١٠٥ مرت ثلاثة أيام على الأحداث الأخيرة، وفيها عاد مصطفى إلى قريته، إلى مسقطِ روحه الأولى... كانت القرية كما عهدها، وإن طالها الخراب حولها، لكن البناية التي كان يقطنها لم تنهر ومنزله ظل كمن وقف في وجه العاصفة بصمتٍ وعناد. ربما أصابها الضرر حين مرت الميليشيات كالإعصار، لكن أهل القرية، الطيبين الذين يعرفون معنى الانتماء، ظلوا على مدار سبعة أشهرٍ يرممون ما تهدم، يزرعون الحياة في الشقوق، ويكنسون الغبار عن جدران الذكرى. لم يكن المنزل مهجورًا تمامًا في غيابه؛ فكانت علا تمر عليه من حينٍ لآخر طيلة الشهرين الأخيرين، تمسح الزوايا، وتزيح العناكب، وتفتح النوافذ ليعبر النور ويذكّر الجدران بأن صاحبه سيعود. وعاد مصطفى ليجد أن البيت تنفس بعودته. عاد إليه أخيرًا، وكل حجرٍ وجدار، كل صدعٍ وركن، كان يحمل أثرًا منه ومن ذكريات ما قبل الحرب، التي شعر مصطفى أنها كانت البارحة. لم يعد البيت كما كان، لكنه لم يفقد ملامحه، حتى الهواء كان مألوفًا، وإن تغيّر، فيه بقايا عطرٍ قديم، وبصمة من اعتنوا به بصدق. لكن والدته، ريهام، كانت أول ما حضر في قلبه لحظة عودته. لم يكن يتخيل القرية بدونها، ولم يتعلم بعد كيف يبدو العالم حين لا يكون لصوتها حضور في صباحاته... كان يحمل في داخله نحوها حبًا لم يكن يعرف حجمه حتى غابت، حبًا بلا شروط، بلا حاجة إلى كلامٍ كثير... لقد كانت الحنان الأول، والسند الصامت الذي ظل يجذبه إلى الحياة في أحلك أيامها. وها هو يعود، وهي ليست هنا. لا تنتظره على الباب، ولا تبتسم في شرفتها، ولا تُعدّ له ما يحب من الطعام. كل شيء أصبح ناقصًا.. أما منزلها، فكان مصطفى يدخله لكي يصور بثوثه في مكتبته القديمة. كان شعوره نحوه مزيجًا من الطمأنينة والانكسار؛ طمأنينة المكان الذي يعرفه جيدًا، ويعرف كيف تشرق الشمس فيه وتنسحب الظلال من زواياه، وانكسار من تغير الإحساس به بعد رحيل الأم. كان البيت شاهدًا على طفولته، على صراعاته الأولى.. واليوم، عاد إليه ليواجه الصدى فقط... وهو يشعر أن البيت تنقصه روحه، تنقصه هي. عاد مصطفى إلى بثوثه كمن يعود إلى ميدانٍ لا يغادره إلا ليعود إليه أشد عزيمةً وأرسخ يقينًا، يدافع عن الدين الحق، ويصد أباطيل نور الديب، ويفضح زيف ديانته المختلقة، تلك التي تجرأ بها على الوحي، ولبّس بها على الناس أمر ربهم. وفي خضمّ انشغالاته المتواصلة، ما بين الجهاد باللسان، والجهاد بالحجة، والجهاد بالثبات، لم يغفل مصطفى عن أهله، ولم ينسَ أن الركن الأوثق لأي مقاتل هو بيته، وأن الرفق بالزوجة من تمام المروءة وصريح المودة. وفي الليلة الثالثة، كانت نجلاء تجلس على السرير في وضعٍ مستقيم، وإنهاك الحمل بادٍ في ملامحها، وبين كتفيها ارهاق الأيام وثقل الأحشاء. خلفها، كان مصطفى قائمًا كظل الطمأنينة، يُدلّك أسفل ظهرها بحركاتٍ دائريةٍ هادئة، أتقنها عن ظهر قلب منذ أن حملت بمريم، بدا منه أنه بين يديه عهدًا بالعناية لا ينقضي. كانت هذه الحركات الصغيرة، البسيطة في ظاهرها، تحمل في طياتها امتنانًا طويلًا، وحنانًا صامتًا، وتاريخًا من التشارك في الألم والراحة. ولم تكن تلك اللحظات تمر دون أن يجد مصطفى فيها متنفسًا، كما لو أن انحناءه خلفها يحرره من عبء القيادة ساعةً، ويتيح لصدره أن يبوح بما لا تسعفه البثوث على حمله: _عمري ما كنت أتصور إني أعيش... أجواء الكفر الصريحة، إني أعيش علامة من علامات الساعة بالشكل المباشر ده... كل حاجة بتحصل حاليًا بتثبت صدق رسول الله ﷺ، بس... بس أنا مقهور أوي يا نجلاء... مقهور أوي إني هعيش حاجة زي كده... حاسس إني مش قادر أستحمل أشوف الدين على الهامش عند الناس بالشكل المقزز ده، يعني الصوفية... والشيعية... كل دول طوائف وإن كان فيهم كفر ضريح، بس على الأقل في مخهم الدين الإسلامي وربنا سهل تقنعيهم بالحقيقة... إنما النورية؟ ده دين جديد! دي حاجة بعيدة أوي عن الإسلام! بل الكل مقتنع إن بعدها عن الإسلام إثبات صحتها... أنا تعبت أوي من كل ده. جاء صوت نجلاء كنسمةٍ حانية وبنبرة تُرمم صدوع النفس قالت: _متخليش تعبك يا حبيبي يهزم عزيمتك، ربنا حطك في مهمة النبيين والصحابة والتابعين... وأنا واثقة إنك قدها. هما كمان جه عندهم فترة يأس... وحزن... وقهر، بس ده مخلاهمش يوقفوا مهمتهم. ساد صمت قصير، تواصلت فيه أنامله على مواضع الألم في ظهرها، بينما سرى الشرود في عينيه كسحابٍ ثقيل: _طب ما يمكن أنا مش قدها... _محدش هيقود جيش وينجح في حرب حررت البلد كلها، ويبقى مش قد المهمة دي، اللي يحرر بلد هيقدر يحرر عقول... واللي ينجح في حرب مادية هينجح في حرب معنوية. وحين شعرت نجلاء أن ظهرها قد استراح، أسندت جسدها إلى حضنه، في لحظةٍ دافئةٍ التصقت فيها أرواحهما كما التصقت الأجساد، فاحتضنها مصطفى من الخلف، وأسند رأسه إلى رأسها، يُحاول أن يهدئ ما بقي من القلق بنبضه هو. مرر كفّه على بطنها المستدير، يتحسس الحياة الجديدة التي تنبض تحتها، وفي اللحظة التالية، لمح كلاهما دفعةً صغيرةً من داخل الرحم، طبعتها قدم الجنين بوضوحٍ تحت جلد أمه، كتحية حضورٍ من الغيب مثلا. فضحكت نجلاء من المفاجأة، وضحك مصطفى بدفءٍ وهو يقول: _شكلي قلقت نومه. قهقهت نجلاء، ثم قالت من بين الضحكات: _متخلينيش أضحك عشان ده بيخليه يترجّ. سكت مصطفى وهو مبتسم، يعتصر بين ضلوعه مزيجًا من التعب والسكينة، ومن حوله الصمت يخيم على الغرفة كستارٍ من الطمأنينة. ظل يحتضن نجلاء، وذهنه لا يزال يتأرجح بين مشاغله الجسيمة وهموم الأمة التي أثقلت كاهله. ووسط هذا السكون، قطعت نجلاء الصمت بنبرة هادئة: _هيسافروا النهارده الصبح وهيروحوا الساحل... أجاب مصطفى بلا مبالاة، يجيب وهو غارق في أفكاره الكبرى: _أيوة... ربنا يهديهم. ثم خيّم الصمت مجددًا، حتى عادت نجلاء بعد برهة لتهمس بما لم يعد يحتمل التأجيل: _مريم لحد دلوقتي متعرفش، ولو عرفت هتزعل أوي... لم يُجب مصطفى، بل ظل صامتًا، تنوء في رأسه المقاييس بين الواجب والممكن، وبين الجهاد والدعة. حين شعرت نجلاء بجمود الموقف، اعتدلت في جلستها، والتفتت إليه بعينٍ فيها رجاء لا يُخفى، وقالت: _مصطفى... إحنا محتاجين نرتاح... محتاجين نتبسط بالطبيعة اللي ربنا رازقنا بيها. رمقها مصطفى بنظرة ثابتة، ثم قال بصوت خفيضٍ يحمل الحذر والتساؤل: _إنتِ لسة برضو عايزة تروحي؟ _آه يا مصطفى، عايزة أروح... إحنا تعبنا أوي الفترة دي، ومن حقنا نرتاح ونرفّه عن نفسنا شوية. _وإحنا هنتبسط ونرتاح بالحاجات الحرام؟ _مش هنعمل حاجة حرام يا مصطفى، نقدر نتجنب كل حاجة حرام هناك وهنتبسط برضو. تنهد مصطفى تنهيدة ثقيلة يحاول يطرد بها زوبعةً تضرب أعماقه، ومسح وجهه بكفّه في إنهاكٍ ظاهر، ثم نهض من مكانه فجأة واتجه نحو الباب، الأمر الذي أشعل نيران الانفعال في قلب نجلاء، فقالت بصوتٍ محتقن: _رايح فين؟! هو أنا مش بكلمك؟؟ توقف، واستدار ببطء، ثم قال بصوتٍ خافتٍ متعب: _أيوة بتكلميني... بتكلميني في حاجة إحنا اتناقشنا فيها من يومين، وقاعدين نكرر نفس الكلام، وأنا معنديش حمل لكل دا. نهضت نجلاء فجأة، وارتدت قميصها على عجل، ثم اقتربت منه ووقفت قبالته بعينين تلمعان بالحدة، ثم قالت منفعلة تحاول ألا تصيح: _يعني أنا اللي عندي حمل يا مصطفى؟! أنا عمالة أحاول أقنعك بحاجة هتفيدنا وهتفيد بنتنا، وإنت دماغك ناشفة! قال مصطفى محاولًا كبح مشاعره المتصاعدة: _هو إيه دا اللي هيفيدنا يا نجلاء؟ انتِ مالك بقيتي بتفكري كدة ليه بعد ما رجعت؟ هو الشغل خلاكي تنسي دينك ولا إيه؟! تأججت عيناها بدموع الغضب وهي تقول مصدومة: _إنت هتكفرني يا مصطفى عشان عايزة أتبسط وأخلي بنتي تتبسط؟؟ _استغفر الله يا نجلاء! أنا مبكفركيش! متتهمنيش بحاجة زي كدة! أنا بس مستغرب إنك تشوفي مكان زي دا كأنه نعيم، وهو مليان منكرات! كادت أن ترد لولا أن قطع عليها كلمتها، وقد بدا صوته هذه المرة أكثر حدة وحسمًا: _نجلاء، خلاص! أنا عقلي مش مستحمل حاجات تافهة أكتر من كدة! إسمعي الكلام ومتجادليش أكتر من كدة! وقفت نجلاء أمامه تنظر إليه بذهولٍ مكلوم، وعيناها تقدحان بدموعٍ من قهرٍ مختزن، كأن جسدها كله ينطق بما عجز عنه لسانها طويلاً. وفجأة، وبانفجارٍ يائس، صاحت في وجهه كنداء استغاثة وعلامة على ضيق ذرعها: _لا، مش هسمع الكلام! مش هسمع كلامك يا مصطفى! أنا تعبت! أنا سمعت كلامك كتير بس في دي مش هقدر، أنا خلاص، روحي هتطلع من كتر التعب والقهر والضغط يا مصطفى! مبقتيش مستحملة، مبقتيش مستحملة حاجة!! كانت تلك الكلمات من نجلاء، على بساطتها، كفيلة بأن تُربك مصطفى.. كلمات باغتته نفسيًا، إذ لم يرَ منها مثل هذا الانفعال في حياته قط. كأنها تخلّت في لحظةٍ واحدة عن وقارها وصبرها، وقررت أن تضع ألمها عارياً بين يديه. ثم، وكأنها تتشبث بما تبقى منه، أمسكت بقميصه بكلتي يديها، محاولة يائسة أن تنتزع منه فهمًا، أو رحمة، أو حتى لحظة إصغاء صادقة: _على الأقل مريم تشوف البحر وتلمس الرمل يا مصطفى!... مريم عمرها ما راحت بحر يا مصطفى، والبت دي تعبت أوي، البت شافت اللي الكبير ميستحملوش فوق أبوها اللي بيغيب عنها دايمًا، مريم من حقها تفرح! ولو شافت عيلتها كلهم رايحين يتبسطوا وهي قاعدة هنا، هتتقهر جامد، وأنا مش هستحمل أشوف بنتي مقهورة تاني يا مصطفى! في تلك اللحظة، لاحظ مصطفى أنفعالات نجلاء، بل أدركها بكل ثقلها، فرأى دموعها، واستمع لكلماتها الذي لا تُقال إلا حين تنفد كل الحيل. فأمسك بيدها وفي قلبه ضيق مكتوم، قال بصوتٍ أهدأ: _نجلاء... إنتِ شايفة أنا همّي إيه وإنتِ همّك إيه؟... نجلاء، العالم على المحك، محدش ضامن يوم القيامة إمتى... والناس كفرت... إحنا لازم نضمن خاتمتنا، ولازم نضمن آخرتنا... مع كل الإشارات دي، وبرضو بتقولي بحر ومش بحر؟ إحنا مش فاضيين لده، وأنا مش رافض كده علشان أقهرك، ولا أقهر بنتنا، أنا بحاول أحميكم! لكن نجلاء، التي بدا صوتها أكثر ثباتًا من عينيها، قالت بإصرار لا ينكسر، بل يتصلب كلما واجه صدًا: _خلاص يا مصطفى، نروح هناك ونحبس نفسنا في الأوضة، بس مريم تتبسط مع أعمامها وتنزل البحر وتلعب... عشان خاطري يا مصطفى، عشان خاطر مريم تتبسط. إحنا لازم نهتم بنفسيتها قد ما نهتم بصحتها، وإحنا أهملنا في نفسيتها جدًا يا مصطفى، وربنا هيحاسبنا على ده. بالله عليك، مش مهم أنا وإنت، أهم حاجة هي. فجأة شعرت أنها أفرغت ما بقي من قواها، فتركت قميصه من بين يديها وجثت على السرير بجسدٍ منهك، كأن كل حرفٍ نطقت به اقتطع من روحها قسطًا. لم يكن الحديث سهلًا، بل كل جملة منها خرجت مثقلة كأنها تُنتزع من أعماق صدرٍ اختزن الصمت طويلاً حتى بلغ حدَّ الانفجار. أما مصطفى، فكانت عينيه تسبحان في شرودٍ ثقيل، وأفكاره تشتبك أمامه كأمواجٍ متعاركة، يزنها في عقله كمن يضع جبلين في كفّتي ميزان. لم تكن المسألة عنده مجرد سفر أو رفض، بل كانت سؤالًا عن المصير كله، وعن ثقل المسؤولية الذي لا يترك له متنفسًا. وحين خيّم الصمت بينهما، قطعته نجلاء بصوتٍ تخلى عن أي حياء، لكنه تشبث بما بقي من رجاء، والدموع متحجرة عند مقلتيها، لا تنزل، لكنها على شفا الانهيار: _مصطفى، انت لازم توافق... انت لازم تستوعب الموضوع دا مهم ازاي! إنت مش متخيل كان الموضوع صعب عليا إزاي... إني أخلي روح القوة جواها تستسلم في السبع شهور دول... ومش متخيل كان صعب عليا إزاي أحسّن من نفسية بنتك بعد كل اللي حصلها، خصوصا وقت غيابك عنها. إنت بعد ما رجعت، وهي مكسوفة منك يا مصطفى، كأنك راجل غريب... استغل على الأقل السفرية دي إنك ترجع تقرب منها تاني... مريم لو أهملنا سعادتها وصحتها النفسية، هنندم أوي يا مصطفى. عند سيرة ابنته، ارتج صمت مصطفى في داخله.. لا ينهار، لكنه أمام هذه النقطة تحديدًا، لا يجد لنفسه مأوى من العاطفة. ابنته، ثمرة عمره، وجعه العذب، ونقطة ضعفه التي لا يُجادل فيها القلب وإن أجاد الحجة العقل. وفجأة، وكأنها لم تعد تحتمل أكثر، انهالت نجلاء باكية، الدموع أخيرًا انسابت، بلا مواربة، بلا خجل، بلا مقاومة: _احنا تعبنا أوي يا مصطفى، محدش فينا إحنا التلاتة حس بالراحة البسيطة على الأقل... والحمد لله أنا مش معترضة... بس مريم متستحقش إنها تتعب كده يا مصطفى. إحنا نتعذب طول الحياة ماشي، بس مريم لا! رفع مصطفى نظره إليها، ورأى وجهًا أرهقه الحمل، الجسدي والنفسي، وعيونًا ساهدة أنهكتها الليالي، ثم حوّل عينيه إلى بطنها، حيث يقيم جنين لم يشهد شيئًا بعد، لكنه يحمل في مجيئه كل الأمل والتحدي، وشعر مصطفى حينها أن على كاهلها من الأثقال ما يكفي لثلاث أرواح، فكيف له أن يزيده بثقلٍ آخر من الرفض والقسوة؟ وحين عاد صوته، خرج بهدوءٍ ثقيل، وكأنه ما زال يحمل في أعماقه اضطراب الموازنة بين هذا وذاك: _إنتِ ليه جاية تحاولي تقنعيني أوي كده دلوقتي، وهما خلاص هيتحركوا الصبح؟ اتى رد نجلاء به صدق مكشوف، ممزوج بعتابٍ هادئ: _طول الوقت كنت مشغول عني يا مصطفى، وفي الأيام اللي فاتوا لما أكلمك عن الموضوع كنت بتصدني ومكنتش بعرف أكلمك... وأنا لما حسيت إن خلاص الموضوع هيروح من إيدينا، أنا مستحملتش... معلش، هنلحق والله. ابعت بس لنوح رسالة واعرف هما هيتحركوا فين وامتى ونروحلهم. مسح مصطفى على وجهه مرة أخرى، وهو يستغفر ربه. وكلمات نجلاء عن مريم ارتجت في صدره كناقوس إيقاظ، تهز داخله من العمق، توقظه من دوامة الانشغال إلى جوهر الأبوة، إلى ما غفل عنه حين طغى الواجب على القلب. ودموع نجلاء، تلك التي لا تخطئ طريقها إلى روحه أبدًا، التي ما إن تنهمر حتى تُوقفه عن عناده، إذ لم يملك يومًا القدرة على تجاهلها. بدأ يحدد الأمر في ذهنه، يعرضه على ميزان الشرع كما اعتاد في كل قراراته. أهو جائز؟ نعم، أن يروّح الإنسان عن نفسه بما لا يخالف أمر الله، ولكن المكان الذي ينتظرهم لا يوجد به شيء سوى مخالفات لأمر الله، وهذا يظهر أن معركة الجهاد لن تنتهي هناك. بل يعلم أن ثمة جهادًا آخر سينتظره في هذه الرحلة، وهو جهاد الحفاظ على نقاء النية، وعلى الحدود التي شرعها الله، حتى لا ينقلب الترفيه إلى غفلة، ولا يتحول الفرح إلى تفريط. لكن لا بأس... سيجاهد لأجل مريم، بل لأجل نجلاء أيضًا، تلك التي رافقته في الطريق الطويل، واحتملت ما لا يحتمل. أليست هي الأخرى جديرة بأن تنعم بلحظة نقاء، بلحظة ضوء؟ بل واجب عليه أن يصنع لها فسحة فرح، ولو كانت صغيرة... فبعض الفرح لا يُعدّ ترفًا، بل حياة. أخذ مصطفى نفسًا عميقًا، وهو يحاول أن يسحب من صدره آخر ما تبقى فيه من ضيقٍ وتردد، ثم جلس بجانب نجلاء في صمتٍ مريحٍ أشبه بالهدنة بعد عاصفة. كان السكون الذي خيّم بينهما عبارة عن صمتًا ثقيلًا دافئًا، تخلله شعور دفين بأنهما أرهقا بما فيه الكفاية، وأن الصراع لم يكن إلا مرآةً لانهيارات متراكمة لم يعترف بها أحد منهما بصراحة. ومع انسياب الدقائق ببطء، التفتت نجلاء نحوه، بنظرةٍ خافتة مترددة، ثم امسكت بكفه، وطبعت قبلة خافتة على يده، ثم نظرت إليه للحظة، بعينين اعتذاريتين، ثم أشاحت ببصرها وقالت بصوتٍ خفيضٍ متكسر: _مكانش المفروض نتخانق بالشكل دا... بس معرفش، أنا مقدرش أمسك نفسي في حاجة... نظر إليها مصطفى، وفي عينيه بريق فهمٍ عميق لا ينطق، ثم قال بنبرة هادئة، تنمّ عن حكمة من صقلته التجربة: _لا، كان المفروض نتخانق... الخناقات اللي زي دي هي اللي بتخلي الواحد يعيد تفكيره في نظرته تجاه حبيبه... خصوصًا لو بعد عنه سبع شهور بحالهم. نظرت إليه نجلاء في قلق، وتبادلا النظرات في لحظة خالية من أي تصنع. ثم قالت: _يعني إيه؟ بقيت شايفني إيه دلوقتي؟ ابتسم مصطفى، ابتسامةً خافتة، مرهقة ولكنها صادقة، ثم رفع يده وتحسس شعرها برفق، وقال: _مش عايزك تقلقي خلاص... انتِ تعبانة. نامي وارتاحي، وهيبقى لينا الوقت الكافي نتكلم براحتنا. رغم آثار الإنهاك البادية على وجهها، قالت بصوتٍ لا يخلو من تردد: _انت مزعلتش مني، صح؟... انت عارف إني بسمع كلامك دايمًا، بس... قاطعها مصطفى بحنو، بنبرة فيها حسم المحب: _خلاص يا حبيبتي... أنا فاهم. ارتاحي دلوقتي، والحقي نامي... مش إحنا ورانا سفر الصبح برضو؟ الحقي نامي بقى. ابتسمت نجلاء، ابتسامةً خفيفةً بطمأنينة الأطفال حين يجدون دفء الأمان بعد برد التيه، ثم اقتربت منه وأعطته قبلةً عميقة، كتوقيع على صلحٍ غير معلن. بعدها أراحت جسدها إلى جانبه، تنشد في نومها ما عجزت عنه في يقظتها.. وهو بعض السلام. كان التعب قد نخر جسديهما ونفسيهما معًا، والغياب الذي طال بينهما لم يُنتج فقط شوقًا، بل شظايا من الأسى، والارتباك، وانعدام الاتزان، وكانت تلك المشاجرة، في ظاهرها انفعال، وفي باطنها استغاثة.. استغاثة من أنهكته الأيام، ففاض بما في قلبه دون تصفية أو ترتيب، فقط لأن الآخر هو ملاذه الوحيد. لم تكن خصومة تهدد رابطًا، بل صرخة صدق، تعرّت فيها المشاعر حتى القاع، لتثبت أن الحب بينهما لا يرتجف أمام العثرات. بل على العكس، ظل ثابتًا، راسخًا، ليظهر أن انفعالهما برهانًا على عمق هذا الارتباط، وأن كلاً منهما، برغم الألم، لا يرى الحياة دون الآخر؛ فالحب حين يُختبر في العناء، يصبح أكثر صدقًا، وإن بدا أكثر ألمًا، لكنه لا يتزحزح. وهنا حين تأكد مصطفى أن نامت نجلاء بعمق، انسابت خطاه نحو غرفة مريم في سكونٍ حذر، كمن يدنو من باب عالمٍ صغير تحتضنه روح ابنته الغضّة. وما إن اقترب من الباب حتى تناهى إلى سمعه صوتها الواهن، تُحدثها كالعادة: _طب أعملك إيه يا نور؟...... طب ما إنتِ لو خرجتي من جسمي إحنا الاتنين هنموت...... إزاي يعني عندك طريقة؟....... لأ يا نور، أنا خايفة، وبعدين هتدخلي في جسم مين؟ مش هتعرفي تدخلي غير جسم طفلة برضو..... يعني إيه أندرويد دي مش فاهمة. توقف مصطفى لحظة وهو يُصغي، وقد علا القلق وجهه دون أن يُفقده ثباته، ثم طرق الباب برفق، فعم الصمت فجأة، حتى فتح الباب بهدوء، فإذا بمريم جالسة على السرير تنظر إليه بعينين مشوبتين بالدهشة والخجل. ابتسم لها ودخل بهدوء، ثم جلس بجانبها وسأل بصوت حنون: _كنتي بتكلمي مين؟ أجابته ببراءة مطلقة: _بتقف جوا المراية دايمًا وبتكلمني. _مش كانت بتقف قدام سريرك ساعات في الأوضة؟ _آه، ده أيام ما كانت بتخوّفني... دلوقتي سمعت كلام ماما، وبقت بتيجي مكانها في المراية، بس لون بشرتها حلو أوي يا بابا... لونها بيربل. _بيربل؟ _أه. أومأ مصطفى برأسه وهو يغوص في تأملٍ صامت في وجه ابنته الجميل، ثم قال بهدوء: _كانت بتقولك إيه؟ نظرت مريم إلى المرآة بطرف عينها، كأنها تستشير نور تلك، فرأتها تحرك رأسها نافية، فعادت ونظرت إلى أبيها قائلة: _مش عايزاني أقولك. قال مصطفى وهو يبتسم ويداعبها: _ما شاء الله، بقيتي بتسمعي كلامها عني؟ ارتبك وجهها خجلًا وقالت: _بصراحة أنا بخاف منها... خليني أسمع كلامها يا بابا، معلش، لحسن تخليني أشوف الحاجات الوحشة بتاعة زمان. مد مصطفى يده يتحسس شعرها الناعم برفقٍ يغمره الحنان، وقال: _براحتك يا حبيبتي، خلاص. ثم ظل يتأمل ملامحها لحظة، وقلبه يريد أن يختزن تلك الطمأنينة النادرة في وجهها، قبل أن يهمس: _عندي ليكي مفاجأة. قالت مريم بقلقٍ طفولي بريء: _مفاجأة حلوة ولا وحشة؟ _لأ، حلوة يا حبيبتي، حلوة... إحنا بكرا الصبح هنسافر ونروح البحر، إن شاء الله. شهقت مريم من الفرحة، واعتدلت في جلستها كمن صعقتها صاعة: _بجد يا بابا؟! هنتفسح ونسافر؟ قال مصطفى وهو يضحك: _أيوة يا حبيبتي، هنتفسح وهنسافر وهنشوف البحر، وهجيبلك ألعاب تلعبي بيها في الرمل، وعوامة، وهانزل معاكي البحر كمان، وهنروح أي مكان إنتِ عايزاه. فانفجرت مريم ضاحكة وهي تصقف، حتى أنها بدأ تقفز فوق السرير بفرحٍ عارم، كفراشة خرجت من شرنقتها، بينما كانت ضحكات مصطفى تتعالى معها، حتى قالت بفرط الانفعال: _أنا هطير من الفرحة! أنا عايزة أطير بجد!! نور، خليني أطير يا نور! ضحك مصطفى وعقد حاجبيه بدهشةٍ من جملتها تلك، لكنه ما لبث أن ذُهل حين رأى ابنته ترتفع فعلًا وتحوم حول سقف الغرفة، تدور في حلقة من البهجة الطفولية الخالصة، كعصفورة صغيرة ترفرف حول عُشها، تزقزق فرحًا بالحياة. هنا سرعان ما وقف مصطفى من مكانه والتقطها بين ذراعيه، وقد اجتاحه مزيج من الدهشة والذعر والفرح في آن واحد، ثم أرجعها إلى حضنه وأخذ يدغدغها ويُقبّل وجنتيها ويضحك: _متعمليش كده تاني يا بت، متعمليش كده تاني! ظلت مريم تضحك في هستيريا طفولية وهي تحاول أن توقف يديه: _خلاص، خلاص، مش هعملها تاني، خلاص! ثم ابتعدت قليلًا وقالت في لهفة: _بس يا بابا، أنا ماعنديش مايوه أو أي حاجة، هنلحق نجيب إمتى؟ _بعد ما نروح هناك يا قلبي، هنجيب كل حاجة، متقلقيش. وبين ضحكاتها المترقرقة في هواء الغرفة، وهدوء مصطفى الذي غمره الحب رغم ارتجاف قلبه من المشهد، انسكب في الأجواء دفء خالص، وبدا أو البيت تنفس حياةً جديدة، حياة تُبنى بين يدي أبٍ قرر أن يُصلح ما أفسدته الأيام، وأن يمنح ابنته ما تستحقه من ضوءٍ وابتهاج. *********** قرابة الفجر، تسلل صوت بكاءٍ حاد إلى سمع نوح، كصافرة إنذار شقّت سكون الليل، ينبعث من حنجرة صغيرة، ويحمل قدرةً عجيبة على اجتياح الصمت وإيقاظ الغفلة. فتح نوح عينيه المثقلتين بالنعاس، وأدار رأسه ببطء بجانبه، فرأى غادة غارقة في نومٍ عميق، وجهها مسترخٍ على الوسادة والتعب قد اجتاحها كليًا بعد ليلةٍ من العناية والسهر. لم يشأ أن يوقظها؛ فكانت الليلة طويلة عليها، وحبيبة قد نالت منها جهدًا كثيرًا، فاستشعر نوح أن الوقت قد آن ليحمل عن كاهلها القسط الذي يستطيع. نهض في وهن، وأسند جسده إلى العكاز كأنما ينهض من بين الركام، ثم مضى نحو السرير الصغير الذي تنام فيه الرضيعة حبيبة، وتناولها بذراعه الوحيدة برفقٍ بالغ، واحتواها في حضنه كما يُحتضن كنز نادر يخشى عليه من أدنى خدش، وهو يرى أنه يحمل فيها ما أفلت منه ذات فقدٍ. خرج بها بخطى وئيدة، يخرق بها سكون البيت الذي ما تزال الظلال الناعسة تملأ أركانه، وبلغ منضدة السفرة، وفرش عليها غطاءً قطنيًا نظيفًا، ووضع الصغيرة برفقٍ عليها، ثم أعدّ كل ما يلزمه لتغيير الحفاضة. فتح الحقيبة الصغيرة في جانب الطاولة، وأخرج منها ما يلزمه بهدوءٍ ورتابةٍ متقنة. ثم، بحركاتٍ يملؤها الحنو والتوجس، فكّ أزرار ملابسها، وبدأ ينظف جسدها الصغير، ويقوم بكل الخطوات الدقيقة لتغيير حفاضة الرضيعة كما لو كان ذا درايةٍ طويلة بهذا الفنّ الخفي، يؤديه بثقةٍ متمهّلة ويدٍ تفيض اتزانًا وعناية، رغم الصعوبة الكامنة في كل حركة.. والصغيرة لا تكف عن البكاء، فيما هو يواصل مهمته بهدوءٍ لا يخلو من التوتر، وكل لمسة منه تحمل رجفة من يعرف ما معنى أن يؤتمن على حياة. بعد أن انتهى وألبسها حفاضة نظيفة، حملها من جديد وسار بها نحو المطبخ، جهّز زجاجة الحليب بصبرٍ واهتمام، سخّن الماء قليلًا، ثم تحسس درجة الحرارة بأطراف أصابعه، ثم رجّ الزجاجة برتابة محبّة. بعدها عاد إلى الأريكة، وجلس وأسند حبيبة في حضنه برفقٍ بالغ، ثم قدّم لها زجاجة الحليب، فالتقطتها بشفتيها الصغيرتين وبدأت ترضع بنهمٍ هادئ، بينما كانت عيناها الواسعتان تحدقان في وجهه، تطالعه ببراءةٍ خالصة، فارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة، ومرر أنامله فوق زغب شعرها الرقيق، وهو يقول: _دايمًا بحسك بتبصيلي بإندهاش... وبصراحة عندك حق، أنا عمري ما توقعت إني هبقا ماهر في اللي أنا بعمله دا... ولا توقعت إني هحب اللي أنا بعمله دا... الغريب أكتر إني عمري ما توقعت إني... عشت إللي أنا بعمله معاكي دا زمان وأنا مكنتش عارف. وأثناء ما كانت ترضع، رفعت حاجبيها فجأة في حركة لا إرادية بدت كاستجابة لما قال، ثم تابع حديثه ظنًا منه أنه رد فعل منها: _آه والله! متخيلة؟ متخيلة إني قعدت خمس سنين من عمري أعتني بنور كده بالظبط، وفي الآخر تضيع من إيدي، وفوق كل دا أنساها... قعدت سبعتاشر سنة من عمري حاسس بحاجة ناقصاني في حياتي، وإحساس خلاني أتجنن واتحول لإنسان غريب... سبعتاشر سنة ناسيها يا حبيبة... سبعتاشر سنة... ليه؟ إزاي أنسى أختي اللي رضعتها، واللي غيرتلها، واللي ربيتها واعتنيت بيها؟ مرض إيه دا اللي يخليني أنسى حاجة بالأهمية دي؟ إشمعنى هي... ثم، في حركة عفوية منها، أدارت عينيها الصغيرتين في الجهة الأخرى، فخيّل إليه أنها تعبر عن رأيها مرة أخرى، فتابع وقد خفت صوته بشيء من الابتسام الحزين: _شكلك زهقتي من كلامي، أنا آسف، الفضفضة معاكي حلوة برضه... بس أنا خلاص اتعلمت من غلطي... مهما حصل يا حبيبة... مهما حصل أنا مستحيل أسيبك... مستحيل أنساكي. هحطك جوا عيني وجوا عقلي يا حبيبتي، هحميكي دايمًا حتى من الهوا... مش هكرر غلطتي تاني... وإن شاء الله هنقذ نور... وهرجعها لحضني تاني، وهعوضها على كل اللي عاشته وهتعيشه، ووقتها هشوفكم انتوا الاتنين بتكبروا سوا... حتى لو مسامحتنيش، مش مشكلة... كان كل شيء يخص حبيبة يبرز فيه أثر خفيّ لما مضى... وكأن كل لمسة يمررها على شعرها، هي تمرير على ماضٍ لم يستطع أن يحتفظ به. وجه الطفلة يختزن ملامح غائبة، وجسدها الهش يُعيد إليه طيفًا كان يومًا ما بين يديه، ثم أفلت منه دون أن يدري. يسكن روحه ندم صامت، ثقيل، يظهر من خلاله في دقة عنايته بها، وفي الحذر الفطري الذي يلفّ به الصغيرة كأنها قابلة للانكسار في أي لحظة. كل قطرة حليب، كل قطعة قماش، كل رجفة إصبع، كانت تترجم وعدًا داخليًا بألا يكرر الخطأ، بألا يُفلت منه شيء آخر. وفي أعماقه، كان يحيا على رجاء العودة إلى تلك التي أضاعها عقله، وقلبه، وظروفه... إلى تلك التي حملها ذات يوم على كتفه، ونسيتها ذاكرته كما تُطفئ الحرب المصابيح واحدًا تلو الآخر. كانت حبيبة الآن له بمثابة نبضٍ جديد، لكنها أيضًا باب قديم يُفتح على وجعٍ اسمه نور، على سؤالٍ لا يزال ينهش روحه: كيف ينسى الإنسان من كان قلبه ممتلئًا بها؟ رغم ذلك، كان يحمل في أعماقه يقينًا هشًّا، بأن نور ما زالت هناك... تنتظر... وأنه حين يصل إليها، سيضعها في قلبه بجوار حبيبة، وسيترك لهما ما تبقى منه، ليُكفّر عن الغياب بالبقاء، وعن النسيان بالذاكرة التي لا تنام. انتهت حبيبة من الرضاعة، وبعد أن جعلها تتجشأ، غطّت في نومٍ عميق في حضنه. وكان دفء المشهد مُترعًا بعذوبة نادرة، لا ضوء فيه إلا ذاك الضوء الخافت المتسلل من مصباح زاوية الغرفة، ينساب كأنفاس ناعسة فوق ملامح الرضيع ويد الأب الوحيد. كل شيء ساكن، إلا نبض حبيبة، وأنفاس نوح، وتلك الرجفة التي تسري في قلبه كلما التقت عيناه بها. وأثناء تلك اللحظة النقية، حيث ساد الصمت كعباءة حريرية فوق كتفي الليل، وحبيبة قد هدأت بين ذراعيه وبدأ جسدها الصغير ينساب إلى غفوةٍ وديعة، كاد نوح أن يذوب بدوره في نعاسٍ وديع، أطبق على عينيه رويدًا رويدًا. لكن اهتزازًا متتابعًا خفيفًا أيقظه من سكينة اللحظة، ففتح عينيه بتثاقل، والتقط هاتفه الذي كان بجواره. كانت الشاشة تتوهّج برسائل متتالية، مصدرها من شخص يعرفه جيدًا؛ مصطفى. <السلام عليكم، إزيك يا نوح، يارب تكون صاحي عشان تلحقني> <أنا هاجي معاكم الرحلة> <محتاج أعرف مكان اللقاء والميعاد والتفاصيل إن شاء الله> قرأ نوح الكلمات، فاستقرت على وجهه ابتسامة عريضة، لا تخلو من دهشةٍ ورضا، واتسعت ملامحه بشيء من السعادة المطمئنة؛ فقد أدرك على الفور أنّ هذه الاستجابة لا يمكن أن تكون ثمرة قرار فردي منه، بل لا بد أن يد امرأة قد امتدت، وأزالت الحجر عن قلبٍ طالما حسبه منيعًا. شعر بفخر تجاه ابنة خاله، فبالطبع لم يكن بين النساء من يبدل رأيًا حاسمًا كقرار مصطفى سوى نجلاء. ********** _ودي صالحة يا صلوح، يا شمعة القلب والروح، ومنين آجي واروح، وأنا على الفرش مطروح. صدى الغناء ينساب في الساعات الأولى من الفجر، متسللًا بين أروقة "نبراس"، تلك المؤسسة التي تحمل بين جدرانها أنين الناجين وهمسات الوجع المتخثّرة في صدور المقهورين والمهمشين. ارتفع الصوت من جناح النساء، نقيًا، شجيًا، كروح تئن من جرح لا يندمل. _يا بنات الهنود، يا راخيين العمايم، وما ترحموا العليل، اللي على فرشه نايم. كانت رشا أول من تلقّف الصوت، وهي في غرفتها، فانتفضت حواسها، ونهضت وارتدت ملابسها بخفة، وخطت نحو الباب بخطى متزنة لا عجلة فيها، لكن شيئًا في عينيها أفصح عن يقظة مهنية واستعداد فطري لرؤية ما لا يحتمله القلب. _وافرشوا له سرير، مابين القمر والثُريا، وارموني في بيركم، وماورد رشوا عليا. سارت رشا بخطى متزنة، فيها من ثبات المتمرّس بآلام الآخرين، تمشي وفي عينيها بقايا يقظةٍ لا تنام، واحتراف في اجتراح الطريق إلى الوجع دون أن تهتز. وبينما كانت تعبر الممرات الطويلة، تلك التي خلف كل غرفة فيها مأساة وحكاية موصدة يشيب لها الولدان، خلف كل منها فتاة تشوّهت طفولتها أو شاخت أحلامها قبل الأوان، وكلما اقتربت، ازداد يقين رشا إلى صاحبة صوت الغناء. _وما ورد رشوا عليا، ردوا عليا ثيابي، خبير دوايا انا عندكم، وما تحرموني شبابي. وقفت أخيرًا عند باب الغرفة الصادر منها صوت الغناء، كانت غرفة ندى... تلك التي خاضت خلال الأيام الخمسة الماضية أولى معاركها مع الجحيم، يحاولون فيها نزع السموم من دمها كما تُنتزع الروح من الجسد المُنهك. ندى التي اصبحت كتلة منهكة من الألم المعقد، ككيان يتقاطع فيه الطب والعجز، والعلاج والاعتراف، والخوف من الشفاء ذاته. _يابو محمد سعيد، يابو المشاري تلاتة، كيف جرحك لم يطيب، والعطر تحت الوسادة. طرقت رشا الباب طرقًا خفيفًا، فتوقف الغناء دفعة واحدة، بعدها دفعت الباب ببطء، ودلفت إلى الداخل، لتراها... كانت ندى، جاثية على سريرها كنبتة ذابلة، لا حياة فيها إلا في ومضات الألم، وجهها شاحب، وعيناها غائرتين تحتها ظلال داكنة حفرتها الليالي الطوال، كمن رأى من الرؤى ما يكفي لعُمرين، وكانت تمسك شيئًا في يدها، تُطبق عليه كما يُطبق طفل على لعبته الأخيرة. ابتسمت رشا، ابتسامة حنونة فيها فهم أكثر من السؤال، وقالت: _مخدتيش المهدئ اللي الممرضة ادهولك مش كدة؟ رفعت ندى رأسها ببطء، بنظراتها الميتة، التي تطل من عينين كأنهما نُقرتا بالسكين. ثم، بيدٍ مترنحة، فتحت كفها المغلق وأسقطت حبتين من الدواء على الأرض، حبتين كان ينبغي أن تحملها إلى النوم، لكنها اختارت أن تواجه الليل بصوتها لا بنسيانها. بعدها جلست ببطء كمن يتحرك من تحت الماء، ثم قالت بصوت خافت: _عندك مونيكير؟ صمتت رشا لبرهة.. لم تستغرب السؤال، ولم تستهجن غرابته في هذا التوقيت، بل أجابت بتلقائية فيها لطف المُعتاد: _عايزة لون معين؟ أومأت ندى برأسها بتثاقل طفولي، ثم قالت: _أي لون يكون فيه جليتر. _هتستنيني؟ أومأت ندى برأسها مرة أخرى، فابتسمت رشا، ثم خرجت من الغرفة بخفة، تمضي لتجلب طلاء الأظافر الذي طلبته ندى، ولتجلب حبتين جديدتين من الدواء... علّ في هذا الطقس الصغير ما يُعيد لندى شيئًا من المعنى، أو لمسة من الشفاء. وما إن أوصدت رشا الباب خلفها، حتى خيّم صمت ثقيل على الغرفة، وانكمشت الجدران على ندى رويدًا رويدًا. ويظهر أن طلاء الأظافر الذي طلبته لم يكن ترفًا أنثويًا، بل استغاثة مبطنة، تحاول فيها أن تثبت لنفسها أنها لا تزال فتاة طبيعية، وأنها لا تزال تملك هامشًا للاختيار، حتى لو كان مجرد لون لامع على أطراف أصابعها المرتعشة. لكن خلف هذا المشهد الطفولي البسيط، كانت تنام منظومة معقدة من الانهيار النفسي والإدماني، شبكة متداخلة من الصدمة والتخدير والإنكار، تلتف حول ندى كما تلتف الأفعى على فريستها، ببطء قاتل. رفعت نظرها نحو زاوية السقف، تُةحدق في فراغٍ لا شيء فيه سوى وهمٍ مشوش، بينما يدها تعبث بلا وعي بحافة الغطاء، كانها تحاول لملمة ما تبقى من أطرافها المتناثرة في دواخلها. لم تكن تلك الهدنة الصغيرة التي منحتها إياها رشا كافية لتطفئ الجمر المشتعل في روحها. على العكس، فإن الغياب المفاجئ لأي صوت، حتى ولو كان صوتًا غاضبًا، يتركها في مهبّ قلقٍ داخلي صامت، أشدّ ضجيجًا من الصراخ. يبدو للشخص العادي أن ندى مجرد مدمنة هيروين، ولكن أمام العلم والمنطق فهي النموذج الحي لأعقد صور الإدمان التي يعرفها علم النفس العصبي: إدمان ناتج عن صدمة ممنهجة، تمت زراعته قسرًا داخل بنية عقلها، لا بإرادتها... سنوات طويلة خضعت فيها للهيروين لا لتُسكَّن فقط، بل لتُستعبد، ولتُفرَّغ من كل إرادة. هي ضحية لدوامة إدمان مركّبة، فيها من التعذيب بقدر ما فيها من الهروب، ومن التعلق بقدر ما فيها من رفضٍ للنفس بسبب اخضاعها داخل سجن دارين لتجويعٍ روحي وجسدي منتظم. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المادة في دمها ليست وسيلةً للنشوة، بل وسيلةً للسكوت… للصمت… لإخراس ذلك الصوت الداخلي الذي يُمزقها كلما حاولت التوقف ولإسكان آلامها الجسدية والنفسية من شناعه ما تراه عينيها. وهناك نبت إدمانها في أعماقها كمستنقع طيني، كلما حاولت اجتيازه، غاصت أكثر. هي أسيرة تعلق قهري بمصدر ألمها، كطفلٍ مُعنّفٍ لا يزال يشتاق ليد مُعنِّفه إن جاع. تعلقها بالهيروين هو تعلقها بما تبقى من نفسها في مرآةٍ مهشمة، لا تستطيع أن تميّز فيها ملامحها الأصلية. وفي المصطلحات الطبية، حالتها تُدرج تحت تصنيف Trauma-Induced Addiction، وتوصف بأنها إدمان متشابك مع الصدمة، والذنب، والانفصال عن الذات، وهذا لأنها استخدمت الهيروين في سجن دارين لتخدير حاسة الذنب حين كانت تُجبر على المشاركة في التجارب المفجعة ومعالجتهم المؤلمة منها وعلى حقن أجساد أخرى بالموت. وحين تحررت، لم تخرج من السجن، بل خرجت به، داخلةً في طور آخر من الإدمان، أكثر ضبابية، وأكثر إيغالًا في الوهم: إدمان الاختيار بعد القسر، إذ ظنت في لحظات ضعفها أنها تملك قرارها، بينما كانت تكرّر فقط ما برمجها السجن عليه. وتشخيصها النفسي المعقد يتراوح بين اضطراب حاد ما بعد الصدمة (PTSD) وميول لا إرادية للإيذاء الذاتي، كذلك كانت تُظهر ما يُعرف بالـDissociation، أي الانفصال المؤقت عن الذات، حيث تنظر إلى نفسها كأنها ليست المعنية بما حدث، كأنها كانت شبحًا ينفذ الأوامر لا إنسانة تختار. وفي لحظات أخرى، كانت تصاب بما يشبه الشرود الصامت، لا تسمع، لا ترد، لا تستجيب، كأنها غارقة في حوار داخلي لا نملك مفاتيحه. أما نفسيًا، فكانت تتأرجح بين نوبات من العار الوجودي، تشعر فيها أن مجرد استمرارها على قيد الحياة إهانة لذكرى من ماتوا، وبين لحظات خدر عاطفي، كأنها نزعت منها القدرة على الحب، أو الحزن، أو حتى الندم. كانت تخضع منذ أيام لبروتوكول سحب السموم تحت رقابة دقيقة، لكن الألم لم يكن في الجسد وحده. أعراض الانسحاب الجسدي كالارتجاف، التعرق، اضطراب القلب، التقيؤ، كانت مجرد قشرة أولى، تحتها كانت المعركة الحقيقية تدور وهي معركة العقل الذي أُجبر على التكيّف مع القبح، والنفس التي لا تعرف بعد كيف تحب ذاتها دون سمٍّ يسكن خلاياها. اما جلسات علاجها كانت ساحة معركة حقيقية؛ فلم تكن تقاوم المخدر، بل تقاوم الاعتراف بأنها لم تعد تعرف الفرق بين ذاتها الحقيقية والنسخة التي أنتجها الألم والإدمان والتجارب القسرية. كل مرة تُسأل فيها: ما الذي تشعرين به؟، كان وجهها يتجمد، وعيناها تتسعان كمن يُلقى في قاع بئرٍ لا قرار له؛فهي لا تشعر، أو بالأحرى، لم تتعلم يومًا أن تصدق مشاعرها. كانت تخشى أن تتكلم، لأن الكلام يجرّ معها سيلًا من الذكريات المشوّهة، المشحونة برائحة المواد الكيماوية، وصرير الأبواب الحديدية، وصراخ الضحايا وهم يترجوها بأن تقتلهم بدلًا من العذاب الذي يخوضونه. وأصعب ما تواجهه ندى الآن، ليس الإقلاع عن الهيروين، بل إعادة تكوين ندى نفسها. كيف تعود روح إلى التكلم حين ظلت صامتة لسنوات؟ كيف تعود اللغة إلى امرأة كانت تتحدث فقط بلغة الخوف؟ لقد وصف أحدى الطبيبات حالتها بأنها "نفسية ممزقة ومخترقة بحقول ألغام"، كل شعور تمر به هو احتمال لانفجار، وكل ذكرى هي شظية مدفونة في دماغها. حتى النوم، الذي يُفترض أن يكون ملاذًا، صار مساحةً مقلقة، إذ تطاردها الكوابيس، وتحاصرها أصوات الذين اختفوا من حولها واحدًا تلو الآخر. لم يكن غريبًا، إذًا، أن ترفض المهدئ الليلي، وأن تلقي به على الأرض بصمتٍ، وتتمسك بالمجهول أكثر من تمسكها بالنوم. فندى، في حقيقتها، لم تكن تقاوم العلاج فحسب... بل كانت تقاوم انهيار هويتها التي بُنيت فوق الألم. ها هي رشا تعود، بخطواتٍ وئيدة، تفتح باب الغرفة فتجد ندى قد غرقت في شرودٍ عميق، كأنها انفصلت عن اللحظة، عن الجدران والضوء ووجودها نفسه.. لم تلتفت فور دخولها، إذ كان ذهنها معلقًا في فضاء بعيد، لا يدركه الحاضر. أغلقت رشا الباب خلفها برفق، وجلست إلى الكرسي القابع جوار سرير ندى، وقالت بصوت هادئ، فيه من الحنو ما يشبه همس الأمهات: _جبتلك أربع ألوان بجليتر… اختاري واحد... استدارت ندى إليها ببطءٍ رتيب، ثم رمقت الألوان بنظرة خافتة، قبل أن ترفع بصرها إلى رشا وتقول، بنبرة خافتة كمن يستجدي بقايا طفولة: _حطيلي على كل ضافر لون. ابتسمت رشا، وهي تومئ برأسها، وتقول: _من عينيا… افردي إيدك. بسطت ندى كفها، ببطءٍ كاستسلام الجسد للمسة الحنان، وراحت رشا تشرع في طلاء أظافرها بأناةٍ فيها رفق لا يخلو من تعاطف. وبينما كانت تمسح الألوان على أنامل ندى، قالت برقة: _صوتك كان حلو... وكلمات الأغنية كانت جميلة... أغنية إيه دي؟ _دي سمسمية. _جميل... الأغاني الفلكلورية دايمًا بتسيب طابع في شخصية الإنسان، حافظة أغاني تانية تسمعيهالي؟ سكنت ندى، وجهها جامد، كأنها دخلت سردابًا داخليًا مظلمًا، لا يتسرب منه الصوت ولا الضوء، تحدق فقط في أصابعها المكسوة بالألوان اللامعة، تراقب يدها كمن يراها للمرة الأولى. طال الصمت، فلم تلحّ رشا بالسؤال مجددًا، فهي مدركة أن الأجوبة تخرج حين يةون الشخص مستعد، لا حين يُطلب. ثم نطقت ندى، بصوتٍ ثقيل: _كان جدي بيحب تاريخ بورسعيد أوي، وكان بيحب السمسمية أوي، كان بين الفترة والتانية يوديني لحفلة سمسمية، يلبسني فساتين بورد جميلة ويوديني هناك، يشيلني على كتفه ويرقصني معاه، وكان بيحكيلي عن التاريخ… عن النضال… عن الحرية... كانت كلماتها تخرج كخيطٍ من الدمع، ينحل من قلبها، والذكريات تنهال مثل فيضٍ جارح. وواصلت، وصوتها يكاد يخنقها: _عيشت طفولتي كلها وأنا بتربى على إيده… بيحميني ويعلمني ويحبني… عيشت طفولتي كلها معاه وأنا معرفش كل دا إن كان عنده فشل كلوي… والفشل الكلوي خلاه يتعذب… وأنا كنت صغيرة، مش فاهمة ليه بيغيب… ولما اختفى قالولي مات... بس الحقيقة إن أبويا باعه... باع جدي... وسالت الدموع، دون صوت، دموع رقيقة كأنها تخشى أن تُقلق يد رشا التي ما زالت تطلي الأصابع. واسترسلت ندى: _محدش حبني قده… محدش حبني أصلاً غيره، ولما باعوه قالولي إنه مات… وبفلوسه خرجنا من بورسعيد، سكنا في مكان راقي في القاهرة، بس الفلوس خلصت… ووقتها كانت فترة البنات فيها بتتباع كتير… فقالوا ليه لأ… ما دام ندى هارية نفسها عياط عشانه… ومش بتنام الليل من حزنها… نوديها عنده أحسن… وأهو إحنا نستفاد وهي تستفاد... انتهت رشا من يد ندى الأولى، فرفعت ندى كفها، تنظر إلى الألوان المتعددة بإعجاب طفولي رغم سكون اعينها، في مشهد لا يشبه سياق الحزن كزهرة نبتت في حقل محترق. قالت رشا وهي تبدأ اليد الأخرى: _وشوفتيه؟ أجابت ندى، بكلمات وقعت كحجر في ماءٍ راكد: _شوفته... وقتلته بحقنة هوا عشان يرتاح… وقالي إنه مسامحني على كدة... ساد الصمت، طويلًا، كثيفًا كغمامةٍ لا تمطر، إلى أن أنهت رشا الطلاء، ثم قالت ندى بصوت متهدج: _كنت بغني الأغنية دي عشان أحاول أفتكر نفسي، أفتكر أنا كنت فين... واتربيت فين... ومين اللي رباني، أفتكر أنا اتحبيت إزاي... وحبيت إزاي، بس صعب… وصف إني بقيت شخص مختلف دلوقتي وصف ضعيف... أنا حاسة إني... قتلت ندى القديمة لما قتلت جدي… أنا حد تاني، واخد جسم ندى القديمة… ذكرياتها مش ذكرياتي… مشاعرها مش مشاعري… اسمها مش اسمي… هويتها مش هويتي... ثم ضغطت على عينيها بقوة، كأنها تريد أن تحبس الذاكرة في ظلام الجفن، ثم قالت: _أنا حاسة إني مش منتمية للعالم ده... مش منتمية حتى لعالم الأموات… حتى لو مت، حاسة إن ده مش مكاني برضو، أنا… أنا مش قادرة أحس إني أنفع لأي مكان إلا سجن دارين، بس إحساسي ده مش نابع من حبي ليه… أنا… أنا بس مش عارفة… مش عارفة أنا مين وأنا برا عنه… صمتت لحظة، ثم تابعت ببطء: _بلال كان بيطمني دايمًا… وبيفكرني إني إنسانة… وليا ذكريات وحياة لازم أعيشها… بس حتى بلال راح… وهو كمان ما يستاهلنيش، أنا حبي ليه أذاه أوي… كانت رشا تستمع، بكل ما في قلبها من صبر، حتى إذا انتهت ندى، قالت لها: _قعادك مع اللي شبهك هنا مش بيحسسك بالانتماء البسيط؟ _ممكن يحسّسني بانتماء شوية... بس برضه ما بيحسّسنيش إني ندى... سكتت رشا لحظة، ثم قالت: _الشخص في حياته بيمر بشخصيات مختلفة في كل فترة هو بيعيشها، دليل إن الشخص عاش الحياة بجد هو تعدد شخصياته عبر السنين، لكن مسير شخصيته تستقر في الآخر على الشخصية الصح، اللي عاش يتعلم عشان يوصلها… وإنتِ هنا عشان كدة يا ندى، عشان توصلي لندى اللي عايزة توصليلها... تأملت ندى وجه رشا قليلًا ثم سألتها: _وإنتِ؟ شخصيتك كانت بتتغير طول حياتك؟ ابتسمت رشا، وقالت: _أيوه… أكيد. _ووصلتي للشخصية الصحيحة ولا لسة بتتعلمي توصليها؟ كان سؤال ندى كالسهم، نفذ إلى قلب رشا، فارتجّ فيها شيء صامت. صمتت لحظة، ثم أجابت: _لسة بتعلم… شوفتي؟ أنا كمان بتعلم زيي زيك، مش عشان أنا أخصائية نفسية يبقى خلاص أنا اتعلمت… لأ، أنا لسة بتعلم برضو... نظرت ندى إلى ألوان أظافرها، شاردة، تتأمل أصابعها الملطخة بألوان متنافرة، لا تنتمي لنسقٍ واحد، وبدا أن تلك الألوان كأنها استغاثة غير منطوقة.. محاولة يائسة لأن ترى نفسها، أو ربما لئلا تراها على حقيقتها.. كل إصبعٍ بلون، كأنها تفتتت إلى شظايا متنافرة. ثم مدت رشا يدها وهي تعطيها حبتين من الدواء وقالت: _ينفع تاخديهم؟ لأن دول الطريق في إنك توصلي لندى اللي عايزة توصليلها... بيدٍ مرتجفة أخذت ندى الحبتين، وعلى وجهها ملامح مضضٍ لا تخلو من تسليم، ثم قالت: _عايزة أشوف بلال... وحشني أوي… وعايزة أوريه ألوان المونيكير... ابتسمت رشا ابتسامة فيها وعد، وقالت وهي تومئ برأسها: _حاضر… بكرة هبعت طلب في إنك تخرجي الجنينة وتشوفيه هناك… ما تعمليش حساب للقلق. ندى الآن ليست فقط في رحلة علاج، بل في معركة هوية.. معركة تحاول فيها ألا تنهار، حتى وإن انهارت أمام الجميع، وحتى إن بدا عليها الهدوء، فإن عقلها خلف هذا السكون هو خلية نحلٍ منهارة، مكسوّة بالعفن، ولا تزال تقاوم أن تموت تمامًا. ************ في بواكير الصباح، وعلى رصيف محطة الحافلات الهادئة، استأجر فياض حافلة خاصة فاخرة لتقلّهم إلى الساحل، حيث الراحة المرتجاة والرفاهية المنشودة، في رحلة تستعيد فيها أرواحهم شيئًا من السكينة بعد ما لاقَوه من عناءٍ في الأيام الماضية. كان أول الواصلين، بعد فياض وملك، هما نوح وغادة، ترافقهما الصغيرة حبيبة. تبعهم بعد قليل سليم وديميت مع ريان، وفور وصول ديميت اتخذت قرارًا بأن تتولى بنفسها رعاية حبيبة خلال الطريق؛ فجلست في الحافلة، تُرضعها وتهدهدها بحنانٍ أموميّ، بينما آثر نوح وغادة أن يغفوا قليلًا، منهكين من وطأة الأيام المنصرمة. أما سليم، فقد بقي خارج الحافلة برفقة ريان، الذي أطلق العنان لقدميه الصغيرتين تركض وتتنقل في المكان، كعادة الأطفال حين يداهمهم الفرح في لحظات الترقب، بينما لازمت ملك الصغير كي لا يضل طريقه في غمرة حماسه. وفيما كان سليم واقفًا إلى جوار فياض يراقب المشهد، قال وهو يُلقي بنظره إلى ملك ورايان: _أخبار بنتك إيه؟ بلاحظ إنك مش بتتكلم عنها معانا كتير. فأجابه فياض، بعينٍ تحوي من الحذر قدر ما تحوي من الحنين: _كل اللي أقدر أقوله عنها إنها كويسة، أصل هتعوز إيه من المشاكل العادية بتاعت البنات في سنها، وإنتوا أبسط مشكلة في حياتكم إنكم تخسروا دراع أر رجل. ابتسم سليم ابتسامة باردة مشوبة بالمرارة، وقال: _نوعًا ما وحشتني المشاكل العادية. فقال فياض، بعد لحظة صمت ثقيل: _لو قلتلك إنها كانت بتكلم جناح من أجنحة عصام أبوك... أظن دي حاجة عادية مش كدة؟ عقد سليم حاجبيه في دهشةٍ رغم جمود عينيه الباردة ونبرته الرتيبة وهو ينظر لفياض ويقول له: _لا والله؟ وعملت إيه؟ _ماعملتش حاجة... أنا اكتشفت ده بعد ما هو هرب... ومن غير ما هي تقولي، حتى هي متعرفش إني عرفت. _وهتعمل إيه؟ هتعاقبها إزاي؟ ظل فياض يتأمل وجه ابنته، ثم قال بصوتٍ غلبه التأمل: _أمها لما شافت الشات بينهم من وراها وكلمتني عن الموضوع، قالتلي إن العلاقة كانت سطحية بينهم... حتى ملك لما بتحس إنه بيتعدى الحدود بتوقفه، وعرفت إنهم مخرجوش سوا إلا مرة واحدة... فرد فعلي لازم يتناسب مع تصرفاتها وقراراتها، وخصوصًا إنها وقعت في فخ... أنا ذات نفسي وقعت فيه، فمش هبص للموضوع من النظرة التقليدية... لأن دول عصابة واتجمعوا علينا أنا وبنتي. ضحك سليم ضحكة قصيرة، باردة وساخرة، وقال: _ربنا يعينك على كاجويا، ابقى قولنا معاد الفرح إمتى بقى. تنهد فياض بضيقٍ لاذع، لكنه رسم على وجهه ابتسامةً امتزج فيها الاستياء بشيء من الطرافة، ثم قال: _متجيبش سيرتها خالص في الرحلة دي بالله عليك. في تلك اللحظة، دخلت سيارة عصام إلى الساحة بوقارٍ هادئ، فركنها بعناية، وخرج منها برفقة رجب وياسمين ويُمنى، يرافقهم كمّ لا بأس به من الامتعة والحقائب لفتت انتباه فياض، الذي لم يلبث أن قال لسليم بنبرة نصف مرهقة: _روح يابني ساعد أخوك، عشان أنا ضهري اتقطم من بدري. _حاضر. سار سليم نحوهم بخطى هادئة لا تخلو من التراخي، وبمجرد أن اقترب، صافحه عصام بحرارةٍ أخوية، فما كان من سليم إلا أن عرض عليه المساعدة في حمل الأمتعة، ليجيب عصام ممازحًا: _الله؟ إنت من إمتى متعاون كده؟ _عمك يا سيدي. قهقه عصام وهو يناوله الحقائب الثقيلة: _جه اللي يربيكم والله. تناول سليم الحقائب، وعيناه معلقتان بعصام، يتفحص ملامحه بحدةٍ، قبل أن يبتسم ابتسامته الباردة تلك ويقول بنبرةٍ ساخرة: _عقبال ما يربيك إنت كمان. نظر إليه عصام مليًّا، غير أن سليم لم يمهله فرصة للرد، بل استدار ومضى نحو الحافلة يحمل الأمتعة. في هذه الأثناء، صعدت ياسمين مع رجب إلى الداخل وجلسا في مقعدهما. أما عصام، فقد فتح مؤخرة السيارة ليُخرج المزيد من الحقائب، وفيما كانت يمنى تساعده، تفاجأت حين لمحت بين الأمتعة أدواتها الفنية، فاتسعت عيناها، وقالت بلهجة مندهشة متذمرة: _إيه ده يا عصام؟ إنت جبت الكانڨيس واللوح برضو؟ أنا مش قلتلك متجيبهمش؟ هيعملوا زحمة عالفاضي! أجابها عصام بثبات: _يابت زحمة إيه؟ روحي هناك وارسمي براحتك، المناظر هناك هتبقى جميلة، وده هيزود إلهامك، متشيليش هم. حركت رأسها في تردد وقالت بصوت يعتريه التوتر: _معرفش... مكسوفة، أنا أصلًا بدأت أرجع للرسم بالعافية بسبب زن ياسمين، ومبقتش برسم غير معاها، معنديش الشجاعة أبين ده. تنهد عصام باستياءٍ هادئ من حيائها المفرط، ثم قال بنبرةٍ مشجعة دافئة: _إنتِ دلوقتي في بيئة بتشجع على ده، مش زي زمان.. أنا بشجعك، وياسمين بتشجعك، وكلهم هيشجعوكي.. إكسري شعور العيب وتقليل الذات اللي في قلبك ده... خلاص، اللي زرعته جواكي ماتت وشبعن موت، اتحرري منها بقى. ابتسمت يمنى ابتسامة خجولة، فمد عصام إبهامه ومسح به على وجنتها في مداعبةٍ رقيقة، ثم قال: _أيوه كده، متتكسفيش... إنتِ بين عيلتك. يلا بقى، اطلعي الأتوبيس وأنا هبقى ألحقك. أومأت يمنى برأسها، ثم التقطت حقيبتها الخاصة وصعدت إلى الحافلة، وألقت السلام على من فيها، عدا نوح وغادة، اللذين كانا غارقين في نومٍ عميق، متكئين على بعضهما؛ غادة تستند إلى كتف نوح، وهو يريح رأسه على رأسها في مشهدٍ حميميٍّ ساكن وبعد أن أتمّ عصام وضع الأمتعة في صندوق الحافلة المخصص لها، لمحته ملك وهو يضع حامل اللوحات والألواح الفارغة، فاقتربت منه بدهشةٍ طفولية وقالت: _إيه دا؟ مين بيرسم معانا؟ نظر إليها عصام بعينين يملؤهما الفخر، وقال: _يُمنى مراتي. لوحها حلوة أوي. _الله! عندك صور للوحاتها؟ ناولها عصام هاتفه، واستعرض أمامها بعضًا من لوحات يمنى، ووقفت ملك مأخوذة، مدهوشة من جمال اللوحات، وقد أبهرتها الأنماط الغريبة والطابع المبتكر الذي تنطوي عليه، ثم قالت وهي تعيد له الهاتف: _حلوين أوي ما شاء الله... أنا لازم أطلع اكلمها بقى، لأني بحب الرسامين أوي أوي، أنا هلزق فيها كل ما أشوفها بترسم. ضحك عصام، وقال بمودة وسرور: _اطلعي يا حبيبتي، هتفرح أوي بيكي. في تلك اللحظة، دخلت ساحة المحطة سيارة جديدة، وما إن وقعت عينا عصام عليها، حتى أشرق وجهه حبورًا وببشائر الفرح وانفرجت قسماته ببهجة عارمة؛ فقد كانت سيارة جمال، وبصحبته علا. توقف جمال بالسيارة في هدوء، ثم ترجّلا معًا، وأسرع يساعدها في إنزال الحقائب، ثم حملهم ليضعها داخل صندوق الأمتعة الملحق بالحافلة. وفي أثناء ذلك، تقدم عصام نحو جمال بخطى مرحّبة، وصافحه بحرارةٍ صادقة، وسرعان ما لحقته علا، التي التقطت ببصيرتها نظرات عصام المليئة بالمودة تجاه جمال، فقد كان في عينيه وابتسامته وحنو حديثه ما يشي بمحبةٍ جمّة لجمال. _إزيك يا جمال، عامل إيه؟ إنت مش متخيل أنا كنت حابب أشوفك قد إيه! متحرمناش من شوفتك يا عم في أي تجمع عائلي، ابقى تعالى متغبش زي المرة اللي فاتت، إنت بقيت مننا خلاص. ابتسم جمال بامتنان، وقال في نبرة يغمرها التقدير: _جزاك الله خيرًا، أنا سعيد والله إنك معتبرني من العيلة... بس لسه الخطوة دي مجتش دلوقتي. صدقني، إن شاء الله لما أبقى منها، هتشوفني دايمًا. وحين فرغ جمال من ترتيب الأمتعة بمساعدة عصام، مسح على ملابسه، ثم قال بأدب جم: _تمام، استأذنكم... السلام عليكم. استدار لينصرف، وكادت علا أن تصعد إلى الحافلة، حينهت مد عصام يده وأمسك بذراع جمال، وهو يناديهما معًا: _تعالى هنا، رايح فين؟! وإنتِ... تعالى هنا! التفتت علا وقد ارتسمت على وجهها ملامح الاستغراب، وعادت خطوات قليلة، فيما نظر إليه جمال بقلقٍ متسائل: _خير يا عصام؟ محتاج حاجة؟ رد عليه عصام بنبرة تجمع المزاح بالعتاب: _إنت يا بني عامل نفسك أوبر؟ توصل وتمشي؟ ياض البِت هتسافر وهتبعد عنك أسبوع، مش هتقفوا شوية تتكلموا كلمتين؟ ارتسمت على وجه علا ابتسامة دافئة، كما لو أنها أخيرًا وجدت من يُدافع عن رغبتها في أن تُعامل كخطيبة حقيقية، لا مجرد فتاة تُوصلها السيارة وتغادر بلا وداعٍ يليق. أما جمال، فقد بدا مترددًا وحرجًا، وقال بصوت خافت: _لا... مينفعش أصل... قاطعه عصام فورًا، بنظرة منكرة: _هو إيه اللي مش هينفع؟! ثم أشار بيده إلى فياض، ثم سليم، ثم إلى نفسه، وهو يُحصي قائلاً: _أدي محرم، أدي التاني، أدي التالت... ثم أشار نحو نوح النائم في الحافلة: _أدي الرابع، بس هو تعبان شوية. كل دول محارم ليها... وبتقول مينفعش؟ دا في أنهي شرع ده؟ دا إنت لو كتبتوا كتابكم دلوقتي ودخلت عليها، هيبقى حلال! أشاحت علا وجهها وهي تكتم ضحكتها، بينما ارتسمت على وجه جمال ابتسامة خفيفة وهو يستغفر ربه في خجل. فأردف عصام، وهو يربّت على كتفه ويدفعه برفق: _يلا، اقفوا في الحتة الضل اللي هناك دي، واتكلموا لحد ما الكل يوصل ونبدأ نتحرك... وخدوا راحتكم، ومش همنع تديلها بوسة ولا اتنين، يلا! ابتسم جمال بخجلٍ مستسلم، ثم نظر إلى علا نظرةً صامتة دافئة، تبادلاها في سكونٍ يفوق في صدقه الكلمات. أشار لها ليتقدما نحو الركن الظليل بالقرب منهم، فمضت إليه بخطى خفيفة، ليقفا معًا ويتبادلا الحديث، كما يليق برحيلٍ مؤقت. وبعد لحظات معدودة، وصل إبراهيم وهاجر إلى ساحة المحطة، فتوقفا يتأملان الحافلة الفاخرة وقد ارتسمت على وجهيهما ملامح الدهشة الطفولية والسعادة الغامرة. كانت هاجر في نشوة فرحٍ حقيقية، وتتكلم بلهفة تُشبه بهجة الأطفال في أول رحلة، وقالت بانبهارٍ لم تُخفِه: _مش مصدقة نفسي بجد، هركب الأوتوبيس اللي كان نفسي أجربه من زمان، وهروح البحر اللي كنت هموت وأروحه! على كده... المشي عالرمل بيشوّك ولا لأ؟ لما بشوف منظره في الأفلام والمسلسلات بحسه مش مريح. ضحك إبراهيم من تلقائيتها، وعلق برقةٍ محببة: _لا يا حبيبتي، مبيشوكش، بس في الشمس بيبقى سخن أوي. _غادة كانت بتحكيلي إنك كنت بتعلمها العوم. ارتسمت على وجه إبراهيم ابتسامة جمعت بين الحنين والحسرة، وقال بنبرةٍ يقطر منها الزمن: _أيوه... كانت وقتها طولها واصل لحد وسطي... بس دلوقتي.. بقت آنسة كبيرة وطويلة... بيني وبينك، أنا كنت شايف إن مستحيل الأيام دي ترجع، بس سبحان الله... أهي رجعت. ثم توجها معًا نحوهم حيث كان فياض وسليم وعصام واقفين خارج الحافلة، فتبادلوا السلام والمصافحة، ودارت بينهم أحاديث قصيرة متفرقة، غلب عليها طابع المرح والبهجة، وكان لحماس هاجر نصيب الأسد، إذ بلغ منسوبه عنان السماء. وفي تلك الأثناء، لمحت هاجر من طرف عينها جمال وعلا وهما يقفان معًا على مقربة، يتبادلان الحديث في ركنٍ ظليل. وما إن وقع بصرها عليهما، حتى انطلقت فيها روح الدعابة، فأطلقت صفارة حادة من بين شفتيها وصاحت بحماسٍ جارف: _أيوه بقى يا علا... أخيرًا!!! وما إن أتمت عبارتها، حتى وضع إبراهيم يده على كتفها، يجذبها نحوه ضاحكًا، محاولًا إسكاتها برفق وهو يقول: _لا... أنا لو هسيبك أكتر، هتتجنني! تعالي يا حبيبتي، تعالي نطلع. وهنا، التفتت علا إلى أختها، وعلى شفتيها بسمة عريضة لا تخفيها، بينما تنظر إلى جمال نظرةً دافئةً يغلفها شيء من المزاح المحبب، وقالت: _شايفهم إزاي واخدين الموضوع كأنه معجزة إننا واقفين لوحدنا سوا وبنكلم بعض؟ ابتسم جمال ابتسامةً خافتة، وقد بدا في عينيه مزيج من الأجبار والود، وقال وهو ينظر إليها: _محسساني إني بمنع نفسي عنك بمزاجي... الموضوع صعب عليا أكتر ما هو صعب عليكي. _عارفة يا حبيبي والله. ارتبك جمال وظهرت على وجهه علامات الحرج، وهو يقول بهدوء: _مبلاش "حبيبي" دي. ضحكت علا بخفة وردت: _خلاص يا أستاذ جمال... المهم، بوصيك تاني على ليزا حبيبتي، بالله عليك اهتم بيها كويس، دي بنتي. _هشيلها في عيني، متقلقيش، وأبو شوقي متربي، ميقدرش يلمسها. _أتمنى كده. _وبالنسبة للقطط اللي عند شارع وحوش بيتك؟ _هيثم هيهتم بيهم، متقلقش. أومأ جمال برأسه مطمئنًا، وكأنوذلك الوعد أنهى جزءًا من قلقه، ثم اقتربت علا منه خطوةً أخرى، ونظرت في عينيه بنبرةٍ خافتة، وقالت: _مش عايزني أبعتلك صور؟ حدق فيها جمال لحظةً وقد ارتسم على ملامحه ذهول مكبوح، كأن الكلمات أخذته على حين غرة، وتمتم مرتبكًا: _ص... صور إيه؟ _صور عادية... وأنا على الشط مثلًا، أو وأنا في الكافيه، أو في أي حتة. ظل جمال يحدق فيها، بينما قطرات العرق تتلألأ على جبينه تحت ضوء الشمس.. ༼ ياريت والله تبعتيلي الصور دي، وأي صور تانية ༽ حين سمعت علا افكاره ابتسمت في دلال، فتنحنح جمال وقال وقد استعاد بعض رباطة جأشه: _لا... مينفعش. مينفعش صورك تبقى في موبايلي... حرام. سكت لحظة، ثم أضاف كمن يحاول تغيير الموضوع: _أنتِ هتنزلي البحر؟ طأطأت علا رأسها قليلًا، وقالت بنبرةٍ تحمل دلالًا وفضولًا: _إنت إيه رأيك؟ _أنا ماليش أمر عليكي، أنا مش جوزك، أنا بس... بسأل. _وأنا عايزة رأيك، مش عايزة أمرك. ظل جمال صامتًا لبرهة، كأنه يوزن الكلمات، ثم قال بتأنٍ: _يعني... لو نفسك تنزلي أوي، أنا برجح المايوه الـ"ووتر بروف"، عارفاه؟ اللي بيبقى طويل كده وبجيبة تقريبا، ميبيّنش الرجلين، وضد الماية، كده بحيث ميتبلش وميلزقش في جسمك... أومأت علا برأسها، وقد زادت ابتسامتها اتساعًا وهي تتأمل ملامحه في رضا: _اه... عارفاه، هبقى أشوفه، حاضر. صمت جمال طويلًا، كما يفعل كل من يُجاهد نفسه لبدء حديث، حتى قطعت علا الصمت، وقالت وقد تذكرت شيئًا مهمًا: _كنت شوفتك بعتلي رسالة عن موضوع اللحمة اللي عايز تحللها. اتسعت عينا جمال فجأة، كأنما تذكر أمرًا جللًا، وقال بسرعة: _آه، صح، نسيت! استأذنتك في واحد كده يحلل اللحمة دي بشكل سري... توصلتي له؟ _اه، كلمت سليم، وقالي على عالم صديق ليه اسمه مهاب، هو بعتلي رقمه وعنوان بيته، بس قلت أبعتهولك بعد ما نقف ونتكلم سوا... إنت عارف، مبعملش حاجة ببلاش. ابتسم جمال، وفي عينيه مزيج من الامتنان والاستسلام، ثم أخرجت علا هاتفها وأرسلت له رقم مهاب وعنوانه. بعدها، رفعت عينيها إلى جمال، وقالت بنبرةٍ صارت أكثر جدية: _هو لما مصطفى سألك عن موريس، قلتله إيه؟ غابت الابتسامة قليلًا عن وجه جمال، ثم أجاب بصوتٍ منخفض: _قلتله اللي عملناه... إني قعدت معاه شهر أشرحله القرآن، وأرد على الشبهات اللي فيه، وفي الشهر التاني، قلت إنه حب يسافر يغير جو... مقولتلوش على اللي خططنا ليه معاه، والحمد لله إن مصطفى مش من عادته يسأل كتير، عشان مزودش في الكدب. قالت علا، وفي صوتها مرارة عابرة: _طب ما تقوله الحقيقة يا جمال؟ مصطفى هيرضى بالموضوع أكيد، أصل يعني إنتوا بتعملوا مهمة كبيرة. رد جمال وفي نبرته غصة: _والله يا علا، نفسي أقوله... إنتِ عارفاني، مبقدرش أكدب على مصطفى... بس موريس حذرنا جدًا، قال إن مصطفى وعيلته متراقبين من الكائنات الغريبة دي بشكل متتخيليهوش... دا حتى قاللي إنهم بيعرفوا أفكاره من غير ما ينطق. أنا متأكد، لما خطتنا تنجح بإذن الله، مصطفى مش هيهتم بفكرة إننا خبّينا عليه... قد ما هيفرح إننا بنبين ضلاله فعلًا. صمتت علا برهة، وقد اعتراها شيء من الحزن والاستياء، ثم قالت في غصة: _كأننا في أيام الجاهلية الأولى... المُسلم بيستخبى وبيعمل خطط بسرية تامة عشان ميتاكلش من الكفار الهمج. بعد انقضاء قرابة نصف ساعةٍ من الانتظار المضني للعائلة الأخيرة، أقبل السائق نحو فياض بخطواتٍ متثاقلة، وقد بدا عليه الضجر، ثم خاطبه قائلاً: _مش هنمشي بقا يا دكتور؟ فأجابه فياض بصوتٍ يحمل شيئًا من التودد: _معلش يسطا نستنى نص ساعة تانيين مش مشكلة، هبقا ادفعهملك معلش. عندها التفت عصام إلى فياض، وقد ارتسم على وجهه شيء من الريبة، وسأله: _متأكد إن نوح قالك إن مصطفى هييجي؟ _أه والله قالي. ظل سليم صامتًا للحظة، محتفظًا بدلك الجمود القاسي على وجهن، ثم قال بنبرةٍ لا تخلو من الضيق: _بيني وبينكوا أنا مش عايزه ييجي، هيقلب الرحلة نكد. فما كان من عصام إلا أن نظر إليه بامتعاض، كمن ضاق ذرعًا بتلك النظرة القاصرة، ورد عليه محتدًا: _إيه ياعم إللي بتقوله دا؟ دا أخوك وحقه يتبسط زي ما هنتبسط، وبعدين نكد إيه اللي بتقول عليه بوشك المطبق من الصبح دا؟ فأجابه سليم، والحرارة تلفح وجنتيه، بعصبية: _الشمس بنت **** يا عصام طبيعي وشي يبقا كدة! كانت اللحظة مشحونةً بانتظارٍ يتأرجح بين الرجاء والتبرم، بين التعلق بقدومٍ مأمول. حتى أتت اللحظة المنتظرة، وحل الموعود في أفق الرحيل، إذ وصلت السيارة التي يحمل الجميع أمل ظهورها، وما إن توقفت حتى انشدت الأبصار إليها، من كانوا في الخارج ومن بالداخل، كأن الرحلة قد بدأت أخيرًا بدخول ركنها الأخير. ترجل مصطفى من السيارة، وعيناه لا تبديان اكتراثًا زائدًا، إلا أن القفزة المرحة التي بادرت بها مريم عند نزولها، وضحكتها التي انطلقت كعبيرٍ منعشٍ هبّ على المكان، بثّت في الأرواح نسمة رطبة من البهجة الطفولية، جعلت من حضر يبتسم دون وعي، كأن ضحكتها رشت الحضور بندىً خفيف من السرور. وما إن وقعت عينا مريم على علا حتى اندفعت نحوها مهرولة، وصاحت بانفعال الطفولة: _عمتو!!! فاستقبلتها علا بكل ما في القلب من حنان، وقد انحنت بذراعيها حين بلغتها الطفلة، فارتطمت بصدرها، وضمتها في حضنٍ دافئٍ يفيض شوقًا، وهي تقول: _يا روح قلب عمتو الجميلة كنا مستنيينك يا مريومة، مرضيناش نمشي من غيرك! _أنا جيت أهو خلاص، هتنزلي البحر معايا صح؟ _إن شاء الله يا حبيبتي، كلنا هننزل معاكي. اقتربت نجلاء من علا، وسلمت عليها بودّ، فيما كان مصطفى يُقبل على عمه وإخوته، يضمهم بحفاوة خالية من التصنع، تُشبهه في صدقه وميله الفطري للتواصل. جاء جمال بدوره وسلّم عليه، ثم قال عصام بنبرة مازحة: _أنا عارف إنك جاي غصب عنك بس معلش عشاننا بس. فابتسم مصطفى، وقال حديث صحيح عن الرسول ﷺ : _”رَوِّحُوا عن أنفسكم ساعةً بساعة، فإن القلب إذا كَلَّ عَمِيَ“، مش جاي غصب عني ولا حاجة الواحد فعلا مطلوب إنه يرتاح شوية، رغم إن المكان اللي رايحينه دا متأكد إن صعب فيه الترويح من كتر القرف اللي فيه.. بس أكيد فيه طريقة هنتصرف فيها. فقال فياض وهو يريد تبديد ظنون مصطفى ويطمئنه: _والله يابني اللي اديتني الهدية دي أصلاً متدينة بطبعها وبتحب الخصوصية جدًا، هي فيلا ببحر خاص مغلق، وفي حتة هادية جدًا بعيدة عن الأجواء إللي في بالك. أومأ مصطفى برأسه إيماءة فهم ورضا، بينما في الناحية الأخرى من الحافلة، كانت يمنى تُطلّ برأسها من نافذة المقعد، ثم تستدير نحو ياسمين، مغمغمة بانزعاج لم تخفه: _بت يا ياسمين، الشيخ جه، شكلي مش هتهنى بالاسبيكر اللي أنا جيبته! ابتسمت ياسمين ابتسامة ساخرة من عبوس يمنى وقالت: _متضايقيش أوي كده، أغلب الوقت هيبقا في حاله أصلًا، أو هيقعد مع الرجالة واحنا براحتنا، ولو منع الموضوع في البيت خالص نستنى لما يخرج يا ستي. _طب على كده مش هنشغل أغاني في الطريق؟ _يا بت لو عايزة أغاني البسي سماعات، بقولك إيه متبوظيش الرحلة الله يخليكي، عدي الموضوع، إحنا نطول نشوف البحر؟ وفيما الحديث بينهما لا يزال دائرًا، إذ بباب الحافلة يُفتح ويدخل مصطفى، وما إن خطا إلى داخلها حتى سرت في المكان هالة من الهيبة والوقار، تلبّدت بها الأجواء في سكونٍ مهيب، فغشي المكان هدوء فوري، كأن هيبته تُلزِم الأرواح بالصمت، والألسنة بالكفّ. خفَت الضجيج، وسكنَت الأصوات، والتزمت يُمنى وياسمين مقعديهما في هدوء. أما هو، فقد دخل دون أن ينشر بصره على الجالسين؛ حتى لا تلتقي عينه بعين امرأة منهن وقد حرص أن يصون عينيه من التقاء النظرات مع نسوة الحافلة، فاختار أول مقعدين عند المدخل، وأجلس نجلاء بجانب النافذة، وجلس هو إلى طرف المقعد يحرس الصمت كما يحرس الرفقة. وما إن استقرّ في مكانه، حتى بدأ الباقون يتوافدون إلى الحافلة، وقد بدأت الرحلة تُعلن عن اقتراب لحظتها الحاسمة. جلست مريم في الجهة الأخرى من الممر، إلى جوار النافذة، بينما اتخذت علا المقعد الخارجي بجانبها، تتابع حماستها الطفولية بعين دافئة. وفي الصف التالي، كانت يمنى إلى جوار النافذة، وإلى جوارها عصام، بوجهه الهادئ وعينيه الساكنتين. وعلى الجهة المقابلة، جلس رجب عند النافذة يقرأ كتابه، وياسمين إلى جواره، تشاركه القراءة، أما غادة ونوح، فما زالت مستسلمان لنوم هادئ. وفي الخلف، احتفظت ديميت بحبيبة الصغيرة في حضنها، بعد أن أرضعتها، فاستسلمت الطفلة لنومٍ عميق، فيما جلست ملك إلى جوارهما، تنظر إلى الطفلة بين الحين والآخر. وعلى الجهة المقابلة، كان ريان ساكنًا بجوار النافذة، وسليم بجانبه، وفي الصف الذي يليه جلست هاجر تلتقط الصور بعينها قبل هاتفها، بينما إبراهيم جلس إلى طرفها، يبتسم كلما التفت نحوها. أما فياض، فقد اختار مقعده بجوار السائق، يراقب الطريق، وما إن حاول السائق تشغيل الأغاني حتى أشار له فياض في لطف حازم أن يكف، فاستجاب الرجل، ومضت الحافلة في سير هادئ على الطريق الطويل. وما لبث أن خيّم على الركاب صمت شفيف، لا يخلو من دفء. سكنت الأرواح كما سكن الجسد، وهذا الهدوء لم يكن خالياً، بل كان يحمل في أعماقه صدى السنوات الماضية، بآلامها، وفقدها، وانكساراتها. كل راكب هنا يحمل ندبةً ما... ندبةً لم تُشفَ بعد، لكنها توقفت عن النزيف. لقد كانوا جميعًا، رغم اختلاف وجوههم، غرباء في وطن الذكرى، أبناء ماضٍ أثقل كواهلهم، ومسافرين في قافلة الرجاء، يبحثون عن لحظة صدق مع الحياة، ولو لمرة واحدة. وهكذا مضت الحافلة تشق طريقها بين الغمام، وفي داخلها هدوء يتسلل كنسمةٍ رطبةٍ بعد القيظ، يهدئ ما علق في النفوس من غبار الأيام. ********** في القاهرة.. وفي الهاجرة حين تسكن الطرقات ويصطلي الهواء بحرّ الشمس الحارقة، وصلت دراجة نارية أمام فيلا فارهة تُشيّد بأنامل الثراء الفاحش، تنطق ملامحها بالبذخ، ويشهد مظهرها أن قاطنها من علية القوم. ترجل عنها شابان، كانت ملامحهما، وإن نضجت قسراً، تفضح حداثة سنيهما، فكلاهما، رغم البنية المتينة التي صقلتها شهور الحرب، لم يجاوزا عتبة المراهقة بعد.. كانا أحمد ووليد. نزل وليد أولًا، يسند جسده على قدمه الصناعية، وحدّق في أرجاء الفيلا وهو يتمتم: _الواحد كان عايش في بيت زي دا زمان. أغلق أحمد محرّك الدراجة واقترب منه وهو يقول: _إيه، مش عاجبك الشقة اللي قاعدين فيها؟ رد وليد بتنهيدة مشوبة بالمرارة: _أتمنى أبوك يكمل جميله ويقبض على العصابة كلها عشان أعرف آخد حقي منهم، يمكن يطلعلي من وراهم أي فلوس. قال أحمد بلا اكتراث: _مش هيعمل كدة. يلا بقى نخش نشوف موضوعنا. تقدما صوب باب الفيلا، وكبسا زر الجرس. وبعد برهة، فتح مهاب الباب، وحيّاهما بودّ ودعاهما للدخول قائلًا: _توقعت برضو إن يوم صباحيتي مايعديش بالساهل، خصوصًا لو الموضوع تبع سليم. تطلّع وليد إليه بدهشةٍ غريزية: _إيه دا؟ حضرتك متجوز امبارح؟ _آه، شوفت بقى؟ همس وليد لأحمد وهو يشعر بالاحراج: _ما كنا استنينا يومين كمان، هي حبكت؟ فأجابه أحمد هامسًا: _لا، خلينا نخلص، محدش مهتم بصباحيته ولا بجوازه. رغم خفوت صوتهما، إلا أن مهاب، التقط حديثهما، لكنه تجاهله بأدب، ثم قال بنبرة عملية: _طيب... المعمل بتاعي جاهز، اتفضلوا معايا. قادهم إلى غرفة الاختبارات، وقد كانت فسيحة ذات تقسيمات داخلية، تفضي إلى حجرات أصغر تؤدي وظائف دقيقة. دخلوا إحدى تلك الغرف الجانبية، وكانت تضم أجهزة تحليل وجداول بيانات وشاشات معقدة، وحين وقفوا داخلها قال أحمد: _عرفت إنك عالم فيزيا... هتعرف تحلل اللحمة إزاي؟ ابتسم مهاب بثقة العارف وقال: _أنا اتعلمت الحاجات دي برضو، خصوصًا تحليل الـDNA، ممكن تدهالي؟ أخرج أحمد من جيبه كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا، بداخله قطعة لحم مطهية ومتبلة، وسلمه إياه، ثم خرج مع وليد إلى الكرسيين القريبين من باب الغرفة، فجلسا ينتظران. سأل وليد وهو ينظر إلى الباب: _على كدة لما يقولنا اللحمة دي جبتوها منين، هنقوله إيه؟ _وليه يسألنا السؤال دا؟ قال وليد بنبرة هادئة، تقطر يقينًا: _لأنها ١٠٠٪ هتبقى لحمة بني آدمين. تغير وجه أحمد، وقال بتقزز: _أتمنى متبقاش كدة، عشان مش متخيل موريس لو عرف كدة هيحصله إيه. قال وليد، وصوته مكسوّ بسكون غريب: _مستحيل تكون لحمة حيوان طبيعي، ما أنت عارف... أنا أبويا اتشوى واتاكل... تطلّع إليه أحمد، وهو يقول: _أنا عمري ما توقعت إني أسمع جملة زي دي بأسلوب هادي وطبيعي كدة زي أسلوبك. بعد مضيّ ما يقارب الساعة، خرج مهاب من غرفة التحاليل، يحمل في يده ورقة طُبِع عليها التقرير، وتتقلب نظراته بين الشابين بحدةٍ مواربة وشك، ثم ناولهما الورقة وهو يقول: _دا لحم بشري... جبتوه منين؟ ارتبك وليد قليلًا، وبدت على وجهه لمحة تردد عابرة، لكنه سرعان ما تمالك نفسه، وأخذ يهيئ حنجرة صوته لقول أول حجةٍ مرتجلة تخطر بباله، بينما ظل أحمد صامتًا محتفظًا ببرود ملامحه وجمود عينيه. وقبل أن يتسنّى لهما تأليف مبرر، التفت أحمد فجأة نحو باب المعمل الرئيسي قائلاً: _أظن المدام بتحاول تتجسس علينا يا بروفيسور. رمق مهاب أحمد بنظرة استخفافٍ واضحة، تقاطعت فيها الريبة مع الامتعاض، وكأنه يقرأ في ملامحه محاولة فاشلة للتملص. لم يُخفِ شكّه في ادعائه، بل اتجه نحو الباب بخطًى واثقة، ومد يده إلى الباب ليفتحه وهو موقن أنه لن يجد أحدًا، لكن المفاجأة باغتته حين وجده مواربًا فعلًا. دفعه بهدوء، ليقع بصره على زوجته واقفة خلفه، تحاول الإصغاء بخفةٍ مرتبكة، وما إن التقت نظراتهما حتى ارتبكت بدورها وقالت بتلعثم خافت: _ح... حبيبي، معقول يوم الصباحية تسيبني كده؟ بتعمل إيه؟ أجابها بصوت خافتٍ مضغوط: _معلش يا حبيبتي، شغل سريع وهيخلص. مرّ وليد وأحمد بجانبهما على عجل، ووليد يقول بسرعة: _لا هو خلص خلاص، يلا مع السلامة. حاول مهاب أن يوقفهما وقد شعر بشيءٍ ما يفلت من بين يديه، فرفع صوته قائلًا: _استنوا، أنا لسة عايز أتكلم معاكم! لكن خطواتهما تسارعت، وهما يفرّان من لحظةٍ واحدةٍ كفيلة بإفساد مخططهما الأكبر، لحظة قد تزل فيها كلمة فتنهار بها كل خيوط السرية والصبر. وفي ومضةٍ خاطفة بلغا الدراجة، وقفزا فوقها بحركةٍ متقنة، تنطق بالتمرس والتأهب، وأدار أحمد المحرك، فزمجر صوتها في الأرجاء كوحشٍ معدنيٍّ أُيقظ من سباته، ثم اندفعت الدراجة كالسهم، تاركة خلفها ذيلاً من الدخان الكثيف، ورائحة وقودٍ حارقة امتزجت بغبار الطريق، بينما ظلت عيون مهاب تلاحقهما وهو عند عتبه الباب، معلّقة بين والذهول والريبة. اقتربت هنا زوجته، من جانبه، وقالت وهي تتابع الدراجة المُبتعدة بعينين قلقين: _إيه يا حبيبي، مالهم دول؟ أجاب مهاب وهو ما يزال يحدق في الأفق: _ل... لا، مفيش حاجة.. عيال غريبة تبع سليم، إنتِ عارفة يا شهد، الجدع دا بييجي من وراه ناس غريبة. *********** _نوح... نوح... إحنا هنوصل إمتى؟ تسلل صوت طفلةٍ إلى أذن نوح وهو غارق في النوم، ففتح عينيه ببطءٍ وبثقلٍ شديد، كأن الغفوة كانت تُمسك بجفنيه بأصابع من رصاص. وجد نفسه داخل الحافلة وهي تمخر عباب الليل بسرعةٍ خارقة، والأجواء من حوله موحشة مكفهرّة، السماء حالكة كأنها قد أُغلقت ببابٍ من حديد، لا قمر ولا نجوم، وحدها مصابيح الحافلة الداخلية تومض في فتراتٍ متقطعة، بين انطفاءٍ موحش ولمعانٍ خافت، فتنسج حوله مشهدًا يتأرجح بين الواقع والكابوس.. وما يزيد المشهد رهبة ورعب أنه يسمع صوت طفل رضيع يبكي مجهول المصدر. ومن بين ومضات الضوء المتكسر في الظلام، برزت فتاة صغيرة ترتدي فستانًا مُزهرًا، تقف وسط الحافلة، بعينين تملؤهما البراءة، وتقول بنبرةٍ مشوبةٍ بالرجاء: _قوم يا نوح، يلا خلينا نوصل. اعتدل نوح في مقعده دفعةً واحدة، وقد تملكته صدمة عاتية وحيرة عميقة، تطلّع حوله بسرعة... لا أحد. المقصورة مظلمة كقبرٍ عتيق، لا يُسمع فيها إلا صرير عجلات الحافلة وهي تفتك بالأسفلت، وعواء الريح وهي ترتطم بجدران الحافلة كأنها تئن، مختلطًا بصوت صرخات وبكاء الرضيع، وصوت المصباح حين يومض ويخفت، كأنه طرقات على أبواب قلبه، تُنذر بشيءٍ مروّع. وفي كل ومضةٍ من الضوء، كان يرى وجه الطفلة نور يطفو في الظلام، شاحبًا ساكنًا كتمثالٍ حجري. _ن..نور... _مش هتوصلني لهناك؟ أنا خايفة، وماما كل ما بتشوفني خايفة بتوديني عند طنط تغريد، كل حاجتي عند طنط تغريد.. وأنا عايزاهم... ودّيني لهناك يا نوح. وفي اللحظة التالية، لمح نوح أن مقعد السائق... فارغ، فتجمدت الدماء في عروقه، قبل أن يثب دفعةً واحدة، ويقفز إلى المقعد الأمامي محاولًا السيطرة على المقود، وهو يصرخ بعزمٍ ممزوجٍ باليأس: _هوديكي لهناك! هوديكي لهناك يا حبيبتي! _هتعرف؟ قالت وصوتها من خلفه، بينما هو يلهث مذعورًا، محاولًا عبثًا السيطرة على الحافلة الجامحة: _هعرف... هعرف.. أنا بحاول أهو. _لا يا نوح، مش هتعرف... خلاص فات الأوان. رفع عينيه في ذعرٍ نحو المرآة، فرأى مقاعد الركاب قد امتلأت فجأةً بوجوهٍ شاحبةٍ، ساكنة، تحدق فيه بثباتٍ مروّع. كلما انبثق الضوء، بدت ملامحهم باردة، خاوية، عيونهم جامدة كزجاج ميت. وإذا انطفأ الضوء، تحولت الوجوه إلى كتلٍ سوداء، لا يُرى منها إلا عيون متوهجة تلمع كجمرٍ في الظلام، وكلها تحدق نحوه، تنتظر أن يصل بهم إلى... برّ النجاة. حاول نوح أن ينظر إلى الطريق، لكن الظلام كان معسعسًا كثيفًا، لا يتيح لضوء المصباح إلا أن يكشف أمتارًا قليلة. الطريق ينزلق تحت الحافلة كأنه يفرّ، والسرعة... جنونية. لا مكابح، لا اتجاه. وفجأة، من قلب العدم، ظهرت أمامه شجرة ضخمة، تنبت من منتصف الطريق، شامخةٌ مهيبة، مروّعة الشكل، يتوسّطها تجويفٌ عميق، بطول الإنسان، كأنه قد نُحت خصيصًا ليبتلع أحدهم حيًّا. ارتجف قلبه، وانكمشت رئتيه، وزأر صيحةً في هلع، ثم... ارتطم بها. وفتح فجأة عينيه مذعورًا، وصيحاته لا تزال تتردد من حلقه المرتجف، يلهث بقلبٍ يطرق صدره بعنف، والعرق يتصبب من جبينه كأنه فُتح فيه ينبوع خفيّ. وسمع صوتًا مطمئنًا إلى جواره: _بسم الله الرحمن الرحيم... كابوس يا نوح، اهدى... مفيش حاجة، إحنا حواليك أهو. نظر حوله لاهثًا، فإذا بكل شيءٍ قد عاد إلى طبيعته؛ الحافلة متوقفة، وأشعة الشمس تتسلل من النوافذ، تنير المكان بلطف، وتبدد الظلال التي كانت قبل قليل تبتلع العالم من حوله. لم يعد هناك ظلام مكفهر، ولا ومضات تنبض بالفزع، فقط صباح ساكن، وهواء دافئ، وأنفاس تعود تدريجيًا إلى انتظامها... وأمامه كان مصطفى يتحسس شعره وهو يردد الأذكار بصوتٍ خافت، يحاول أن يسكّن رجفة الرعب التي سكنت قلب نوح، فيما جلست غادة إلى جواره، تربت على كتفه بحنو وتقول: _حبيبي، إحنا وصلنا.. مفيش حاجة يا حبيبي، كان كابوس. _حبيبة فين؟! _حبيبة مع ديميت نايمة في عربيتها متقلقش. ظل نوح يلهث، وعيناه نصف مفتوحتين كمن خرج للتو من غرقٍ عميق، ثم أغمضهما في إنهاك، يستجمع أنفاسه المنكسرة. في تلك اللحظة، اقترب عصام وهو يقول بنبرةٍ خفيفة: _معلش يا عم... بتحصل، خصوصًا لو نايم على حاجة بتتحرك زي المركب أو الأتوبيس... يلا، خُد شنطك وانزل، كلهم بينزلوا أهو. رفع نوح عينيه المنهكتين، المتعبتين من الحلم، وألقى نظرة عبر زجاج النافذة. فرأى الجمع يتجهون للنزول، وبينهم... لمح مريم، تمشي بخفةٍ وهي ترتدي فستانًا مطابقًا لذاك الذي كانت نور ترتديه في الحلم. تنهد نوح، وأغلق عينيه لحظةً كأنه يدفع بها ذلك التداخل المبهم بين الواقع والكوابيس، ثم تجاهل ما رآه ونهض ببطء، وانضم إليهم، يحمل أمتعته في صمت، ويتقدّم معهم نحو وجهتهم. كانت المنطقة بعيدة عن صخب المدينة، منعزلة في منطقة عبارة عن منازل خاصة متفرقة على امتداد البصر، ويخيّم عليها سكون شفيف. ظلوا يسيرون في الطريق حتى توقف فياض عند فيلا تحمل رقمًا محددًا مصحوب في مفتاحه، فنظر إليها، وقد تجمد على ملامحه شيء من الذهول.. كذلك البقية عند البوابة، وقفوا جميعا مشدوهين أمام مشهد الفيلا، بهيئتها الفريدة التي تأسر الأنظار من اللحظة الأولى، وتصميمها الغني بالسكينة. فقال عصام، وهو ينظر إليها باندهاشٍ لم يخفه: _إنت متأكد يا عمي إن دي لينا؟ فأجابه فياض، وقد بدا عليه الذهول ذاته: _المفروض... ثم تقدم نحو البوابة، وأخرج المفتاح من جيبه، وأدخله في القفل. وما إن استدار المفتاح في يدِه، حتى بدا أن المكان قد اعترف به، ورحّب بقدومه بصمتٍ مُهيب. وحين دلف إلى الساحة، ولحقت به الأقدام المترددة، وتجلّت الفيلا أمامهم بكامل هيئتها، انتصب الجمال أمامهم كلوحةٍ مرسومة بعناية... كانت كلوحة من الأحلام قد خرجت من طيّ الخيال لتتجسد على ضفاف الواقع… مشهد تأسر فيه العين قبل القلب، حيث تتعانق رفاهية المعمار مع سحر الطبيعة، ويغدو للسكينة موطِن معلوم، لا يُشار إليه إلا بهذه الفيلا الفريدة التي ترقد بثقةٍ ونعومة على شاطئ ناصع كالحرير، وتحت سماء ناصعة الرقة، تعوم فيها الغيوم مثل قطنٍ هائم، تتسلل أشعة الشمس من بين ثناياها كخيوط ذهبية تُنسج على مهل فوق صفحة البحر. الفيلا ذات تصميم معاصر أخّاذ، تخطف الأنفاس ببساطتها المتقنة وتفاصيلها المدروسة، كتمثال معماري صُقل بدقة ليتماهى مع المحيط. واجهتها الزجاجية الفسيحة تطل مباشرة على البحر، فتسمح للنور بالانسياب إلى الداخل في سلاسة، يملأ أرجاء المكان بهدوءٍ مطمئن، ويغمر الجدران بلحظة من صفاء لا يُقاوم. الطابق العلوي يبدو كمنصة معلقة في الأفق، تحيط به شرفة زجاجية أنيقة تمتد على الواجهة كاملة، فتمنح الناظر إحساسًا بأنه يطفو بين الماء والهواء. خلف الجدران، يلوح دفء الإنارة الداخلية، وحين يحين الليل يكون مزيج بين الأصفر الوادع وضوء المساء، يُضفي على الطابق هالة من الأمان والترقّب، كأنّه يحتضن ليلًا مغمورًا بالأسرار الجميلة. أما الطابق الأرضي، فيُفتح كحضنٍ رحبٍ على الشاطئ، جدرانه من الحجارة الفاتحة تمتزج بلون الرمال، ونوافذه العريضة تعكس زرقة البحر بلون الزجاج الشفاف. ينفتح على جلسة خارجية فاخرة مفروشة بمقاعد من الخوص الراقي، ومزدانة بطاولة طعام كبيرة تتوسط المكان، تلمع فوقها الكؤوس وتنتظر وليمة بحرية تحت سماء الغروب. الأرائك متناثرة ببراعة، كأوتار عزف في سيمفونية الراحة، تقابل البحر في استسلامٍ مهيب. المساحة الخارجية هي امتداد لجمالٍ لا يُحد، حيث ينساب الممر الخشبي العريض بمحاذاة الفيلا كجسرٍ من نور، مغروسٍ في الرمال البيضاء المخملية. وأضواء صغيرة دافئة خُبئت بعناية بين أطرافه، لتومض بهدوءٍ كنجوم نثرت على الأرض. المشهد كله يحتضنه شاطئ خاص، لا صخب فيه سوى همسات الأمواج المتهادية، ولا أثر عليه سوى آثار خطى العابرين الحالمين. المياه شفافة ككريستالٍ أزرق، تنساب إلى الرمال بخجلٍ ساحر، تحاكي الهدوء الذي يسكن صدر من يحدق فيها. حافة الشط ملتفة بأحجار طبيعية ناعمة، والأفق يذوب في البحر، حتى لا تدري أين ينتهي العالم ويبدأ الحلم. ساروا ببطءٍ حول المكان، كأنهم يمشون في حلمٍ يخشون أن يوقظوه، والعيون معلقة بتفاصيل الفيلا التي بدت لهم كحلمٍ مُحرَّم، كنعيم نُسج من خيالٍ لا يجرؤ أمثالهم على الاقتراب منه. كانوا أولئك الذين مروا عبر ليلٍ طويل من الخسارات، من جراحٍ لم تندمل، وأبوابٍ أُغلقت في وجوههم مرارًا، حتى صار الأمل رفاهية لا يملكونها. لذلك، حين رأوا هذا المكان، لم ينبض في صدورهم الفرح... بل الذهول. ذهول ثقيل كشكّ في أعينهم: هل هذا حقيقي؟ هل يُسمح لهم فعلًا بالدخول؟ هل يحقّ لهم؟ كانوا مذهولين، لا لأن الفيلا جميلة فحسب، بل لأنهم لم يعودوا يعرفون كيف يتلقون الجمال حين لا يكون مشروطًا بالخوف. ومع مرور لحظات الذهول، وازدياد اكتشافاتهم لهذا النعيم الهادئ، أصدر فياض أمرًا رقيقًا أن يجتمع الجميع في الصالة الواسعة، تلك التي تنفتح نوافذها على الجنينة، ويتسلل إليها ضوء الشمس كما لو كان يُبارك اللقاء. أراد فياض أن يُلقي عليهم القواعد المتفق عليها، القواعد التي وضعها مصطفى، لكنه من تواضعه وتجنبه لكل مظاهر التسلط، رفض أن يفرض نفسه في هذا الجو الأخوي كقائدٍ أو مرشد خصوصًا في أول يوم من الرحلة، فمرر مهمة الإلقاء إلى فياض، صاحب المنزل وصاحب الرحلة، والأكبر سنًّا بينهم، احترامًا وتقديرًا لمكانته. وقف فياض في منتصف الصالة، ينظر إلى الوجوه التي طالما جمعها التعب، والآن يلمع فيها شيء من الراحة، ثم تنحنح وقال بنبرةٍ تحمل مزيجًا من البهجة والحكمة: _طبعا أنا متحمس قدكوا ييجي عشر مرات تقريبا وأخيرًا اجتمعنا بعد وقت طويل، وربنا يديم المحبة واللمة الحلوة دي... ومع سعادتنا بالأجواء دي استأذنكم إننا نحدد قواعد والتزامات عشان تساعدنا في التعرف على بعض أكتر ويبقا فيه تفاهم وراحة خلال الاسبوع دا. قاطعته هاجر بعفوية: _لا إسبوع إيه بقا انا المكان دا مش هسيبه ابدا. ضحك فياض وابتسم وهو يرد عليها: _هبقا أعمل نسخة لكل واحد فيكوا في حالة لو حد حب ييجي هنا مع عيلته لوحده، المهم.. طبعا إحنا كلنا مختلفين، وده طبيعي، بس من باب المحبة والاحترام، حطينا شوية قواعد صغيرة كده نرتّب بيها اليوم ونخلي الجو مريح للجميع. أول حاجة، كل واحد يلبس اللي يريحه في اوضته طبعا بس برا هنراعي الحته دي للراجل والست، يبقا ساتر، لا ضيق ولا شفاف، والحاجات عارف انكم عارفينها. تاني حاجة البحر، الشط ده لينا لوحدنا الحمد لله، فممكن نقسم الأوقات: الستات ليهم وقتهم ينزلوا فيه وياخدوا راحتهم من غير أي إحراج، والرجالة ليهم وقت تاني، وكل حد ليه يومه أو معاده، ولو حصل وكان في وجود من الجنسين في نفس اليوم، يبقى المسافات تكون بعيدة بجد، يعني مفيش قعدة قريبة ولا تبصّ ولا كلام، كل واحد يستمتع مع عليته ومراتاته في هدوء وارتياح. السفرة كمان وقت الاكل هنقسمها على راحتنا: سفرة للرجالة وسفرة للستات، مش شرط رسمي، بس كده نضمن إن مفيش مواقف محرجة ونسيب مساحة للكل ياكل ويتكلم بحريته. في الجلسات بقى والسهرات، نراعي إن اللي يقعد مع بعض يبقوا محارم... لكن غير كده برضو الواحد يتقسم بعيلته. والصلاة نحاول نصليها جماعة على قد ما نقدر، الرجالة يتجمعوا في الصالة أو الجنينة، والستات وراهم عادي. وطبعا كل ده من باب المحبة والتأقلم المريح، مش التحكم، إحنا جايين ننبسط ونضحك ونرتاح، وده عمره ما هيحصل على حساب رضا ربنا. ربنا يبارك في لمتنا، ويجعل الأيام دي فيها خير وراحة وقلوب متصافيه، وذكريات نرجع نضحك عليها من قلبنا. وما إن أنهى فياض حديثه، حتى ساد الصمت لحظة، تبادلت فيها النظرات، قبل أن ترتد معظمها نحو مصطفى، كأنهم قد عرفوا الآن من صاحب هذه الرؤية المتّزنة. وهنا قال سليم، وهو ينظر إليه بعيونٍ متفحّصة: _إنت اللي حددت كل دا؟ نظر مصطفى إلى أخيه بهدوءٍ وبنبرة تلطف دافئة، وقال: _أيوه، عندك مشكلة؟ سكت سليم، ولم يُجب... لكن ملامحه انعكست فيها لمحةُ ضيقٍ مكتوم، ولم يكن وحده؛ فقد ارتسمت ذات النظرة المتحفظة على وجوهٍ قليلة من الجالسين، كأن تلك التعليمات، برغم بساطتها، أثارت فيهم شيئًا من النفور أو الانزعاج. لكن، في المقابل، كانت أغلب الوجوه تنظر إلى مصطفى نظرةً مفعمةً بالاحترام؛ تقبّلوا كلماته دون اعتراض، بل بصدرٍ رحب، وبعض الإيماءات الصامتة التي تحمل في طيّاتها التقدير. ولم يكن السبب فقط هو حُسن ما قيل وأنه حق، بل لأن القائل، وإن لم يتلفظ به بنفسه، كان في أعينهم قائدًا بطبيعته... رجلًا أثقلته التجارب، فلم يسعَ للتسلط، لكنه حين تكلم، استمعوا؛ وحين صمت، شعروا أن حضوره يكفي. بعدما انتهوا، بدأ كل شخص مع عائلته يتفق على ما يرضيهم، لتتقاطع الرغبات عند نقاطٍ مشتركة تشكّل تفاصيل اليوم: من تقسيم الغرف، إلى تجهيز طعام الفطور، واختيار اللحظة الأنسب للبحر، وحتى اقتراح بعض المشتريات. ورغم تعدد العائلات وتفاوت الأعمار والطباع، بدا أن ثمّة خيطًا ناعمًا يربط الجميع بتناغمٍ غير معلن. كانت القرارات تُحسم بسلاسة؛ لم يكن هناك صراع، بل نوع من التفاهم الهادئ، الذي يترك لكل فردٍ مساحته، دون أن يفقد الجماعة روحها المتماسكة. وبعد أن استقر الجمع، وقاموا بتقسيم الغرف وتحديد أماكن الإقامة، حلّ وقت تنظيم المشتريات التي ستكفيهم الأيام المقبلة، وكانت مهمة الشراء قد أُوكلت إلى كلٍ من هاجر، وإبراهيم، وغادة، لما عُرف عنهم من حسن تدبيرٍ وخفة حركة. جلس إبراهيم يدقق في القوائم ويجمع الطلبات من كل فرد، ويسجلها بعناية، بينما كان مصطفى واقفًا على مقربة، يتأمل المشهد دون أن يشاركهم مباشرة. ثم، في لحظةٍ عابرة، نادى على هاجر بصوتٍ خافت يحمل في نبرته خصوصية، فاقتربت منه وهي تقول: _أيوه يا مصطفى، إبراهيم كتب كل اللي مريم عايزاه خلاص. قال مصطفى، وعيناه تتحاشيان الضجة من حولهما: _لأ، أنا عايز أطلب منك حاجة مش تبع مريم. وضع يده على كتفها، ومد الأخرى إلى جيبه، وأخرج منها مبلغًا من المال، وناولها إياه قائلاً: _ابقي جيبي بيكيني قطعتين كده. ارتسمت على وجه هاجر ابتسامة واسعة، تداخل فيها العجب بشيءٍ من الدهاء المحبّب، ونظرت إليه بعينٍ مازحة وهي تقول: _الله؟ لمين البيكيني ده يا شيخ؟ فرد دون أن يغير نبرته: _هيكون لمين يعني يا بت؟ قهقهت هاجر بخفة، ثم تابعت بجدية مازحة: _ماشي يا عم... أجيب مقاس إيه ولون إيه؟ صمت مصطفى لحظة، كمن يُجري حسابًا صامتًا في ذهنه، ثم أجاب: _يعني ميديام كده... ويبقى لونه أخضر، بس الأخضر الهادي ده. _آه، الباستيل. _أيوه. اومأت برأسها هنا، فاستدرك مصطفى وهو يقول بنبرةٍ فيها مزيج من الجدّ والمودّة: _ياريت مايوهاتك إنتِ تبقى ساترة ضد الماية ممكن؟ مش عشان شعرك تلبسي أي حاجة. أجابته هاجر بروحها المرحة: _يا سيدي حاضر، عاملة حسابي، يلا عشان هيطلعوا خلاص. ابتسم مصطفى، وربت على كتفها كأخٍ حنون: _ماشي يا حبيبتي، ربنا يهديكي. وهنا، قد استقرت تفاصيل الرحلة الأولى، كحجر الأساس لراحةٍ طال انتظارها. لم تكن الأمور كلها مثالية، ولم يخلُ التنسيق من اختلافاتٍ صغيرة في الطباع والتفضيلات، لكن شيئًا غير مرئي ظل يربطهم رغم ذلك. لم يكن الأمر مجرد عطلةٍ بحرية، بل محاولة جادة لبناء مساحةٍ من السلام المشترك، كأنهم يختبرون معنى العائلة حين تكون مختارة لا مفروضة. ********** قرابة العصر.. عند السفح الشرقي للقاهرة، حيث ينبض شارع السلطان احمد بأنفاس التاريخ، تقف خانقاه خُوند طُغاي كنبضٍ حجريٍ خافت، يهمس بشغف أرواحٍ عبرت ذات فجرٍ، خاشعةً بين يدي الله. بناء مهيب، أكلته أنياب الزمن، تهشّمت أضلاعه وأهمله الناس، لكن ظلّه ينهض من التراب، خالدًا بعينٍ تميز بين الخراب والأبدية، كأن الحجارة تحفظ أناشيد الزاهدين وتردد صداها في صمتٍ عميق. في استقابلها آيوان شاهق، قوسه المركزي المدبب كفمٍ مفتوحٍ يهمس للماضي، يعلوه قبو حجري خشن، يجاوره ما تبقى من مقرنصاتٍ نُحتت بدقةٍ متناهية، وفي هذا المدخل، تتناثر فتحات سداسية الشكل، تشكّل نوافذ للضوء، ينسلّ منها شعاع الشمس في الصباح، فيرسم على الجدران لوحاتٍ متبدلةٍ من النور والظل، كأن الجدران تحفظ ذكرى العابدين الذين مروا تحتها يومًا بقلوبٍ خاشعة. أما القبة، وقد كانت يومًا ضلوعًا من نورٍ ومعنى، فتعلو غرفة الدفن، يحيط بها صف ثلاثيّ من المقرنصات، ما زالت بعضُ زواياها تنبض بالحياة. وفي صدر الخانقاه، المحراب، بؤرة السكون الخالص، يلتقط شعاع الغروب كما تلتقط الروحُ أنفاسها الأولى بعد خلوةٍ طويلة، فيغدو الضوء فيه كنسمة يقظةٍ تتسلّل إلى قلبٍ كاد ينسى الطريق. تتوزع على جانبي الصحن بقايا الخلوات الصوفية، غرف صغيرة ذات قباب منخفضة، كانت يومًا أعشاشًا للتأمل، ومرايا للباطن. نوافذها الضيقة تفيض بالضياء في ساعات الصبح الأولى، حيث ينسل النسيم نديًّا من خلال كوة صغيرة، كأنما يربّت على كتف متبتلٍ وحيد. وها هو ذا جمال، يخطو إلى الداخل بخطى وئيدة، تكسوها مهابة الصمت ووقار الأثر، دخل كمن يعرف المكان، لا كغريبٍ يستكشفه، بل كعائدٍ إلى ركنٍ قديمٍ في صدره، لكنه رغم الألفة لم يعتد على فائقة الحفر، ولا على روعة النقش، ولا على تلك الدقة الموجعة التي تشي بأن الأصابع التي نحتت، كانت تؤمن أن ما تفعله فن لا صنعة. رفع رأسه، فتلقفته القباب، وداعبته ظلال الضوء المتسرب عبر النوافذ السداسية، كوشوم ضوئية على جسد الجدران العتيقة. تقدم بخطواتٍ محسوبةٍ، لا استهانة فيها ولا رهبة، حتى بلغ موضع المحراب، حيث يكتمل الصمت، وتذوب المسافات بين الحجر والروح. وهناك، في قلب المحراب، كان موريس جالسًا. جالسًا على الارض كما يجلس من لم يعد في العالم شيء يفاجئه، في وضعٍ يوشك أن يكون تأملًا أو انكسارًا، أو مزيجًا مربكًا من الاثنين معًا. ظهره منحنٍ انحناءةً خفيفة، لا عن تعب، اشبه بوضعية سجدة طويلة لم يرفع منها الجسد بعد، ويداه ممسكتان برقة حمامة مصابة الجناح. ارتسم على وجهه ضوء خافت من الشمس المتسللة عبر نوافذ القبة العالية، والتي تسقط على كتفه كيدٍ تربت عليه. الجدران من حوله مكتظة بالنقوش، زخارف مملوكية متشابكة تنبض بدقة لا تقبل العشوائية.. وموريس هناك، في منتصف المكان، في منتصف الضوء، في منتصف كل ما يمكن أن يُقال ولا يُقال، كنواة المشهد، أو شاهد الحكاية الأخير. لم يلتفت إلى جمال حين دخل، ولم يكن في حاجةٍ لأن يفعل؛فالمكان قد نطق بما يكفي. وهنا، وقف جمال، دون أن يقترب، ورفع صوته بهدوءٍ متزن، تنثال منه ألفة قديمة وعاطفة مؤجلة، وقال: _إزيك يا موريس؟ استنشق موريس نفسًا عميقًا، ثم وقف ببطء، في حركةٍ رصينةٍ تشبه نهوض تمثالٍ من مرقده، واستدار نحو جمال. وهنا تلاقيا، في مشهدٍ يليق بلوحةٍ منمنمةٍ؛ نور الشمس المتسلل من النوافذ العلوية تساقط على وجهيهما في خطوطٍ متكسرة، ناعمةٍ كأنها قُدّت من حرير، تضيء ملامحهما وتنتقي من كل وجه ما ظلّ نقيًّا فيه، وتترك ما غيره الزمن في الظل. سقط الضوء على خد موريس الأيمن، كاشفًا صلابة قديمة في قسماته، بينما النصف الآخر غاص في ظلٍ خفيفٍ كالحبر، كما لو أن نصفه نور، ونصفه غياب. أما جمال، فانعكست على عينيه أهداب من الذهب، سقطت من فتحات القبة العالية كغبار الضوء، فيما الظلّ يزحف خلفه على الأرض الحجرية الباردة، يرسم حول قدميه هالة داكنة، كأن الأرض تعترف بثقل ما يحمله من حديث لم يقال. بينهما صوت خافت لنسيمٍ يمرّ بين النقوش، يحرك حبات الغبار العالقة في الشعاع، فترقص ككائناتٍ صغيرة، ترفرف حول وجهيهما، وفي الخلف، كانت الزوايا البعيدة من القبة تغرق في عتمة ناعمة، تراقب المشهد. وفي هذا التكوين البصري المتّزن.. وقفا هكذا، وموريس يجيبه: _الحمدلله. نتيجة التحليل طلعت؟ _لحم بشري.. أومأ موريس برأسه، لا أثر للدهشة فيه، مستقبلًا اليقين الذي يعرفه سلفًا. بعدها مد يده إلى الحمامة، يتحسس ريشها المبتل بالخوف، يواسي بها عطبًا لا يُرمّم، ثم تقدم بها إلى جمال. _ابقى اديها لدكتور بيطري يعالجها. أخذ جمال الحمامة، ونظر إليها طويلًا، في عينيها المذعورتين المرتعشتين، ثم قال بهدوء: _حاضر. ظل موريس واقفًا، وسكونه يحمل من التيه ما تتثاقل به الأرواح، كانت نظراته مُعتلَجة بالشتات، وعينيه تحاول عن شيءٍ ضاع منه داخله. أحسّ جمال بثقل اللحظة، لم يعرف أي كلمة تسعف المقام، فاختار الصمت، حتى شقّه صوت موريس، رتيبًا: _لما سألت مصطفى عن الحرية، قالي إنها الاستقرار... الاستقرار المادي والنفسي والجسدي، وشاف إن الطير كائن مش مستقر، عشان كده هو مش شايفه كائن حر... سكت جمال ولم يقاطعه، فتابع موريس، وصوته يثقل أكثر مع كل كلمة: _بس هو الاستقرار بييجي إزاي؟ وإن كان الاستقرار المادي والجسدي بقى بالسهولة دي في زمان... ييجي منين الاستقرار النفسي؟ تيجي منين الحرية؟ هل الانتماء هي كلمة السر لكده؟ أنا عمري ما كنت منتمي لحاجة أو لحد... قربت على سن التلاتين ولسه مش قادر أوصل لحريتي ولا لانتمائي الحقيقي. ساد الصمت لحظة، الي ان قال جمال: _الانتماء هي آخر حاجة تفكر فيها عشان توصل للحرية. _إيه؟ عندكوا كمان في الإسلام مفيش انتماء زي ما مفيش وطن؟ سكت جمال برهة، ثم قال بصوتٍ يفيض باليقين: _قال ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: "فكل من تعصب لمتعلقة العرق والبلد، أو نسبه أو مذهبه، أو طريقته، أو قرابته، أو صداقته، أو غير ذلك من منسوبات الناس، ومعلقاتهم - فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إن كان فعل ذلك عن علم، وإلا كان ذلك من نقص عقله، ودينه، وهو من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا."، الدين بيبغض التفرقة، بيبغض الطوائف والشيع المتعددة، بيبغض الانتماء.. لأن أي انتماء هيبقى معاه مصحوب بتطرف، بمنهج خاص للفئة اللي أنت منتمي ليها.. منهج يشل مخك عن التفكير في حاجة عكس منهج الفئة دي. _ومش دا الإسلام أصلًا؟ نظر جمال إلى الحمامة، ومرر يده برفق على ريشها المتناثر وقال: _الإسلام مش دين انتماء بس... الإسلام حق، نظام ومبادئ حياة، وموت، مش حاجة تنتمي ليها وبس، دي حاجة تعيش بيها.. تنجو بيها.. تشوف الحق والحقيقة من خلالها.. تتعلم بيها. تقدر تكون مسلم من غير ما تنتمي للمسلمين في حالة لو الفساد انتشر بينهم مثلًا، وقتها مش هيبقى عليك أي ذنب... إنما الإسلام نفسه... دا مش انتماء... دا روحك وعقلك وقلبك اللي عايش بيهم. زي الحمامة دي... تقدر تقول إن الحمامة منتمية لجناحاتها؟ ممكن... بس وقتها هيبقى مصطلح غريب... الحمامة بتطير بجناحاتها وبتعيش وبتنجو وبتاخد حريتها بجناحاتها... ولما خسرتهم... زي ما أنت شايف. الإسلام كده بالظبط.. هو جناح الإنسان اللي بيحلق بيه وبيشوف طريقه بيه لو استخدمه صح... وعقله اللي بيفكر وبيتعلم من خلاله... وقلبه اللي بيستشعر وبيتهذب من خلاله. كل حاجة فيه قابلة للتفكير والتعمق والتحليل وأنت متمسك بيه عادي... لأنه مفيهوش أي ثغرات... الثغرات اللي ممكن تشوفها فيه الإنسان هو اللي بيعملها... الإنسان اللي مهووس بالانتماءات تحديدًا. ظل موريس صامتًا، يتأمل كلمات جمال كمن يحاول أن يربط أطراف نفسه الممزقة ببعضها، يرمم ما لم يُرمم من قبل، ثم بعد برهة، قال جمال: _واضح إن وجودك في ديانة نور خلاك تتشتت... ندمت إنك أخدت الخطوة دي؟ _مش ندمان قد ما أنا... حاسس إني يوم بعد يوم مبقتش قادر أحس إني بنفسي... _دي قوته... متخليهاش تأثر فيك. _طب... بعد ما حللت اللحمة مين هيصدقني يا جمال؟ إزاي نوقف العبث ده؟ مفيش أي وسيلة، مفيش أي ثغرة بسيطة عنده... كلهم بيمجدوه تمجيد أعمى... أنقذهم أنا إزاي وهما كده؟ ظل جمال صامتًا لحظة، والأفكار تعصف برأسه، ثم قال: _مهمة تحرير القطيع مبتبقاش بإقناعهم... بتبقى بالقضاء على رئيسهم الأول... مع إن دي خطوة برضو مش هتخليهم يتحرروا بسهولة...، أنت موضوع الارتقاء ده هتعمله الأسبوع الجاي؟ قال موريس في استياءٍ مشوبٍ بالحيرة: _أيوة للأسف... _لازم نفكر في خطة لليوم ده...
ROMISAA