٧٧ سجن الوادي الجديد كان يُسمى منذ عشرين إلى ثلاثين سنة بـ"سجن الموت" نظرًا للأوضاع المزرية والقاسية التي كان يمر بها المحتجزون والسجناء، من حرمانٍ من الطعام والعلاج، وتفشي الأمراض، ومواجهتهم جميع أنواع التعذيب الممكنة. اتخذ هذا السجن مقرًا عسكريًا لجيش المقاومة "ذَوْد"، وفور ذلك أمر مصطفى بعودة المحتجزين المظلومين إلى أهلهم، وأجبر المجرمين على التجنيد الإجباري في جيشه ومحاربتهم معه. وبعد اتخاذهم هذا السجن مقرًا لهم، قاموا بتغييره وتجديده وجعلوه صالحًا للحياة الإنسانية المناسبة، حيث قاموا بفتح الزنازين على بعضها، وإقامة مهاجع، وتخصيص غرف خاصة بالقادة، وتنظيف الحمامات والمطاعم، وبناء مبانٍ إضافية بمساعدة ياسر، نظرًا لكونه رجل أعمال. وبمساعدة مصطفى وقوته في التحكم بالطبيعة، اضطر إلى إنشاء خنادق تحت بعض أراضي الوادي الجديد وبعض المحافظات المستهدفة من الميليشيات ليصبح لديهم حرية التنقل. فقد شرح السيوم قوته له، وأوضح أن التحكم بالطبيعة من سابع المستحيلات أن يكون تحكمًا عامًا، بل هو تحكم محدود يخص المربع الذي يقف عليه فقط. وحين علم مصطفى بمحدودية قدرته، قرر استخدامها للضرورة كحفر الخنادق تحت الارض. وعلى مشارف غروب الشمس وانشقاق لون السماء، يمتد معسكر الجيش في مشهد متماسك ومرتب ينبض بالحياة والنظام في آنٍ واحد. عند المدخل الرئيسي، تقف بوابة حديدية ضخمة، ويقف حراسها مع عشرات الكلاب المدربة أمامها، بزيهم الرسمي وأسلحتهم المهيأة وأعينهم الثاقبة تحت أقنعتهم الملثمة، كتمثالين من صلب. يمتد داخل المعسكر بنية منظمة تقسمه إلى قطاعات مختلفة، تتناغم مع الغاية العسكرية للمكان. إلى اليمين، تصطف مباني المهاجع والمساكن الخاصة بالجنود، تحتمي بداخلها أسرّة بسيطة مصفوفة بدقة عسكرية، مع طاولات صغيرة تحمل معدات وأسلحة. على كل سرير، توضع حقيبة الجندي الشخصية، مرتبة بعناية تكشف عن التزام صارم بالنظام. في الوسط، يقبع ميدان التدريب ذو المساحة الشاسعة من الأرض المستوية، مغطى بالرمل الصلب الذي يحمل آثار الأقدام الثقيلة والعربات المدرعة. هنا تتناغم أصوات الأوامر الحازمة مع أصداء خطوات الجنود المنضبطة. هناك صفوف متراصة من الجنود يؤدون التدريبات البدنية، يقف قائدهم في الأمام صارخًا بالأوامر وياسر بجانبه يتابع تدريباتهم، بينما يُسمع في الخلف صدى إطلاق النار من ميادين الرماية. إلى اليسار، توجد المباني الإدارية ذات التصميم البسيط. جدرانها بلون رمادي باهت. داخل هذه المباني، توجد غرف الاجتماعات ومكاتب القادة، كمصطفى وياسر وجمال وإسماعيل، حيث تُرسم الخطط وتُناقش الاستراتيجيات. على الجدران، تعلق خرائط ضخمة مليئة بالرموز والملاحظات. أما مطبخ المعسكر، فينبعث منه رائحة الطعام الساخن، ويكتظ بالطهاة الذين يعملون بلا كلل لإعداد وجبات مغذية تعين الجنود على مهامهم الشاقة. يقابله مرفق طبي كبير يضم أسِرّة بيضاء نظيفة ومعدات إسعافية كافية لعلاج الإصابات الطارئة. وبجانب هذا المرفق، يوجد مرفق آخر بسيط خاص بالحيوانات، حيث يتم علاج كلاب الحراسة وبعض القطط الخاصة بجمال، وكان من يعالجهم هو هيثم. في أطراف المعسكر، تنتشر العربات العسكرية والدبابات، مصطفة في تشكيلات منتظمة، تلمع تحت ضوء النهار الباهت. صوت المحركات يُسمع بين الحين والآخر، يعكس استعدادًا دائمًا للتحرك. المعسكر بأكمله يعكس كيانًا حيًا ذكوريًا شديد الصلابة، ينبض بالتنظيم والقوة، ويمثل مزيجًا متوازنًا بين الصرامة والعملية، حيث كل تفصيل يعبر عن هدف واحد: الاستعداد لمواجهة التحديات في أي لحظة. أثناء وقوف ياسر ومتابعته للتدريبات، نظر إلى ساعته وقال للمدرب أن يأمر الجنود بالتوقف للراحة عبر مكبرات الصوت ليصل الإعلان لجميع الجنود والتجهيز لوجبة الغداء. في تلك اللحظة، أتى جندي إلى ياسر وهو يهمس له شيئًا جعله يتجه بخطوات سريعة ثابتة إلى بوابة المعسكر. حين وصل إلى البوابة، وجد عشرات من سيارات الجيش المصري المحملة بالأسلحة والجنود ليستقبلهم ياسر. ترجل من السيارة الأولى لواء جيش وتقدم له ليسلم عليه ياسر مبتسمًا. _دفعة جديدة؟ قال اللواء وهو يومئ مبتسمًا برضا: _أيوة، أمرنا رئيس الأركان إننا نبعتلكم أحدث الأسلحة أول ما توصل زي ما وعدكم، غير كده بعتنالكم ألف جندي من عندنا كمان. شعر ياسر بريبة من كثرة إرسالهم للجنود ليقول والابتسامة لا تفارق وجهه: _سيادة اللواء، انتوا مدّيينلنا تمنتلاف واحد بالفعل... كفاية كده. _لو بطلنا نبعتلكم جنود هتجيبوا رجالة منين؟ ولا انت خايف من تكدس المهاجع؟ سكت ياسر قليلًا ثم قال بنبرة بدا عليها التهكم: _ما تشاركوا في الحرب انتوا أحسن، يعني بصراحة لحد دلوقتي مش عارف ليه مش عايزين تبينوا للعلن إن انتوا بتشاركونا. صمت اللواء بتردد ثم قال: _والله يا ياسر أنا مش راضي عن الحال ده، بس... رئيس الأركان خايف من أدهم داغر، هو سايبكم تحاربوا براحتكم عشان تكونوا انتوا في وش المدفع بتاعه. أومأ ياسر برأسه ثم قال: _ماشي يا سيادة اللواء، أتمنى بعد ما الحرب تخلص متقبضوش علينا وبعدين تنسبوا الانتصار ده ليكم في كتب التاريخ. ابتسم اللواء في صمت ثم أشار للجنود بالدخول بسيارات الأسلحة وما إلى ذلك، وهنا قال لياسر: _لسه الميليشيات مجابتش مسيّرات؟ _لا لسه، بس أنا واثق إنهم في يوم من الأيام هيجيبوا بحكم كتب نور اللي عمالة تتباع وتجارة المخدرات اللي بيعملها رفعت، إحنا متابعين وشايفين إنهم قربوا خلاص، أتمنى نكون وصلنا لخطة حماية قبل ما يضربونا. هنا يسير أحد الجنود المتألقين في ساحة المعركة واستقبال المعلومات عن العدو، يسير في المبنى الإداري متجهًا إلى مكتب القائد جمال. يصل إلى باب مكتبه ويطرقه ويفتحه بعد أن يسمع الإذن من جمال، وحين دخل كان جمال واقفًا ليتجهز للذهاب إلى مطعم المعسكر. قال جمال وهو يلملم أشياءه: _تعالى يا موريس، خش. دخل موريس وهو يسلم عليه ثم قال له: _الجيش جاب كتيبة جديدة. توقف جمال عن الحركة وترك ما يشغله ونظر لموريس، ليُردف موريس: _ياسر قالي إنهم هيبقوا تحت قيادتك مع الباقيين. ظل جمال واقفًا في سكوت يدل على كثرة تفكيره الصارخ وعدم سروره بهذا الخبر: _من بعد ما الكتيبة اللي فاتت جت في ذخائر وأسلحة كتير اختفوا بشكل غريب، واللي أكيد فيه منهم جواسيس موجودين بيننا لحد دلوقتي، كل ما كتيبة تيجي كل ما عدد الجواسيس يزيد. _مظنش إن الجيش هيعمل فينا كده. _ أنا مبتهمش الجيش، أكيد برضو الظباط ميعرفوش إن فيه جواسيس من الميليشيات في عساكرهم. سكت موريس وكذلك جمال وهو يفكر، ثم سأله: _موصلكش أي خبر من وليد؟ يظهر هنا أن وليد، ابن رفعت، الذي حاول الانتحار من قبل بسبب ما فعله أدهم بأخته وإنقاذ نوح له، أصبح يعمل لدى مصطفى جاسوسًا يرسل لهم كل ما يخص رفعت ونور والميليشيات. قال موريس هنا: _لا، مبعتلناش حاجة بعد آخر مرة، هو أكد لنا إن ممكن يكون فيه جواسيس بيننا بس الصعوبة هي إننا نطلعهم إزاي، انت عملت لهم اختبار عقيدة ودين وحاجات كتير والنتايج بتاعتهم كانت متقاربة، أظن محتاجين نفكر في طريقة تانية أول ما مصطفى ييجي. أومأ جمال برأسه وهو يقول: _عندك حق... لازم نستنى مصطفى ونشوف الطريقة اللي هيقولنا عليها. في الوقت ذاته كان مصطفى ومعه اللواء المكون من ثلاثة آلاف جندي يرأسهم مصطفى ومن ثم إسماعيل، عائدين من حرب أسيوط وهم يسيرون بالعربات في الخنادق الواسعة التي تسع عربتين بجانب بعضهما. عائدون كأنهم يحملون العالم على أكتافهم، رغم ثقل تلك المسؤولية إلا أن أكتافهم كانت مرفوعة بشموخ، ووجوههم تعلوها ملامح الفخر المتعب. كان الإنهاك قد نال من أجسادهم، إلا أن أرواحهم تضيء بشعلة الانتصار. خطواتهم المتثاقلة لم تكن خضوعًا، بل عزفًا بطيئًا لأنشودة العودة. رغم شحوب أعينهم المرهقة إلا أنها تتألق بوميض النصر. كانوا ذاهبين إلى الحرب ثلاثة آلاف، عائدين منها ألفين وخمسمائة وعشرين. الشهداء يحملونهم ويدفنونهم عند مقر المعسكر ويبلغون أهلهم بذلك. كان يتمنى مصطفى أن يرجعهم ليدفنوا في مسقط رأسهم ولكن كان الأمر شبه مستحيل. حين أتى أذان المغرب، أمرهم مصطفى بالوقوف وبعد حلول العشاء سينامون إلى أن يأتي الفجر ويكملوا طريقهم. توقفوا بالسيارات، فرشوا مفارشهم، قاموا بصلاة المغرب، ثم جلسوا للراحة وينعموا ببعض السكينة العائمة بين غبار الخندق وقطرات العرق التي تنسدل في جميع أعضاء جسدهم، وبين الآلام الجسدية والإصابات الخطيرة والسطحية، ولكن كل هذه المشقة كانت هباء بجانب الطعم الحلو العذب لانتصارهم في كل مرة. بينما كان مصطفى جالسًا في المقدمة يسبح على أصابع يديه ويذكر الله، أتى إليه كل من إسماعيل وحمدي. رفع مصطفى بصره لحمدي وهو يقول: _أخبار المصابين إيه؟ قال حمدي وهو يجلس بجانب صديقه: _غيرت على جرحهم وحالتهم مستقرة الحمد لله. ما لا نعلمه أن حمدي يعمل طبيبًا جراحًا في إحدى الدول العربية وكان يعود إلى الإسكندرية بين الفترة والأخرى وقرر أن يترك عائلته وعمله لأجل أن يجاهد مع صديق طفولته مصطفى ويكون طبيب الجيش. أتى هنا إسماعيل وبيده راديو بدائي يصعب التقاط إشارته بأجهزة التجسس الحديثة لدى الميليشيات. جلس بجانب مصطفى وهو يقول له: _اسمع اسمع يا مصطفى. قام إسماعيل برفع الصوت ليسمعوا الخبر: «حملة "اعتني بالجوهرة" حققت نجاحًا باهرًا بعد خمسة أشهر فقط من إصدارها. أربع نساء مناضلات قررن أن يقمن بحملة لمنع العائلات من بيع نسائهم وبناتهم، فقد أدى بيعهن المستمر إلى نقص معدل النساء في مصر بنسبة ثلاثين في المئة، بالتالي أدى إلى انتشار العزوبية بين الشباب غير القادرين على إيجاد زوجة. ليقررن كل من هدى رؤوف سيدة الأعمال زوجة ياسر صلاح الدين رجل الأعمال ونجلاء عبد الرازق طبيبة النساء زوجة القائد مصطفى عبد الباقي وفلوريا صبحي وهالة سعيد، طالبات كلية الإعلام والآداب، المشاركة بحملة "اعتني بالجوهرة" حيث يتم تزويج الفتاة المقرر بيعها بالشاب العاجز عن إيجاد فتاة ليكون هذا الحل للحد من بيع البنات. وأثبتت نجاح تلك الحملة، لينخفض عدد بيع النساء في مصر بنسبة خمسة إلى سبعة في المئة، وتلك النسبة كبيرة مقارنة بحملة بدأت منذ مدة قريبة وما زالت النسبة في ازدياد». كانوا يسمعون هذا الخبر بابتسامة فخر عريضة على وجوههم. كانوا في غاية الفخر من زوجتيهما حقًا. وقال إسماعيل هنا: _هالة والدكتورة أخيرًا حققوا اللي كانوا عايزين يعملوه، هانت يا مصطفى. الميليشيات هنبيدهم وبيع الناس هينتهي في مصر وكل حاجة ترجع طبيعية. هانت. ابتسم مصطفى ابتسامة مطمئنة تظهر إجهاده، وبصوت رزين قال: _الحمدلله، احنا دورنا اننا نسعي للفلاح، وعلى الله توفيقنا. ********** خصلة فوق خصلة فوق خصلة، تجلس علا على الأريكة وبين يديها انسابت خصلات شعر هاجر، وكانت أناملها تعمل برفق وسرعة في الوقت ذاته، تنسق الضفائر الدقيقة الإفريقية كما لو كانت ترسم لوحة بمهارة. هاجر تجلس على الأرض مسندة ظهرها إلى ركبتي علا. وفي غرفة نجلاء ومريم، التي كانت غرفة أم نوح سابقًا، تجلس مريم عابسة، ونجلاء جالسة بجانبها تحاول مواساتها. _نور... نظرت نور لنجلاء، فقالت نجلاء بنبرة لينة لطيفة: _إحنا مش اتفقنا ما نتحكمش في مريم تاني؟ قالت نور وهي عابسة: _مقدرتش... أول ما شوفت عمر كنت عايزة أحضنه، بس هو خاف مني وجري، وحشني أوي وهو شايفني طفلة... طفلة ومرعبة كمان. _طب مين اللي خلاه يشوفك كده؟ سكتت نور قليلًا ثم قالت: _أنا... أنا السبب. عادت نور لسكوتها، فقالت لها نجلاء: _محتاجة تصبري يا نور وتسمعي كلامي وتثقي فيا. أنا حفظت سرك طول السنين دي وأقدر أحفظه أكتر لحد ما ييجي الوقت المناسب ونوح يعرف من غير أي ضرر للي حوالينا. فأرجوكي، سيبي مريم وما تتحكميش فيها تاني لو سمحتي. لو مش عشانها، فعشاني أنا. أنا الوحيدة اللي فاكرة نور، وأنا الوحيدة اللي أعرفك. لو كنتي قولتيلي عنك قبل ما تقتلي البنات دول كلهم، أنا كنت هحفظ سرك عن مصطفى نفسه... ممكن يا حبيبتي تسمعي كلامي؟ سكتت نور برهة ثم قالت: _مش ده اللي عايزاه يحصل... مش ده اللي كنت بخطط ليه، ولكن اللي خلاني ساكتة إنك عرفتي كل اللي نور مرت بيه على الأقل... وإنك عارفة نور نفسها.. ده اللي مصبرني لحد دلوقتي. يظهر هنا أن نجلاء لم تعد تجهل شيئًا الآن. علمت روح القوة بداخل ابنتها وعلمت كيف كانت نهاية نور، جارة نوح، والتي كانت تعلم سرها منذ البداية أساسًا. وبعلم نجلاء بكل ذلك، اتفقت مع روح القوة ألا تؤذي مريم أكثر، وسيتم الاتفاق بينهما في كل ما يخص حق نور وكشف سرها. دخلت غادة بعدما أوصلها عصام، وبيدها حقائب لمستلزمات وأطعمة كانت قد طلبتها نجلاء ومريم. وفور دخولها، رأت علا وهي تضفر شعر هاجر تلك الضفائر الإفريقية الدقيقة. سلمت غادة على علا، فقالت علا: _غادة، بالله عليكي ضفري شعرها معايا، عشان خلاص إيديا ورمت ولسه واصلة لنص رأسها دلوقتي بعد ساعتين. خرجت نجلاء ومريم من الغرفة ونجلاء تضحك: _أنا هكمل معاكي، ما تقلقيش، وغادة تشارك برضو عشان ننجز. قالت هاجر مبتسمة بلا مبالاة: _معلش بقا، دي فكرة غادة مش فكرتي. لوموها هي. ضحكت غادة وقالت وهي تضع الحقائب: _حاضر، هقلع وأجيلكم أهو. أخبارك إيه يا نجلاء؟ روحتي شغلك النهاردة؟ كادت أن تتحدث نجلاء، فقالت هاجر وقد سبقتها بالحديث: _لا، وقعت من طولها النهاردة فقومت حالفة إنها مش رايحة شغل ولا هتتعب نفسها. ما دام أنا بقيت راجل البيت، يبقا لازم تسمع كلامي. ضحكن كلهن. أتت مريم متلهفة إلى الحقائب وهي تسأل غادة: _جيبتي الموتشي يا غادة؟ _أه يا حبيبتي، جيبته. خدي كليه وخلي نجلاء تاكل عشان كانت بتتوحم عليه هي كمان. أصبح منزل نوح طيلة الخمسة أشهر منزلًا تغمره أنوثة خالصة، تنساب الأجواء بلطفٍ كأنها سيمفونية متناغمة. أصبح منزلًا هادئًا تعلوه نسمات الودّ وتغشاه أجواء الحنوّ. كل من غادة وهاجر ونجلاء ومريم، وفي الغالب علا، يشكلن معًا عالمًا مصغرًا من الألفة والرقة. لكل واحدة منهن طابعها الخاص، ولكنهن كنّ متّحدات بقلبٍ ينبض بالمحبة التي تغلّف كل زاوية من زوايا البيت. في كل صباحٍ ندي، تصحو مريم على أصوات الضحكات الخافتة الصادرة من المطبخ، حيث تتشارك هاجر وغادة إعداد الفطور مع امتناع نجلاء عن مساعدتهما لترتاح في حملها. إحداهن تقطع الخضار بحركات واثقة، وأخرى تعدّ الخبز الساخن وتحضر الشاي المنعش. وفي المساء، يجتمعن في غرفة الجلوس كما حالهن الآن، تتوسطهن مريم بحركاتها المرحة، فتتنقل بين أحضانهن كعصفورٍ يرفرف بفرح. تُلقي نجلاء قصة على مسامعهن، بصوتها العذب المليء بالحيوية، فتجذب انتباههن أثناء تضفيرهن لشعر هاجر. تقاطع الحكاية بمزحة، فتتعالى الضحكات وتملأ الغرفة بدفء لا مثيل له. هكذا، يظل هذا منزل نوح عالمًا صغيرًا، تفيض أجواؤه بمزيج من الحنان والرقة والأنوثة، حيث تسود لغة غير منطوقة، لكنها مفهومة تمامًا. أثناء ما كانت غادة وعلا تضفران شعر هاجر، كانت نجلاء ومريم تأكلان ما تشتهيان. قالت غادة، وعيناها ثابتتان على ضفائر هاجر: _أنا قابلت عصام. اندثرت ابتسامة علا تدريجيًا، ولوحظت من حركات بؤبؤ عينيها الربكة الشعورية. قالت بعدما ابتلعت ريقها وهي أيضًا مثبتة بصرها على ضفائر هاجر: _وهو عامل إيه دلوقتي؟ لاحظت كسر كبير في صوته، كأنه عايز يعيط دايمًا. وأول مرة أسمعه بيقولي حضرتك، وبيتكلم بهدوء كده، ونظرات عينه بقت متغيرة خالص... كأنه طفل تايه. سكتن برهة، ثم قالت هاجر: _عمري ما كنت أتوقع أني أقول كده، بس... أظن جه الوقت إنك تسامحيه يا علا. استنشقت علا نفسًا كما لو أن سيرة عصام تثقل روحها، ثم قالت: _أنا مبقتش ببغضه، بس مقدرش أقول إني سامحته برضو... ومقدرش أقول إني أقدر أشوفه زي الأول، وأتمنى متجيبوليش سيرته تاني. عادوا لصمتهن، وقررن ألا يُكملن هذا الحوار. بدا على علا الامتعاض المكبوح في عينيها اللامعتين قهرًا، فور أن تذكرت خالد وسلمى و... معتز. فقد مات معتز منذ أربعة أشهر بسكتة قلبية إثر تدهور حالته النفسية والصحية الشديدة، ومن بعدها ذهب هيثم إلى جيش المقاومة ليهتم بكلاب الحراسة ويعالج الكلاب التي ينقذها جمال من الحروب ويجندها لحراستهم، ولكي يتجسس عن الميلشيات أيضًا فهو لديه مهارة في الحواسيب والبرمجة، وتركت علا وحدها في منزل معتز مع قطتها العزيزة ليزا. بعد ذلك الصمت سألت غادة نجلاء: _بقولك يا نجلاء، هو فعلًا الزوجة ليها الحق تطلب الطلاق من جوزها لو بعد عنها ست شهور؟ _أيوة يا حبيبتي، أقصى مدة مسموح للزوج أنه يغيب عن زوجته هي ست شهور. ازداد انقباض قلبها، وبدأت الفكرة تتضخم في عقلها بالفعل، لكنها حاولت ألا تظهر ذلك في ملامحها. انتهين أخيرًا من شعر هاجر، لتزين الضفائر البديعة رأسها، وتنسدل على أكتافها إلى منتصف ظهرها. اتضح هنا طول شعر هاجر المجعد الفعلي، فبعد أن تم فرده من كثرة الضفائر الطويلة، اكتشفت أن شعرها طويل حقًا. نظرت إلى مظهرها في المرآة وهي تضحك بابتهاج وتحرك شعرها بسعادة أسعدتهن جميعًا. وقررت علا، بعد جلوسها لبضع ساعات أخرى، ارتداء حجابها والعودة إلى منزلها حيث الوحدة المسالمة مع أنيستها ليزا. ************ يدخل نور الصاوي منزل نوح بعدما سمح له نوح بالدخول، وفور أن دخل نور ورآه عمر، شعر بقبضة في قلبه عظيمة كالتي شعر بها حين رأى أدهم، ولكن كانت أقوى مع نور تحديدًا لسبب مجهول. أتى نور لعمر وهو يسلم عليه، فقال عمر لنوح دون أن يرد السلام: _هو دا أخوك نور، صح؟ أومأ نوح برأسه وهو يقول: _أيوة، المفروض. نظر نور إلى عمر مستغربًا وهو يقول بينما كان يمضغ الأنيدوم: _إيه يا دكتور، إنت أول مرة تشوفني؟ سكت عمر وهو يشيح ببصره كما لو أن النظر لنور يُصلى عيناه، لا يعرف لماذا، حتى النظر لأدهم كان أهون. فقال نوح: _نور عرف طريق بيتي لما كان بيراقبك... لحد دلوقتي معرفش هو راقبك انت بالذات ليه، بس أهو عرف وبيجيلي بين الفترة والتانية. جلسوا ثلاثتهم وعمر يقول: _غريبة يا نوح، معرف نص الناس بيتك إلا مراته. قال نور وهو يوافقه: _قوله يا عم، أنا جاي أصلاً عشان أكلمه في الموضوع ده، بس قبل ما نتكلم اعملي كوباية شاي بقى لأن موضوعنا طويل. _ماشي يا عم. قام نوح ودخل المطبخ، ليزداد ارتباك عمر من انفراده بنور. نظر نور إليه نظرة طويلة ثابتة ازدادت من توتر عمر. _إزيك يا دكتور؟ مالك كده حاسك مش على بعضك؟ أجابه عمر دون النظر إليه: _أنا كويس... أتت رسالة لهاتف نور، وحين فتحها، ابتسم ابتسامة عريضة غريبة، وبعدها وضع هاتفه على المنضدة وقرر أن يذهب لنوح ليحدثه. لا يعرف لماذا أتت تلك الرغبة عند عمر، ولكن حين رأى أن نور نسي أن يغلق هاتفه، قرر أن يمسكه ويتصفحه. حين تأكد أن نور لا يبصره، أمسك بهاتفه، وأول ما خطر على باله أن يفتح معرض الصور. وفور أن فتحه وجد في صوره المعروضة في إحدى الملفات صورة لهاجر. لم يتعمق عمر فيها، ولكن من النظرة الخاطفة الأولى شعر أن تلك الصورة قد تم تصويرها حين كانت تعمل في عصابة أدهم، بحكم الملابس والوضعية ومظهرها المختلف عن مظهرها الحالي. رفع عمر بصره نحو مدخل المطبخ ليتأكد أن نور ما زال مشغولاً بنوح، ولكنه وجد نور واقفًا بثبات وهو يحدق في عمر بملامح باردة ويراقبه. صُدم عمر وازداد ارتباكه، مما جعله يضع الهاتف بسرعة وهو يقول: _م... معلش يا نور... ك... كنت بشوف الساعة. لم يبدِ نور أي رد فعل سوى ابتسامة ساخرة وهو يرفع حاجبيه بتهكم، ليزداد إحراج عمر وتشوشه، فنهض وهو يقول لنوح: _ماشي يا نوح، أنا مضطر أمشي، سلام. تعجب نوح وخرج من المطبخ ليجد عمر خرج من المنزل بسرعة قبل أن يلق عليه السلام، فقال نوح: _ماله ده جري كده ليه؟ _تلاقي أعصابه تعبانة شوية. انتهى نوح من إعداد الشاي، وجلسا سويًا في غرفة المعيشة، ونوح يقول: _قولتلي جيت عشان حاجة تخص غادة؟ أخذ نور رشفة من الشاي وهو يتأمل نوح ومظهره، ثم قال: _نوح، هو إنت مش خايف واحد حليوة وشاب صغير في سنها كده ياخد غادة منك؟ يعني إنت غايب عنها الشهور دي كلها، متوقع إنها تستناك وتصبر ولا إيه؟ ابتسم نوح بتهكم وهو يقول بكل ثقة: _بقولك إيه يا نور، الكلام ده مابيأثرش فيا. أنا واثق في غادة، هي بتحبني، مش هتخوني. _ليه؟ _هو إيه اللي ليه؟ _ليه بتحبك ومش هتخونك؟ يعني إنت عملتلها إيه في حياتها عشان تحبك الحب اللي يخليها تصبر شهور وتعتمد على شوية رسايل منك؟ تنهد نوح بنغص وهو يقول: _نور، انت عايز إيه؟ بقيت مصلح اجتماعي فجأة؟ في إيه؟ _لا، مش مصلح اجتماعي ولا حاجة، بس يعني، سليم دايمًا بيشتكيلي من مستواها في التعليم بسبب غيابك. غيابك مأثر عليها يا نوح. تحولت ملامح التكدر في وجه نوح إلى ملامح القلق والاهتمام: _بجد؟ أنا بعتلها كتير أأكد عليها تركز في دراستها. وضع نور كوب الشاي وهو يعتدل في جلسته وهو يقول: _غير كده... غادة بنت جميلة يا نوح، والشباب الجمال اللي في سنها بيجروا وراها... وانت يعني، لا مؤاخذة، شكلك بقى أكبر من أدهم نفسه بشعرك الأبيض ده. كمان شهر لو رفعت قضية طلاق وراحت لشاب في سنها يعيشها شبابها، وقتها انت ما تقدرش تلومها يا نوح. يعني هي ممكن تتقبل فرق السن بينكم... بس هي ليه تتقبل بعدك عنها طول المدة دي؟ إن حديث نور جعل رئتي نوح تنكمشان من شدة الضيق والنغص الذي تغلغل داخلهما كنيران ملتهبة. وما زاد ترعرع تلك النيران هو ذلك المقطع الذي أخرجه نور من هاتفه لغادة ومهاب وهما يسيران إلى مخرج المختبر. قال نور هنا وهو يريه ذلك المقطع: _الواد ده من بين ولاز كتير بيتمحلسوا لغادة عشان تقرب منهم. ممكن تقولي بقى إنت عملت إيه لغادة في مقابل إنها تستناك كل المدة دي وتصبر وتبعد عن العيال الحلوة دي؟ إنت عملت إيه لغادة عشان تستغنى عن شبابها يا نوح؟ نظر نوح لنور بنظرات يكبح داخل بؤبؤيها احتدامًا عظيمًا وقال: _غادة مش خاينة يا نور، ولو زودت في الموضوع ده أنا هطردك. _يا عم، ما بقولش إنها هتخونك، أنا بقول إن حقها الشرعي يعني مية في المية إنها تطلق منك بعد شهر كمان وتروح لواحد حلو زيها كده، ووقتها هي ما تتلامش. ظل نوح صامتًا في ضيق عظيم وهو يفكر في تلك المعضلة، ليردف نور: _وبعدين إنت عمال تقتل في الناس كده وسايب رفعت ليه؟ فهمني، رفعت ده أكتر واحد المفروض يتقتل يا نوح. إنت سايبه ليه؟ بعد صمت من نوح، قال بصوته الرخيم وملامحه التي يظهر عليها الامتعاض من موضوع غادة: _رفعت ونور الديب والمليشيات دي شغلانة مصطفى. مش هتدخل في مقاومته وجهوده. _أنا بقولك رفعت، مش بقولك مليشيات. لو قتلته ده هيساعد مصطفى كتير على فكرة. هو إنت نسيت إنه هو اللي قتل ليل... قصدي أمك يعني، ولا إيه؟ نظر نوح لنور وقال بصرامة خافتة: _اللي قتل أمي أكبر بكتير من رفعت. هو ده اللي بخطط أقتله وأقطعه بإيدي. اللي عايز أقتله هو سردار، مش رفعت! حين لاحظ نور اللمعة في أعين نوح التي تتشرب بالامتعاض والاحتدام المكبوح والنغص، شعر أن مهمته قد انتهت. قام مبتسمًا وهو يقول: _تمام... أنا هزور عصام بقى. مش عايز حاجة؟ سكت نوح برهة، ثم قال بنبرة بها لين طفيف: _هو عامل إيه دلوقتي؟ _حالته زي الزفت، مش هكدب عليك بصراحة. أومأ نوح برأسه وهو يشير لنور بأن يذهب، فسلم نور عليه وخرج، تاركًا نوح في صراع شرس يفتك بعقله وروحه فتكًا عنيفًا. قام نوح ودخل غرفة نومه التي تكتظ بالمعادلات الرياضية على جدرانها الأربعة. لم يكتفِ نوح بكتابة المعادلات على الورق، بل قام بكتابتها على الجدران إلى أن ازدحمت بها. وقف نوح أمام المرآة وهو يتأمل مظهره، ويفكر في علاقته مع غادة. كيف ينقذ علاقته بها؟ إن عاد لها، سيخشى انهياره وقتلها. وسيخشى أيضًا عدم تقبلها لشعره الأبيض. وإن لم يعد، سيخشى افتتانها بالشباب من سنها، وسيخشى رغبتها في الطلاق، وسيخشى احتراق مشاعرها من كثرة الانتظار. كلما ظن أنه أنقذها من شرور نفسه والعالم، يكتشف سوء ظنه، وأنه لم يفعل شيئًا سوى خلق شرور جديدة تحوم حولها وتشتتها أكثر فأكثر. *********** أسدل الليل ستاره معلنًا عن بداية نهاية اليوم واستعداد الأنام لوصولهم إلى السكينة. من يعود إلى منزله، ومن يستقر في ورديته الليلية، ومن يخرج في نزهة هادئة مع أحبته، الجميع يبدأ عادات السكينة الليلية الخاصة به. ومنهم عصام وعلا، كلاهما يعودان إلى منزلهما ليستعدا لمواجهة الوحدة التي التهمت أحبابهما، مواجهة سكون منغص وليست سكينة. يدلف عصام إلى منزله، تسبق خطواته صمت ثقيل. فكلما يدخل منزله، كلما يستوعب وحدته الحقيقية ويستشعر ثقل أوزار سنوات من الذنب والكِبْر الذي ألقى بأحبابه في حفرة عميقة لا عودة منها. وعلا تدفع باب منزلها ببطء لتستقبلها قطتها ليزا بموائها ومسح رأسها بساقيها، لتسلم عليها وتظهر اشتياقها. كانت تلك القطة والقطط الأخريات خارج المنزل كأنهن النجوم اللامعة في سماء علا القاتمة، تزينها، تنيرها، وتسر نظرها. هذه هي القطط في حياة علا الآن بعدما مات معتز وذهب هيثم للجهاد. رغم ذلك، كان منزلها باردًا، موحشًا. لم يكن البرد ينبع من الجو، بل من الفراغ الذي خلفه غياب عائلتها التي عاشت معهم لأكثر من ثلاثين سنة. دائمًا تحاول أن تتجاهل الصور المعلقة على الجدران، لكنها تجد نفسها واقفة أمامها تتأملها بأعين لامعة باللوعة والقهر. تتأمل الصور التي تجمعهم، تتأمل ابتساماتهم المشرقة كالشمس، والعيون المليئة بالوعد. طيلة الخمسة أشهر وهي تتنقل بين جدران المنزل الواسعة وحدها، جدران تهمس لها بحكايات الماضي، تذكرها بالضحكات التي كانت تنساب بينهم بلا عوائق. كانت حياة مفعمة بالحيوية والإجهاد والتماسك الأسري الذي طال عقودًا، ليندثر كل هذا في بضعة أشهر فقط، وبسبب من؟ لم تعد علا تشغل بالها عن سبب كل هذا، لم تعد تشغل بالها بالحقد على عصام أو بلوم نفسها. كانت تحاول أن تكون إيجابية كما كانت سابقًا، تنتهز وحدتها الدائمة بالتقرب إلى الله والانشغال بعملها كصحفية وانتظار عودة جمال من الحرب ليُنشئا أجمل عائلة. كلاهما يجلس وحده الآن. بينما علا تؤنسها قطتها، كان أنيس عصام دائمًا هو صور رحمة التي يتأملها كل ليلة. تلك المسكينة التي لم يكن لها أي ذنب سوى أنه قد أحبها وغد مثله. لم يكف عن الدعاء لها ولسلمى. يتأمل صور علا أخته، وهو يبتغي تقبيل جبينها واحتضانها لساعات لتسامحه. كل من علا وعصام يتشاركان الوحدة، فيظهر أن الضحية علا والجاني عصام تشاركا النهاية ذاتها. أفكارهما تتلاقى في منتصف الطريق بين منزليهما. هو يتذكر ضحكتها التي كانت تسكن أذنيه وقلبه باستمرار، وهي تسترجع صوته الملهوف بالتحدث عن اهتماماته وقضاياه محاولًا إخفاء حماسه بسبب تكبره. _تاچيتي، تاچيتي، تاچيتي. علا جالسة في غرفتها بعدما قامت بأعمال المنزل وإطعام القطط، تنادي على روح قوتها بصوت واهن يائس، تحاول إيقاظها كالعادة، إلى أن استيقظت وسمعت صوتها. ~إيه؟! _عايزة أنام. ~بلاش النهارده. قالت علا منفعلة ممتعضة: _تاچيتي، إحنا اتفقنا على الأقل مرتين في الأسبوع!! أنا ما نمتش الأسبوع ده خالص، بالله عليكي حاولي تصحي وتسيبيني أنام. خلينا نظبط الموضوع ده لحد ما نبقى صاحيين سوا بقى. أبوس إيدك. ~بقالنا شهور على الموال ده. أكملت علا وهي تترجى تاچيتي ممتعضة ومستاءة: _معلش، ما تيأسيش. خليني بس أنام، إنتِ بقالك سنين نايمة، أنا نفسي أنام يا تاچيتي، نفسي دماغي ترتاح. مش عايزة أفضّل قاعدة لوحدي طول الأيام كده، مش هقدر. لازم أغفل يا تاچيتي. ~خلاص، خلاص، خلاص. نامي، خلاص. استنشقت علا نفسًا بفرح وارتياح، ثم وضعت رأسها على الوسادة بابتسامة عريضة على شفتيها لتبدأ في نومها. في تلك اللحظة، كان عصام يقوم بتسخين طعام يمنى ليسمع صوت طرق الباب. ذهب وفتح ليرى نور الصاوي. ابتسم عصام منشرحًا وهو يقول: _تعالى يا نور، تعالى. على عكس لقائهم الأخير منذ خمسة أشهر، الذي كان مليئًا بمشاعر الحقد والحنق والاحتدام، أصبحت علاقتهما أخوية وبينهما ألفة وصداقة قوية. كان الصاوي الوحيد الذي يزوره بين إخوته ويؤنسه، وكان ذلك عظيمًا على عصام. _تعالى، كُل معايا، أنا بسخّن الأكل أهو. _ليه؟ لسة جارتك بتعطف عليك بالأكل؟ دخلا كلاهما المطبخ، وعصام يقول ضاحكًا: _أيوة يا عم. واضح إني رجعت لعادتي القديمة في طفولتي: الشحاتة. ضحك نور، ووقفا كلاهما يتحدثان إلى أن قال نور: _صحيح، كنت سألتني عن المادة المعالجة دي لو هتنفع لحالتك. انتفض عصام، وازداد وجهه حبورًا وهو يقول: _أيوة، جبتها؟! حرك نور رأسه باستياء وهو يقول بشفقة: _للأسف يا عصام... المادة دي فعلًا بترجع الأعضاء المبتورة بس ده بنمو الخلايا. يعني لازم يكون فيه جزء ولو بسيط عشان المادة دي تاخد الخلايا من الجزء ده وترجع تنتج العضو من جديد. الموضوع ينطبق على التئام الجروح والعظم وكده. بس لما قرأت الملف بتاع حالتك وشرحتلي اصابتك... فللأسف الموضوع مش هينفع معاك لأن كل حاجة راحت خالص. المادة مش هتلاقي خلايا بديلة عشان تنتج اللي راح. اندثرت ابتسامة عصام وعبس وجهه وبهتت لمعة عينيه التي كانت تبرق منذ ثوانٍ وقال: _يعني... مفيش فايدة خالص؟ هفضل كده طول عمري؟! _أنا اتأكدت من البروفيسور ومن سليم، وهما أكّدولي الموضوع ده. وتقدر تتأكد من سليم لو حابب... فواضح إن أه... مفيش أمل ترجع راجل طبيعي. سكت عصام ونظر للموقد وهو يسرح في مصيبته بالنظر إلى الطعام، ليردف نور محاولًا غرز الأمل فيه: _طب بقولك إيه؟ يعني بما إن يوسف عملك دراع آلية، فممكن يعملك... قاطعه عصام وهو متكدر: _خلاص يا نور، خلاص. أكيد ربنا شاف إن ده مناسب ليا... خلاص. صمت نور، وبعدها وضع عصام صحنين من الطعام ليأكل نور معه، وجلسا سويًا أمام تلفاز الصالة وهما يتحدثان: _صحيح، كنت حكيتلي عن رجب. هتروح للراجل ده ولا لا؟ أومأ عصام برأسه بحركة خفيفة تظهر تردده وقلقه الشديد حيال تلك الخطوة: _أيوة... هروحله بكرة خلاص. أنا قررت... ربنا يستر. _أيوة كده، اتشجع. الحقه قبل ما يموت. _يا رب ما يكونش مات أصلا. استكملا أكلهما سويًا وبدأ نور يحدثه عن زيارته لنوح اليوم ورؤيته لعمر. ولأن عصام متشوق لسماع سيرة علا دائمًا، قال له بفضول: _صحيح يا نور، أنا عمري ما لقيتك بتقابل علا زي ما بتقابلنا كده؟ حتى أول ما ظهرتلنا، انت ظهرت لكل واحد فينا إلا هي. ما تزورها كده وتطمن عليها عشاني؟ سكت نور سكوتًا مريبًا كما لو كان عاجزًا عن الرد بحجة قوية على عدم مقابلته لعلا. لاحظ عصام ذلك وقال مازحًا: _مالك يا عم، خايف تقابلها ولا إيه؟ خايف تقرأ أفكارك؟ أصبح عصام يعلم أمور القوى تلك من نور، وحين قال عصام له ذلك، قال نافيًا كما لو أنه يدافع عن نفسه: _لا يا عم، مفيش حاجة. بس يعني بتجنبها عشان حاسسها مش هتحبني. _عادي يعني، وهو مين حبك أصلًا؟ ضحك نور، فضحك عصام هو الآخر. بعدها أخذ عصام ملعقة من طعامه، وأردف نور حديثه عن نوح وعمر لكي يغير الموضوع: _المهم يعني، معرفش ليه عمر مكانش على بعضه النهارده. مكانش طبيعي زي الأيام اللي فاتت، تحس إنه عمل جريمة قتل مثلًا. عمر... جريمة... قتل... كيف له أن ينسى هذا الأمر لمدة خمسة أشهر كاملة؟ بدأ عصام بالتوقف عن المضغ تدريجيًا، واتسعت عيناه كلما تضخم استيعابه وتذكره للأمر. قلم مريم الرصاص الميكانيكي: سلاح الجريمة، قميص الطالبة الملطخ بالدماء الذي كان في عيادة عمر... تلك الأدلة كانت في منزله القديم الذي قام ببيعه منذ خمسة أشهر ليعطي الدية لمعتز. أباع المنزل بتلك الأدلة؟! هنا قال عصام كلمة من ثلاثة أحرف تدل على صدمته القوية واعتراضه العظيم على نسيانه لشيء كهذا. فنظر نور له وقال مستغربًا: _مالك يالا؟ في إيه؟ ابتلع عصام الطعام وقال وهو يحرم رأسه، وعيناه شاخصتان شاردتان: _ل... لا، مفيش... مفيش. حاول عصام أن يمالك نفسه، يحاول طمأنة نفسه وإقناعها أن تلك الأدلة لم يكتشفها المشتري بعد. إنه لأمر غبي، ولكنه حاول الاقتناع بذلك إلى حلول صباح اليوم التالي لكي يذهب لهناك ويتأكد. مر ما يقارب الساعة إلى أن اكتفى نور من الزيارة ونهض لكي يعود. ذهبا كلاهما إلى باب المنزل وسلمَا على بعضهما. كان عصام فرحًا بزيارته جدًا وممتنًا له بشكل كبير، لذلك قال له: _نور، إنت الوحيد اللي كنت بتزورني كل الشهور دي. أنا بجد مش عارف أقولك إيه. ابتسم نور، وكاد أن يجيب، ولكن استوقفه ذلك العناق المفاجئ من عصام. فلم يتمالك عصام نفسه وعانق أخاه بقوة وهو يربت على ظهره ويشكره. أما نور، فقد اختفت ابتسامته ورفع ذراعيه ببطء في تشوش، كما لو أنه لم يحتضن أحدًا في حياته من قبل. تلك كانت المرة الأولى التي يحتضنه عصام... أو يحتضنه أي أحد من الأساس. لذلك كان رد فعله باردًا ومشوشًا. بعدها نظر عصام له وسلم عليه وهو يفتح له الباب، فرد نور السلام وخرج. بعدها أغلق عصام الباب والتفت ليرى سلمى خلفه فجأة عند مدخل باب غرفته. _يا ترى لسه في ناس هتتإذى بسببك تاني ولا هتلحقهم؟ اختفت ابتسامة عصام حين تذكر رجب وعمر، وعزم على التأكد من أمرهم فور أن ينبعث نور الشمس. وهنا كان نور يسير في الشارع شاردًا عابسًا يفكر في عناق عصام. مشاعره مربكة وغامضة، غير مفهوم تصرفه؛ أكان غاضبًا؟ أم حزينًا؟ أم مشتتًا؟ فور أن دخل زقاقًا فارغًا، توقف فجأة. خلع نظارته صاحبة العدسات الكبيرة الصفراء، وبكل عنف ضربها بالأرض لتتحطم تمامًا. ولم يكتف بذلك، فبدأ يدهسها بعنف ويضربها بقدمه بقوة تظهر حنقه الشديد. بعدها أزاح شعيراته المجعدة عن جبينه لتظهر عيناه بشكل واضح لأول مرة منذ أن ظهر. تلك الأعين... كانت نسخة تمامًا من أعين أدهم ونوح سويًا. إن رأى أحدهم أعين نور بذلك الوضوح لن يشك بمثقال ذرة أن هذا يكون أخ نوح وابنه لأدهم. ثم أبعد الوشاح عن عنقه وأمسك بذلك الطوق راغبًا في نزعه، ولكنه لم يقدر. ضغط على زر لمس فيه، وبعدها أكمل سيره بخطوات متثاقلة ووجه عابس محتدم دون أن يظهر أي تفسير لتصرفه الغريب ذاك. ************ عند منتصف الليل، بعدما غطّ كلٌّ من نجلاء ومريم في النوم، تبقّت غادة وهاجر في غرفتهما مستيقظتين. أثناء جلوس هاجر على السرير كانت تقوم بحكّ فروة رأسها بشدّة وهي تقول ووجهها قاطب: _مكنتش أعرف إن الضفاير بتهرش أوي كده، مش كنتِ قولتيلي يا غادة مكنتش عملتها؟ لم تُجبها غادة، فنظرت هاجر لها لتجدها تزيح كل ما بالمكتب لتضع مستلزمات المختبرات أخرجتها من حقيبتها لتقوم بعمل تجربة ما. لم يكن هذا غريبًا عن هاجر، فقد اعتادت على تلك الأجواء. فقد أصبحت غادة تعود بمستلزمات المختبرات التي تذهب إليها لتقوم بعمل التجارب المكثفة على مادة محددة، وهي مادة "أبموف". _بصي كده يا هاجر، مهاب جابلي إيه؟ عقدت هاجر حاجبيها في تعجّب ونهضت لتأتي بجانبها، ووجدت غادة تخرج برطمانًا أو إناءً خاصًّا بالمختبرات، مترعًا بذلك الشيء الأشبه بالرمال الأرجوانية اللامعة، وهو أهم مركب في تلك المادة التي تعالج الجروح وتعيد الأطراف المبتورة. من اكتشف تلك المادة فعليًا هي ليلى عبدالرازق، وهي من أسمته ذلك الاسم "أبموف"، ومن اجتهاداتها هي ويوسف وسردار قاموا بابتكار تلك المادة المعالجة. ولكن حين اكتشفت غادة "الأبموف" بصورته الخالصة النقية، رغبت في إنشاء اختراع جديد من خلاله، وقامت طيلة تلك الشهور بإجراء التجارب عليه. وما اكتشفته هو أنه مادة تستطيع أن تتشكل وتتأقلم مع المواد الكيميائية والعضوية التي تُخلط معها، وذلك ما ساعد في ابتكار مادة الجروح تلك حين خلطوا "الأبموف" بخلايا السلمندر الذي يعالج نفسه بنفسه. ومن نجاحات غادة في اختبارها لتلك المادة، أنها استطاعت استنساخ النباتات والفواكه والخضراوات من خلالها... ولكنها لم تكفّ عن ذلك وطَمِعت في استنساخ ما هو أهم وأكبر. حين رأت هاجر محتوى البرطمان قالت: _أنا بدأت أشك إنك بتمشيه يا غادة، مش كفاية بقى عمالة تجيبيه دايمًا ولا كأنك أدمنتيه. _لا، مش كفاية. _وانتِ هتستنسخي كام طمطماية من الكمية دي كلها؟ أول مرة أشوفك جايبة كل ده. ابتسمت غادة ابتسامة عريضة وشغوفة وهي تقول بثقة: _لا... الكمية دي مش هستخدمها في الطماطم ولا أي حاجة. تعرفي الكمية دي ممكن تكفي إني أستنسخ إيه؟ دراع بني آدم كاملة! سكتت هاجر قليلًا وهي تشعر بفضول، ثم قالت بدون أي تردد: _مستعدة أجيبهولك. _هو إيه ده؟ _دراع البني آدم. ضحكت غادة وهي تقول: _يا بنتي لا، مش قصدي. بس أنا بوضحلك يعني أن طموحي أعلى من أني أستنسخ شوية نباتات، أنا عايزة أستنسخ حيوانات وبشر. بعدها أخرجت من حقيبتها حقنة دقيقة رفيعة ممتلئة بسائل أصفر مائل للقرمزي، وأردفت وهي تشير بالحقنة: _ده سائل فيه نخاع فار من الفران، ومعايا شعرة ومسحة من لعابه عشان الـDNA. هحاول أخد كمية من الأبموف مع النخاع والـDNA وممكن، ممكن أنجح في استنساخه بشكل معين. قالت هاجر، وبدت على ملامح وجهها صعوبة فهم الأمر: _مش فاهمة يا غادة. ماشي لو نجحتي في استنساخه، فهيكون ميت أكيد، أكيد مش هتستنسخي روحه يعني، صح؟ سكتت غادة وهي تفكر في حديث هاجر وتضعه في عين الاعتبار، ثم قالت: _صح... الموضوع ده محتاج اختبارات تانية. بس دلوقتي، أنجح في استنساخ الفار، حتى لو ميت مش مشكلة، المهم أنجح في ده. قبل أن تبدأ غادة في اختبارها، قالت هاجر لتستوقفها: _وهو الأخ مهاب ده بقى حبيبك؟ بقى بيجيبلك كل اللي بتطلبيه كده؟ قالت غادة ببرود ولا مبالاة: _آه، مهو بيحبني... يعني قولت أستغل الموضوع ده. توقفت غادة حين تذكرت نوح واختفت ابتسامتها في ضيق، بعدها نظرت لهاجر وهي تقول بكل صراحة: _هاجر... أنا قررت حاجة وأتمنى ما تحكميش عليّا ومتصدّينيش. _خير، قولي. طال صمت غادة كما لو أن الكلمات كالدبابيس في لسانها يصعب التفوّه بها من قهرها، ولكن يجب أن تقول: _لو نوح ما رجعليش قبل يوم ٣٠ أبريل، أنا هرفع قضية طلاق... وهنهي علاقتي معاه تمامًا. عقدت هاجر حاجبيها واتسعت عيناها من صدمة ما تقوله غادة: _نعم؟؟ انتِ اتجننتي؟ ليه يعني؟ عايزة تروحي لمهاب بتاعك ده؟! صاحت غادة محتدمة في وجه هاجر: _مهاب مين وزفت مين؟ ما يولع بجاز، أنا مالي بمهاب!!! سكتت غادة وهي تأخذ أنفاسها وتحاول التحكم في نبرة صوتها كي لا يصحو أحد من النائمين، لتردف بصوت خافت لم يمنع حدّة غضبها: _أنا تعبت يا هاجر. هو حرام عليّا إني أبعد عنه وحلال عليه هو يبعد عني؟ نوح سايبني خمس شهور يا هاجر، ولما أدي له فرصة كمان شهر عشان يرجع، يا إما هطلّق، تقولي عليّا اتجننت؟ ما بتقوليش على نوح ليه إنه اتجنن عشان سايبني كل المدة دي؟ _مهو مجنون أصلًا يا غادة، مش محتاجة أقول يعني. _مجنون يتعالج! ويتعالج معايا! بس ما يبعدش عني المدة دي بحجة خايبة محدش مقتنع بيها إلا هو. نوح مش مهتم بيا يا هاجر ولا هو بيحبني. بعده عني ده مش دليل على حبه ليا، ده دليل على جُبنه. وأنا مش هقدر أحب راجل جبان كده، لأن أنا تعبت، تعبت من كتر ما أنا مستنياه، وتعبت من كتر ما بقرأ رسايله وأنا بشمّها. ده حتى عدّى شهر عليه من غير ما يبعتلي رسالة، حتى الرسالة مستخسرها فيا! اغرورقت عينا غادة وهي تتحدث من حسرتها على حالها وحال نوح. هدّأت هاجر من روعها وقالت بنبرة لينة وهي تربت على كتفها: _عندك حق يا غادة، عندك حق والله. بس نوح عايز يحميكي من نفسه. أكيد هو تصرفه غلط، بس نيته إنه يحميكي في الآخر. _يحميني من نفسه يبقى يصلّح نفسه يا هاجر، ما يبعدش عني كده. أنا كنت مستعدة أموت معاه لما كنا في وسط النيل. كنت مستعدة أموت معاه لما الميليشيات خطفتنا. كنت مستعدة أتحمل تقلباته المزاجية ما دام هو ماشي في علاجه. بس يستغنى عني، ويستغنى عن علاجه، ويستغنى عن حياته معايا كده؟ ده ظلم ليا ولنفسه يا هاجر. ولو هو مش راجع خالص... فأحسن إني أنهي العلاقة دي خالص. عشان كده أنا هدّيله مهلة شهر كمان. حين شعرت غادة أن دموعها تُراق وتنسدل من مقلتيها، مسحتها بحركة سريعة كما لو أنها ترفض البكاء. وبعد صمت طال منها، قالت: _تعرفي... سليم خلاني أستوعب حاجة النهاردة، خلاني أستوعب أن مفيش حد كمل معايا في حياتي أبدًا. كلهم بُعدوا عني: بابا، وإبراهيم، وماما، ودلوقتي نوح. تحسي المشكلة فيا. أتمنى أعرف إيه هي المشكلة عشان نوح يرجعلي... بس، بُعادهم المستمر دا خلاني أرفض أني أتمسك بحد تاني، وخلاني أرفض أني أستنى حد تاني. عشان كده أنا قررت الطلاق في حاله لو مرجعش، ومش هستنى حد بجد غير إبراهيم. _بس انتِ مش المشكلة يا غادة... قطع حوارهم في تلك اللحظة، سمعت هاجر هاتفها يصدر صوت رسالة قد وصلت. أمسكت به ورأت أن المرسل هو نور الصاوي. فتحت الرسالة لتجد عنوانًا مكتوبًا تحته: <ده المكان الجديد اللي نوح بيدي فيه دروس>. قالت هاجر بتهكم: _اتفضلي يا ستي، العفريت الصاوي سمعنا شكله. _إيه؟ في إيه؟ أرتها الرسالة وهي تقول: _عنوان الدرس بتاع نوح. أنا واثقة إنه عارف عنوان بيته بس هو ماحبش يبعته. قرأت غادة العنوان ببؤبؤ عينيها المرتعشتين في دهشة. وأخيرًا، علمت بأي طريقة قد تجعلها تصل إليه. ************ في إحدى الشقق الفاخرة في العاصمة الإدارية الجديدة، يجلس أدهم أمام أحد حواسيبه يتابع أمرًا ما بأعين ثاقبة وجادة على عكس حالته الهزلية المعتادة. مدّ يده إلى أحد هواتفه واتصل بإحداهن: _أيوة يا كاجويا، عايزك تجيبيلي جثة رفعت خلال اليومين دول.......لا تريسا مش هتتحكم في نفسها وهتقتل عالاقل الف واحد، أنا عايز واحد بس وهو رفعت. بعدها أغلق المكالمة، وفتح من الهاتف ذاته صفحة عمر الخاصة. تأمل صورته بابتسامة مكر عريضة تظهر نواياه الخبيثة تجاه ذلك الشاب المسكين. اتضح أن أدهم لن يتخلى عن عمر بسهولة. بل بدا عليه أنه سيتمسك به أكثر، وأنه لن يكتفِ بما فعله به سابقًا، بل سيرغب في المزيد.
ROMISAA