وحين تجد صعوبة في بلع واحد منهم، كان إبراهيم يعطي لها كوب ماء ليلين العملية. بعدما ابتلعت عشرين كيسًا، شعرت بغثيان وإعياء قوي، بدأت تسعل وأمسكت ببطنها متألمة. ليقول إبراهيم ليُدخل الصبر في قلبها: _فاضل اتنين خلاص، يلا فاضل اتنين. بصعوبة وعسر ابتلعت فريدة الكيسين المتبقيين. ليصرح لها الموظف الأعجمي: _لا تأكلي ولا تشربي أي شيء قبل أن تخرجيهم. قال إبراهيم هنا: _الطيارة هتطلع كمان ٤٠ دقيقة، لازم نوصل المطار قبلها عشان ممكن اللي في بطنك يتهضم ومش نلحق. انتِ فاهمة؟ أومأت فريدة برأسها، بعدها أخذ إبراهيم حقيبته وهرول لسطح المبنى وتبعته فريدة. ركبا معًا مروحية منطلقة إلى كوستاريكا. كانوا يقومون بالعملية في عجلة شديدة، فالمؤقت الخاص بتلك العملية هو معدتها، فبمجرد ابتلاعها للأكياس يبدأ المؤقت في التشغيل وتبدأ معدتها في القيام بدورها للهضم. تبقى ثلاثون دقيقة. وصلت المروحية إلى كوستاريكا، وهبط إبراهيم منها وهو يأمر فريدة أن تركض وتسرع خلفه. ركضا كلاهما إلى سيارة ركباها، وانطلق إبراهيم بأقصى سرعة ممكنة إلى المطار. كانت قيادته متهورة في سرعته وتحركات السيارة المفاجئة التي كانت تشعر فريدة وكأن روحها ستنتزع من جسدها، في كل ثانية تظن أنهم سيقومون بحادث مروع، يتجنبه إبراهيم ويثبت أن ظنونها خاطئة ويتجنب السيارات بطريقة احترافية سريعة ومتهورة. _ممكن تسوق بالراحة شوية يا مانموتش؟ _لو سوقت بالراحة انتِ اللي هتموتي. تبقى خمس عشرة دقيقة. فور أن وصلا للمطار، خرجا من السيارة وهم يهرعان بكل سرعة، لم تشعر فريدة بتلك القبضة في روحها وبذلك الاضطراب والتوتر الشديد الذي كان يجعل رئتيها تنكمش بينما يرتطم قلبها بضلوعها من شدة الهلع المكتوم، فهي تعلم أنها في خلال خمس عشرة دقيقة قد تموت أو ربما أقل. دخلا المطار، وأخرج إبراهيم التذكرتين بسرعة وهجما على الاستقبال، وحين فزع الرجل منهما، ضحك إبراهيم في تردد وقال: _معلش أصلنا متأخرين أوي. نظر إبراهيم لفريدة وهو يردف: _مش قولتلك يا حبيبتي هنتأخر؟ خليتينا نجري زي الهبل عشان نلحق الطيارة. عاد ونظر للموظف وهو يقول في اتدعاء: _مراتي دايمًا كده، بتقعد أربع ساعات عشان تجهز نفسها. تأكد الموظف من تذكرتيهما وجواز سفريهما، وبعدها ذهبا إلى نقطة التفتيش، والتي زادت من هلع فريدة نظرًا لوجود طابور طويل. نظرت لإبراهيم بنظرات تفيض بالتوتر والقلق العارم، ليقول لها وهو يطمئنها: _متخافيش، متخافيش هنوصل في الوقت المناسب. تبقى خمس دقائق. وأتى دورهما في التفتيش، وفور أن انتهيا انطلقا بأقصى سرعة راكضين إلى غرفة محددة في المطار. خطواتهما شديدة السرعة، بعيدة المدى، كالعدائين المتسابقين في الأولمبياد. وفور أن وصل إبراهيم إلى غرفة محددة، لحق بفريدة وأمسك بذراعها وجذبها بسرعة إلى الغرفة. كانت أشبه بغرفة تخزين للموظفين، ولكن كان بها جزء يحتوي على حوض وصنبور. اتجهت فريدة إليه وبدأت في إجبار نفسها على التقيؤ. أثناء ما كانت تستفرغ كل ما في معدتها، كان إبراهيم يلتقط الأكياس ويغسلها تحت الصنبور، ويضعها في صندوق كان بحوزته. _تسعة، حداشر، خمستاشر، عشرين... فاضل اتنين. _مش قادرة... تبعت. _فاضل اتنين يا فريدة، بسرعة، حاولي. _مش قادرة يا إبراهيم، بطني... هموت، مش قادرة. كانت فريدة تلهث وهي تتألم بشدة، تحاول أن تستفرغ، ولكن كان الأمر في غاية العسر. ظل إبراهيم يلتفت حوله في عجلة وهو يفكر في حل، إلى أن أتى أمامه زجاجة من الصابون السائل. التقطها ثم أمسك بشعر فريدة، وجعلها ترجع رأسها للخلف، وأجبرها على شرب الصابون وتجرّعه. لتضرب يده وتبعده عنها، ثم استفرغت كل ما شربته من الصابون، ومعها خرجا الأكياس المتبقيّة. فور أن رأى إبراهيم الأكياس، تنهد بارتياح، وغسلها ووضعها في الصندوق. وحين انتهت فريدة من التقيؤ، ظلت تئن وتتألم من حرقة معدتها وحلقها، ليَربت على ظهرها قائلاً: _برافو عليكي، يلا عشان نسلمهم وناخد الفلوس ونرجع. ظلت فريدة تلهث بصعوبة، وهي مسندة بيديها على الحوض. كان شعرها متناثرًا على وجهها المتعرق من شدة الضغط والأدرينالين. اشتد بها الإرهاق والإجهاد إلى درجة عجزها عن الرد على إبراهيم أو السير معه. ركبتيها تصطك، وساقاها غير قادرتين على حملها. حين لاحظ إبراهيم ثباتها، قال لها: _تحبي أشيلك؟ شعرت أنه يسخر منها بشكل خفيف، فتنظر إليه بامتعاض، ليُردف: _أنا مبهزرش على فكرة. ياما شلت بنات كانوا زيك كده، وفيه اللي كان بيغمى عليها. تمالكَت نفسها وقالت وهي تستقيم وتقف: _أنا كويسة، يلا. خرجا من الغرفة واتجها إلى مكان معين في المطار، حيث كان يوجد رجل مجهول في انتظارهما. سارا من أمامه، وفي لمحة بصر، بدّلا حقائبهما، وأكمل إبراهيم سيره مع فريدة. فور أن خرجا من المطار وركبا السيارة، قالت فريدة له: _كنت عايزة أشوفك من أول ما روحت هن... كتم فمها بكفه مانعًا إياها من استكمال الحديث، فقطب وجهها وضربت يده لتبعدها عنه. _في إيه؟! أشار إلى ساقها حيث مكان الطوق، ثم أشار إلى أذنه، لتفهم فريدة أنه يحذرها من التحدث في أي شيء قد يؤدي إلى تهلكتها، فهم يستمعون إليهما. فالتزمت فريدة الصمت، وانطلق إبراهيم عائدًا إلى مكان المروحية التي سترجعهما إلى منطقة دارين. ********* مع مرور الوقت في مصر، بدا أن نوح قد تعافى بشكل كامل ومفاجئ. وبعد استيقاظه عاد إلى منزله تاركًا الأطباء في حيرة شديدة من أمره. لسبب مجهول، لم تكن مريم وهاجر وغادة في منزل نوح. حتى عندما عاد نوح وحده إلى المنزل، لم تصحبه غادة التي كانت من المفترض أن تكون المرافقة له. ولكن نجلاء كانت في المنزل كما أمرها مصطفى، وهما الآن جالسان سويًا كما في الأيام الخوالي، حيث يسترجعون ذكرياتهم التي ينسى نوح معظمها. وأثناء حديثهما، قال نوح: _عرفت أن مصطفى أتمسك؟ _آه، للأسف... هي مش أول مرة بس... أتمنى يرجع بخير زي كل مرة. ظل نوح ينظر إلى نجلاء ولاحظ قلقها في ارتعاش عينيها خلف نقابها، ثم قال لها مبتسمًا ليواسيها: _مش عايزة تقلقي، أنا جنبك وهحميكي دايمًا، مستحيل أسيبك. ابتسمت نجلاء وظلت صامتة. بعدها اقترب نوح وجلس بجانبها وهو يقول: _تعرفي أول مرة شوفتك فيها، لما روحت لمصطفى عشان أقوله إننا اخوات، فرحت أوي. بعديها، وقت افتكرت شكلك وانتِ صغيرة، وحسيت بفخر وحب كبير كده، إني أشوف البنت اللي اتربيت معاها بعد ما كبرت... الموضوع ده جميل فعلاً. ظلت نجلاء ملتزمة الصمت ويظهر من عينيها ابتسامتها المحرجة، ليردف نوح: _مينفعش... ترفعي النقاب بس أشوفك؟ ترددت نجلاء بعض الشيء، ولكنها بالفعل رفعت نقابها، وكانت خطوة عجيبة منها، ليراها نوح وتلمع عيناه من شدة جمالها. _يا بخت مصطفى، كان المفروض تكوني مراتي أنا، كان لازم أنا اللي أتجوزك مش هو، بس للأسف... ربنا ما كتبش نكون سوا. وهنا اقترب نوح ليعطيها قبلة، وقبل أن تتلامس شفتاهما... فتح مصطفى جفونه في هلع وهو يصرخ بفزع واحتدام من هول ما رآه في كابوسه. نعم، كل هذا كان مجرد كابوس خلقه عقل مصطفى الباطن. كان مصطفى نائمًا وهو معلق من يديه في الزنزانة، وفور أن استيقظ وهو محمل بتلك المشاعر السلبية وهلعه المصاحب بالسخط والنفور، أخرج قوته على هيئة حرارة قوية أدت لذوبان الأصفاد المعدنية في يديه، ليسقط مرتطمًا بالأرض. بدأ يلهث وهو يشهق من بشاعة ما رآه في حلمه، وهو يردد: _أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت، أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت، أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت. ذلك أبشع كابوس قد يراه في حياته، فحتى بعد أن استوعب مصطفى أنه كان كابوسًا، لم يهدأ هذا من احتدامه وسخطه، فبدأ يصرخ وهو يحدث السيوم: _ليه خليتي أشوف حاجة زي كده للييه؟ ~أنا ماليش دعوة، دي دماغك اللي خلتك تحلم بكده، مش كل ما تتجننوا ترموا اللوم علينا. _مستحيل، مستحيل دا يكون مني. أنا مستحيل أشك فيهم، دي مراتي وأخويا! ~محدش قال إنك شكيت فيهم، بس عقل الإنسان أكتر حاجة مش مفهومة في الدنيا... متركزش كتير، عادي مجرد كابوس. ظل مصطفى مسندًا بيديه وهو يحدق في الأرض، وكلما يتخيل مشهد نوح ونجلاء سويًا من الكابوس، يغمض عينيه بنفور وشجب، ويضرب بقبضته على الأرض من شدة تقززه وسخطه. بعدها قال: _الله يلعنك يا نور، أكيد دي لعبة من ألعابه. ~مش أنت المفروض قتلته؟ _لا... مستحيل يكون مات، دا متلاعب ومينفعش أصدقه بالسهولة دي. ظل مصطفى يذكر الله ليهدأ، ثم قال: _إحنا إمتى؟ ~تقريبًا قربنا على الشروق. مسح مصطفى بيده على تراب الأرض ليقول السيوم: ~متتيممش، تقدر تطلع ميه بقدرتك تتوضى بيها. شايف الشرخ اللي في الحيطة على إيدك الشمال دي؟ روح والمسها وهتلاقي ميه بتطلع منها. نظر مصطفى إلى يساره ثم وقف واتجه إليها، لمسها بيده وهو يسمي الله لينبثق منها المياه، وبدأ يتوضأ مصطفى منها. وحين انتهى من وضوءه، شرب منها بكثرة لشدة ظمأه. بعدها أراد أن تختفي المياه، وقبل أن يقول للسيوم، بدأت المياه تنبثق وتدريجيًا توقفت تمامًا وكأنها لم تكن. وبعدما تأكد من اختفائها، وقف وبدأ يصلي الفجر. ********* في الصباح الباكر، تدخل علا مقر جريدتها متجهة إلى مكتبها الذي كان مشتركًا مع مكتب يامن، وحين وصلت إلى مكتب يامن وجدته جالسًا والهم يفيض من عينيه، لا بد، مسندًا رأسه على كفه وهو يحدق في حاسوبه، وثبوته التام يدل على الصراع العنيف في عقله. _صباح الخير، إزايك يا يامن؟ استفاق من عالمه والتفت إليها مبتسمًا ابتسامة باهتة. _إزيك يا علا، عاملة إيه؟ نظرت إليه بشفقة واقتربت منه وهي تقول: _طمني عليك، أخبار زياد إيه؟ _كشفنا عليه، والدكتور قال كويس إننا لحقناه في الوقت ده لأن العلاج كده هيكون أسهل وأسرع بإذن الله. ابتسمت علا وهي تقول: _الحمد لله. عاد يامن إلى سكوته التام الذي يظهر الغم الذي أصابه، لتقول علا: _مش عايزاك تقلق على فريدة، إن شاء الله هترجع. _ما ده اللي مصبرني يا علا... إنها وعدتني إنها هترجع، ده اللي مصبرنا كلنا. عاد لسكوته ولاحظت أن عينيه بدأت في اللمعان من دموعه المقهورة المحبوسة. لم تراه علا بتلك الحالة من قبل، ليردف بقوله: _بقى معانا فلوس خلاص... ونقدر دلوقتي ننقل لبيت في مكان منتقلش فيه... ونقدر ناكل، والعيال هيبطلوا يشتغلوا... بس كل ده من غير فريدة صعب قوي، إزاي بجد الناس بتقدر تبيع حتة منهم وبيكملوا حياتهم عادي؟ فريدة دي... فريدة دي كانت كل حاجة لينا يا علا، كل يوم بنصحى على صوتها وبننام على صوتها، ومكنّاش بننام إلا لما هي تكون معانا في البيت، زياد مكانش بيبطل عياط إلا لما هي تشيله، لما حد بيتخنق بيروح يفضفض لفريدة، فريدة كانت كل حاجة في حياتنا يا علا من غير مبالغة، رغم إننا خمسة... بس والله حاسين إن البيت فاضي من غيرها وكئيب، مهما عيشنا في أجمل بيت مش هنحس بالراحة اللي كنا حاسينها لما كانت معانا. كلما يتحدث يامن، كلما تخرج الحروف من لسانه باهتزاز يزداد مع كثرة حديثه، اهتزاز يدل على مقاومته العصيبة للبكاء، وفور أن انتهى، سكت تمامًا وبدأت تربت على ظهره برفق ورأفة وهي تقول: _متخليش الكلام ده يحسسك إنها مش راجعة تاني، صدقني يا يامن، كلها مدة وهترجع بينكم، متحسش بيأس كده كأنها رايحة مش راجعة. أومأ يامن برأسه، وحين تأكدت علا أنه هدأ وأصبح في حال أفضل، اتجهت إلى مكتبها وبدأت تتصفح الأخبار من حاسوبها، ليظهر أول خبر يرتطم بقلبها فور أن قرأته بعينيها، وهو خبر اعتقال مصطفى. فور أن قرأته، قررت أن تذهب لمنزله وتطمئن على نجلاء أولًا، وبالفعل بعدما مرت الساعات، اتجهت مباشرة إلى الجيزة حيث القرية التي يسكن فيها مصطفى. بعد بضعة ساعات، وصلت إلى القرية، التي كانت أشبه بالمدينة ولكن أصغر بأضعاف. أثناء سيرها، التقطت عيناها مجموعة قطط تركض باتجاه شارع معين وهم يصدرون موائهم وذيولهم مرتفعة باستقامة، دليل على سرورهم وسعادتهم الشديدة. تبسمت علا ضاحكة من هذا المشهد اللطيف، فنادرًا ما ترى قطط الشارع بهذه السعادة، وحين تبعتهم، رأت القطط مجتمعة حول شاب مربوع، لم يكن طويل القامة ولا قصيرًا، عريض ما بين المنكبين والرقبة، لم يكن جسده رياضيًا ولكن كانت هناك رشاقة طبيعية فيه تظهر اهتمامه بصحته. يمتلك لحية قصيرة ليست بكثيفة. كان يوزع الطعام على القطط بابتسامة عريضة على شفتيه. رغم أنه دائمًا ما يظهر أنه شاب جاد، نادر التبسم وصارم نوعًا ما، إلا أنه كان على عكس ذلك في تلك اللحظة التي يطعم فيها الحيوانات المسكينة. إنها تعرفه علا، رأته مع مصطفى مرة، وهو أحد المتقدمين للزواج منها، لقد كان جمال. _ينفع أاكلهم معاك؟ التفت جمال إليها ليندهش بوجودها، ثم يشيح بنظره في سرعة وهو يقول: _أ.. أه طبعًا، اتفضلي. تقدمت وبدأت توزع على القطط الطعام وهي تحدثهم بلطف وتداعبهم كذلك جمال، وحين انتهيا، التفتت وهي تنظر إليه، لتجده واقفًا يحدق في القطط كما لو كان يحارب نفسه ويقاوم النظر إليها. _مش دايمًا بشوف راجل بيهتم بأكل حيوانات الشارع. _شيخ مصطفى كان عادته يأكل حيوانات الشارع... ربنا يفك أسره يا رب. _يعني انت طبيعتك لو شوفت قطة مش هتأكلها؟ _لا طبعًا هأكلها. _يعني انت مش النوع اللي بيتجاهلهم ويقول ما ربنا هيرزقهم وخلاص؟ ابتسم جمال وقال: _بصراحة أنا كنت من النوع ده، بس مصطفى قال لي إن... ربنا بيستخدم الناس الرحيمين في رزق الكائنات التانية، ربنا بيحط الرحمة في قلوب ناس معينين عشان يستخدمهم في إظهار رزقه وإظهار رحمته على الأرض... فالرحيم اللي عارف إنه رحيم، لو شاف كائنات غلبانة كده هيعمل أي حاجة عشان يطعمهم، بس اللي مش رحيم... مش هيعمل كده، وأنا بصراحة عايز أبقى رحيم، عايز ربنا يستخدمني، وعايز ربنا يكون رحيم بيا زي ما أنا بكون رحيم مع خلقه. عرضت ابتسامتها في إعجاب شديد بحديثه الذي كان حديث مصطفى من الأساس لتقول: _مصطفى ليه كلام بيخلي الواحد لما يستوعبه ويفهمه كأنه اتولد من جديد. _دي حقيقة... أنا حياتي بدأت لما اتعرفت عليه. صمتت علا برهة ثم سألته: _بس... مش بتبصلي خالص ليه كده طول ما أنا بكلمك؟ _عشان ربنا قالنا منبصش، ولو بتبصيلي متبصيش برضو عشان... ربنا قالكم أنتم كمان. ضحكت علا ضحكة خافتة لتقول: _طيب.. أنا هروح لنجلاء أتطمن عليها. _هي مش عندك؟ لما سألنا والدة مصطفى قالتلنا راحت عند أخته.. سكتت علا قليلًا وعلمت أنها تقصد هاجر، لتقول علا: _لا مش أنا، مصطفى عنده أخت تانية. أومأ جمال برأسه لتتقدم علا قليلًا إليه وهي تقول: _ينفع رقمك؟ ارتبك جمال بشدة لدرجة أنه لم يجيبها، لتردف: _أنا صحفية، وهدور على موضوع مصطفى ولو توصلت لأي حاجة هكلمك... أعطته هاتفها وفي تردد التقطه وكتب رقمه لها، وقالت هنا، وهو يعيد هاتفها لها. _وبما أنك متقدملي، فممكن نتكلم سوا عشان نعرف بعض أكتر. _لا. _لا؟ رجعت في كلامك يعني؟ _ل.. لا طبعًا، لسه عايز أتجوز حضرتك بس... مينفعش نكلم بعض كده... حرام، لو حابة نقابل بعض وتكون رؤية شرعية كده فمصطفى يكون موجود معانا، بس غير كده مش هينفع. أومأت علا برأسها وهي تحترم رغبته، لتسلم عليه وتذهب، وفور أن ذهبت، ارتسمت ابتسامة طفيفة على شفتي جمال، وفور أن سمع بأذان الظهر، اتجه مسرعًا إلى المسجد. ********* بعد صلاة الظهر، تجمع الشباب من أصدقاء مصطفى وتلاميذه ومعارفه عند المقهى الرجالي ليتناقشوا في أمر اعتقال مصطفى. القلق والغضب يعتليهم، فرؤية حبيبهم يُظلم بتلك الطريقة أمر لا يغتفر ولا يمر دون أن يظهروا اعتراضهم الشديد. قال أحد الشباب منهم: _إحنا نعمل مظاهرة. قال الآخر: _لا، إحنا نعمل هاشتاجات على إكس. قال الثالث: _هاشتاجات إيه يا عم؟ دول مينفعش معاهم الكلام ده. عايزين نتحرك ونعمل موقف. _يا عم ماشي، نعمل موقف على النت الأول، يمكن ينجح قبل ما ننزل ونتاخد إحنا ونروح ورا الشمس. دار نقاش بينهم ومجادلة، أنهوها بالنظر إلى جمال لكي يستشيروه ويأخذوا برأيه نظرًا لأنه أقرب لمصطفى، فهم يثقون به وفي تفكيره الرشيد. كان جمال صامتًا طوال الجلسة، وحين نظروا إليه قال لهم: _الأول إحنا محتاجين محامي نعرف إذا كانوا لفَّقوا له تهمة ولا لا، لأننا عارفين إنهم كل فترة بياخدوه يوم ويرجعوه اليوم التاني عادي. والأظهر أنهم هيلفقوله تهمة خصوصًا بعد ما هجم على نور. فالأول عايزين محامي يوضح لنا إيه النظام، لو بيتم تعذيبه وعايزين يلفقوا له تهمة هو معملهاش، إحنا وقتها ننزل مظاهرات. ولكن في الوقت الحالي هنبدأ الضغط عليهم من على النت، لأن فيها قاعدة جماهيرية أكتر للشيخ، فهنعمل هاشتاجات الأول. في تلك اللحظة، دخل موريس عليهم وهو يقول: _السلام عليكم. ردوا السلام وهم يلتفتون له ليسألهم: _مين هنا أصحاب أستاذ مصطفى؟ رفعوا أيديهم جميعًا والذي كان عددهم ما يقارب العشرين فردًا، ليحتار موريس ويعود للسؤال: _طب مين بيشتغل معاه؟ رفع كل من جمال وإسماعيل وهشام أيديهم، فإتجه موريس إليهم طالبًا منهم التحدث على انفراد. وبعدما خرجوا خارج المقهى قال موريس: _أنا موريس صبحي، السكرتير بتاع أستاذ مصطفى، وهبقى المحامي بتاعه إن شاء الله. أنا حاولت أتواصل مع زوجته بس معرفتش، ولكنهم قالولي اتكلم مع اللي بيشتغلوا معاه، هما أقرب ليه. قال جمال: _تعرف حاجة عنه؟ _لسه راجع من عندهم، وعرفت إنهم مش ملفقين له أي تهمة لحد دلوقتي، وهما مخدوهوش عشان حوار نور الديب. هما كانوا مخططين ياخدوه من بعد اللايف اللي طلعه، بس نور سهل لهم الموضوع. قال إسماعيل: _يعني إيه نور سهل لهم الموضوع؟ _عرفت إن البروفيسور يوسف إمام متوصي على مصطفى، واشترطت أن الدولة تحميه مهما عمل. بس لسبب ما، نور سمحلهم يقبضوا عليه، وكأن مكانه نور في الدولة أهم من يوسف إمام. كان حديث موريس مفاجئًا وعجيبًا إلى أبعد حد. وسأل هشام هنا بحيرة شديدة: _هو إيه علاقة العالم المشهور ده بشيخنا الغلبان؟ أجابه موريس: _معرفش، اكتشفت إن مش هو بس اللي متوصي عليه... ده في أربعة غيره، ومعرفش الحقيقة إيه علاقتهم ببعض. قال جمال: _عرفتم أسماءهم؟ _أيوه... الأول هو نوح داغر، والتاني عصام شرف، والتالت علا مرزوق، والرابع سليم السمان. أنا معرفش غير أول اتنين، ولما بحثت عن التانيين معرفتش غير علا مرزوق دي صحفية عادية. تهيع الثلاثة وتبادلوا نظرات الحيرة، وبمحاولة ربط الأمور لكي يفهموا أي شيء، قال إسماعيل: _إحنا عارفين إن علا أخته في الرضاعة. قال هشام: _وعصام اتصل بيه على اللايف وتاب على إيده... وواضح إن بينهم صداقة كده شوية. قال جمال: _ونوح... الشيخ مصطفى كان المحامي بتاعه ساعة القضية بتاعته. ظل موريس ينظر إليهم وهو يستمع لهم، وحين توقفوا سألهم: _وسليم؟ أشاروا إليه بعدم معرفتهم له. بعدها قال جمال: _طب... وإيه اللي ممكن يخرج مصطفى؟ صمت موريس قليلاً وهو يفكر، ثم قال: _يا إما هيخرج بمزاجهم... يا إما ندخل يوسف إمام في الموضوع. قال هشام عاقدًا حاجبيه في استغراب: _وإحنا هنتواصل مع الراجل ده إزاي؟ ده عالمي... قال جمال: _هو معروف إن ليه مختبر كبير هنا في مصر... وتلاميذه بيشتغلوا فيه، فممكن لما نكلمهم نعرف نوصله. سأل إسماعيل موريس: _تعرف فين المختبر ده؟ قال موريس: _أيوة، تعالوا نروح هوصلكم بعربيتي.
ROMISAA