إبراهيم وإلياس

إبراهيم وإلياس

59 0

٤٦ في منطقة دارين الواقعة بين أمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية، والمعروفة بـ (The Darién Gap)، يسير رجلان أجنبيان في إحدى المباني وكانا يحدثان بعضهما. _لمَ لم يأخذهم البريطانيون إليهم؟ رد الرجل الآخر: _نظرًا لوجود تكدس شديد من اللاجئين ومن تم بيعهم، فهم أخذوا معظم من في الشرق الأوسط. لم يعد يوجد مكان متاح سوى في روسيا ودارين غاب. حسنًا، لا يهم، فهم يقومون ببناء مبانٍ جديدة على أي حال. إذن، فالمجموعة الجديدة هم لاجئون، أليس كذلك؟ _نعم. _رائع، اللاجئون هم نوعي المفضل. منذ ثلاث عشرة سنة، يقع إبراهيم ومن معه تحت قبضة الأنجليز الذي ارسلوهم للأمريكان، وهم في جوف المحيط. وضعوهم في غرفة ضيقة في المركب متجهين إلى منطقة دارين. كانت قطعة من القماش حول أعينهم ومكبلين الأيدي والأرجل، لذا لم يروا المكان الذي دخلوه منذ بداية الطريق. بعدما أقروا بأسمائهم، دخلوا قاعة بها كثير من الشباب والشابات والأطفال، المكبلين منهم والمكبلات. وفي منتصف القاعة، ما يقارب العشرين موظفًا يقومون برسم وشم معين على وجوههم. يوجد الكثير من الأطفال يعولون بقوة. _عايزة ماما! أنا فين؟ ماما فين؟ _أنا خايف، أنا خايف! بدي أمي، بدي أمي. _وين إحنا يا عمو؟ مشان الله قولي إيش هاد المكان يا عمو؟ نظر الشاب الذي كان بجانب ذلك الطفل وهو يجيبه بأسى بلهجته السورية: _والله ما بعرف يا حبيبي، ما بعرف... كانت عظام إبراهيم تتقفقف من شدة صدمته وخوفه من ذلك المكان، لا يعرف أين هو ولماذا. جميع اللهجات العربية من حوله، والهلع يسيطر على الحاضرين. ولماذا يوجد أطفال وحدهم؟ هنا دخل رجل أمريكي وهو يصرخ على الموظفين الذين يقومون بعمل الوشوم: _لماذا لا تسكتوا الأطفال؟ فجأة، تشنجت أجساد العشرين موظفًا وسقطوا أرضًا، يصيحون بألم قوي، ليلاحظ إبراهيم الطوق الذي كان حول عنقهم، والذي بدا أنه يبث الكهرباء في أجسادهم، ثم تقدم ذلك الرجل مخرجًا مسدس من حزامه واطلق على الاطفال وفور قتلهم بالرصاص صرخ الحاضرين وشهقوا هلعًا ليصرخ الرجل وهو يتحدث العربية بلهجة اعجبية: _هذا مصير كل من يبكي وينوح، لا أريد أن أسمع أي صوت منكم أيها العبيد! أشار إلى أحد الموظفين بأخذ جثث الأطفال، فتقدم اثنان تحت كل عين منهما وشم، واعيناهما تفيض بالفزع والحسرة المكتومة وهما يحملان جثث الأطفال، ثم يخرجان من القاعة. بعدها، يقول الرجل وهو يلوح بسلاحه: _أين مجموعة اللاجئين؟ رفع إبراهيم ومن حوله أيديهم المرتجفة، ليقول الرجل لموظفي الوشوم: _ابدأوا بهم أولًا، فأنا أحتاج إليهم في أسرع وقت. بعدما خرج تاركًا إياهم، سمع إبراهيم شابًا بجانبه كان بصحبته في القارب يقول: _هو إيه المكان دا؟ إحنا في كابوس ولا إيه؟ _محدش فينا عارف حاجة... بس واضح إن اللي بيرسموا الوشوم دول مش أمريكان زي الراجل الوسخ اللي دخل دا. هبقى أسألهم لما ييجي دورنا. وبالفعل، أتى دورهم ومدد إبراهيم على كرسي مائل، وقال للموظف: _ه... هو إيه الوشم اللي هتعملهولي دا؟ رد الشاب بلغة إسبانية، ليستغرب إبراهيم وهو لا يفهم شيء، ثم يعيد الشاب حديثه متحدثًا بالإنجليزية بلهجة إسبانية: _هذا الوشم هو هويتك في هذا المكان. أنت من أي بلد؟ _مصر... _هل كتبوا على يدك رقم؟ _أ... آه. _أرني إياه. أراه إبراهيم الرقم، ليبدأ الإسباني في كتابة الوشم تحت عين إبراهيم اليسرى، وكذلك بقية الشباب. كل فرد في هذا المكان يمتلك الوشم ذاته، حتى الموظفين. EG-4210 هذا كان وشم إبراهيم وهويته في ذلك المكان الملعون. حين انتهى من وشمه، هو ومن معه، وجههم موظف آخر لطريق ساروا إليه بصف مجددًا، ودخلوا غرفة أخرى أُجبروا فيها على خلع ملابسهم ليكشفوا على أجسادهم، وخصصوا لكل شاب منهم دورًا في هذا المكان. جزء منهم ذهب لتحارة وتهريب لمخدرات، والآخر ذهب للدعارة، وآخر ذهب للتجارب البشرية، أما إبراهيم واثنان آخران فجندوهما، أي أصبحوا موظفين في هذا المكان، بمعنى أنهم ينفذون أوامر المسؤولين ويذهبون لأي مهمة قد يأمروهم بها، سواء كانت في المخدرات أو الدعارة أو للتجارب البشرية. وأهم مهمة هي تجميع جثث ضحايا كل منهم. وضعوا الطوق حول عنقه لتكون الإشارة لبدء أشنع عمل قد يعمله المرء في عمره كله، والذي لا عطلة له ابدًا. بعدها خصصوا لهم العنابر، وكل منهم أصبح له غرفة. لم تكن غرف خاطة كغرف الفنادق، او المستشفيات، او السجون حتى، فغرفة إبراهيم كان بها ما يقارب الخمس عشرة فردًا، ولم يكن يوجد سوى خمسة أسِرّة. كانت ركبتاه تصطك من هول ما مر به فجأة، فأتى لأحدهم وجلس بجانبه وهو يقول بنبرة مرتجفة: _ه... هو إيه المكان اللي إحنا فيه دا؟ نظر الرجل إليه وهو يقول: _لسة ما بتعرف؟ _ل... لا، هو إحنا هنخرج إمتى من المكان دا؟ _فش خروج يا زلمة، إنت هان لحد ما تموت. ظل إبراهيم يحدق في هذا الرجل بجحوظ في عينيه من هول ما يقوله: _إنت بتهزر، صح؟ _بتعرف أنا بقالي كام سنة هان؟ _كام؟ _سبع سنين. _لا، أنت بتهزر. سئم الرجل من إقناع إبراهيم لينهي حديثه بقوله: _ماشي، أقدر أقولك إنك راح تطلع بعد ما الوشم اللي بوجهك يختفي. _بس الوشوم مبتختفيش. _بالظبط. لم يستطع إبراهيم أن يطيل في الحديث من شدة صدمته، حتى إنه وجد صعوبة في التنفس بعد ذلك الخبر، إلى أن قال: _ط... طب، المكان دا عقاب للاجئين الغير شرعيين يعني؟ ولا إيه؟ الأطفال اتقتلوا قدامي تحت، وواضح إنهم مكانش لهم أهل... _هدول مو لاجئين، هدول متباعين من أهلهم. هاد المكان الملعون بيشتري كل حدا عم يتباع. وضع إبراهيم يديه على رأسه وهو لم يعد يتحمل الكابوس الذي دخل فيه بدون أي مقدمات، ليقول هذا الرجل له: _أنصحك ما تضل تتصدم كل شوي، هيك بتموت، مش من الصدمة، من التعذيب اللي حتاخده منهم، لأنهم بيستغلوا أي إشي بس ليعذبوا الناس. هنا فُتِح باب الزنزانة فجأة، وكان الموظف أعلى رتبة منهم، أي هو أمريكي أو إنجليزي أو فرنسي أو كندي. قال بالإنجليزية لهذا الرجل وإبراهيم، وهو يختارهم بعشوائية أن يأتوا معه لتنظيف إحدى غرف مبنى التجارب. هنا سمع إبراهيم من حوله يشهق ويهمسون بفزع: _مبنى التجارب؟ _بيروحوا مبنى التجارب. _الله يكون بعونهم. صرخ الرجل فيهم ليصمتوا، فقام الرجل ليقوم خلفه إبراهيم، وخرجا كلاهما متتبعين ذلك الرجل الأعجمي. أثناء سيرهم، سأل إبراهيم زميله: _هو ماله مبنى التجارب؟ فجأة، أطلقت صاعقة كهربائية من الطوق جعلته ينتفض صارخًا، بعدها قال الأعجمي: _إياك أن تتحدث بوجودي. التزم الصمت بتوجع، بعدها خرجوا من المبنى الذي كانوا فيه، ليبرق نظر إبراهيم صدمةً من شدة ضخامة المكان واتساعه. كما لو كان أشبه بمدينة بها بعض المبان. المباني متعددة وضخمة الحجم، والساحة لم تكف قطعة أرض واحدة من اتساعها، وعلى مد البصر يرى إبراهيم بقايا أشجار شاهقة الطول وكثيفة، ليتبين أنه في منتصف الغابات. مع اقترابهم لمبنى التجارب، الذي كان أكبر المباني حجمًا، بدأ يسمع أصوات صراخ، وعويل، وأنين، وصياح، أماكنهم متعددة من كل نافذة. في الحقيقة، فهذا المبنى المحدد لم يكن له نوافذ من الأساس، ولكن يوجد فتحات بسيطة موزعة بشكل متساوٍ، استنتج إبراهيم أنها لكل غرفة. تلك الفتحات لم تكن عادية، بل كانت مكبرات صوت. وكأن من صمم المبنى يريد للجميع سماع صراخهم وتعذيبهم لأسباب سادية. شعر إبراهيم حقًا أنه سيفقد وعيه من شدة الرعب والفزع والقهر، فمعظم من كان يسمعهم كانوا أطفالًا، أطفال يصرخون يطالبون برؤية أمهم، بكل اللهجات واللغات، لم يكونوا عربًا فقط. أمسك إبراهيم بذراع زميله بقوة وكأنه يتسند عليه من شدة إعيائه مما يسمعه، فأسنده بقوة وسرعة لكي لا يلاحظ ذلك الأعجمي تشتت إبراهيم. حاول أن يتمالك نفسه ويكظم روعه، واكمل سيره بأقدام مصطكة وبقلب يضرب بقوة في ضلوعه. دخلوا المبنى لتتعالى أصوات الصراخ بوضوح أكثر. لم يكن الجميع يصرخ، بل كان يوجد من كان يئن ويبكي بشكل خافت، فكل هذا الألم الذي يشعرون به هو ناتج وأعراض للتجارب العلمية التي واجهوها. دخلوا المصعد وصعدوا للدور الخمسين. بعدها ساروا بين الممرات حتى وصلوا إلى غرفة، خرج منها موظفون مجندون مثله، وهما يسيّران قفصًا ضخمًا ذي عجلات في قاعدته، وبه حيوان غوريلا معه طفله، ويبدو أنهما مخدران. فتح إبراهيم فمه وهو لا يفهم أي شيء، والتعجب والصدمة تعتليه حقًا. بعدها أدخلهم الأعجمي تلك الغرفة بعدما أخرجوا من الغوريلا ليشاهدوا أشلاء متناثرة في جميع أنحاء الغرفة. قال الأعجمي باللهجة الإنجليزية بلهجة فرنسية ليتضح أنه فرنسي: _كان لدى العلماء فضول إن كانت الغوريلا الشرسة ستعتني بالرضيع الآدمي كما ستعتني بابنها أم لا. ظننا أن تلك التجربة ستأخذ وقتًا أكثر مما يبدو، وكان يريد العلماء الكشف عن حالة الرضيع وسلوكه ولغته بعدما يكبر قليلاً، ولكن فشلت التجربة. هيا استجمعوا تلك الأشلاء وأعطوها لهم في مبنى الجثث. اومأ الرجل برأسه واعطاه الفرنسي كيس من الخيش كذلك اعطى لإبراهيم ثم خرج تاركًا إياهم، تقدم الرجل وبدأ يلملم الاشلاء وابراهيم ممسك بالكيس لا تطرف عيناه يحدق في قطع اللحم حوله والدماء المتناثرة في الارض والجدران، حين لاحظ الرجل ثبات إبراهيم قال له: _يلا، خلنا نخلص ظل واقف متحجر مكانه ليردف الرجل _تخافش، هدول لحم قليل ما راح ياخدوا وقت، يلا _ا..انا عمري ما مسكت لحمة عجل يا..... _إلياس _يا إلياس إبتلع إبراهيم لعابه على أمل أن يبتلع هلع معه وتقدم وبدأ يمسك باللحم ويضعه في الكيس بأيدي ترتعد، كان يحاول أن يتخيل ان تلك لحوم حيوان والامر سهل، إلى أن أمسك بذراع صغيرة...ذراع طفل لم يكمل الخمسة اشهر، لم يطيق ابراهيم هذا المشهد فألقى بالذراع في هلع وهو يشهق ويزفر بقوة شديدة تظهر صعوبة تنفسه ليتلتف إلياس ليه بقلق وهنا رأى إبراهيم يمسك ببطنه ويبدأ في الاستفراغ والبكاء معًا. ليقول إلياس وهو يهمس بعنف: _يا زلمة تفضحناش، والله لو شافوك راح يسلخوك سلخ _مش قادر يا إلياس مش قادر فجأة سمعوا وقع أقدام يقترب منهم بخطوات سريعة الغرفة فأمر إلياس لإبراهيم هامسًا أن يقف بسرعة ويعتدل من حاله ولكن لم تسنح له الفرصة فقد دخل ذلك الرجل الفرنسي وبدأ يصيح على إبراهيم بكلمات لم يفهمها ثم تدب صاعقة كهرباء قوية في عنق إبراهيم وهو يصرخ ويتلوى من الألم الذي شعر انه يحرق خلايا مخه. إزدادت الكهرباء إلى أن أدت لفقدان وعيه، أمر الفرنسي أن يكمل إلياس عمله ولا يكترث لما حدث ثم أمسك بشعر ابراهيم وسحبه ويخرج به لمكان يعلمه إلياس جيدًا. فكل من الموظفين المستعبدين حين يظهرون أي مشاعر كتلك، يتم تعذيبهم ليومان متتاليان لتأديبهم، او لإرضاء ساديتهم بمعنى ادق. وجلس إبراهيم يتم يُعذب بكل انواع التعذيب التي لا تخطر على البال، كان يصرخ مترجيًا إياهم أن يتوقفوا، ولكنه لا يعلم ان رجاءه وصراخه هو ما يزيدهم استمتاعًا وطغيانًا. أكان هذا ما كانت تريد والدته إرسال غادة إليه؟ أهذا المكان الذي يرسل الشعب المصري أطفاله إليه بكل رضا لأجل المال؟ ماذا سيفعل والدا هذا الطفل الذي تم تقطيعه على يد ذلك الحيوان حين يعلما ما حل بطفلهما الذي باعوه؟ لماذا يوجد مكان كهذا بالأساس؟ لا يوجد رد على هذا السؤال سوى أنه مكان للسماح للقوقازيين بممارسة هوايتهم المفضلة، وهي تعذيب الناس واستخدامهم لمصالحهم ولإرضاء تكبرهم وأهوائهم. كم هو مؤسف أن يسجد العالم للمواطن الأبيض بهذا الشكل، أن يموت الأطفال ويُعذَّب الرجال والنساء فقط لأن تلك رغبة الإنسان القوقازي. ما يساعد على طغيانهم هو غباء دول العالم الثالث وما حولهم، فهؤلاء الشعوب متعطشون للجمال الأوروبي في الناس والمنتجات وأسلوب الحياة والمال. جميعهم يتمنون أن يكونوا نسخة من كل مواطن أبيض وحياته، لا يعلمون أن مقابل تلك الحياة المترفة الجميلة أرواح شعوب وملايين من الأفراد. لم يفكر شعوب العالم الثالث بمنهجية التفكير تلك إلا بعدما واجهوا القحط والغم في بلدانهم. لم يكونوا ليتمنوا حياة الأوروبيين لو لم تكن بلدانهم ذات حياة عسيرة. أراد إبراهيم الذهاب إلى إحدى تلك الدول الغربية لكي يستطيع أن يعيش حياة عادية ويأتي بغادة بكل ما تشتهيه، ولكي لا يشعر بالذل في كل مرة يريد فيها الطعام. هو بالفعل في تلك الدول الآن... ولكنه في جحيمهم، ليس في نعيمهم. مر يومان على تعذيب إبراهيم ورأى إلياس باب عنبره يُفتَح، ويلقون بداخله إبراهيم. لم يستطع أن يرى ملامحه من شدة الضرب والتعذيب فتقدم إليه وهو يسأل: _إنت عايش؟ أومأ إبراهيم برأسه وهو يئن ليقول إلياس: _سلامتك... أومأ إبراهيم برأسه مجددًا وهو يئن كما لو كان يشكره. فنظر إلياس إلى أحد الشباب وأشار له أن يحمل إبراهيم معه. فحملاه كلاهما ووضعوه على السرير، وإلياس ينظر إليه بشفقة كبيرة ليقول: _ لا عاد تعملها. أومأ إبراهيم برأسه مرة أخرى ولكنه لم يتحمل وبدأ في البكاء متحسرًا على نفسه وحاله، ليربت إلياس على كتفه مواسيًا إياه وهو يقول: _معلش، احتسب كل هاد الألم والمعاناة عند الله، والله ما في غيره اللي راح يعوضنا. ظل إبراهيم يبكي بقهر شديد، ليردف إلياس: _ ةبعرف إن تمك مصاب، ما حتعرف تحركه، بس بدي ياك تردد لا إله إلا الله بلسانك، رددها طول الليل والنهار. بدأ إبراهيم يرددها بالفعل بلسانه، وحين مر اليوم التالي، دخل عليهم فريق من الموظفين المجندين ومعهم موظف واحد أعجمي ذو رتبة أعلى. دخلوا بسرير حديدي وضعوا إبراهيم عليه وخرجوا به، وإبراهيم مذعور لا يعرف ما مصيره. أدخلوه لمبنى التجارب، ثم أدخلوه غرفة غريبة الشكل بها أجهزة. وضعوا جسده على سرير وكبلوا كل طرف من أطرافه، وأتت موظفة مجندة أيضًا، وعلم من وشمها أنها مصرية، أخرجت حقنة بها سائل أرجواني ليقول الأعجمي لها: _احقني في كل إصابة بجسده، ليزداد عذابه ولكي نعيده لعمله، لا يوجد أحد هنا يرتاح للعلاج. أومأت الفتاة برأسها وبدأت تحقن ميللي مترات في كل إصابة في جسده ووجهه، وإبراهيم لا يدري ما هذا، وشعر أن تلك هي نهايته لتقول له هنا: _دي مادة هترجع كل إصاباتم وتبقى سليم، بس الموضوع هيوجع أكتر من الإصابات نفسها... عشان كده هما رابطينك، حاول تستحمل. بعد دقائق من تغلغلت المادة داخل جسده، بدأ يشعر بألم يعادل أضعاف مضاعفة من ألم تعذيبه. كان يتلوى ويتململ صارخًا بكل قوته، وعيناه جاحظتان من قساوة الألم. كان ألمًا فريدًا من نوعه وقد يُصنف ضمن أسوأ الآلام، مع ألم الحرق والمخاض. بعد خمس دقائق، سكت الألم تمامًا واختفى فجأة، وفقد إبراهيم الوعي كما لو كان يأخذ جسده هدنة من كل هذا العذاب المستمر. مر الوقت، وفتح إبراهيم جفونه، معافي الجسد تمامًا، وثب من على السرير بفزع وهو ينظر حوله. لم يرَ أحدًا مستيقظًا سوى إلياس. _على مهلك، لا تخليهم يقوموا، اتركهم نايمين. اقترب إبراهيم من إلياس وهو يقول: _هو إيه اللي حصلي؟ _متل ما انت شايف. نظر إبراهيم إلى يديه السليمتان وقد ضاق بالأمر ذرعًا، فقال لإلياس: _محاولتش تهرب طول السبع سنين دول يا إلياس؟ لو محاولتش، خلينا نحاول. ضحك إلياس ضحكة قصيرة مستهزئًا بحديث إبراهيم ثم أشار إليه: _تعال معي. إتجه إلياس من النافذة التي كانت عبارة عن قضبان وطل منها ليطل إبراهيم بنظره للساحة ليجد مشهد ادناهم بشع، جثه شاب بلا رأس مطروحة ارضًا ورأسه بعيده عنه ببضعه امتار ليقول إلياس: _بعد منتصف الليل الطوق اللي بأعناقنا هاد بيفعل خاصية معينة، ازا حدا حاول يطلع من المبنى بعد هادي الساعة بينفجر الطوق وبتنفصل راسه عن جسده. أغمض ابراهيم عينيه بقوة من القهر الشديد الذي شعر به ثم عاد وجلس ارضًا وهو يكرر بحسرة قوية: _وبعدين؟ وبعدين؟ وبعدين؟ جلس إلياس بجانبه وهو يقول: _لساتني ماعرفش إسمك. _إبراهيم. _خلص يا إبراهيم، حاول تصبر وتنتظر موتك. إلتفت ابراهيم ناظرًا لإلياس عاقدًا حاجبيه بإستغراب شديد وهو يقول: _يعني ايه؟ خلاص كدة؟ مفيش أمل نرجع لبيوتنا؟ _لا فش أمل سكت ابراهيم في صدمة ثابته ليقول: _خايف اشوف اختي هنا...أقسم بالله لو شوفتها هنا هقتلها، أصل مستحيل اسيبها تتعذب العذاب دا، الموت بالنسبالها هيبقا أرحم ، وتبقا تسامحني بعدين بقا يوم القيامة. ابتسم إلياس في صمت لينظر إبراهيم له وهو يقول: _وإنت؟ _انا شو؟ _معندكش عيلة...تتمني لو تقابلهم؟ _اي طبعا عندي، مشان هيك انا مستني الموت. _كلهم ميتين؟ اومأ الياس برأسه ثم قال: _بعد ما استشهدوا، صرت أواجه الحرب لحالي، أدور على اواعي  في الشتا لحالي، أدور على مياه في الصيف لحالي، أهرب لهان اروح لهان، أنام هان واليوم التاني بنام هان، أشيل أشلاء هاد واشيل صخور هون، ما كان في حدا من أهلي يشاركني هادي المعاناة، الحمدلله والله ارتاحوا يابا. _وجيت هنا ازاي؟ _هاد اجباري لكل حدا من جنسيتي، حتى لو فش حدا بايعه، حتى لو ما كان بيفكر حتى إنه يهاجر، إجباري الك ابتتاخد وما الك الحق ترفض او توافق، مش عكيفك.. صمت ابراهيم وهو يشعر بالأسى الشديد ونظر لوشم إلياس ليراه (PL-329) ثم قال: _إنت فلسطيني؟ أومأ إلياس برأسه ثم ارف إبراهيم : _احنا كدة خلاص؟ انتهينا؟ بالمنظر دا معادش هيبقا فيه عرب...معادش هيبقا في شرق اوسط _هاد افضل، هيك الله بيبدل أقوام، تخافش على ارضك ولا على اراضي الشرق الاوسط، اهم اشي هو دينك، وراح ييجي اليوم اللي ننتصر لديننا بإذن الله. هنا سمعوا اصوات خطوات اقدام تقترب من بابهم ثم يطرق صاحب الخطوات وهو يسأل بلغة عربية اعجميه: _هل يريد احد منكم الذهاب للحمام؟ كاد ان يجيب إبراهيم ليكتم إلياس فمه بقوة شديدة كادت ان تكسر بفك إبراهيم _هل يريد احد منكم الاكل؟ استيقظوا الشباب من حولهم وهم يحدقون بالباب ببرود ملتزمين صمت تام _هل يريد احدكم العودة لمنزله؟ ظلوا كلهم في ثبات ولا يجيبونه إلى أن سار الرجل وإبتعد بضعه خطوات وحين اختفى وقع اقدامه تماما ازاح إلياس بيده من على فم إبراهيم ليقول إبراهيم: _في ايه؟ مخلتنيش ارد ليه ياعم _ياخي متبقاش ضاوي، هاد فخ لإلنا، هاد نظامهم يمروا عالعنابر هيك ويقولولك هادي الشغلات مشان ترد عليه وبياخدك يقتلك بعد ما يعذبك. _ط..طب ليه طيب؟ _لساتك بتسأل ليه؟ ما فهمت انهم بيستمتعوا بتعذيبنا يا إبراهيم؟ هكذا أصبحت حياة إبراهيم، والتي أصبح يصاحبه إلياس فيها. أصبح يوميًا يأخذ جثث من فشلت التجارب العلمية عليهم ويذهب بها لمبنى الجثث حيث يتم التعامل معها. كان يرى جميع أنواع الجثث، وكان يسمع جميع أنواع النجدات. منهم من يصرخ بسبب ألم جلده الحارق، الأشبه بألم الحرق حيًا بسبب حقن مواد محددة لتجربة منتج لعلاج البهاق، ثم يموت من شدة الحروق الجلدية. ومن يقومون بعمل منتج لإنقاص الوزن، ويضعونه للتجربة على أحدهم، بعدها حين يأكل، يستفرغ كل ما أكله ويموت جوعًا. أما المنتجات التجميلية ومستحضرات التجميل، فخطورتها أقل، لكنها تترك تشوهًا كبيرًا في أجسادهم مع بقائهم أحياء. ومن ينجح في التجربة وينجح في صناعة المنتج المناسب، يضعون المنتج في السوق وينقلون الشخص الذي قاموا عليه بالتجربة لتجارب علمية أقوى. كتجربة وضع رضيع مع غوريلا شرسة، ولكن رأى إبراهيم ما هو أبشع منها. فقد مر على حالة فتاة برأس كلب، تجربة مجنونة قرر العلماء تجربتها، وهو استبدال رأس الكلب برأس أنثى والعكس في عملية في غاية الدقة، وعاشت الفتاة بعدها برأس الكلب لمدة ربع ساعة، كانوا يسمعون منه صوت الكلب الممزوج بأنين الإنسان، ثم ماتت. بالنسبة لإبراهيم وبقية الموظفين المستعبدين المجندين، لا يأكلون سوى يوم في الأسبوع، ولا يقضون حاجاتهم سوى مرتين في الأسبوع، أما الاستحمام فلا يُتاح لهم سوى من مبنى الدعارة. أصبح الشهر ستة أشهر. قام إبراهيم وإلياس بالعمل في تهريب المخدرات وكل شيء عدا الدعارة، ولاحظ إبراهيم في كل مرة يزور فيها طابقًا معينًا في مبنى التجارب أن هناك طفلة دائمًا تنادي على اسم شخص... ثم تنادي على أمها. كلما يسمع صوتها الصغير المسكين، كلما ينهش قلبه الأسى عليها. إلى أن أتى يوم ورآها. أثناء ما كان يسير في مبنى التجارب متجهًا لإحدى الجثث لأخذها، توقف بثبات في صدمة حين رأى طفلة في منتصف الممر، تلتف حولها وكأنها تبحث عن مهرب. حين اقترب منها، نظرت إليه وقالت: _ماما... ماما. قال لها بنبرة لينة: _إنتِ جيتي هنا إزاي؟ _ماما. _اسمك إيه؟ _...م.. ماما... ماما... ن.. نور. _اسمك نور؟ أومأت الطفلة برأسها. ليسألها: _طب... فين أوضتك؟ أشارت له للطابق الأعلى ثم قال: _عرفتي تخرجي إزاي؟ _ب... باب... فتح... ماما. كانت الطفلة في عمر التاسعة أو الثامنة، وكبيرة على لغتها الضعيفة، يبدو أنها لا تجيد الكلام أبدًا. _ماما مش هنا يا حبيبتي... إنتِ عارفة إنتِ فين؟ حركت رأسها بالنفي ثم قالت: _نور... هنا... كتير... ماما... هناك. _بقالك هنا كتير؟ أومأت برأسها. ثم قال: _ومامتك مش هنا؟ حركت بالنفي. ثم قال: _طب يا حبيبتي... لازم ترجعي أوضتك، لو فضلتي هنا هيضربوكي جامد. _واجعني... _إيه يا حبيبتي اللي واجعك؟ ظلت تشير على يديها، ورأسها، وأرجلها، وقلبها، وعينيها، ثم قالت: _جعانة... _بقالك كتير مأكلتيش؟ أومأت برأسها ليجد هنا إلياس يأتي إليه متسائلًا لما تأخر، ليتجمد مكانه حين يرى تلك الطفلة. _مين هادي؟ _مش عارف يا إلياس... لقيتها فجأة هنا، بتقول إن أوضتها فوق. حدثها إلياس بنبرة لينة: _كيف جيتي لهون يا عمتو؟ _ب... باب... فتح. نظر إلياس لإبراهيم وهما في حيرة شديدة. ثم أضاف إلياس: _طب يا خالو، المكان خطير هون، بدّي ياكي ترجعي لأوضتك، وإحنا منكون معك، ماشي؟ حركت رأسها نافية وهي تقول: _واجعني. _ايش اللي واجعك؟ أشارت على جسدها كله. ثم وقف إلياس في حيرة ثم قال: _لازم ترجع لمكانها، إذا عرفوا بهروبها بتكون مصيبة كبيرة. حاول إبراهيم إقناعها بقوله: _بصي يا نور، إحنا نرجع أوضتك دلوقتي، وأنا هبقى أجيلك تاني، ماشي؟ أظهرت خوفها الشديد وقالت وهي على حافة الانهيار بالبكاء: _ماما... ماما... ماما. ثم ظلت تردد اسم شخص مع ذكرها لأمها. ليقول إبراهيم: _ماشي يا حبيبتي، هنوديكي عندهم... بس ارجعي دلوقتي لأوضتك، تعالي إحنا هنوصلك. أمسك بيدها ودخلوا المصعد، وصعدوا للدور الخاص بها. وصلوا لبابها، وقال إلياس لها: _كيف فتحتيه؟ مدت نور يدها ليفتح الباب من تلقاء نفسه، ليندهشا بشدة. وحين رفعت رأسها ناظرة لإندهاشهم، ضحكت ضحكة لطيفة وهي سعيدة بنفسها. ليبتسم إبراهيم ويقول: _عملتيها إزاي دي؟ إنتِ شاطرة خالص. ضحكت مجددًا، وكان وجهها وضحكتها يفيضان باللطافة الشديدة، لينفطر قلب إبراهيم أكثر ويزداد قهره عليها أكثر. ثم لوحت بيدها الصغيرة لهم ودخلت غرفتها وأغلقتها. أما إبراهيم فبدأ بالبكاء ليقول له إلياس: _خلص عاد. _حاضر. مسح إبراهيم دموعه بسرعة وعادا للمكان الذي من المفترض أن يذهبا إليه. وهنا قال لهم الموظف الأعجمي: _لقد تأخرتما كثيرًا، أتظنان أن تأخيركما سيكون بلا عقاب؟ اعتذر إبراهيم له بشدة. ليقول الأعجمي غير مبالٍ: _غدًا سننقلكم لمبنى الدعارة لمدة أسبوع.. أعتقد أن هذا أسوأ عقاب لكم كرجلين شرقيين. ضحك هازئًا، وشعر كلاهما بتورط شديد من ذلك القرار. إنتها من عملهما في هذا المبنى، وعادا لغرفتهما. ولاحظ إبراهيم أن إلياس عابس ممتعض بشدة. ليقول إبراهيم: _أنا آسف يا إلياس... ادعي بس إنِّنا نروح لستات. نظر إلياس لإبراهيم بنظرة نفور وتبرم شديد ليلتزم إبراهيم الصمت مراعيًا لشعور إلياس، لانه يشعر به هو ايضا فبالنسبة لهم لملمة اشلاء الجثث وتهريب المخدرات أفضل من لمس امرأة لا تحل لهم، وأفضل بكثير من لمس رجل بتلك الطريقة. وفي اليوم التالي، يدخل إلياس وإبراهيم لإحدى العنابر في مبنى الدعارة، والذي كان أكثرهم مفيه هم النساء والأطفال. جلسا كلاهما وإبراهيم يحدق في الأطفال بصدمة شديدة، أكبرهم كان في الثانية عشرة من عمره. نظر إبراهيم لإلياس وهو يقول له: _هو ليه في أطفال في المبنى ده؟؟؟ نظر إلياس لإبراهيم وهو يقول: _والله إنك مسكين.... ازدادت أنفاس إبراهيم بنفور شديد وهو يقول: _يارب أموت قريب بقى، أنا تعبت. على منتصف الليل، غفا إبراهيم على كتف إلياس، وغفا الأخير على رأس إبراهيم أيضًا، ليستيقظوا فجأة على طرق باب احدٍ منهم يقول: _هل يريد أحد منكم العودة لمنزله؟ تجاهله كل الحاضرين عدا طفلة صاحت وهي تقول: _أيوة أيوة، عايزة أروح لماما، عايزة أروح لماما. شهق إبراهيم وحاول منعها، ولكنه لم يستطع، وفتح الباب لتنهض الطفلة للرجل وهي مبتسمة بلهفة، وفور أن أغلق الباب، سمعوا صراخها المدوي. قبضت قلوبهم ذعرها، ووضع إبراهيم يديه على أذنيه: _يا ماما، يا ماما، دم دا دمم، خلاص يا عمو بالله عليك والله بتوجع اوي خلاص، خلاص، خلاص يا ماما. ظلت تصيح وتطلب النجدة وتتألم بشدة إلى أن سمعوا صوت حشرجتها معلنة موتها القاسي. الكل جالس يبكي في صمت، وبكتمة قوية، إلياس يتمتم بالأذكار والقرآن، وإبراهيم ما زالت يديه على أذنيه وهو يبكي بأسى وحسرة جسيمة. مرت أربعة أيام على وجود إلياس وإبراهيم في مبنى الدعارة. هما الآن يتحممان في الحمام العام، وكان إبراهيم يقول: _فاضلنا تلات أيام بس ونخرج من المبنى ده، الحمد لله محدش لحد دلوقتي طلبنا. تصدق بالله، دول أهدى تلات أيام عدوا عليّا من ست شهور. والله العظيم يا جدع، لا بناخد جثث ولا بنبلع أكياس كوكايين عشان نهربهم ولا... قاطعه إلياس بنبرة خافتة مليئة بالحسرة: _في حدا طلبني. تجمد إبراهيم مصدومًا ليقول: _إمتى ده؟ _اليوم. _ست صح؟ هز رأسه نافيًا، ليضع إبراهيم يده على فمه. وحين لاحظ إلياس جحوظ عينيه من هول الصدمة، ابتسم له وقال: _تخافش.. ما راح أترك حدا يلمسني يا زلمة. _أومال هتعمل إيه؟ لم يجيبه، وشعر إبراهيم أن هناك خطة بداخل عقل إلياس. لم يرتح من تلك النظرة التي كانت في وجهه، فشعر بضيق في صدره ليقول: _ إلياس، أنا مش هستحمل فراقك... ارجوك.. لو في حاجة في دماغك عايز تعملها... بلاش.. ماشي؟ نظر إلياس له دون رد، ليزداد خوف إبراهيم عليه. وبعد ذلك الاستحمام، يدخل إلياس غرفة مخصصة بها موظفون يضعون له المكياج ويخفون وشمه، وارتدى بعدها سترة أنيقة. إلياس شاب داكن البشرة، صاحب عيون حادة وشعر أسود كالفحم وطويل القامة نحيف. ازداد جماله مع كل تلك التجهيزات لمقابلة ابن رئيس وزراء كندا. ركب إلياس طائرة مروحية انطلقت من الساحة، وراقبها إبراهيم من نافذة العنبر وهو يأمل بعودة إلياس في سلام. تصل المروحية بعد دقائق لساحة كبيرة قريبة من قصر ابن وزير الوزراء الكندي. من ثم يأخذان الموظفان الأعجميان إلياس للباب الرئيسي للقصر. علم الحراس بدوره، ثم أدخلوه مع الموظفين وسارا إلى أن وصلا لغرفة الابن. طرقوا الباب، وبعدها فتح لهم شاب متين البنيان وقوي بصورةٍ واضحة. فور رؤيته لإلياس، ضحك بحماس وجذبه وهو يشكرهم ويقول بلغة إنجليزية بعدما أغلق الباب: _أنت حقًا نوعي المفضل، لقد بحثت عن من مثلك كثيرًا، أنا مسرور ولا أطيق الانتظار. ظل إلياس يحدق في هذا الشاب بعيون مشتعلة بالاحتدام المكتوم. لقد جلس سبع سنوات في إذلال وإهانة وتعذيب مستمر، وتلك هي المرة الأولى التي يخرج فيها للعالم. بالتأكيد سينتهز تلك الفرصة. رأى إلياس في اعين ذلك الفتى الزرقاء كل ما هو دنيء وبغيض ورجس، رأى خلف تلك الاعين الزرقاء إبادة الكثير من الأعراق، اغتصاب ملايين الأطفال في الحروب، تعذيب ملايين الرجال بالمعتقلات.  قالت له امه منذ زمن، أن الشيطان إن تجسد في إنسان، بالتأكيد سيكون صاحب اعين زرقاء، لغته الام هي الانجليزية. تبسم إلياس فور تذكره لامه الذي اشتاق لها حقًا _لمَ تتبسم؟ هيا يا رجل لا تجعلني أنتظر أكثر. اتجه إلياس وأغلق باب الغرفة بالقفل، ولم يمنع الكندي تلك الحركة بل تحمس أكثر. ليلتفت إلياس له وهو يرمقه بنظرة أقلقت الكندي. وهنا سمعوا صوت صراخ الكندي يجلجل بفزع خارق كما لو كان يتم تعذيبه. فحاول الموظفان فتح الباب بصعوبة، وصراخه المذعور يهز الجدران. إلى أن سكت صوته وختم بحشرجته معلنًا موته التام. وفي تلك الثانية، فتحوا الباب ليصدموا من هول المشهد، وجه إلياس وسترته الأنيقة ملطخة بالدماء، بينما كان ممسكًا بسكينة كانت موجودة في طبق الفواكه، والشاب مقتولًا بطريقة بشعة. مرت الساعات وإبراهيم ما زال في عنبره يغفو بين الحين والآخر منتظرًا صديقة إلياس، ولكنه لم يعود. مر يومان إلى أن دخل عليه إحدى الموظفين الأعجمين يقول له. _إشتقت لصديقك؟ _ن..نعم؟ _تعال بسرعة لديك مهمة تخصه. نهض إبراهيم وسار خلف الموظف وخرج للساحة، ليجد أحدهم معلق في منصة بها عامودان حديديان، متصل كل منهما سلسلة من الجنازير في نهايتها أصفاد، والأصفاد مكبلة في ايدي إلياس الذي كان واقف بين العمودان ذراعيه ممددان بسبب المسافة البعيدة وجسده كله مبتل بالبنزين، يجلس حول تلك المنصة بمسافات بعيدة كتير من قادة العالم وعلية القوم وكما لو كان سيشاهدون مسرحية مثلًا. دب الذعر في قلب إبراهيم وهو يرى أمامه صديقه في تلك الحالة المهينة، هنا قال له الموظف وهو يعطيه قداحه. _أشعله بالنيران، هذه وظيفتك الان، هيا. _هتموتوه؟؟؟!! _لقد قتل إبن رئيس الوزراء، هذا عقابه، سيتم إعدامه الان، هيا لا تماطل. دفعه الموظف وذهب إبراهيم مُكرَهًا وتقدم للمنصة وهو يلتفت للجالسين. _عملت إيه يا إلياس...مش قولتلك متعملش حاجة توديك في داهية؟ ليه كدة؟ ليه؟ قال إلياس مبتسمًا: _عينوك جلاد لإلي ها؟ والله ازا حدا تاني اعدمني غيرك كنت راح احزن. _إنت بتقول ايه؟ انا مقدرش أعمل فيك كدة. فجأة دبت صاعقة كهربائية في عنقة لإستعجاله في إحراق إلياس فإنهال ابراهيم بالبكاء وهو يصرخ: _مش هقدر، مش هقدر! ازدادت الصاعقة وبدأ يصرخ متألما ثم توقفت ليقول إلياس هنا: _تخافش يا إبراهيم، أنا مسامحك يا بابا، تخافش. _لا يا إلياس مش هعمل فيك كدة لا. _إبراهيم ، إبراهيم بص لي يا بابا، بص لي. رفع إبراهيم عيناه اللامعتان من كثرة الدموع ليرى إلياس يحدثه بإبتسامة رضا: _أعرف يا إبراهيم، أكتر من أبتلاهم الله هم الانبياء ومن بعدهم من يحبهم، ليرزقهم الله جنات الفردوس الأعلى، أصبر واحتسب يا بابا بدياك تصبر وتحتسب في هاد البلاء القاسي ياللي حتعيشوا مشان ربنا يعوضك، والله مافي عوض اعظم من الجنة، تنساش الله في كل ثانية في حياتك يا إبراهيم فيش مولى سواه، هدول ياللي حولك..بيمتلكوا نعيم الحياة، قادة العالم ياللي هيكونوا حطب جهنم بإذن الواحد القهار. خرجت الدموع من أعين إلياس قائلًا: _والله اني خايف يابا...، بدياك تدعيلي كتير، الله شاهد إني كنت صابر، الله شاهد إني ما عملت اي اشي بإرادتي ابدًا في هاد المكان الملعون، ادعيلي كتير يا إبراهيم، كنت بتمنى أموت شهيد في سبيل الله بس الحمدلله فش نصيب، أرمي النار يا إبراهيم تخافش، واشهد الا اله الا الله، واشهد ان محمد عبده ورسوله. ضربت صاعقة في عنق إبراهيم زادت في ارتعاده مما جعلته يلقي القداحة على إلياس لتنتشر النار في جسده ويبدأ في الصراخ مرددًا: _لا اله الا الله، لا اله الا الله، لا اله الا الله ابتعد إبراهيم عن المنصة وهو يصيح باكيا على صاحبه، أما الجالسين حوله كانوا يضحكون ويصقفون بحرارة بينما كان إلياس يصرخ وهو متألمًا بقساوة ويتلوى ويتحرك بعنف، يتعذب من النار التي تحرق كل جزء من طبقات جلده وشرايينه وعضلاته وعظامه وظل على هذا العذاب لمدة دقائق إلى أن سكت صوته تمامًا وبسكوته تتعالى اصوات الضحكات والهتافات من حوله. مات إلياس بطريقة بشعة ومن بعد موته لم يعد إبراهيم كما كان. أستمر إبراهيم على هذا الحال من العذاب لمدة ثلاث عشرة سنة واجه فيهم ما هو أبشع من ما واجهه في أول ستة أشهر له، لكنه لم يترك نور وحدها حين تسنح له الفرصة، ولم ولن ينسى إلياس ابدًا. إعدام إلياس غرز بداخل إبراهيم وعد وانتقام. وعده ووعد نفسه أنه سيهرب هو ومن معه في هذا المكان مهما طال الزمن، وانه سينتقم لقاتليه مهما طال الزمن، حتمًا سيفعلها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة