٨٥ في قلب إحدى الكهوف المجهولة، حيث لا تصل إلا همسات رياح الصحراء العابرة، يجلس شخص غامض كدُهمة الليل. يجلس بين الجدران الصخرية التي نُقش عليها حديثًا عبارات عربية بخطٍّ متعرج، وكأن الكاتب ناشئ. <نعم، شيماء وافقت وستنفذ الخطة هذه المرة يا بروفيسور> <وإن لم تفعل؟> <سأقتلها> <إن عزمت الأمر، فخذ جنينها بحذر، أريده على قيد الحياة> يجلس هذا شخص في غور الكهف، صاحب القناع الأسود والعينين الخضراوين، وفي يده هاتف غريب الشكل يتواصل به مع سردار. <أنت تحتاج إلى جسد في أقرب وقت، ألم يأتِ إليك أحد بعد؟> <تلك الفضولية بدأت في ملاحظتي، حتمًا ستأتي ومعها من أستطيع أن أستعين بجسده> ذلك الشخص، في كهفه المجهول، يبدو كحارسٍ... لا، بل يبدو كصيّادٍ صاحب صبرٍ جَسور، منتظرًا فريسةً تقع في مصيدته وتحت قبضته. وجوده يثير الفضول والخوف في آنٍ واحد. ذلك الشخص جزء من لغزٍ كبير لم يُحل بعد. ذلك الكهف، بظلمته وسكونه، يبدو كعالمٍ موازٍ، حيث الزمن يتجمد، والأسرار تبقى مدفونةً في أعماقه، تنتظر من يكتشفها. ************ إن كاجويا امرأة تحسن استغلال الفرص، ووجودها في مصر بمناسبة مقتل رفعت والاحتفال بالجناح الجديد عمر كان بمثابة جائزة عظيمة لها. إنها المرة الأولى التي تطأ فيها قدماها أرض مصر، لذلك كان عليها أن تستغل هذا الأمر لصالحها، لصالح قلبها الذي لم يكف عن الضخ باسم عصام، لصالح عقلها الذي لم يكف عن التفكير فيه. تسللت كاجويا إلى غرفة عصام بأسلوبها الإجرامي الخاص، خطواتها تكاد تكون معدومة الصوت، ورغم برودة ملامحها المعتادة، كان ينبعث من عينيها بريق مختلف وهي تجول بنظرها في أرجاء المكان. هنا يعيش عصام، هنا يقضي لحظاته الخاصة، وهنا... تنتمي أفكاره التي تجعلها تنجذب إليه أكثر. ظلت تتجول في الغرفة، مستندةً بيدها إلى سيفها المعلق في خصرها. كانت ترغب في أن تكمل حياتها في هذا المكان طيلة عمرها، فقد شعرت بموجة من المشاعر تغمرها. كانت الغرفة تعج بوجود عصام، كل ذرة من الهواء تحمل رائحته، وكل قطعة من الأثاث تحمل بصمته. نظرت حولها بعينين واسعتين متلهفتين، تلتقط كل تفصيلة صغيرة، كل جهاز، كل ملف قضية، كل ورقة مبعثرة، كل قطعة ملابس ملقاة على الكرسي... كل شيء كان يحكي قصةً عنه. جلست على سريره، تمرر كفها على مكان نومه كأنها تستشعر وجوده. لمحت قميصه المنزلي الذي ألقاه على السرير بلا مبالاة، فالتقطته، وتحسسته بين أناملها، ثم دفنت أنفها فيه واستنشقته. عبق رائحته ذلك المزيج الدافئ الذي يحمل شيئًا من دخان السجائر وأثر الأيام الطويلة تسلل إلى أنفها، فشعرت بحبورٍ وارتجاف يسري في أوصالها. _يا يمنى... يا يمنى... يا يمنى... أنتِ فين يا بنتي؟ قطع حبال المشاعر الجياشة داخل قلب كاجويا صوتُ رجلٍ عجوز ينادي على فتاة تُدعى يمنى. بالطبع، كان رجب. وضعت كاجويا القميص جانبًا، ورفعت رأسها، ثم فتحت باب الغرفة وخرجت إلى الصالة لترى رجب، مبلل السروال، يقف وحيدًا عند مركز الصالة، يلتفت حوله كالصبي التائه، بأطراف مرتعشة تكشف وهن جسده. التفت إليها قائلًا: _فينك يا يمنى يا بنتي؟ سيبتيني لوحدي ليه؟ تمعنت كاجويا في رجب بنظرات لينة، على عكس عينيها اليابانيتين الحادتين، ثم قالت له: _أنت بلّيت نفسك. نظر رجب إلى سرواله، وقال مندهشًا، بانكسارٍ محزن في صوته: _آه... اعذريني يا بنتي، أنا... أنا ماعرفش أنا فين؟ ابتسمت كاجويا ابتسامة مريبة، كما لو أنها لم تبتسم في حياتها قط، وقالت له: _أنت في بيت عصام... _عصام؟ معرفش يا بنتي... بس أنا عايز يمنى... أنتِ يمنى، مراته، صح؟ _أيوة، أنا يمنى، مراته. خلعت كاجويا سيفها من خصرها، ووضعته على منضدة السفرة، ثم قالت له: _تعالى بقى عشان أحمّيك... يلا يا حبيبي، يلا. في تلك اللحظة، كانت يمنى في الشارع ذاته حيث بنايتهم، تبتاع دواءً عاجلًا لرجب. فقد تركته نائمًا قيلولة طويلة من المفترض، لذا قررت أن تنزل لتشتريه وتعود، لكنها لم تضع في الحسبان ظهور هذا الشخص. فور خروجها من الصيدلية، سُحبت إلى أحد الأزقة، وكُتم فمها بيدٍ قوية. وعندما رفعت عينيها لترى وجه مختطفها، تغلغل الرعب في أوصالها، فقد كان علاء زميل نوح في المدرسة سابقة والذي اتضح أنه من عصابة ادهم تحت رفعت. بدا أن بينهما معرفة... أو علاقة سابقة. لم تكن يمنى جزءًا من عصابة أدهم أو رفعت، لكن علاء استغلها بطريقة ما لخدمة العصابة التي ينتمي إليها حاليًا. ويبدو أن وجود يمنى بجانب عصام طيلة هذا الوقت لم يكن محض صدفة... ولا تطوعًا منها. شخص بصرها، وجحظت عيناها بهلعٍ مكتوم، فقال لها علاء، متظاهرًا باللين: _إيه يا منّوش؟ بتبحلقيلي كده ليه؟ كأنك شايفة شيطان. _أنت شيطان فعلًا... عايز إيه مني تاني؟! أخرج علاء من جيبه قنينة تحتوي على سائل شفاف، وأمرها: _سردار إدّانا الضوء الأخضر عشان نقتل ولاد أدهم. خدي دي، حطيها في أكل عصام. التقطت يمنى القنينة بيد مرتجفة، ووجهها مكفهر مذعور، وقالت مستعجبة: _هو أنت مش شغال مع أدهم أصلًا؟! _لا يا قلبي، ده كان زمان. بعد ما رفعت اتقتل، أنا بقيت تبع سردار خلاص. ده أقوى من أدهم بمراحل. المهم، أول ما تعملي المهمة دي، أنا هتجوزك زي ما وعدتك يا روحي. ضربته يمنى في صدره بقوة، وقالت ساخطة، ودموع القهر محبوسة خلف مقلتيها: _أنت راجل وسخ!! لا هتتجوزني، ولا هتعمل أي حاجة من اللي وعدتني بيها!!! أنا مستحيل أصدقك تاني... أنت دمرتني... دمرت حياتي... الله يخرب بيتك! قال لها بتهكم وضيق: _يا بت، بطّلي الأفلام بتاعتك دي... ما أنتِ اللي **** وسمحتيلي أدخل حياتك اشربي بقى... أنا مش هسيبك غير لما تعملي اللي أنا عايزه، بقولك أهو. وفكري بس... فكري لمدة ثانية متعمليش... وشوفي أنا هعمل فيكي إيه، وهقلب حياتك إزاي أكتر ما هي مقلوبة! تركها علاء واقفة وحدها في الزقاق الضيق، يداها ما زالتا تصطكّان، وهي تحدق في القنينة الصغيرة... تلك القنينة التي كانت تذكيرًا مرعبًا بسلطته عليها، بقدرته على اختراق حياتها متى شاء، وإعادتها إلى دوامة الظلام التي ظنت أنها فلتت منها. لم يكن علاء مجرد شخص من ماضيها، بل كان لعنةً علقت بها. يظهر أن بينهما علاقة بدأت بوعدٍ كاذب، وانتهت بقيدٍ محكم حول عنقها. لطالما صدقته بسذاجتها، ولطالما أقنعها بقرب الخلاص، بينما كان ما يقترب دائمًا هو الغرق نفسه. كان يجيد التلاعب بها حقًا. واليوم، عاد إليها، ليس كشخصٍ نادم، بل كجلادٍ يحمل في يده وسيلة الإعدام، ويضعها في يدها. لم يكن أمامها سوى خيارين... وكلاهما يفضي إلى الخراب. رغم ذلك، فترى أنها تستحق كل القهر الذي يكوي قلبها بنيران ملتهبة، لأنها ليست الضحية الوحيدة لعلاء، بل كان زوجها السابق هو أيضًا ضحيته بسبب سذاجتها وحماقتها في الماضي. كما لو أن عصام يلملم في دائرة علاقته من حوله كل من قام بمعاصٍ كمعاصيه ويشعر بندم حارق كندمه. دخلت يمنى الشقة لتجد رجب يرتدي ملابس مختلفة ونظيفة، جالسًا يقرأ كتاب العجوز والبحر، دخلت بخطوات بطيئة تدل على تيهها من حال رجب المفاجئ. _عم رجب؟ أنت غيرت هدومك ليه يا حبيبي؟ نظر رجب إليها، ثم نظر إلى نفسه وهو يقول: _يمنى كانت هنا مش شوية واديتهملي ألبسهم. _يمنى....... آه... شعرت يمنى بأجواء غير مريحة ومربكة تجول في المكان، نظرت إلى غرفة عصام فوجدتها مغلقة على عكس ما تركتها قبل خروجها. اتجهت إلى الغرفة وفتحت الباب ودخلتها، فوجدت مكتوبًا على المرآة بأحمر شفاه كلمات يابانية غير مفهومة. قبض قلبها وازداد تحيرها وتشتتها، ليشتد ذعرها فور أن رأت في انعكاس المرآة خلفها كاجويا وهي تغلق الباب. التفتت في حركة سريعة وهي تشهق ذعرًا، فأخرجت كاجويا سيفها ووجهته إلى يمنى بحركة تهديدية، لترفع يمنى يديها المرتجفة في استسلام وهي تترجاها ألا تقتلها. جذب انتباه كاجويا السوار الذي في يد يمنى، فقالت بملامحها الباردة: _جميل... نظرت يمنى إلى السوار ووضعت يدها عليه كما لو كانت تريد أن تخبئه عن أعين كاجويا الحادة. _مين جايبهالك؟ كان أسلوب حديث كاجويا مباشرًا بشكل مربك ومثير للشكوك، وكأنه طفل متلهف يتحدث. رغم ذلك، لم تجب يمنى، لتردف كاجويا وقد ارتسمت تلك الابتسامة المريبة على شفتيها مجددًا: _عصام؟ عصام اللي جايبهالك؟ أومأت يمنى برأسها بحركة مرتجفة، لتردف كاجويا وقد احتد أسلوب حديثها الطفولي: _ممكن آخذه؟ ابتلعت يمنى ريقها محاولة ابتلاع هلعها، وقالت بتبرم ورعب: _ممكن تمشي؟ اختفت ابتسامة كاجويا وأصبحت نظراتها مرعبة، فتغلغلت رجفة قوية في جسد يمنى من خشيتها الشديدة من تلك المرأة، فقالت: _هقوله يجيبلك واحدة. عادت كاجويا وابتسمت الابتسامة الغريبة ذاتها: _بجد؟ _آه والله. _بكرة هاجي تاني، ماشي؟ _بعد بكرة. _ماشي، بعد بكرة... وهيكون جابهالي، ماشي؟ _حاضر، متقلقيش... دست كاجويا السيف في حافظته، وبخطوات تلقائية اتجهت إلى النافذة وقفزت منها، تاركةً يمنى في حيرة وذعر يستشريان في جسدها. ************ قرابة المغرب، حين تبهت سماء الهاجرة الزاهية، كانت غادة جالسة على الأرض في منزل نوح، ترتّب حقيبتها، وبجانبها مريم تنظر بفضول طفولي لطيف. كانت تحدّق بعينيها العسليتين الواسعتين إلى كل قطعة تخرجها غادة، فأعين الأطفال دائمًا ما ترى الأشياء البسيطة كأنها كنز، ويستغلون أي شيء لابتكار لعبة يستمتعون بها. التقطت مريم شيئًا عشوائيًا لتنسج منه لعبة في خيالها الطفولي، أو أحمر شفاه طلبت من غادة أن تضعه لها، فوضعتْه غادة وهي مستمتعة بتلك اللحظة العفوية. _غادة، ينفع أرسم في كل الورق اللي بتطلّعيه ده؟ تبسمت غادة وهي تنظر لمريم برأفة وعطف، ثم قالت: _معلش يا قلبي، والله ده ورق مهم، أنا مستعدة أجيبلك اسكتش كبير أوي أوي في عيد ميلادك. عرضت مريم ابتسامة واسعة وهي تومئ برأسها بحماس ولهفة: _ماشي، هستنى. هنا، لمحت مريم ذلك الكيس البلاستيكي الصغير الذي بداخله تلك الشعرة التي أعطاها عصام لغادة. ارتعد جسدها حين رأته، فقد كان الكيس يتحرك حركة بالكاد ملحوظة. قالت مريم بصوت مرتجف خوفًا: _غ..غ..غادة، بصّي. نظرت غادة إلى ما تنظر إليه مريم، لترى ذلك المشهد العجيب. كان الكيس يتحرك ويسير كما لو كان يتبع مسارًا محددًا. ظلت غادة تتمعنه وتشاهده، فقالت مريم في محاولة لسماع أي كلمة تطمئنها: _إيه ده يا غادة؟ هو ليه بيتحرك كده؟ _معرفش... استني نشوف هو هيروح فين. ظلا يتبعان حركة الكيس بترقّب، بينما كان الرعب يتملك مريم، إلى أن دخل الكيس غرفة ليلى، ثم اندسّ بين فراغات الخشب واختفى تحته. ازدادت عقدة حاجبي غادة في تعجّب وذهول، قبل أن يقطع هذا الجو المربك صوت جرس الباب. اتجهت غادة بسرعة، كما لو أنها تهرب مما رأته، وفتحت الباب لتجد أمامها شيماء. رحّبت بها بحفاوة، واحتضنتها مريم بشوق. جلس الثلاثة، ثم سألت غادة عن حال جنينها، فأجابت شيماء: _دخلت في الشهر السادس أهو، وبدأ يضرب بطني. ضحكت غادة، لكن حين لاحظت بهتان عيني شيماء وملامحها المتجهمة، قالت: _لسه مفيش أخبار عن دكتور عمر؟ حرّكت شيماء رأسها بالنفي، والغصّة تعتلي حلقها، حتى بدت غادة تشعر بها. فقد كانتا تتشاركان شعور النغص والغم ذاته، لكن غمّ غادة لم يكن كأي غم، فقد ابتعد عنها كل شخص: أبيها، أخيها، ثم زوجها. ومع ذلك، ربّتت غادة على يد شيماء لتواسيها، قبل أن تقول شيماء: _أنا جيت النهارده عشان أخفّف عن نفسي شوية، وكنت عايزة آخد البت مريم دي تخرج معايا. تحبي يا مريم؟ قالت مريم دون أي تفكير، بلهفة: _آه طبعًا، أحب أوي! هتودّيني فين؟ _في حتة جديدة كده عايزة أروحها معاكي، هخلّيها سر. ظهر الحماس المكبوح على لغة جسد مريم، فضحكت غادة وقالت لها: _طب يلا بقى نختار سوا هتلبسي إيه. قالت مريم: _مش هنقول لماما الأول؟ قالت شيماء: _قومي انتِ جهّزيها، وأنا هكلّمها، متقلقوش. نهضت مريم وغادة سويًا، وفور أن دخلا الغرفة، اندثرت ابتسامة شيماء، وتلاشت ملامح السرور والطمأنينة من وجهها في الحال. تبدّلت ملامحها بملامح مذعورة، تحاول كبح الذعر في عينيها المتسعتين قدر الإمكان، فإن لم تفعل، فقد يطفح هلعها في صراخها وامتناعها عن الأمر. أخرجت شيماء هاتفها وأوهمتهم بأنها تجري مكالمة مع نجلاء، حتى يسمعوا حديثها، ثم أنهت المكالمة الوهمية وأبلغتهم بصوت واهن متكسّر أن نجلاء قد وافقت بالفعل. خرجت الكلمات من فمها هزيلة، متلعثمة، تشي بكل ما حاولت إخفاءه. كان صدرها يعلو ويهبط، كما لو أن رئتيها تأبيان إدخال الأنفاس المثقلة بالكذب والخداع. كانت أطرافها ترتجف، وهي تجهل ما قد يحدث لتلك الطفلة المسكينة. كل الأفكار السوداوية الوحشية تتلاطم في عقلها كالأمواج المؤلمة، تتخيّل كل شيء وحشي وغير إنساني قد يحدث لمريم. كانت تريد أن تتراجع، لكن الأوان قد فات. لقد سقطت شيماء في هاويةٍ من الذعر، حيث لا خلاص ولا نجاة. حين انتهت مريم وغادة من تجهيز ملابسها، خرجتا إليها، فنهضت شيماء وقالت بتهدّج: _ا.. انتِ هتيجي معانا؟ _آه... مش عايزة ولا إيه؟ _لأ لأ، خ...خالص، لأ، أنا مخدتش بالي بس... لأ، طبعًا لازم تيجي، طبعًا. _تمام، يلا بينا. *********** _ومن بعد ما ماما ماتت، بقا... أنا وموريس اضطرينا إننا نشتغل في عصابة أدهم تحت رفعت. أنهت فلوريان حديثها مع نوح بعدما سردت له قصتها بالكامل، من بداية رؤيتها لأدهم، ثم إنجاب أمها لتلك الطفلة واختفاء الطفلة، ثم انضمامهم لعصابة أدهم. وحين انتهت، سألها عصام: _طب وإيه أصلاً اللي يجيب أدهم عندكم؟ _أدهم بييجي لأي حد يعني. حرك عصام رأسه ناهيًا وهو يقول: _أدهم بيختار الستات اللي بينجب منهم عيال. أم نوح عالمة، أم سليم تبقا بنت عالم، أم هاجر كانت عضوًا في عصابته، والباقي أكيد كان ليهم دور في حياته أو مهمين في عينه بشكل معين. انتِ والدتك عملت إيه بقا عشان أدهم يختارها؟ صمتت فلوريان برهة وهي تفكر، ثم رفعت منكبيها في استياء. بعدها قال سليم: _بصي يا فلوريان، إحنا كان عندنا واحد اسمه نور الصاوي، دا إحنا اقتنعنا إنه أخونا، بس للأسف مطلعش أخونا، ف... إحنا زينا زيك، منعرفش طريق أختنا أو أخونا الأخير. قالت فلوريان: _ليه ميكونش نور الديب؟ أنا قولت أنا مش متأكدة هي بنت ولا ولد. سكتوا وهم مغلوبون على أمرهم، ليس لديهم رد أو رأي أو حتى طاقة للتفكر والتدبر. كان اليأس والتبرم يتشرب في أعينهم. استنشقت فلوريان نفسًا محاولة إزاحة الهم الذي يتحجر في قلبها، ثم وقفت وهي تشكرهم: _واضح إن كلنا منعرفش حاجة فعلًا، بس أنا بشكركم جدًا إنكم سمعتوني وحاولتوا تساعدوني. عن إذنكم. استوقفها نوح بسؤاله: _انتِ فعلًا شفتي أدهم بعينك يا فلوريان؟ توقفت فلوريان والتفتت إليه لتجده يقف أمامها ليستمع لها، ثم أجبته: _أنا كنت أربع سنين كدة... مشوفتش غير رجليه وهي بتخش عند أوضتها، بس سمعت صوته. كان صوت أدهم بالظبط. _وموريس؟ _زيي برضو، هو أكبر مني بسنة، فهو شاف قرب من اللي شوفته. أومأ نوح برأسه ثم قال: _تمام... ربنا معاكوا في اللقاء، وخلي نجلاء متتوترش. سلميلي عليها، وقوليلها نوح هيشوفك قريب... جدًا. أومأت فلوريان برأسها ثم سلمت عليه وخرجت. كانت ملامح نوح تحمل عزيمة غير مطمئنة، وفي عينيه الميتتين الباردتين نية للقيام بشيء حنوني. نواياه تجاه نجلاء حاليًا اختلفت؛ فقد وصل إلى مرحلة لن يكترث فيها لضوابط أو شرع أو ما شابه. لن يترك نجلاء تلك الليلة بأي شكل إلا بعدما تتفوه بتفاصيل الحقيقة الكاملة تجاه نور. وهنا كان عصام يتحدث مع يمنى في الهاتف حيث كانت تعزمه على العشاء في منزلها الليلة: _حاضر، طب ورجب.... تمام ماشي بس بلاش نطول عشان ممكن يصحى لوحده او كدة..... تمام من عينيا هجيلكوا يلا سلام. ************* تحت سماء صحراء الوادي الجديد السوداء المزدانة بوميض النجوم، والجبال التي ثبّتها الله على الأرض لتستحكم من ثبات اليابسة، في أحد كهوف تلك الجبال البعيدة، يتسلل ضوء أرجواني خافت لطالما كانت علا تلمحه وتتعلق عيناها به، يملؤها فضول وتساؤلات كثيرة تحوم في عقلها عن مصدره وسره. وحين تسأل هالة عنه، كانت تجيبها إجابة تزيد من حيرتها، فتقول لها إنها لا ترى أي ضوء من الأساس. بعد العشاء في معسكر ذود... تقف علا عند نافذة غرفة مصطفى في صمتٍ وتركيز تام، تحدّق في الأفق البعيد حيث ينبعث ذلك الضوء الأرجواني من أحشاء الجبال الممتدة في الصحراء، الذي رأته مرارًا طوال الأسبوع الذي أمضته في المعسكر، كما لو كان نداءً خفيًّا يتكرر كل ليلة، يدعوها لاكتشاف سره المدفون بين الصخور والرمال. كلما حلّ الليل، جلست عند نافذة الغرفة، تتأمل التلألؤ الأرجواني البعيد. ولم تعد تكتفي بالمشاهدة؛ شعرت بأن عليها أن تمضي، أن تخترق ذلك الظلام، أن تتبعه حتى تصل إلى جوهره. كان الأمر أقوى من مجرد فضول، لقد تحول إلى نداء داخلي لا تستطيع مقاومته. أثناء وقوفها، أتت سعدية بجانبها، وبدا على نظراتها الاستفسار عن تحديق علا المستمر في ذلك الجبل، فأخرجت علا هاتفها، الذي نُزع منه الشريحة وتم تنظيفه من أي وسيلة قد تتبعها، وكتبت لسعدية: <صحيتي دلوقتي ليه؟ ارجعي نامي.> التقطت سعدية الهاتف وكتبت لها: <مكنتش عايزة أنام أصلًا، كنت مريحة. انتِ بتشوفي النور الموف ده برضو؟> عقدت علا حاجبيها في تعجب وكتبت لها: <انتِ كمان بتشوفيه؟ أنا سألت هالة قالتلي ما بتشوفش حاجة.> <أيوة، محدش طبيعي بيشوفه. أنا وانتِ وأحمد وعمو بس اللي بنشوفه. لما سألتهم، قالولي إنه موجود دايمًا من أول ما جم هنا، بس بيتجاهلوه.> احتد الفضول في علا واشتدت شحناته كطاقة كهربائية لن تخبو إلا حين تذهب لهذا الجبل وتدخل كهفه لترى مصدر ذلك الضوء، فكتبت لها: <طب بصي، أنا هروح أشوفه بس ما تقوليش لحد، تمام؟> حجظت عينا سعدية وحركت رأسها في اعتراض شديد، فتمسكت علا بيدها وهدّأتها، ثم نظرت لها نظرة اطمئنان، كما لو كانت تقول لها إن شيئًا لن يحدث لها. بعد ذلك، بدأت علا ترتدي ملابسها وحذاءً قويًّا لتحمل أعباء الصخور والرمال، وعلّقت على منكبيها حقيبتها التي تحتوي على مستلزماتها الأساسية، ثم خرجت بخطوات ثابتة واثقة. ولكن قبل أن تخرج من المكتب، كان لها ولهالة ولسعدية بُرقع يوضع على الرأس، حتى تستطيع إحداهن الخروج بحرية دون أن يجنّ أحد الجنود بهن نظرًا لعدم رؤيتهم أي أنثى خلال تلك الشهور. خرجت علا من المبنى بالبرقع، وبعُسر أقنعت الجنود الحراس بالسماح لها بالخروج من البوابة بحجة القيام بخدمة وستعود فورًا. وما إن خرجت، نزعت البرقع تمامًا ووضعته في حقيبتها، ولم تسر طويلًا حتى رأت يامن يتقدم أمامها... في تلك الأثناء، كان جمال يجلس ويتابع الأخبار، بينما كان قطه أبو شوقي نائمًا على مكتبه. كانت عيناه معلّقتين بالتلفاز، مستعدًا في أي وقت لتجهيز جنوده والذهاب إلى القاهرة. طرق باب مكتبه، فسمح بالدخول، ليدخل عماد، الجندي الجديد وأحد أتباعه، قائلًا: _جمال باشا، حضرتك عارف إن في واحدة طلعت من المعسكر؟ عقد حاجبيه في تعجب وقال وهو ينهض: _لا، في واحدة طلعت؟ _أيوة... واضح إنها كانت لابسة شنطة ضهر برضو، كأنها مروّحة. لما شوفتها بتتحرك لوحدها كده قلقت وقلت أجي أقولك. _وإسماعيل يعرف؟ _أنا سألت، لقيتهم بيقولوا إن مدام هالة معاه في الأوضة. ده معناه إن الآنسة التانية اخت مصطفى باشا هي اللي طلعت. ظهر على ملامحه الاستياء، فالتقط سلاحه بسرعة وهو يأمره: _أي خبر عن القصف تشوفه، ابعتلي في اللاسلكي فورًا. _حاضر يا فندم. وقف يامن مشدوهًا، كان يعلم بوجودها لكنه لم يكن متأهبًا لرؤيتها فجأة كتلك اللحظة، رؤية علا، الفتاة التي أحبها بصمت لسنوات، والتي لم تغب عن مخيلته لحظة واحدة طوال الشهور الماضية. لقد عاش يامن على ذكراها كمن يتمسك بوهم جميل، وشعر بقلبه يضج بالحياة من جديد فور أن رأى وجهها المشعّ حبورًا دون حتى أن تبتسم. أما علا، فاجتاحها شعور غريب بين الدهشة والارتباك والشوق لصديقها، فقد نظر إليها يامن بعينين تفضحان عشقًا مكبوحًا، وأدركت علا هنا أن اللقاء لن يكون عاديًا بالنسبة له، ولم تكن مستعدة لمواجهة ما تخبئه نظراته. _إزيك يا علا... انتِ لسة هنا؟ ابتسمت علا في ارتباك: _آه... الجنود كتير. بادلها يامن الابتسامة المرتبكة، ثم أردفت: _شكلك اتغير خالص... _هعتبر ده مدح. عرضت ابتسامتها، وبعد صمت طال بينهما برهة، قالت فجأة: _انت لسة بتحبني؟ اختفت ابتسامته، وتغيرت نظراته الحنونة إلى نظرات متورطة ومربكة. كان سؤالًا مفاجئًا كمن صُعق بصدمة كهربائية مفاجئة جعلت جسده يقشعر من الصدمة. وبعد أن طال صمته محاولًا تحديد إجابة مناسبة، قال: _مكانش المفروض تعرفي... عرفتي ليه وإزاي؟ قالت علا وهي ترفع منكبيها: _عرفت وخلاص... عاد يامن للسكوت الطويل، وبؤبؤ عينيه يتجنب النظر لعلا، ثم قال بنبرة يتضح عليها الغصة : _كان نفسي تحبيني مرة... بس يعني حقك برضو... أنا ماعملتلكيش حاجة تخليكي تحبيني. قالت علا وعلى ملامحها وصوتها رأفة بمشاعر يامن: _أنا برضو ماعملتش حاجة تخليك تحبني، بس انت وقفت جنبي كتير، عمري ما هنسى زعيقك لما الميليشيات كانوا بيضربوك وانت بتحاول تحميني منهم. أومأ يامن برأسه، وكانت لديه رغبة في تغيير مسار الحوار، فقال: _انتِ رايحة فين بقى كده؟ في تلك اللحظة، لمح يامن قدوم جمال إليهما، فاستقام احترامًا لمكانته. وحين لاحظت علا نظرات يامن خلفها، التفتت لجمال، الذي أتى بوجهه الصارم وقال بنبرة لينة لا تليق بنظراته الحادة: _انسة علا، حضرتك أمانة عندنا، وما ينفعش تطلعي كده من غير ما ترجعي لأي حد من القادة. قالت علا بنبرة تحدٍّ: _ليه بقى؟ انتوا هتحبسوني يعني؟! أنا طلعت عشان أشوف حاجة وهرجع. _تاخدي أحمد معاكي، ما تطلعيش لوحدك. _لا، عايزة أبقى لوحدي! زفر جمال من أنفه بضيق، ليقول يامن: _طب، ينفع نروح معاكي على الأقل؟ حملق جمال فيه بشدة، معترضًا ومتعجبًا من أسلوب حديثه مع علا، لتقول علا بلا مبالاة: _لو عايزين تيجوا، تعالوا. ثم التفتت تاركةً إياهم، وكاد يامن أن يخطو خطوة خلفها، ليمسكه جمال من ذراعه بقبضة قوية، مانعًا إياه وهو يقول: _تعالى هنا، رايح فين؟ عاد يامن بخطواته وهو ينظر لجمال، فأردف الأخير: _أنا عارف إنك كنت بتشتغل معاها في الجريدة، بس ده ما يفسرش نظراتك الغريبة وطريقة كلامك معاها دي! اتقِ الله واسترجل! ابتسم يامن ابتسامة عريضة وهو يقول: _يعني الإشاعات طلعت صحيحة. عقد جمال حاجبيه من جملة يامن، ليردف الأخير بقوله: _أصل سمعنا عصافير كده بتقول قد إيه القائد جمال معجب وواقع في دباديب أخت مصطفى. _استغفر الله العظيم. _ما تخافش... واضح من نظراتها ليك إنها بتحبك أوي برضو، أنا مش هاخدها منك، ما تقلقش. قال جمال منفعلًا من حديث يامن، الذي رآه طفوليًّا: _تاخد مني إيه وأخد منك إيه؟! يا يامن، أنا بنصحك لوجه الله، ما تبصلهاش بالشكل ده ولا تتكلموا مع بعض كده لوحدكم. ويا ريت دلوقتي لو فيه حاجة في دماغك ناحيتها تشيلها وتنساها خالص. سكت يامن برهة، ثم قال بنظرة منكسرة كنبرة صوته: _أنا أنسى فريدة وإخواتي كلهم، ولا أنسى علا. اكفهر وجه جمال من وقاحة ما قاله يامن، وتحجّرت نظراته الكابحة لسخطه، ويظهر من تحركات وجنته أنه كان يجزّ على أسنانه بجسامة، إثر غيرته وامتعاضه العظيم مما قاله يامن. لم يستطع جمال فعل شيء سوى أن قبضته اشتدت على ذراع يامن وبدأ يعصرها وهو يقول: _استغفر ربك، استغفر ربك، استغفر ربك، استغفر!!!!! بدأ يامن يتألم بشدة من يد جمال القوية التي كانت تغرز أصابعها في جلده، ولم يتركه حتى استغفر يامن ربه، وفور أن تركه، أمسك يامن بذراعه متألمًا. بعدها، نظر جمال إلى علا التي كانت تبتعد بشكل مبالغ فيه، ليقول ليامن: _معاك سلاح؟ أجابه يامن بصوت متلعثم من الألم: _م.. معايا. _طب، تعالى... لما نشوف آخرتها. وسار كلاهما خلف علا ليحرساها، في جهلٍ منهم عمّا تعزم عليه، ولا على طريق وجهتها. *********** بعد ساعات قليلة، سيبدأ اللقاء أو المناظرة بين صاحبات حملة "اعتنِ بالجوهرة" غير الداعمين لقانون بيع الناس، وبين داعمي القانون، وكان من بينهم رجاء عاشور، والدة إسماعيل. وجد مُعِدّو البرنامج أن هذا الوقت هو الأنسب لعقد المناظرة، إذ إن الأحوال في مصر متقلبة حاليًا؛ فهناك حرب، ولا يوجد رئيس، ولا استقرار قومي في البلد. قد تكون هذه المناظرة سببًا لحسم هذا الأمر من بين العديد من القضايا التي يجب حسمها في البلاد. نجلاء ستجيب من منظور الدين الإسلامي والشرع، هدى ستناقش المسألة من منظور السياسة والتاريخ، أما فلوريان فستتناولها من منظور الدين المسيحي، إذ إن وجود مسيحية في هذه الحملة يعزز موقفهن أكثر، ليُظهِر لجميع الفئات أن مواجهة قانون بيع الناس ليست مرتبطة بطائفة دينية معينة، بل هي قضية منطقية وإنسانية بحتة. كنّ الآن جالسات قبل بدء اللقاء، وأمام نجلاء جلست رجاء عاشور، والدة إسماعيل، وبجانبها رجلان من داعمي قانون بيع الناس. لم تُنكِر نجلاء أنها كانت متوترة ومتشتتة بعض الشيء، لكنها استعانت بالله بالذكر والدعاء، متفائلة بإظهار بطلان هذا القانون بجسارة. بدأ البث، وافتتح المذيع حديثه عن قانون بيع الناس وعن الجدل الثائر حوله، وتطرق إلى ظهور حملة "اعتنِ بالجوهرة"، التي وضعت عائقًا أمام الناس في بيع بناتهم. ثم رحّب بالحاضرين، وأعطى الكلمة للمتحدثة الأولى، وهي رجاء. _بص حضرتك، قانون بيع الناس دا تمّت الموافقة عليه من محكمة العدل الدولية أول ما عرفوا بشروطه، وهي أن مفيش إنسان هيتأذى أو يتم استعباده أو إذلاله بأي شكل من الأشكال. البيع هيكون إنساني، حتى أنا مش بحب أقول عليه لفظ "بيع" الصراحة، لأنه بيدي انطباع غلط، لكنه في الحقيقة إنساني جدًا. سألها المذيع: _تقدري توضحي لنا ازاي يكون إنساني؟ وإيه هي إيجابياته؟ _هو كله إيجابيات، حضرتك. أولًا، بيحدّ من الكثافة السكانية. ثانيًا، بيدي فرص كتير للعمل والرزق، واللي بيتباعوا دول بيروحوا لبيئات أحسن من بيئتهم بكتير. ثالثًا، بيزيد من جمال البلد وتطويرها وغناها. فلما الشعب يكون غني، الشوارع هتبقى نظيفة، وهيتزرع شجر أكتر، والتعليم هيبقى أحسن، والمستشفيات هتتطور، وما إلى ذلك. يعني مفيش أي سلبية من بيع الناس، لكن اليساريين والإسلامجية رافضين التطور، وعايزين الفساد يفضل مستمر عشان يحسّوا بالانتماء، لأن انتماءهم دايمًا للخراب. بعدها سمح المذيع لهدى بالتحدث، فقالت: _لو كلامك صح، ليه اللي بيتباع بيختفي اختفاء غريب كأنه مات، ومحدش يقدر يتواصل معاه تاني؟ فين ال... قاطعتها رجاء بقولها: _لا، بيتواصلوا معاه تاني وبيشوفوه. قال المذيع بحزم: _لو سمحتي، بدون مقاطعة. _أنا برد عليها! قالت هدى: _اخلص كلامي وبعدين تردي براحتك. لو اللي بتقوليه صح، ليه بيتم بيع الأطفال الرضع؟ ليه بيتم بيع الجثث؟ ليه بيتم بيع الحيوانات؟ وازاي الطفل الرضيع أغلى بملايين من الراجل الناضج؟ وليه لحد دلوقتي اسم الشركة أو المنظمة اللي بتشتري الناس مجهول؟ يعني، أنا مش فاهمة، ازاي حد يرضى يودي عياله لمكان ولناس هو مش عارفهم، ولا هيعرف هيعملوا فيه إيه؟ مفيش عندها أدلة على كلامها. قاطعتها رجاء مجددًا: _ما إنتوا برضو معندكوش أدلة! تدخلت فلوريان بانفعال: _سيبيها تتكلم! إحنا مقطعناكيش طول ما كنتِ بتتكلمي. أردفت هدى بقولها: _آه، ممكن ميكونش عندنا أدلة، بس إحنا على الأقل عندنا منطق. مفيش في التاريخ قانون سمح بالرق بالشكل غير المنطقي دا. العبودية دايمًا كانت إذلال واستغلال قبيح للإنسان، وكانوا بيقولوا ده بصراحة ويطلعوا ليه مليون مبرر. بس في عصرنا، الموضوع مبقاش صريح، بقى ملتوي زي التعابين. القانون دا أول ما طلع، مبقاش بيدي للأسر الفقيرة فرصة يتحملوا المسؤولية، بقى بيقول لهم: "بيعوا أولادكم" بدل ما يساعدهم. ومبقاش مدي فرصة لليتيم يعيش حياته، ولا للميت إنه يندفن تحت تربته. كل فئات المجتمع بتتباع يا أستاذ، وعشان يثبتوا صحة كلامهم، يورونا دليل يثبت صحة كلامهم! تدخل أحد الرجال الداعمين للقانون قائلًا: _مالك يا أستاذة مستغربة أوي من فكرة الرق؟ ما الإسلام محرّموش، وكان أيام رسولك، اللي كان بيحتل الدول، عبيد. ازاي بتشوفوا ده كويس وبتشوفوا اللي بيحصل حاليًا مش كويس؟ قالت رجاء متحدّية: _آه، صح! الأستاذة المتديّنة جاية تمنع حاجة حلال في دينها أصلاً! إحنا من حقنا نعرف الفرق بين الرق في دينك وبين اللي بيحصل دلوقتي عشان تقفي ضده كده! نظر المذيع إلى نجلاء وسألها: _تقدري يا دكتورة نجلاء تشرحي الفرق، عشان برضو الجمهور لو عنده لبس في الموضوع، الأمر يتضح له أكتر؟ قالت نجلاء بنبرة ثابتة واثقة: _أكيد، طبعًا، مفيهاش حاجة. كان كل الجنود مع إسماعيل وياسر وموريس في مطعم المعسكر يشاهدون هذا اللقاء. كان الفخر والترقب والتوتر يعتلي في قلوب ياسر وموريس، أما إسماعيل، فقد كان القهر والخزي والعار كالحمم البركانية في قلبه تُضخ بين الدماء، وهو يرى أمه بهذه الحالة ويسمع همسات الجنود وهم يسخرون منها ويسبّونها. كان طيلة مشاهدته للقاء يدعو هامسًا أن يهديها الله، فلم ييأس أبدًا في ابتغاء هدايتها. أما مصطفى، فقد كان جالسًا في إحدى الشقق الأرضية التي اتفق مع صاحبها، الذي يعيش وحده، أن تكون بوابة لأحد الخنادق. كان يشاهد زوجته وهو يدعو الله أن يحل عقدة لسانها، وأن تكون وسيلة للدفاع عن الدين. _بسم الله الرحمن الرحيم، حين بعث الله النبي ﷺ كان الرق منتشرًا بين الأمم بتوسع؛ في الإمبراطوريات الرومانية، والفارسية، والعجم، والعرب، وكان متفشيًا بجميع أنواعه. كانوا قبل الإسلام يستغلون أي فرصة لبيع الناس كما يحدث حاليًا، فقطّاع الطرق كانوا يخطفون المسافرين ويبيعونهم، وهذا نوع من بين جميع أنواع الرق الأخرى غير الإنسانية. ورسول الله ﷺ منع وحرم جميع أنواع الرق تلك، عدا التي في الحرب، وسمح بالاسترقاق في لحظة الحرب والمعركة فقط. ويظهر هنا أن الأصل في استعباد الناس محرّم تحريمًا تامًا بأي طريقة أو وسيلة. وقال رسول الله ﷺ في حديثه الشريف في صحيح البخاري: "قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، (ورجل باع حرًا فأكل ثمنه)، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره". قاطعتها رجاء بقولها: _أيوة، يعني كان فيه استثناء في الحروب، هل دا يعني إن أي واحدة مش مسلمة حلال جسمها للمسلمين وحلال استعبادها؟ يا شيخة، عيب! دا انتِ جنبك مسيحية اللي بتشوفيها كافرة. قالت فلوريان لتنهر رجاء: _عادي، مهو احنل شايفين أي حد مش مسيحي كافر برضو، ياريت متغيريش الموضوع وسيبيها تتكلم. أردفت نجلاء بفصاحة لسانها وثبات نبرة صوتها الهادئة: _ربنا عز وجل سمح بالرق في حالة الحرب، ودا الاستثناء الوحيد، والرق لمن شارك في الحرب من الطرف الآخر وليس لأي إنسان بريء. وسبب سماح ربنا بدا، أن الطرف الآخر في ذلك العصر كان ينوي، فور هزيمة المسلمين، أن يأخذهم عبيدًا ويسبيهم، لذلك منح الله في حالة الحرب الرق في حال وجود تبادل أسرى. فإن أخذ العدو عبيدًا من المؤمنين، والمؤمنون أخذوا عبدًا من عندهم، سيحدث تبادل أسرى لإنقاذ الأسرى المؤمنين. فإن كان الرق حرامًا في الحرب، لن يستطيع المؤمنون إنقاذ أسراهم. سكتت نجلاء برهة ثم أردفت: _وفي الأساس، حين يأخذ المؤمن عبدًا، لازم يكون عامل حسابه أنه يحرره في أي وقت، لأن في الدين وسائل كثيرة لتحرير العبد، زي المكاتبة مثلًا. فالعبد، حتى لو حارب في الحرب، من حقه تمامًا في الدين أنه ييجي لمالكه ويقول "أنا مش عايز أبقى عبد"، ومنها يظهر عقد المكاتبة اللي يتفق عليه هو والسيد، زي ما قال ربنا عز وجل: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}، ويعينه المسلمون على ذلك بمالهم حتى يتم تحريره. فمفيش نص واحد في القرآن أو السنة فيه تشجيع على استعباد الناس، بل بالعكس، الدين دائمًا يحث على عتق الرقاب، ويظهر في الأحاديث والآيات الأجر العظيم لمن يعتق عبدًا، زي حديث الرسول ﷺ: "مَن أعتَق رَقَبةً مُؤمِنةً؛ ستَرهُ اللهُ بكلِّ عُضوٍ منها عُضوًا منه منَ النَّارِ". استنشقت نفسًا ثم أردفت: _فالمسلم الطبيعي وقتها، لما يشوف أن عتق الرقبة جزاؤه عند ربنا كبير، يستنتج أن العبودية وملك اليمين في الدين مش بالحاجة المستحبة، ولا هي من الشرع، ولا هي فريضة، بل ربنا سمح بيها فقط لمصلحة المؤمنين في الأزمنة اللي كان ينتشر فيها الرق. وإن كان المسلم عنده ملك يمين أو أسير، ففي نصوص في الأحاديث والسنة تنص على معاملته بالحسنى تمامًا، ولا يجوز إهانته أو إذلاله بأي شكل. سكتت برهة ثم أردفت: _تعالوا بقى نقارن اللي قلته باللي بيحصل حاليًا، كفاية أني أقول إن بيع الإنسان الحر يجعل الله خصيم صاحبه يوم القيامة، والحديث دا كفيل يبين للناس حجم الجرم اللي هما بيعملوه. لا، وبيتاخدوا أماكن مجهولة كمان، عشان يقمعوا حريتهم، ويُقام عليهم تجارب بشرية، ويجبروهم على الدعارة والاستعباد والعمل القاسي. قاطعها أحد الرجال بقوله: _أنتِ بتجيبي الكلام دا منين؟! معندكيش دليل على كلامك دا. أجابته نجلاء بنبرة حازمة: _لو أنا معنديش دليل، فأنت اللي يكون عندك دليل! أثبتلي إن بيتم معاملتهم معاملة حسنة!، أثبتلي إن الرضع والبنات والأطفال مبيتمش استغلالهم جنسيًا، أثبتلي إن اللي بيتم بيعه عنده الحرية في التنقل وإنه يرجع لأهله، أثبتلي عكس كلامي! كان مصطفى يشاهد زوجته بأعين لامعة من شدة فخره بها. فور أن رآها تذكر حديث الأحنف بن قيس، حيث قال: "سمعت خطباء الخلفاء كلهم، ولم أجد أبلغ من كلام عائشة رضي الله عنها"، كان مصطفى يرى زوجته كحفيدة لعائشة رضي الله عنها في علمها وفصاحة لسانها. كم هو فخور حقًا! وهنا قالت فلوريان للرجل المقابل لها: _الكلام اللي بنقوله دا دليل على أساليب كتيرة وقديمة في التاريخ، زيّنوا فيها فكرة استعباد الناس. مفيش عبيد في العصور القديمة تمّت معاملتهم معاملة حسنة، وفكرة إن اللي بيروح مبيرجعش تخلي اللي عنده خمس سنين يشك، ويقول أكيد اللي بيتم بيعه بيحصله حاجة أبشع مما يتصوره العقل البشري، عشان كده هما بيخبوهم. نظرت فلوريان لرجاء وهي تردف: _وبعدين، حضرتك مش نسوية صميمة؟ إحنا حملتنا غرضها نسوي تام، طاحنا بننقذ البنات من البيع والاستغلال والاستعباد. القانون دا خلا العائلات يستغنوا عن بناتهم، كأنهم ما صدقوا يخلصوا منهم. أي غلطة تافهة بيبيعوهم عشانها، فين نسويتك من دا؟ قالت نجلاء هنا: _اللي بيحصل حاليًا من بيع البنات المكثف، في نظري، هو وأد للبنات في العصر الحديث. إحنا عايشين في جاهلية حديثة خلت وأد البنات مسموح، ولكن بمنظور تاني. قالت رجاء بنبرة دفاعية: _دا خير ليهم إنهم اتباعوا، وإنهم اتخلصوا من المجتمع الذكوري الأبوي القاسي دا. شوفي يا فلوريان، الست اللي جنبك مكفنة نفسها وبتتكلم عن الحرية! دا عبث بجد!. استمرت المناظرة بين الطرفين المتناقضين، طرف يدافع عن حق الإنسان في حريته وكرامته، وطرف آخر يتذرع بالمبررات الواهية لتسويغ ما لا يُسوَّغ. كانت القاعة تحوم بالأنفاس المتلاحقة، والعيون شاخصة نحو المتحدثين، تتلقف كلماتهم بترقب وحذر. في المطعم المعسكر، كان الصمت سيد المكان، وأعين الجنود متشربة بالفخر والترقب، وإسماعيل وحده من كان غارقًا في صراع داخلي، بين ولائه لوالدته، وبين الحقيقة التي باتت تضرب في رأسه كجرس لا يتوقف عن الرنين. أما مصطفى، فقد أغمض عينيه بامتنان، ودعا الله أن يحفظ زوجته. فقد كانت الليلة سيدة المناظرة، وكلمتها كانت السهم الذي أصاب صميم الباطل. وهنا، خارج الاستوديو، ظهرت رشا خلف إحدى الأزقة، تراقب نجلاء وهي تخرج من المبنى الإذاعي. وفور أن خرجت، تحدثت في الهاتف قائلة: _أيوة... اهي خرجت اهي. بعد مدة قصيرة، وقفت نجلاء تنتظر قدوم هاجر، لكنها لم تأتِ. حين بدا الجو هادئًا، وكانت وحدها، أتت سيارة مجهولة لا تحمل لوحة، وفور أن توقفت أمامها، فتح السائق الباب، وأتت رشا لتدفعها داخل السيارة التي انطلقت بأقصى سرعة.
ROMISAA