٩٦ وصل نوح إلى أسفل البناية، وترجّل من سيارته، ليلمح عمر واقفًا عند الشرفة، يرمقه بنظرة خاوية، بلا ملامح، نظرة ميتة تمامًا... لقد أفاق أخيرًا من غيبوبته. أسرع نوح نحو الداخل، وركب المصعد حتى بلغ الشقة، وما إن فتح الباب ودخل، حتى وجد عمر يخرج من الشرفة، ويدلف إلى الصالة بخطًى متثاقلة، مترنّحة بعض الشيء. قال نوح بقلقٍ واهتمامٍ بالغ: _عمر... حاسس بإيه دلوقتي... حدّق عمر في ثياب نوح الملطّخة بالتراب في مواضع عدّة، ثم سأل بصوتٍ مبحوح، جافّ النبرة، نظرًا لحنجرته التي أُنهكت من كثرة الصراخ: _دفنتها بإيدك؟ أومأ نوح برأسه في أسى، فخيم الصمت، وغمر الخواء كيان عمر، إذ تبخّرت الكلمات، وتلاشت الأفعال، وذابت الأفكار تحت وهج النيران التي احترق فيها، ولكنها أنها عادت فجأة دفعة واحدة مع تلك الكلمة الوحيدة التي تفوه بها نوح: _أنا آسف... بمجرد أن نطق نوح بتلك العبارة، استعاد عمر وعيه فعليًّا، وحدّق فيه طويلًا، في ملامحه، في عينيه، في حضوره، وإذا به يرى أمامه نسخة أخرى من أدهم... بل نسخة أكثر سُمًّا منه؛ فأدهم كان سُمّه سريعًا ومباشرًا، بينما سُمّ نوح بطيء، تسلّل لسنين حتى نخر أهله، واستنزف حياته بأكملها. تقدّم عمر من نوح بخطًى بطيئة، وقال بنبرة مخنوقة بالغضب والخذلان: _آسف؟! وأنا أعمل بإيه بأسفك؟ هيرجّعلي ابني؟ ولا هيرجّعلي شيماء؟ ولا هيرجّعلي حياتي اللي راحت؟ ولا بيتي اللي اتحرق؟ آسفك هيعوضني بإيه؟! هيصلّح إيه؟! هو إحساسك بالذنب اللي بتقرفنا بيه دا بيغيّر حاجة؟! جنانك، وعياطك، وهبلك اللي عايشين معاهم بقالنا سنين... دول صلّحوا حاجة؟! وقف قبالته، يواجهه بكل ما في قلبه من قهرٍ وحسرة، وانفجر في وجهه صارخًا: _إنت ماتفرقش حاجة عن أبوك! إنتو الاتنين قتالين قُتلة! إنتو الاتنين لعنة على كل اللي بيدخلكم حياته! إنتو الاتنين مجانين مش عايزين حاجة غير ليلى تيجي ترضعكم وتطبطب عليكم! الناس بتموت حواليكم وإنتو مش حاسين! آسف؟! آسف دي هتفيد بإيه؟! إنت نكرة، إنت مابتعرفش تعمل حاجة غير إنك تقول آسف؟! مابتعرفش تعمل حاجة غير إنك تشم بودرة يا شمّام يا قذر! كل حاجة بتحصل بسببك إنت!، وقارفني طول حياتنا!! الحقني يا عمر، تعالى يا عمر، أنا بشوف حاجات يا عمر..، يا شيخ أنا مالي ومالك؟!! بعد كل دا جزاتي أهلي وبيتي كلهم يروحوا بسببك؟! شيماء ذنبها إيه؟! وابني ذنبه إيه؟! هتعوّضني إزاي عن اللي راحوا؟! كل حاجة راحت بسببك إنت... يا وسخ!!! ساد الصمت بينهما لحظةً ثقيلة... لحظة تشظّت فيها الصور القديمة التي طالما حاول كلٌّ منهما أن يحتفظ بها عن الآخر. حدّق نوح إليه بشدة، وعيناه كمن يشاهدان ظلًّا مألوفًا يتبدل إلى شيء لا يُعرف. عمر، الذي كان دومًا ملجأه، طبيبه، اليد التي امتدّت له حين غاص، والصوت الذي هدّأه حين اشتدّ الغليان... ها هو الآن يتحوّل أمامه إلى قاضٍ جلّاد، ينطق بحكمٍ لا استئناف فيه. كان مصعوقًا، لا من الشتائم ولا من الاتهامات، بل من الصدق الموجع الذي انسكب في كلمات عمر... صدق لا تجرؤ المرايا على مواجهته، وكلمات كانت تنهال على قلبه كسهامٍ منصهرة. لم يفهم نوح كيف تحوّل من شاهدٍ على الفقد إلى متّهمٍ بكل الخراب، لكنه أحس أن ما قاله عمر لم يكن محض سخط، بل اعترافًا قديمًا مؤجّلًا، ظلّ عمر يبتلعه في كل مرة أحنى فيها ظهره ليحمل صديقه المتعب، حتى إذا امتلأ، وانفجر. أما عمر، فكان يحملق فيه كمن يرى الشيطان متجسدًا في جسد إنسان. عيناه مشدودتان إلى نوح التي كان يرى ملامحه نسخة من أدهم. لم يعد يرى نوح، بل أصبح يرى كل خيباته متجسدة فيه، كل الصمت الذي ابتلعه، كل الخسائر التي لم يجد لها تفسيرًا إلا وجود هذا الرجل أمامه. عمر يشتعل بلهيبٍ لا يرحم، ونوح متحجّر في صدمة من شعور العراء من كل تبرير. أراد أن يقول إنه لا ذنب له، أن يقسم أنه لم يكن يعلم، أن يطلب ولو لحظة للشرح، لكن... من تلك الهوّة بين الحقيقة والغليان، لم يتحمل عمر كبت سخطة اكثر وانطلقت قبضته، وهوى بها على وجه نوح، لتكتب بداية انفجارٍ لم تكن الكلمات قادرة على احتوائه. بكل ما أوتي من سخطٍ وقهر، سدّد عمر لكمة قوية إلى وجه نوح أسقطته أرضًا، وجثا فوقه، ينهال عليه باللكمات وهو يصرخ مكررًا، تتكسّر الكلمات من بين دموعه وصوته المتهدّج: _إنت السبب! إنت السبب! إنت السبب في كل حاجة! إنت دمّرت حياتي! إنت السبب! إنت السبب!! ظل ينهال عليه بالضربات محاولًا انتزاع من جسده ألمًا راكمته سنوات من الصبر والصمت، يحاول أن يقتص من كل ما فاته، من كل من رحل، من كل ما انهار. كانت قبضاته تبحث عن هدفٍ تعلّق به الألم، فوجدت في جسد نوح ضالتها. ليس لأنه الجاني، بل لأنه النقطة التي عبَر منها الخراب، الممرّ الصامت الذي لم يُغلق في الوقت المناسب. قبضاته تهبط على وجهه، ثم صدره، ثم بطنه، ركلات متتابعة، لا رحمة فيها، ونوح يتلقّاها لا كجسدٍ يُهان، بل ككيانٍ يُجلد باسم كل الذين رحلوا، وكل الذين ظلّوا، وكل الذين احترقوا بناره دون أن يدري. رغم ذلك... فلم يقاوم نوح، لم يدافع، لم يصرخ، لم يتوسّل. فقط رفع ذراعيه بضع مرات كمن يدرأ عن نفسه مطرًا لا يُحتمل. جسده امتصّ الضربات كأنما يراها استحقاقًا، لا اعتداء. وانكماش جسده على الأرض أشبه بخضوع مبني على إرهاقٍ وجودي عميق، على شعورٍ طويل الأمد بأنه ملوّث بالخراب، حتى وإن لم يكن هو من زرعه. ولكن ما كان يفتك به حقًا ليس الألم الجسدي، بل التقاء الظنّ باليقين في نظرات عمر؛ حيث لم يعد ينظر إليه كصديق أو أخ أو حتى مريض نفسي، بل كأصل البلاء، كمن أين بدأ كل شيء. لم يبغض نوح عمر في تلك اللحظة، فكان يراه واضحًا على نحوٍ مرعب. عمر، بوجهه المتصلب، بعينيه الدامعتين رغم الاحتدام، كان يقول الحقيقة كما لم يُقلها أحد. كل لكمة حفرت في داخله صدعًا جديدًا، لأن الصوت ذاته الذي قدّم هذه الاتهامات والكلام الجارح هو نفسه الصوت الذي طالما صدّقه، الصوت الذي ظلّ سنوات يراه منبع الأمان وسط الفوضى. ومع كل ركلة، كان ذلك الأمان ينهار دون رجعة. جسده يستمر في الانكماش تحت ضربات عمر، لكن روحه كانت تتمزق تحت ثقل سؤالٍ واحد: هل كنتُ حقًا السُّمّ الذي تسلّل إلى حياته... دون أن أشعر؟ انتهى عمر من الضربات فجأة كما بدأها، وبدا أن السخط الذي كان يستعر في جسده قد أنهك عضلاته قبل أن يُفرغ كل ما فيه. وقف أمام نوح يلهث، صدره يعلو ويهبط بقوة، وقد التصق عرقه باحتدامه على هيئة لُطخٍ داكنة تسيل من ملامحه المشتعلة. تبادلا النظرات، لوهلة قصيرة، لكنها كانت كفيلة لتسجّل في ذاكرة نوح أبشع ما رآه على وجه صديق عمره: نظرات محمّلة بالكراهية، بالسخط، بالحكم النهائي الذي لا استئناف له. لم تكن نظرات خصامٍ عابر، بل إعلان قطيعة نهائية، صفعة صامتة ختمت على كل شيء بينهما بختم الفناء. نوح، وهو ممدّد على الأرض، منهك ومهزوم، لم يملك إلا عينيه، يتوسّل بهما شيئًا لا يُقال: التفاتة، رجفة، كلمة تُخفف وطأة النهاية. لكنه لم يجد. َوقالها عمر بجفافٍ مميت، كمن يلفظ بقايا اسمٍ لا يريد أن يتذوقه مرة أخرى: _أنا مش عايز أشوف وشك تاني..! ثم استدار واتجه إلى باب المنزل وفتحه، ووقف عمر عند العتبة كما لو أن عقله يرفض تلك الخطوة ويحاول إعادة التفكير فيها. تلك اللحظة بدت لنوح وكأن الزمن علق عندها. اعتدل وهو يترقب عمر في أن يرجع في كلامه، وتشبّث نوح ببصيص رجاءٍ خافت، كأن شيئًا في روحه الهشة ما زال يتوسل تلك الالتفاتة، ذلك التردد الذي قد يعني أن ما حدث لم يكن نهاية مطلقة. لكنه لم يلتفت. انتظر نظره وداع على الأقل، ولكنه لم ينلها. مضى عمر، وترك الباب خلفه مواربًا كقلبٍ لم يُغلق تمامًا، لكنه لن يُفتح من جديد. وهكذا... انتهت صداقة اثنتي عشرة سنة بطريقة لا تليق بها، لا بالذكريات التي حملتها، ولا بالليال التي ضمّتها، ولا بالألم الذي شُوهد وتُشارك فيه. انتهت على هيئة كسرٍ مفاجئ لعظمٍ ظلّ لسنوات يتصدّع بصمت حتى تحطم دفعة واحدة، أمام عيني من كان يظنه آخر من سيكسر. خرج عمر إلى الشارع، يتهادى كمن نُزع منه مركز ثقله، لا يحمل وجهة، ولا يستدلّ على اتجاه. كانت خطواته متثاقلة، مبلّلة بدموع لا يقوى على كبحها، دموع تفيض من خزان عمره كله. ظل يسير بخطوات متسارعة كمن ينزلق في المدى، ويفرّ لا من المكان فقط، بل من نفسه أيضًا. وها ذا يتكرّر المشهد للمرة الثالثة، كأنما الحياة أعادت عرض شريط قديم دون سابق إنذار. ذاك الطفل، ذات المساء، حين خرج راكضًا للشارع بلا حذاء، بلا وعي، يبكي ولا يعرف إلى أين. ثم فراره من أدهم سيرًا على دموعه ذاتها التي سار عليها حين كان طفلًا. والآن، وهو في جسد رجل، لم يزل ذاك الطفل حيًّا فيه، يسير على دموعه ذاتها، بالحيرة ذاتها، بالخذلان ذاته. كما لو أن الزمن عبارة عن دائرة، يدور فيها الجرح من جديد على هيئة أخرى، بأيدٍ مختلفة، لكنه يوجع الموضع ذاته. وها هو الآن، يمضي بلا هدف، بلا صديق، بلا أم، بلا ماضٍ يمكن الرجوع إليه، ولا حاضر يمكن احتماله، يذرع الطريق كما فعل أول مرة، حين بدأ كل شيء بالدم... وانتهى الآن بالخذلان. أما نوح، فظل ممددًا على الأرض برهة، لا يدري أتؤلمه اللكمات أم الكلمات، أم ذلك الصمت الموحش القابض الذي اختتم به عمر المشهد كله. نظر إلى غرفة والدته التي كان بابها مواربًا، وشعر لوهلة أنه يريد أن يتم احتضانه فيها. حاول أن ينهض، وفعلها كما ينهض من نُكّست رايته، بصعوبة نهض، متكئًا على الحائط وانسلّ جسده المثقل نحو غرفة والدته، في محاولة منه للبحث عن ظل الطمأنينة التي تبخرت من العالم، يدفع بابها بخفة متوهمة، كما لو أن هناك من ما زال نائمًا بالداخل. دخل الغرفة، ثم تقدّم خطوة… ثم أخرى… ولكن فجأة اختفى الإحساس بساقيه، وسقط دون مقاومة، كجسدٍ أخير سلّم نفسه للهزيمة. وظل على الأرض، مُنهارًا، ذابلًا كزهرة نُزعت من جذورها. حتى تسلل إلى أذنه صوت خافت... _نوح... أنا هفضل محبوسة امتى؟ أرجوك طلعني. صوت رقيق، مرتجف، صوت طفلة، يأتي من تحت السرير، وفور أن سمعه تجمّدت أنفاسه واتّسعت عيناه؛ فعاد صدى الهلاوس، وعاد اللاواقع ليختلط بالحاضر. نظر بجانبه ليجد نور الطفلة نائمة تحت السرير، وبياض عينيها يومض في ظلمة الظل تحته. _ن.. نور. قالت نور وهي تمد يدها إليه: _ناديت على ماما كتير عشان تطلعني، مبتطلعنيش... طلعني انت. ظل نوح ثابتًا على الأرض، بين جرحٍ جديد وهلاوس قديمة، مدركًا أن السقوط الحقيقي ليس في الجسد، بل في عقله، والهاوية ليست خارجه، بل في داخله، تتفتح أكثر فأكثر كفمٍ مظلم… وتبتلعه إلى عمقها من جديد. رغم ذلك... مدّ نوح يده لنور ليُخرجها كما رغبت... ولمس يدها... ************ في إحدى غرف منزل علا، وقف كلٌّ من هاجر وسليم إلى جوار إبراهيم الجالس على كرسيٍّ خشبي، يبدو عليه التهيؤ لشيء جلل. أخرج سليم من حقيبته حقنة صغيرة تحتوي على المادة المعالجة، ثم نظر إلى إبراهيم بعين فاحصة وهو يقول: _متأكد يا إبراهيم إنك مستعد تواجه الوجع ده دلوقتي؟ مش حابب ترتاح شوية؟ اجاب إبراهيم بثباتٍ لا يخلو من التحدي، ونبرة عازمة: _هرتاح أول ما نظري يرجع... الوجع اللي هحس بيه دقايق هيبقا ولا حاجة مقابل نظري. أومأ سليم برأسه، ثم شرع يجهز الإبرة وهو يقول: _امسكيه يا هاجر لو سمحتي. وقفت هاجر أمام إبراهيم، ثم انحنت لتقبض على ذراعيه المسندتين إلى الكرسي بثباتٍ حازم. فعقد إبراهيم حاجبيه في دهشة، وهو يغمغم: _إيه ده؟ مين اللي ماسكني؟ ردّت هاجر بسخرية حادة: _ما هو لسه قايل هاجر... عندك مشكلة في السمع كمان؟ ارتسمت على وجه إبراهيم ابتسامة خفيفة تنمّ عن ارتباك، ثم قال: _ما شاء الله... طلعتي قوية فعلًا زي ما غادة قالت. دا أنا حاسس إن طن حديد نزل على إيدي. ابتسم سليم، بينما قالت هاجر بجفافها الساخر المعتاد، وهي تشد من قبضتها عليه: _طب اسكت بقى عشان هتحس باللي أسوأ من طن الحديد اللي زعلان منه ده. ضحك إبراهيم على مضض، بينما يجز على أسنانه من شدّة ضغطها على ذراعيه، ثم قال متألمًا: _بالراحة! خلاص آسف... هي فين غادة؟ _قالت هتستنى بره... قلبها مش مطاوعها تشوفك وإنت بتتوجع. قال سليم لإبراهيم أن يرفع رأسه، ثم غرس الإبرة في عينيه بخفة محسوبة. انتفض جسد إبراهيم تحت وطأة وخزها، لكن تلك الوخزة لم تكن سوى تمهيدٍ لألمٍ أشد، ألمٍ اجتاحه كموجٍ هادرٍ لا يرحم. حاول أن يكبت صراخه، وأنفاسه الثقيلة الفائرة كانت تفضحه. تململ في مكانه، يقاوم الوجع بقوة، وهاجر لا تزال تكبح حركته بكل ما أوتيت من بأس. ظل يلهث بقوة، يحبس أنينه بين ضلوعه، حتى سكن أخيرًا، وسكنت معه النيران المستعرة في أعماقه. أرخى رأسه، وأغمض عينيه، منهكًا من المعركة التي خاضها بصمت، وتنحت هاجر جانبًا، ومضت لحظات خرساء، يجللها الصمت وتخترقها أنفاس إبراهيم اللاهثة. ارتجفت جفناه ببطءٍ، كما لو أنهما يتهيآن للانفراج بعد عهدٍ طويلٍ من السكون. خفّ توتر عضلات وجهه، ثم فتح عينيه شيئًا فشيئًا في تردد، حتى انزاح الظلام كستارٍ ثقيل، وانسكب عليه الضوء دفعة واحدة، وغمره بدهشة أولى لا تُنسى. رأى الضوء. رأى الظلال. رأى الألوان تتراقص أمامه بعد خمسة أشهر من عمًى لم يكن ظلامًا فقط، بل سجنًا داخليًا مكثفًا عن السجن الذي كان فيه. ضحك ضحكة بريئة، عارمة، كأول صيحة لطفل خرج لتوّه من رحم الحزن. التفت بعينيه إلى الأركان، يدور ببصره وهو يعيد اكتشاف ما ظنه قد اندثر إلى الأبد. فقد أغمض عينيه ذات مرة وهو في مكان رمادي بارد، قذر، رائحته كالسأم، جدرانه كالضجر، ضيقه يشبه الاختناق، والآن.. فتحها على عالم آخر. فتحها على فضاء بسيط لكن مبهج، كل شيء فيه ينبض بالحياة، حتى الهواء. الألوان مغسولة بماء النعمة. لم يكن المكان فخمًا، لكنه كان حرًا. كان واسعًا. كان ممتلئًا بما لا يُرى: الراحة، البشر، الإحساس بالانتماء، والحق في أن يرى. ثم وقعت عيناه عليها... على هاجر. كانت أول صورة لإنسان تتلقاها عيناه المستعيدتان لنعمتهما، لم يرَ امرأة... بل رأى تجسيدًا للحضور. داكنة البشرة، عميقة الجذور، قوية القسمات. جسدها ممشوق كقوسٍ مشدود، تزنه عضلات مرسومة بحزمٍ لا يفتقر للأنوثة، بل يعانقها بقوة فريدة. ضفائرها الدقيقة الأفريقية تنسدل على كتفيها بانسيابٍ يشبه تموّج نهرٍ في أرضٍ خصبة، وفي عينيها بريق يشي بالقوة والحنكة، لكن خلفه دفءٌ خفي لا يراه إلا من أُوتي بصيرة تذوق الجمال الحق. سحره حضورها، سحره الاختلاف... ذلك الجمال الذي لا يُجاري معايير الزيف، بل يتجلى فقط لمن يقدّر النُدرة، ويُبصر بعيون القلب قبل البصر. لم تكن كلوحةٍ معتادة... بل كرمزٍ لفكرة: أن الجمال قد يسكن في الصلابة، وأن الأنوثة قد تتمثل في قبضتها المحكمة، ونظرتها الحادة، وقامتها التي تشبه المنحوتات الأفريقية القديمة، المتصلة بأرواح الأجداد. لم ينبس بكلمة، وظل يحدّق فيها، وهنا ابتسمت هاجر بخفة، لا تدري أن هذه الابتسامة الصغيرة، كانت أول شعاعٍ يدفئ قلبه بعد ظلمةٍ طويلة، وهي تقول له: _حمدلله على السلامة، اطلع بقى لاختك شوفها. قال إبراهيم وبصره لم يتزحزح عنها في نبرة شاردة: _اللهم صلِّ على النبي! اختفت ابتسامة هاجر، ونظرت إلى سليم في تعجب شديد مخلوط بغضب طفيف، ليردف إبراهيم جملة زادت من ذهولها: _ما كنتش متخيلك كده بصراحة... طلعتي أحلى من تخيلاتي. ابتسم سليم مندهشًا، لتقول هاجر وقد ضاقت ذرعًا: _سليم، إديله الحقنة تاني، شكله لسه أعمى. تعجب إبراهيم وهو يقول: _لا، أنا بقيت بشوف أهو، ليه بتقولي كده؟ أدارت هاجر بؤبؤ عينيها في تبرم، وخرجت من الغرفة في صمت، وإبراهيم مستغرب من رد فعلها، فتقدّم سليم وهو يقول له: _حمدلله على السلامة يا إبراهيم، خد دي قطرة مرطبة، حطها لأن المادة هتجفف لك عينك، ولو نظرك ضعيف شوية قولي. وقف إبراهيم وهو يقول لسليم: _لا، نظري تمام أهو كده الحمد لله والشكر... شكرًا ليك يا سليم بجد.. في تلك اللحظة، فتح الباب فجأة، فدخلت غادة، ويلتفت إبراهيم ويراها... تجمّدت عيناه عليها، وقال في حبور عظيم وشفتيها ضاحكة: _إبراهيم!!! عينك رجعت!! سأل إبراهيم سليم والذهول يعتليه: _مين دي؟! _دي أختك يا عم. لم يستوعبها إبراهيم وتاهت نظراته بين ملامحها التي نضجت، وطولها، وصوتها. لم تعد الطفلة التي ودّعها ذات خوف، ذات مساء بعيد، ولم تكن تلك الصغيرة التي كان طولها لا يتعدى خصره. لقد عادت إليه امرأة. وامرأة بهذا الجمال، بهذا النضج، بهذا الحنين المتأصل في ملامحها، الذي لم يكن في خياله، ولا في ذاكرته، ولا حتى في دعواته المجهضة التي ألقاها ذات يأسٍ داخل زنزانة باردة. ظلّ يتأملها في صمتٍ مذهول، وعقله يحاول استيعاب هذا الاختلاف الساحق، وارتمت الدموع في عينيه. بكى من هذا الجمال الصادم الذي حمل في داخله كل ما فاته؛ كل عيدٍ لم يره معها، كل نجاحٍ في سنتها الدراسية، كل صباحٍ لم يوقظها فيه، كل شعرةٍ نبتت في غيابه، كل نضجٍ عاشته وحدها وهو غائب عنها وعن نفسه. رآها، ورأى معها العمر الذي ضاع، والقدر الذي أخلف، والسنوات التي لم يكن فيها أبًا ولا أخًا ولا ظلًا. رأى ذاته كما لم يرها من قبل، فخجل، وارتبك، وابتسم بارتعاشٍ كمن طاف حول المعجزة ولم يجرؤ على لمسها. أما هي، فضحكت إليه وعانقته بقوة، ليبادلها العناق وهو يردد: _أنا سيبتك كل السنين دي بجد!! إنت كبرتي أوي... أنا غبت عنك كتير أوي يا حبيبتي... سامحيني يا غادة، سامحيني يا حبيبتي. _خلاص بقى يا إبراهيم، متقولش كده أرجوك، إنت مالكش ذنب في حاجة... خلاص يا حبيبي، افرح بقى كده، افرح. احتضنها بقوةٍ من يسترد نفسه بعد التيه، من يعانق العمر الضائع، من يُشفى من كل ما فُقد. وفي تلك اللحظة، لم يكن ثمة ماضٍ مؤلم، ولا انتظار مرير. فقط... نور، ودفء، وغادة. هنا، اقتربت هاجر من سليم وهمست بنبرة تنمّ عن ضيقٍ بدأ يعتمل في صدرها: _تعالى بقى عشان نشوف حوار فياض ده، دماغي هتنفجر من اللي علا قالته. امتثل سليم لإلحاحها، وخرجا معًا من الغرفة، وخطواتهما تتناغم مع قلقٍ مشترك لا يحتاج إلى كثير من الكلمات. وبينما يسيران في الممر الهادئ، التفت سليم نحوها وسأل: _ليه؟ علا قالتلك إيه؟ _وهو قاعد يفكر يجيبلنا الموضوع إزاي، حاولت تقرأ أفكاره ومعرفتش.. وروح قوتها قالت إن الراجل ده عنده مناعة غريبة أول مرة تشوفها... واضح إنه مش راجل طبيعي إطلاقًا. وصلا إلى أسفل الدرج، حيث غرفة المعيشة تنبض بجوٍّ مشحونٍ بالتوجّس. فتحا الباب ودخلا، ليجدا فياض جالسًا وسط دائرة من الترقب والوجوم، تحيط به علا، وعصام، ونجلاء. ما إن أغلق سليم الباب خلفه، حتى بادر بالسؤال، ونبرة الحذر في صوته: _عرفتي حاجة يا علا؟ رفعت علا بصرها نحوه وقالت: _معرفتش... عندها التفت عصام بدهشةٍ شابها الاستغراب، وقال بصوتٍ ينضح بالتساؤل: _معرفتيش إزاي؟! تنفّس فياض بعمق، كما لو أنه يستجمع ما تبقى من رباطة جأشه، ثم قال بنبرة حازمة، صافية وثابتة، تخلو من الارتباك: _عصام... إنت بتشتتني. أنا هحكيلكم كل حاجة واحدة واحدة من البداية، فلو سمحت... روح المحقق اللي جواك طلّعها بعد ما أخلص كلامي... ممكن؟! رد عصام معترضًا، وقد علت نبرته بحنقٍ لم يستطع كبحه: _هو إنت بتكلمني كده ليه؟! وحين أدرك ما قد يُفوّت إن استمر على حاله، ولكي لا يعود لواقحته القديمة، تنفّس ببطء واعتذر عن رده، وتراجع بظهره إلى الوراء، جالسًا بصمت وهو يترقّب. مدّ فياض يده إلى كوب الماء، وتجرّع منه جغمة، كأنه يبتلع ما هو أثقل من العطش. وضع الكوب على الطاولة، ثم بدأ يسرد... _من ستين سنة... كان فيه اتنين متجوزين، حامد سحر. كانوا بيعانوا من الفقر الشديد. حامد كان موظف في دار أيتام... دار فاسدة، بتعامل الأطفال أسوأ معاملة، وصاحبها بيتاجر فيهم، يا إما لعصابة بياخدوا أعضاءهم، يا إما لعلماء أجانب بييجوا مصر وياخدوهم عشان تجاربهم. سحر خلفت ابنهم الأول، وقبل ما يسمّوه، عرض حامد عليها إنهم يبيعوه لعالم فرنسي بييجي الملجأ وياخد شوية عيال كده... رفضت سحر في الأول، بس لما عرفها بالمبلغ اللي هياخدوه، واقنعها إنهم هيخلفوا تاني واحد أحسن، ويربّوه كويس، ويعيش في غنى بدل ما يعيش في فقر... وافقت. كان صوته هادئًا، لكنه مشبع بثقل لا يُخفى، ينساب من بين شفتيه كحبال قديمة تفكك عقدة صمتٍ طالت. ثم أردف قائلًا: _وباعوا ابنهم الأول اللي ماكانش له اسم... بس حامد إدّاله اسم مزيف زي باقي الأيتام... اتعامل معاملة اليتيم وأبوه عايش... الاسم المزيف ده كان... أدهم داغر. اعتدل معظمهم في جلستهم فجأة، كأن صاعقة ضربت جدار وعيهم، وزاغت الأبصار صوب فياض كمن يتأهب لسماع النبأ الذي لا يُحتمل. َوقالت هاجر في صدمةٍ عارمة: _يعني أدهم ماكانش لقيط؟ قال فياض وهو يحرك رأسه نافيًا بحزنٍ رزين لا يحتاج إلى شرح: _ماكانش لقيط. صمت فياض برهة، وهم مترقبون حديثه القادم، ثم عاد يتكلم، ووجهه يشي بأن ما سيقال أثقل وأمضى، بكلماتٍ تخرج وكأنها تُنتزع من روحه لا من فمه: _بعد ما باع حامد ابنه، واخدوا الفلوس... بقوا أغنيا، وحامد قدر يبقى عنده شغلانة أحسن، وبقى عندهم بيت أحسن، وأكل أحسن، وهدوم أحسن، عاشوا حياة مرتاحة... وهنا قرروا يجيبوا ابنهم التاني... سكت فياض وبلع ريقه من صعوبة ما سيتفوه به، ثم قالها بشكلٍ مباشر: _أنا... ارتعش صوته قليلًا، وبلع ريقه كمن يتهيأ لقذف القنبلة الأخيرة. قالها ببساطة تُرعِب أكثر مما تريح: _أنا ابنهم التاني اللي جابوه بعد أدهم... تشققت نبرته، واغرورقت عيناه بدموعٍ ليست للندم فحسب، بل لذنبٍ لم يكن يومًا ذنبه، ومع ذلك، حمله منذ الوعي الأول: _أنا اللي عشت على فلوس أخويا اللي اتعذّب... واتحوّل لشيطان بسببهم... وبسببي. ساد صمت مهيب، وكلمات فياض كما لو أنها سحبت هواء الغرفة بأكمله واستبدل به ثقل غامض يُطبق على الصدور، يكتم الأنفاس ويجمّد النظرات. وجوههم شاحبة، أعينهم متوسعة، وجفونهم لا تطرف. فياض... هذا الرجل العادي العشوائي الذي ظهر فجأة بالصدفة البحتة... أصبح فجأة مركز الإعصار؟ كيف استطاع أن يحمل كل هذا؟ كيف عاش بشكل طبيعي وهو يرى جرائم أخيه تتفشى في الأرض كوباء عظيم؟ كيف عاش حياة طبيعية مسالمة لأكثر من أربعين سنة دون أن تفضحه ملامحه، دون أن تهتز شفتاه تحت ثقل السر؟ وأدهم؟ أدهم داغر! الاسم الذي كان يُهمس به الناس خشية أن تستيقظ لعنته... اتضح أنه ليس وحشًا نبت من الظلمة وحدها، بل أخ مُفرَّط فيه، إبن عائلة باعت أول أبنائها لتحيا. اسمه لم يكن صدفة. قدره لم يكن معلقًا في العدم. لقد خرج من نفس الرحم الذي أنجب فياض. سقطت الحقيقة كسكين على رقابهم؛ فكان أدهم، في وجدانهم، كائنًا استثنائيًا لا تنطبق عليه نواميس البشر. لم يكن رجلًا يمكن تصنيفه أو ربطه بأصلٍ أو نسبٍ أو رحم. لقد كان وحشًا متكامل الهيئة، شيطانًا تسلل إلى العالم بلا تاريخ، بلا جذر، كما لو أن الشر نفسه قد تكثف وتجلى في صورة رجل. كيف لمخلوقٍ كهذا... أن يُولد؟ كيف لشخصٍ أن يكون "أخًا" لوحشٍ كهذا؟ إن الفكرة ذاتها كانت نشازًا عقليًا، واستفزازًا للمنطق، كأنما قيل لهم إن اللهب قد أنجب الماء، أو أن الليل تآخى مع النهار دون انفصال. في ذاكرتهم، لم يكن لأدهم ماضٍ، لم يكن له بداية، بل كان حضورًا أزليًا يتسرب في الكوابيس والأخبار والجثث. كان فكرة، لا جسدًا، ولعنةً، لا ابنًا حلال لامرأة. والآن... ها هم يكتشفون أنه كان أخًا. بل كان يومًا رضيعًا... له بداية، وصراخ في مهده، وذراعان امتدتا إليه وتركته. بدا الأمر في بادئه خيانة فكرية، رفضت عقولهم قبولها، لكن وجود فياض يحطم هذه الصورة المريحة، ويجبرهم على مواجهة حقيقة أن الشر يمكن أن ينبت في أي تربة، حتى تلك التي تبدو طيبة. وجود فياض هو اعتراف بهذه الحقيقة المُرّة: أن الشر لا يأتي من الخارج، بل ينبع من داخلنا. أن الفاصل بين الإنسان والوحش هو قرارات، لا جينات. أنهم جميعًا يحملون في دمائهم بذرة ذلك الظلام، لكن البعض فقط يرويها حتى تنمو. أدهم داغر... المجنون، القاتل، الشيطان الذي ملأ العالم رعبًا... كان شقيقًا لهذا الرجل الجالس أمامهم. ما كان يصعب على عقولهم إدراكه لم يكن مجرد صلة دمٍ جمعت رجلين، بل مفارقة وجودية بدت وكأنها تجسيد لنقيضين لا يلتقيان. فياض... ذلك الذي خُلق بقلبٍ من طينٍ طري، يلين لأدنى نداء، ويتسع كحقلٍ مشمس لخطوات الأطفال الخائفة، ذلك الأخصائي النفسي الذي يحتضن جراح الصغار، ويمشي في دور الرعاية كضوءٍ وديع، ويمنح للحياة فرصة أخرى لتصالح الطفولة مع نفسها. وأدهم؟ مغتصب وقاتل الأطفال، الذي لا يسمع البكاء إلا كدعوة للبطش، ولا يرى الضعف إلا فرصة للانقضاض. كيف يمكن لرجلٍ بهذه الوداعة أن يكون أخًا لأدهم؟ كيف حمل اسم "فياض" الذي يعني الفيضان، الامتلاء، الحياة، بينما حمل أخوه اسم "أدهم" الذي يعني الظلام، السواد، الفناء؟ كيف لفياض، الرجل الذي تلعثم لسانه حين حاول أن يكذب أو يخبئ سرًا أمامهم، هو نفسه شقيق الرجل الذي خدعهم طيلة أشهر وهو متنكر في شخصية أخرى بكل إتقان وخبث؟ لم يكن يشبه أخاه أدهم في شيء. لا في نبرة الصوت، لا في الظل الذي يرسمانه، لا حتى في صمت كلٍّ منهما. هنا قال سليم وهو يخرج منديلا ويعطيه لفياض: _مش قادر أصدقك بصراحة، اتفضل... حط في المنديل دي شعرة منك. بكل استسلام، نزع فياض من فروة رأسه شعرة ووضعها على المنديل، وقالت هاجر هنا: _طب... شعورك إيه وإنت بتشوف أخوك في كل مكان كدة وهو رمز للشر المطلق، مش راحم لا كبير ولا صغير، لا غني ولا فقير، لا ست ولا راجل؟! وإزاي أصلًا مجتلناش ما دام إنت عارف بوجودنا؟! إزاي عشت أصلًا كل دا عادي وإنت مختفي كدة؟! مسح بأنامله الدموع البسيطة على مقلتيه وهو يقول: _مكنتش أعرف... مكنتش أعرف إن المجرم اللي بشوفه في التلفزيون دا يبقى أخويا، لحد ما لقيت عالمة كبيرة بتزور بيتنا وبتتكلم مع أبويا وأمي، وطبعا عرفتوها... ليلى. كانوا رافضين وجودها، كانت بتقدر تتواصل مع أدهم وكان نفسها تجمع بينه وبينهم لعل دا يخليه يوقف جرايمه... بس رفضوا وأنكروا أصلًا إنه ابنهم، مع إنها اتأكدت من كدة...، بس أنا صدمتي كانت من نوع تاني، مش في فكرة إن أخويا مجرم قد ما هو بقى كدة على حساب راحتي... فكرة إن أدهم يحصل له كل دا عشان أعيش على فلوسه... على العذاب اللي هو عمله... على ذنوب كل الضحايا اللي قتلهم... كانت صدمة وحشة أوي، خلتني ألازم ليلى في كل حاجة عشان أحاول أصلح خطأي اللي مكانش ليا يد فيه، حاولنا نشوف طريقة توقفه... وكانت بتعاملني على إني أخوها الصغير... بتحكيلي عن أدهم وعنكم... وعن تواصلها مع أمهاتكم... وعن محاولة النجاة من أدهم وأعدائه، لحد... ما جت نور... سكت فياض وشفتيه ترتجفان مع نبرته، ثم أردف: _من بعدها... هدف ليلى اتغير تمامًا، لأنها بقت مستهدفة من عالم هي رفضت تقولي اسمه... من وقتها كانت بتصدني وبتحاول تبعدني عن الأنظار حتى عشان تحميني، حقنتني بمادة تخلي قوتكم متأثرش عليا ويبقى عندي مناعة، والمادة دي ميعرفهاش العالم اللي مستهدفها دا، وعرفت من بعدها إنها كررت نفس الغلطة اللي كررتها أمي... أدت نور للعالم دا عشان نوح يعيش...، ومن بعدها قالتلي إني أبعد خالص عنكم وعن أي حاجة تخصكم وإني احمي نفسي وعيلتي لان وجودي مش هيفيدكم بحاجة بل هيضركم وهيضرني أكتر... وعشان كدة... بعدت واستخبيت. ذرف فياض الدمع مجددًا في ثبات وسكوت، لتعطي علا له منديلًا ليمسحه... فلم يتخطَ فياض أبدًا فكرة أنه عاش في النور بفضل الظلام الذي سُحق فيه أخوه. هو الابن الذي جاء بعد البيع، الذي ورث ثمن الجريمة دون أن يعرف. لكنه الآن يعرف، والعبء يسحقه. لم يتخطَ فكرة أن الأخوان اللذان التقت دماؤهما في الماضي، قد افترقا كقطبين: واحد صعد إلى أقصى درجات البشرية، والآخر هبط إلى حضيض الوحشية. وكانت المفارقة الأشد ألمًا، أن فياض رغم طهره حُكم عليه بأن يحيا وفي عروقه جزء من الرجل الذي أرعب العالم، ويسير في الحياة حاملًا وزرًا لم يقترفه، لكن عليه أن يُكفّر عنه، كل يوم، بابتسامةٍ لطفل، أو يدٍ تمتد إلى جُرح. وهذا التناقض المذهل وحده كان كفيلًا بأن يُدوّخ عقول الجالسين، ويزرع الشك في قدرة الواقع على أن يكون بهذه القسوة، وبهذا العبث في آنٍ واحد. في النهاية، لم ينطق أحد، لأن بعض الحقائق لا تحتاج إلى كلمات ليختم بها قولها. هنا أصدر هاتف فياض رنينًا فاستأذنهم وفتح الخط: _ألو... خير يا سعد، في حاجة؟...... طيب...... خلاص، جاي أهو هشوف الموضوع، متقلقش، بس محدش يقرب منه أو يلمسه، تمام؟...... ماشي، سلام. نهض فياض، لتنهض علا وهي تقول: _خير يا عمو، قايم ليه؟ _حارس الدار اللي بشتغل فيها بيقولي فيه شاب نام قدامها ورافض يقوم، فهروح أشوف في إيه وأساعده. _طب مش هتقعد تاكل طيب؟ _مرة تانية يا حبيبتي، مش مشكلة. أنا هرن عليكي أهو، وابقى خدي رقمي واتفقّي معايا على يوم تاني. نظر فياض لعصام وهو يقول: _أنا بس جيت وعملت دوري، وقلت كل اللي عندي... وسليم له الدور إنه يتأكد إن دا صح ولا لا. يلا، السلام عليكم. *********** وصل فياض إلى دار الرعاية، ليرى ما اشتكى الحارس منه؛ شاب وسيم، لا تبدو على ملامحه شواهد التسوّل ولا آثار التشرّد والذي كان عمر ولكن فياض لا يعمله، كان ممدّد بجانب الباب، ليبدو أن الأرض قد ضاقت به بما رحبت. كان الحارس واقفًا على مقربةٍ منه، مقيّدًا بتعليمات فياض التي نهاه فيها سابقًا عن نهر أي وافدٍ محتاج. بدا الرجل كمن ابتلع الحيرة، لا يدري ما يفعل. اقترب فياض من الشاب بخطواتٍ ثابتة، وناداه بصوتٍ حانٍ: _يا أستاذ... يا أستاذ... فتح عمر عينيه، وكان فيهما أثر بكاءٍ لم ينقطع؛ جفون منتفخة وعينان غارقتان في بحيرات الألم. حدّق في وجه فياض وقال بوهن: _سيبني في حالي لو سمحت... إنتو مش إجازة؟ سيبني أقعد لحد ما ترجعوا تشتغلوا. أجاب فياض بنبرة حانية فيها قدر من التودد: _لا حضرتك مش في إجازة، انا أقدر اساعدك في أي حاجة لو محتاج، ينفع ندخل جوا سوا بس ونقعد ونتكلم احسن من وجودك برا هنا. أنا الأخصائي النفسي بتاع الدار، مش عايزك تقلق مني. ساد صمت قصير، بدت فيه على عمر علامات التردد والصراع، ثم أومأ برأسه موافقًا ونهض ببطء، وسارا معًا نحو الداخل، بينما عينا عمر تتجولان في أرجاء المكان، يطالع كأنما يبحث عن أطياف طفولته في الأركان. عيناه تلتقطان التغيير الذي طرأ عليه، تحاولان التوفيق بين ذاكرة الأمس وما تراه الآن. تغيّر الكثير، وانبعثت رائحة جديدة من الجدران والطرقات... رائحة العناية. قال بصوتٍ خفيض وهو يتأمل التفاصيل: _الدار ما كانتش بالجمال والنضافة دي لما كنت فيها. ابتسم فياض وقال وهو يفتح باب المكتبة: _من أول ما اشتراها الأستاذ ياسر، وكل حاجة فيها اتحسنت.. من شكلها ومن موظفينها. دخلا وجلسا معًا؛ عمر على أريكة أمامه، وفياض جلس قبالته، ثم قال بصوتٍ مشبع بالاهتمام: _حضرتك كنت عايش في الدار دي في طفولتك؟ عندك مانع تقولي المشكلة اللي واجهتها دلوقتي؟ عشان أنا مستعد أساعدك وهتواصل مع إدارة الدار برضو، لأنك مننا ومهما كان سنك، هنساعدك تعيش العيشة اللي تناسب الإنسان. تحب تشرب شاي ولا قهوة؟ قال عمر وهو يحرك رأسه نافيًا: _مش عايز... عايز كباية مية بس لو سمحت. نهض فيّاض بهدوء، وأحضر كوب الماء، ثم جلس على مكتبه أمام حاسوبه وأخذ يسأل وهو يفتح السجلات: _تتفضل تعرّفني باسمك؟ _عمر التابعي. لم تمضِ لحظات حتى وجد فيّاض اسمه مسجّلًا بالفعل، لكنه توقّف، إذ تابع عمر حديثه بنبرة ممزّقة، تنضح بالقهر: _مرة أبقى ضياء شعبان... ومرة أبقى عمر التابعي... ومش عارف المرة دي أسمّي نفسي إيه.. أسمّي نفسي إيه المرة دي عشان أعيش حياة عادية؟ أروح فين عشان أخلص من القتل والفقد؟ أعمل إيه عشان أبني عيلة طبيعية وحياة طبيعية؟ ارتسمت على وجه فياض ملامح انتباهٍ عميق حين سمع اسم "ضياء شعبان"، الاسم الذي لطالما بحثت عنه سهام في كل دور الرعاية والملاجئ، دون أن يظهر في الأفق. لكنه أخفى دهشته وراء هدوءٍ متزن، وقال بنبرة ثابتة: _بتشوف تغيير الهوية وسيلة للهروب من المشاكل؟ تنفّس عمر ببطء، ثم قال بأسى ثقيل: _هو سهل يتقال عليها مشاكل... بس هي مش مشاكل وخلاص... هي حاجة أضخم من كده. وآه، كنت معتقد إني لما أغيّر هوية ضياء المراهق الصعيدي لعمر الدكتور المدني، هابقى في حال أحسن والحياة هتضحكلي... بس الموضوع طلع أكبر من كونه هوية... الموضوع بما فيه قدر محتوم ربنا كاتبهولي، وأثبتلي إن مهما غيرت في اسمي وهويتي مش ههرب منه... ساد بينهما صمت كثيف، حتى قطعه عمر بنبرة خافتة: _ممكن أقعد في أوضة هنا لحد بكرة الصبح؟ ردّ فيّاض برقة وكرم لا تخطئه العين: _أكيد طبعًا، هجهزلك أوضة دلوقتي. تحب أوديك ليها بنفسي؟ _ياريت... نهض فيّاض من مكانه، ومدّ يده للباب ليسمح لعمر بالنهوض، وقاما معًا يسيران في الممرات المكتظة بأصوات الاطفال الضاحكة منهم والباكية. وصل إلى إحدى الغرف الصغيرة المرتبة التابعة للموظفين، فتحها فيّاض بهدوء، وأشار له بالدخول: _اتفضل، الأوضة دي فيها كل اللي ممكن تحتاجه. لو احتاجت أي حاجة، كلمني او كلم الموظفين، أنا هوصيهم عليك، متقلقش. أومأ عمر برأسه امتنانًا دون أن ينطق، ثم دخل الغرفة بهدوء، وأغلق الباب خلفه برفق، كمن يغلق فصلًا قديمًا من الألم، ولو مؤقتًا. تنفّس فيّاض بعمق وهو يعود أدراجه نحو مكتبه، ثم أخرج هاتفه من جيبه، ليتصل بسهام. ضغط على اسمها واتصل، وما إن فتحت الخط وسلّمت عليه حتى ابتلع ريقه، ونظر إلى باب الغرفة التي دخلها عمر قبل قليل، ثم قال بصوتٍ ثابت كإشارةٍ لإيقاظ ماضٍ نائم: _أستاذة سهام... أنا... أنا لقيت ضياء. *********** كان النهار ينزلق بهدوء نحو المساء، وضوء الشمس يتكسر ذهبيًا فوق زجاج النوافذ، ليغمر المكان بدفءٍ رائق، كأن الزمن نفسه قرر أن يتباطأ احترامًا للسكينة التي تفتحت أخيرًا في قلب الجميع. في المطبخ، حيث كان من المفترض أن تطبخ نجلاء وعلا بمشاركة ندى وهند، قرر إبراهيم أن يطبخ هو بنفسه لهم جميعًا، ليريحهنّ الأربع، وألا يشغلن بالهن، وتطوّع للطبخ بكل سرور وحماس. وقف إبراهيم بثقة الطاهي، ومئزر أبيض يلف خصره، مشمرًا أكمامه، ويتحرك بصمتٍ مدروس، كمن ينفّذ طقسًا مميزًا لا يقبل التسرع ولا التراخي. يقطع الخضروات بدقة الجراح، وفي سرعة تظهر مهارته، ويقلب المزيج في القدر بحركةٍ سريعة دائرية منتظمة. لم يكن يطبخ، بل كان ينحت الوجبة كعملٍ فني، يوزن التوابل بأنامله لا بميزان، يقترب من القدر، يشم، يتذوق، ثم يُعدل النكهة دون تردد، كما لو أن في فمه بوصلة لا تخطئ. ذاكرته الذوقية حادة، وحاسته الشمية لا تخذله. لا يسأل كثيرًا، ويعرف ما يحتاجه كل مكوّن من نفسه، ويدرك متى يُترك اللحم ليرتاح، ومتى تُرفع النار عن الحساء كي لا يفقد روحه. كانت غادة تقف على مقربةٍ منه، تقطع ما يُشير إليه، تمرر له الأطباق، تمسح الطاولة من حوله، تتعلّم صمت المطبخ كما تعلّمت صمته ذات يوم. وكانت هاجر تُراقب المشهد بعينين تغمرهما الدهشة، وعلامات التعجب ترتسم بوضوح على وجهها، ثم أفصحت عن اندهاشها بقولها: _عمري ما كنت أتوقع إنك شاطر في الطبخ كده... يا رب بس الطعم يبقى حلو. ابتسم إبراهيم ابتسامة واثقة وهو يجيب بثبات: _هيبقى حلو طبعًا. بادرت غادة بسؤالٍ يفيض بالحيرة والفضول: _هما كانوا بيخلوك تطبخ هناك؟ _آه، كنت بطبخ لأهم الناس هناك طبخ متتخيليهوش، وكان بيعجبهم أوي، أظن دي الحاجة الوحيدة اللي خلتهم ميموتونيش. علّقت هاجر بسخرية لاذعة: _كنت بتطبّخلهم بني آدمين على كده؟ فأجابها إبراهيم بكل بساطة، كمن يقول أمرًا اعتياديًا: _آه. اختفت ابتسامة هاجر فجأة، وحدّقت فيه وهي تقول: _آه إيه؟! فنظر إليها بإمعان، وردّ بنبرة طبيعية كأنما يسرد واقعة مألوفة: _آه، كنت بطبخلهم بني آدمين... سارعت غادة لتغيير مجرى الحديث، وقد شعرت بثقل اللحظة، فقالت لهاجر: _بقولك يا هاجر، كلمتي نوح؟ _لا. _طب أنا هطلع أتصل بيه. وغادرت غادة المكان، تاركة الصمت يخيّم للحظات، ثم كسره إبراهيم حين قال لهاجر بنبرة صادقة: _إنتِ زعلتي مني لما كنا فوق؟ مكانش قصدي أتحرش بيكي، اعذريني. _ولا يهمك، أنا بس مفهمتش اللي عاشر أميرة بريطانيا يقول الكلام ده ليه. قطّب إبراهيم حاجبيه، وقد بدا كمن يحاول فهم موقفها، ثم قال: _غريبة... شكلك مش مناسب للنوع ده يعني. _نوع إيه؟ _نوع البنات اللي شايفين نفسهم وحشين ومستنيين مدح من اللي قدامهم. نظرت إليه هاجر باستنكار، وقالت: _أنا مش مستنية منك مدح، إنت بتقول إيه؟ _ما أنا مش همدحك فعلًا، لأن جمالك ده مينفعش تكتشفيه من كلام الناس بس... لازم تكتشفيه بنفسك، لأن كلام الناس أقل حاجة ممكن تصدقيها. اقتربت هاجر منه بخطوات بطيئة، وهي ترمقه بنظرات مستشيطة، ثم قالت بحدّة: _بقولك إيه... متعملش نفسك فاهمني، لأنك متعرفش حاجة عني... لو عايز تفتح موضوع، افتح عن الأكل اللي بتعمله ده، متفتحش موضوع عني. ظل إبراهيم ينظر إليها بثبات، وابتسامة هادئة ترتسم على وجهه، تعكس رباطة جأشه، ثم قال: _إنتِ كده بتخوفيني يعني؟ اهدي شوية، أنا ماقلتش حاجة يا أنوبيس. اتسعت عيناها غضبًا من استفزازه، وصدمتها من ذلك الاسم الذي قاله، وفي تلك اللحظة، دخلت غادة وهي تمسك بهاتفها، تبدو عليها علامات القلق، وقالت: _قعدت أرن على نوح كتير، مبيردش... أنا قلقانة. نظر إليها إبراهيم بعينين حانيتين، وطمأنها بصوته الهادئ: _لو قلقانة، فنبقى نروحله بعد ما نخلص أكل، متقلقيش، شكله قاعد مع عمر والتليفون سايلنت أو حاجة. وما إن أنهى جملته، حتى اندفعت هاجر نحو باب المطبخ، ومرّت بجوار غادة وهي تقول بامتعاض شديد: _أخوكي ده مستفز! ثم غادرت المكان، تاركة غادة في حيرةٍ عميقة، تنظر إلى أخيها بدهشة واستغراب، لا تدري ما الذي جرى حقًا بينهما. وفي ركنٍ قصيّ من البيت، كان عصام لا يزال جالسًا وحده في غرفة المعيشة، ودخلت علا إليه لتجده غارقًا في غياهب أفكاره المتلاطمة كأمواج بحرٍ هائج، وتتقاذفه التشاؤلات المعلّقة. بلغ من انشغاله حدًا جعله يتناسى الخلاف القائم بينه وبين علا، ويتناسى حتى دهشته من مجيئها إليه بهذه البساطة، وكأن شيئًا لم يكن. _بتفكر في اللي قاله عمّنا؟ سرت كلماتها إليه كتيار بارد أيقظه من غرقه، لكنه لم يلتفت، وظلّت عيناه معلقتين في الفراغ، وجفناه لا يطرفان، وقال: _مقدرش أقول عليه عمّنا لسه... بس اللي شاغل بالي من كل اللي قاله... ليه ليلى تشيل مسؤولية نور للدرجة دي؟ إشمعنى نور اللي ليلى كفلتها بالشكل الكامل كده؟ كل ما سيرة نور تيجي، يبقى لازم معاها يا نوح يا ليلى... مش بنسمع معاها سيرة موريس، ولا أخته، ولا أمه نانسي، مع إنها أم نور يعني... المفروض. أجابته علا محاولة لإيجاد مبرر لذلك: _يمكن نانسي كانت صديقة مقرّبة لليلى... أو يمكن كانت جارتها في الشقة اللي تحت، أو في العمارة عمومًا، إحنا مش عارفين موريس وعيلته كانوا قاعدين فين قبل ما حصل اللي حصل. ثم تحركت بخفة نحو النافذة، وسرعان ما أطلّت منها، لتقع عيناها على مشهدٍ صامت؛ هند جالسة وحدها في الحديقة، تحتضن الصمت وهي تطعم القطط في هدوء بالغ. _ما تروح تقعد معاها؟ قالت علا، وقد بدا في صوتها مزيج من الحنو والإشارة، لينظر عصام نحو هند متعجبًا، ثم سأل: _إشمعنى؟ _عادي، روح كلمها وهي قاعدة لوحدها كده. ردّ مترددًا، كمن يبحث عن مخرج وهمي من موقفٍ لا يرغب فيه: _ما هي قاعدة لوحدها عشان هي عايزة تقعد لوحدها. فقالت علا بصرامة قاطعة، وقد ضاقت به ذرعًا: _ما تقوم يا عصام!! فوجئ عصام من إصرارها، وتملكته لحظة من التهيع، لكنه استسلم، ونهض ليلبّي طلبها. خرج بخطى مترددة نحو هند، واقترب منها في هدوء، ثم قال مستأذنًا بصوت خفيض: _ينفع آكل القطط معاكي؟ أومأت برأسها على مضض، فجلس إلى جوارها، تاركًا بينهما مسافة متر تفيض بالتحفظ. وبعد لحظات ثقيلة من الصمت، تجرأ على كسر الحاجز بكلمات خفيفة: _بتحبي القطط على كده؟ نظرت إليه، ثم عادت ببصرها نحو القطط، وقالت: _ما كنتش نحبهم قبل، أما تاوّة ولّيت عادي معاهم. سكتت برهة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة تهادت معها الذكرى، وبدأت تسرد حكايتها بصوت يقطر حنينًا: _راجلي هو اللي كان ياقف عليهم برشا، كنت نحب نشوفو كيف ياكلهم ويحنّ عليهم... أما ساعات يقلقني، ياخو وحدة ويجري ورايا بيها، وإذا قرّبتلي وحدة نطّ ونقولو شيلني ولا نتخبّى وراه... كان يعشق يشوفني هكا، مش خاتر فيه شرّ، لا، خاتر كان يحب يشوفني نلوذ بيه، ونحسو حضن أمان، حتى كان الحكاية على حاجات صغار كيما هاذم. لكن سرعان ما ذابت تلك الابتسامة في نهرٍ من الحزن، وتبدّل صوتها إلى نبرة موجعة، كأنما تخترق بها الزمن: _كنت بنت مدلّعة، وكان يغبّر عليا... أقصى وجيعة كانت نجرح من سكين مطبخ... سبحان اللي خلَق، الله يرحمو، ما يعرفش الجحيم اللي عديت عليه... مشى وارتاح، وأنا ما بقالي كان سعدية حبيبتي، نستنى فيها ترجعلي. وما إن نطقت اسم "سعدية"، حتى تجمد الدم في عروق عصام، وشعر بدوارٍ عنيف يضرب رأسه، فحدّق فيها مشدوهًا وقال بسرعة، وصوته يرتجف من الصدمة: _معلش، أنا مفهمتش نص كلامك أوي، بس... إنتِ قولتي سعدية؟! نظرت إليه بهدوء، وقالت: _آه... سعدية بنتي. تعاظمت صدمة عصام حتى بدت على وجهه كصفعة هوت على وعيه، وحدّق في هند مطولًا بعينين اتسعتا من الذهول، شعر أنه لم يعد يسمع أي شيء إلا صدى كلماتها الأخيرة. ثم التفت فجأة إلى النافذة الأرضية، حيث كانت علا تطل عليهما بصمت، فاندفع واقفًا، واتجه إلى الداخل بخطى متسارعة، وقلبه يلهث وراء عقله المرتبك. ما إن بلغها حتى هتف في ذهول لم يحاول إخفاءه: _دي أم سعدية؟! نظرت إليه علا بثباتٍ حاولت أن تغلّف به قلقها، وأجابت: _أيوه.. لكن طوفان الأسئلة لم يهدأ داخله، بل تتابع كالسيل: _وهي تعرف سعدية فين؟ دي عايزة تشوفها، هتشوفها إزاي؟ أنا قعدت شهور أدور عليها، مش لاقي لها أثر لا هنا ولا في تونس، لحد ما جه في بالي إنها معاهم في دارين، بس ماطلعش كده برضو...، أوعي تقوليلي البت حصلها حاجة! قالت علا في هدوء، وبحزمٍ مطمئن: _اهدى يا عصام... أنا عارفة سعدية فين، وهند هتشوفها وهتطمن. اتسعت عيناه أكثر، وقد شق الذهول قسمات وجهه وأصاب كيانه كله برجفة صامتة: _عارفة مكانها؟! أومأت برأسها، ثم أردفت: _آه.. عارفة مكانها من زمان، مكانها هي وأحمد. كأنما ضربته صاعقة أخرى، فقال بصوتٍ جهوري من شدة انفعاله: _كمان؟؟!! طب ماقولتيليش ليه؟!! انفعلت علا من ردة فعله، وجاء ردها هذه المرة محتجًا، لا يخلو من لومٍ مكبوت: _أقولك بمناسبة إيه؟! شعر عصام أن المنطق تهاوى تمامًا، فاندفع يقول، مصدومًا من عبثية السؤال: _إيه سؤالك ده يا علا؟! بصفتي أبوهم اللي اتجنّ عشان يدور عليهم!! وهنا، نطقت بكلمات كطعنة حادة، سقط على أثرها صمته وجمود وجهه: _انت مش أبوهم يا عصام! تحجر في مكانه، وحدّق فيها كما لو أنها قالت ما لم يكن يريد سماعه، ولا حتى التفكير فيه. ثبتت نظراتها الجامدة عليه، ورددت كلماتها بنبرة صارمة، صارخة في ثباتها: _عملت إيه لأحمد عشان تبقى أبوه؟ عملت إيه لسعدية عشان تبقى أبوها؟ هند اتعذبت سنين هناك وضحّت بحياتها ونفسها عشان بنتها تعيش، وسعدية اتعذبت من كتر ما الميليشيات وعصابة سردار عمالين يخطفوها، كل دا وإنت مكنتش تعرف إنها موجودة أصلًا! أقولك بقى مكانها بصفتك إيه؟! إنت مش أبوهم يا عصام، ولا عملت حاجة تخليك أبوهم! بدت كلماتها كالرصاص الملتهب، كل لفظ منها أصاب صدره مباشرة، بلا مواربة، بلا رحمة. أدى ذلك لانصهار صدره وقلبه ألمًا، فإبتلع ريقه محاولًا ابتلاع مرارة تلك الحقيقة الموجعة التي تكتلت في غصته الشائكة، ثم قال بصوت خافت كسير: _طب... قوليلي مكانهم فين، ادّيني فرصة أعمل حاجة أثبت لنفسي وليهم إني أبوهم... ادّيني فرصة إني أصلح حاجة ولو بسيطة. كانت كلماته نداء رجل تحطمت كبرياؤه أمام مرآة الحقيقة. فرقّت نظرات علا تدريجيًا، وهدأت نبرتها حين أجابت بنعومة حازمة: _ما عنديش مانع أقولك مكانهم... بس مقدرش أقولك قبل ما أعرف منهم هما مستعدين يشوفوك ولا لأ... هما اللي يقرروا يشوفوك ولا لأ، مش إنت... أنا آسفة. خيم الصمت برهة، ثم نطق عصام بالسؤال الذي طالما تردد في داخله، لكنه عجز عن النطق به طويلًا، خشية الجواب: _إنتِ لسه مسامحتينيش يا علا؟ ترددت لحظة، وكأنها تراجع شهورًا من الألم في لحظة واحدة، ثم أجابت بصوتٍ هادئ متزن: _سامحتك يا عصام... بس دا مش معناه إني هرجع أتعامل معاك بحب وشغف زي زمان... عمرها ما هترجع علاقتنا زي زمان خلاص... أومأ عصام برأسه في استسلامٍ مكلوم، وعيناه مغرورقتان بدمعٍ مكبوت، وصوته يقطر ندمًا وتحسرًا: _حقك... حقك... استدار ليرحل، فوجد المفاجأة تقف على أعتاب اللحظة: هند واقفة بصمت، تسترق السمع، وقد شهدت المشهد كاملًا، بكل حروفه وآلامه وأسراره. تجمّدت اللحظة بين عصام وهند، فيها نظرات تبادلاها بصمتٍ ثقيل، أشد وقعًا من أي صوت. في عيني هند وميضُ اكتشافٍ قاتم، واحتقانُ قهرٍ غائر، ونارُ سخطٍ لا تنطفئ، إذ ايقنت الأن الذي امامها، أنه الجاني… أما عصام، فقد واجه تلك النظرات بذُلٍ مكسور، وعينين أثقلتهما أشباح لا تغادره. في داخله جحيم، وفي صمته صيحات ندمٍ لا يسمعها سواه. لم يقل كلمة، لم يعتذر، لم يبرر، فكل الكلمات سقطت عن معناها حين تلاقت العيون. مضى عصام بخطواتٍ واهنة، ومرّ بجانبها كما يمر الجاني من أمام قبر ضحيته، دون أن يجرؤ حتى على خفض بصره. لم تلتفت هي، لكنها شعرت بثقل عبوره، كأن الريح صارت دخانًا يعبر صدرها. بعدها فتح الباب، وخرج من المنزل. اقتربت علا من هند بخطًى ثابتة حنونة، ومدّت يدها برفق نحو شعرها، تلمّه بحنوّ، وقالت بنبرة دافئة مشوبة بالتوجّس: _هند حبيبتي، بنتك هتجيلك النهارده بالليل أو الفجر بالكتير... استنيها ومش عايزاكي تقلقي، ماشي؟ لكنّ هند لم تقوَ على الوقوف أكثر، كان قلبها يتخبط من شدّة الرهبة، وعقلها يتصارع فيه الأمل مع الذكرى والوجع، فاستدارت بسرعة وهدوء معًا، وصعدت الدرج إلى غرفتها، كأنها تفر من فيضان عاطفي لا طاقة لها باحتوائه. فجأة، سمعت علا صوت نجلاء من الطابق الأعلى تنزل مرتدية نقابها، تأتيها بعجلة وقلق واضح، تطلب منها أن تفتح التلفاز على قناة معينة. نبرة نجلاء لم تكن تحتمل التأجيل، كانت نبرة من عرف أن شيئًا جللًا على وشك أن يُقال. شعرت علا بانقباض مفاجئ في صدرها، ثم توجهت إلى جهاز التحكم وأدارته بيدٍ مرتجفة. في تلك اللحظة، لم تكن تدرك ما ستراه، لكنها كانت تعلم أن الشاشة على وشك أن تنقل إليهم ما قد يُبدّل مصير الجميع. رئيس الأركان سيظهر، ليُعلن الحالة النهائية بشكل رسمي لحرب ذود والميليشيات. *********** «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها المواطنون الشرفاء، اليوم، أقف أمامكم في لحظة تاريخية نادرة، بلحظة نصرٍ طال انتظارها، وشهدت تضحيات جسامًا، لنعلن للعالم أجمع أن راية الوطن قد رُفعت خفاقة فوق أرضه الطاهرة، وأن الميلشيات الإيرانية والهندية التابعة لمنظمة أدهم داغر قد مُنيت بهزيمة ساحقة، بفضل الله أولاً، ثم بإرادة شعب لا يُقهر، وجيش لا ينكسر، ومقاومة وُلِدت من رحم المعاناة فسطّرت المجد بالدم والنار. وإنه من تمام الأمانة والإنصاف أن أذكر أمامكم وبكل وضوح وصدق، أن القائد مصطفى عبدالباقي، قائد قوات المقاومة "ذود"، قد لعب دورًا جوهريًا وحاسمًا في هذا النصر، وقد أثبت كفاءته العسكرية الفريدة، وحنكته القيادية الاستثنائية في أحلك اللحظات. وما تحقق من انتصار ما كان ليتم لولا تضحياته، وصموده، وإيمانه العميق بالقضية. كما لا يفوتني أن أُعرب عن أسمى عبارات الشكر والعرفان لقواتنا المسلحة المصرية، التي ساندت المعركة في لحظاتها الحرجة، وقدّمت دعماً لوجستيًا واستخباراتيًا مشهودًا، بما يليق بتاريخ هذا الجيش العريق ومكانته في قلوبنا جميعًا. ومع هذا النصر، وبكل مسؤولية وطنية، أُعلن أمامكم أن القائد مصطفى عبدالباقي قد جرى اعتقاله ووُضع رهن التحقيق فيما يخص مجزرة سانكتوريا، احترامًا لدماء الضحايا، وانطلاقًا من مبدأ أن لا أحد فوق المساءلة، وأن العدالة وحدها هي التي تُعلّي بنيان الدولة. وبهذه المناسبة، وانطلاقًا من المرحلة الجديدة التي ندخلها اليوم، فإنني أعلن بدء التحضير للانتخابات الرئاسية في البلاد، والتي ستُجرى وفق المعايير الدستورية والقانونية المتعارف عليها، لضمان انتقال سلمي للسلطة، وتحقيق تطلعات هذا الشعب العظيم في حياة كريمة وآمنة. حفظ الله وطننا، وخلّد شهداءنا، وأدام علينا عزّنا ووحدتنا.» اثناء استماع الشعب لهذا البيان كانت عربة المساجين التي تحمل مصطفى تمضي كنعشٍ معدنيٍّ فوق الأسفلت، جسدها الحديدي يئنّ مع كل مطب، وتتكسر ظلال الشوارع على جدرانها الداخلية المرتجفة. جلس مصطفى على المقعد البارد، مكبل اليدين، محاطًا برائحة العرق القديم، والحديد، وشيءٍ يشبه الصمت الثقيل الذي يسبق العاصفة. داخل صدره، كان هدوء لا يُفسَّر، كأنه بلغ من التعب مرحلة السكون الأبدي. عيناه مثبتتان أمامه، لا تزيغان، لا تجفلان، كأنما يُحاكم العالم بنظرةٍ لا تحتاج إلى كلمات. وكلما اقتربوا من طريق السجن.. في الخارج، كلما تتكاثف أصوات ما... ، أولها كان كالهسيس، ثم تصاعدت إلى صخبٍ مدوٍّ. اقتربت العربة من السجن، ومن خلف الجدران المهترئة، ومن أمام البوابة الضخمة، تجمّع الناس في حشود ضخمة. صيحات الغضب، السباب، اللافتات المرتجفة، كل ذلك كان حاضراً… لكنه لم يدهشه. فرجاء، والدة إسماعيل، قد امتلأ قلبها بغضٍ دفين، وسرّبت معلومات السجن الذي سيُحبس فيه وميعاد قدومه كما يُسرب السم في الشراب، فكان ما كان. والجموع لبّت النداء حقدًا. داخل العربة، تعكّر صفو الجنود، تبادلوا النظرات، أحدهم شتم بصوتٍ خافت، وتأفّف، وبدأ ثالث يهمس بالأوامر المرتبكة في جهاز اللاسلكي. كانت الفوضى تطرق الأبواب قبل أن تُفتح. _دا إيه اللي جابهم دول هما اتجننوا؟! قال جندي آخر: _إحنا هنطلّع الراجل إزاي دول هياكلوه! قال من تحدث في اللاسلكي: _قالولي إن قوات مكافحة الشغب هتوصل خلاص، خلينا قاعدين لحد ما توصل ونبقا نطلعه. ثم، في حركة بطيئة، ومدروسة، انحني مصطفى بجسده في هدوء، وفك رباط حذائه بصمتٍ مثير للريبة. أخرج الرباط من عروة الحذاء، تأمله لحظة، ثم مدّ طرفه الأيمن في جيبه، وأمسك بطرفه الآخر في راحته واشتد بقبضته عليها. لم ينبس ببنت شفة. كانت في عينيه مسافة لا يمكن قطعها، وفي حركته غموض لا يُفك شيفرته. ورباط الحذاء، ذلك الشيء التافه في نظر من لا يرى، قد يكون رمزًا يحمل سرًا ما… ربما دفاعًا، وربما خدعة لا تليق إلا برجلٍ صار يعرف أن العالم لم يعد يقف معه، فقرر أن يقف وحده، بكامل وعيه. العربة تباطأت. الزحام على الأبواب. الهتاف يتصاعد. ومصطفى… ما زال صامتًا، لكن العاصفة كانت تستعد لابتلاع المشهد. وصلت قوات مكافحة الشغب، وشرعت في محاولة تفريق الحشود الغاضبة، فدفعوها لتتشطر إلى اتجاهين متقابلين، على أمل أن يوسعوا المسافة ويُبعدوا الناس قدر المستطاع. لكنّ الجموع كانت عنيفة، هائجة كالموج، لا تميز بين خصمٍ وعدو، تدفع رجال المكافحة ذاتهم وتشتبك معهم بشراسة غير متزنة. وفي غمرة الفوضى، انفتح ممرّ ضيّق نحو السجن بين صفوف المكافحة، فرأى القادة أنه السبيل الوحيد، وقرّروا أن يسلكوه بمصطفى، يمضون به وسط درعٍ بشريّ من رجال المكافحة، بين صياح الغوغاء وانفلات الغضب. انفتح باب العربة الحديدية، ونزل مصطفى منها بخطى ثابتة ومكبل اليدين، كان ضخم البنيان مقارنًة بالجنديان الذان يمسكان بذراعيه ولكن هيبة مظهره الممشوق لم تؤثر على الحاضرين بشيء. كان الطريق إلى بوابة السجن قصيرًا، لكنه بدا وكأنّه ممرّ بين عالمين؛ أحدهما لفظه، والآخر لم يعد يملك مكانًا له. تجمهر الناس كالسيل الهادر، تدافعوا بجنون خلف حواجز قوات مكافحة الشغب، وجوههم مسعورة بالغضب، وعيونهم تقدح شررًا من اللعنات والدعوات الملعونة. كانت الأرض ترتج تحت وطأة أقدامهم، كأنها تحت رحمة زلزال شعب سُقيت ارواحهم بالحقد، وأعينهم مشتعلة بهوسٍ أعمى. ارتفعت الصيحات، وتطايرت الشتائم في الهواء كالشظايا، لا تميّز بين حقٍ وباطل، ولا تُصيب إلا ما كان يومًا رمزًا لأملٍ ثمين. ^^يا داعشي يا حقير^^ ^^الإعدام مستنيك يا ****^^ ^^عيالي ماتوا بسببك يا إرهابي يارب تولع في نار جهنم يا **** يا ابن ال*****^^ ^^إنت بوظت البلد إنت واشكالك مكانكوا السجن يا اخوانجية يا رعاع.^^ كان المشهد يشبه محاكمة شعبية، فيها صخب الحشود أعلى من صوت العدالة، والحقيقة صامتة، تنزف في عيون مصطفى، لا صوت لها بين هدير الهتاف. مصطفى، ذلك الجسد المتعب، وقف وسطهم كظلٍ يشبه الإنسان، لا يردّ، لا يصرخ، لا يتبرأ. وجهه ساكن كسكون الجراح، وعيناه مشبعتان بصمت من يعرف الحقيقة... ويُؤجلها. توحش الحشود ازداد، والسير اصبح مستحيلاً، ورجال المكافحة يتراجعون مترًا إثر متر، وأعينهم تلهث باالتوتر. أُطلقت الأعيرة التحذيرية في الهواء، ولكن دون جدوى. كان الناس عازمين على تمزيق مصطفى بأسنانهم، وكانوا يتقدمون لا بحثًا عن عدالة، بل عن كبش فداءٍ يظنونه سبب خرابهم، بينما خرابهم ينظر إليهم من المرايا... لا من مصطفى. فجأة، توقّف مصطفى، استدار نصف استدارة، بطيئة كأنّها استجماع للأنفاس الأخيرة. عانقت عيناه مئات الأعين، نظر إليهم دون خوف، دون دفاع، دون رجاء، وقرر هنا أن يبعدهم بطريقته... ببطء شديد، رفع يديه المكبلتين، وإحداهما تمسك بخيط حذائه، ذلك الخيط المتصل بجيبه في خاصرته، وكأن أمام الناس مشهداً لتجهيز سلك... أو مشعل... أو زر! في اللحظة التالية، صدح صوته، جهوريًا، هادرًا، مجلجلاً في الساحة: _الله اكبر!!!!!! ارتجّ الجمع كمن مسّته نار الحقيقة. انتفضت الأبدان، وتلبّكت الأرواح، كل من كان في يده لافتة أو حجر أو زجاجة ليلقيها على مصطفى، أفلتها. وفرّ الجميع بجنون في ظن منهم أنه سيفجر نفسه، يركضون بلا اتجاه، وعلت صيحات الذعر من أفواهٍ كانت قبل لحظة تمطر السماء شتائم، والشارع انقلب جحيمًا يبتلع صانعيه في مشهد كوميدي ومأساوي في آنٍ واحد.... كلهم فرّوا. ركضوا بلا وعي، وتفرّقوا كالهباء. وكأن الكلمة التي تُرتّل في المساجد قد اصبحت، في عيونهم المُضلَّلة، سلاحًا يُشهر، لا ذكرًا يُطهِّر. وصيحة "الله أكبر" التي ترتفع فوق المآذن لتوقظ الأرواح، أصبحت في لحظة هلعهم المدوي. وفي ذروة ذهول الجنود ورجال المكافحة في تراجع الطوفان البشريّ كالموج، وقف مصطفى... وحده في قلب الساحة التي كانت قبل لحظة تضيق به. تنفّس كمن خرج من قبوٍ عفنٍ إلى فسحة السماء، ونظر حوله فرأى الوجوه التي كانت تزمجر وقد ولّت، والأجساد التي كانت تستأسد قد انكمشت، وانحنت، وركضت مذعورةً من خيطٍ في يده، لا سلاح... بل خيط حذاء. ثم ابتسم.... لم تكن ابتسامة المنتصر، ولا تلك التي تُعلن شماتة أو زهوًا، بل كانت ابتسامة من عرف الحقيقة، وتذوّق مرارتها، ولم يعد يعنيه بعدها شيء. كانت ابتسامة الغريب في وطنه، المنفيّ بين قومه، الذي يُحاكم لا على ما فعل، بل على ما مثّله لهم من مرآة كشفت زيفهم، وخوفهم، وخرابهم من الداخل. كانت سخرية صامتة، تنزف من قلبٍ أنهكته الخيبات، ولم يتبقَّ له سوى أن يبتسم للعبث الذي اصبح قاعدة، وللعدالة التي صارت نادرة، وللناس الذين فرّوا منه لا لأنه خطر... بل لأنهم كانوا يعرفون، في أعماقهم، أنّهم ظلموه. وقف مصطفى هناك، وخيط الحذاء يتدلى من يده كمجازٍ ساخرٍ لقدرة هذا العالم على الخلط بين الرمز والرعب، بين الذكر والذنب، بين الصوت الحق والاتهام. وفي هذا الوقوف، في هذه الابتسامة، كتب شهادة زمنٍ اختلّ ميزانه، وغابت فيه الملامح، وبقي وحده كالنقطة السوداء على صفحةٍ بيضاء... لا تنسى. ************ وفي منزل نوح... مدّ نوح يده المرتجفة نحو نور، محاولًا أن ينتشلها من تحت السرير كما رغبت... وقد تلمّس أصابعها بالفعل، إلا أنه حين سحبها إليه بلهفة المنقذ، أدرك فجأة أن ما في قبضته ليس يدًا بشرية، بل دمية... دمية قماشية لفتاة، ممزقة البطن، تنسدل منها دماء داكنة. حدّق نوح في المظهر المروّع، وجفّ حلقه من هول ما رأى، وفي تلك اللحظة، سمع صوت نور، ناعمًا كسكين، يخترق أعماقه: _عمر عنده حق... إنت السبب في كل حاجة. وما إن سكنت العبارة الثقيلة في صدره، حتى شقّ الصمت صوتُ شجارٍ آتٍ من خارج الغرفة... كان صوت ليلى، والدته، وهي تجادل وائل بشدة في الصالة. حاول أن ينهض رغم وطأة المشهد السابق، لكنّ النهوض بدا كأنه محنة مستقلة. قاوم ثقله المثقل بالذهول، وتقدّم نحو الباب، ثم فتحه ببطء، كأنّ خشوعًا ما يقيّده. _اديتهاله؟! اديتهاله يا ليلى؟! هتف وائل بذهول ممزوج بخيانة مكتشفة، ونبرة معاتبة تقطر قسوة واندهاشًا. أجابته ليلى بصوت مثقل بالأسى والندم، وكأن كل خلية فيها تئن: _ملقيتش غير الحل ده يا وائل... _حرام عليكي يا ليلى! مش كنتي بتحكيلي إن فياض الندم هيموته عشان أهله باعوا أخوه عشانه؟! تقومي عاملة نفس اللي هما عملوه؟! كان صوت وائل يرتجف بين الغضب والخذلان، لكن ليلى صرخت بدفاع يائس، محشوّ بالتحسّر: _متحطنيش جنبهم يا وائل!! أنا اديت نور مؤقتًا ليه وأنا في دماغي خطة!! نوح لازم هو ينجو لأنه لو نجا نور هتنجو والناس كلها هتنجو!! أنا مخططة إني أعرف نوح دوره وهيقدر ينقذ نور بقدرته قبل ما يحصلها حاجة. صرخ وائل من جديد، وكأن الحقيقة تخنقه: _نوح نسيها يا ليلى!!! نوح نسي البنت!! _هفكره يا وائل! هفكره بيها، والله، اصبر بس وأنا خطتي هتنجح إن شاء الله. وبينما كان نوح يرهف السمع بقلب ممزق، داهمه فجأة صوت طرق خلفه من داخل الغرفة، فالتفت بفزع... لكنه لم يجد الغرفة التي كان فيها، بل وجد نفسه في غرفته الخاصة، ولكن تختلف بشكل بسيط في أثاثها وتفاصيلها، وتفاجأ بأنه عاد في الزمن، أصغر سنًا، بملامح مرهقة وأعين زائغة. كان ذلك صوت طرق باب غرفته. فُتح الباب، ودخلت ليلى، لكن هذه المرة كانت أكبر سنًّا، يبدو عليها البِلى من سنوات العناء. _نوح، فكرت في الموضوع اللي قلتلك عليه؟! أجابها نوح الماضي، منهكًا، منفعلًا، تتراقص أطرافه من شدة تعاطيه للكوكايين: _موضوع إيه إنتِ كمان؟ كان نوح الحاضر يشاهد من زاوية المتفرج العاجز، وكل لحظة تمر كانت تمزّقه أكثر، إذ يرى ماضيه يفتك بمن أحب. _يا نوح، أبوس إيدك، أنا بطلب منك تسمع كلامي وتركز معايا... إيه الصعب في كده؟! أنا عايزاك تتحسن وتسيب القرف ده، هو أنا بأذيك؟! _الصعب إنك بتوجعي دماغي! نجوم إيه وإخوات إيه؟ ومين دي اللي أنقذها؟! إنتِ مجنونة؟! إنتِ بتشربي حاجة من ورايا؟ عشان لو بتشربي، شربيني معاكي. اقتربت منه ليلى، ترجوه بعينين دامعتين: _يا نوح فوق يا بني! إنت لو مفوقتشي، ناس كتير أوي هتموت. إنت منقذهم يا بني، لو مفوقتشي إنت هتضيعها. أنا عمالة أفكرك بيها وإنت رافض، والبتاع القرف اللي بتشمه ده بيضيعلك عقلك قد ما هو ضايع! زفر نوح بضيقٍ واحتقان، ثم انفجر بها دافعًا إياها بقسوة نحو الباب، حتى كادت أن تسقط، ثم قال بغلٍّ مكبوت وهو يزجرها: _يا ستي خليهم يموتوا! أنا مالي؟! روحي بقى بحكايات ألف ليلة وليلة بتاعتك دي! أغلق الباب بعنف بضربه قوية. ومع تلك الضربة، انطفأ الضوء فجأة، وغرقت الأجواء في ظلام كثيف مكفهر. عاد نوح لوعيه... كان يلهث، والندم ينهش قلبه. كيف كان يفعل ذلك بأمه؟ كيف كان ينهرها بهذه القسوة؟! وهو الآن لا يتمنى سوى أن يشمّ رائحتها، أن يقبّل قدمها، أن يهمس لها معتذرًا _ماما! ماما! هتف بيأس، وانطلق يتلمّس خطاه في العتمة، يتخبط بين جدران الألم، حتى بلغ الصالة. هناك، رأى الضوء من بعيد... ضوء أرجواني حالم، يتسرّب من غرفة والدته. تقدّم نوح بخطى مسرعة، مأخوذًا بذلك الوميض، حتى لمح من خلاله السرير وقد زُحزح، وتحته فُتح باب أرضي على مصراعيه، ينبعث منه صدى صوت مألوف، صوت نور الطفلة، وهي تنادي من أعماق الغرفة التحتية، بصوتٍ مرتجف، يتردد كالأنين: _ماما... ماما أنا قعدت كتير لوحدي هنا... أنا خايفة، خلي نوح يجيلي... ماما... نوح... إنتوا فين؟ سيبتوني لوحدي ليه؟ دون تردد، اندفع نوح إليها، يصرخ بانكسار العائد من التيه: _نور! نور، حبيبتي، أنا جايلك، متخافيش... أنا جايلِك. دخل الغرفة بسرعة، ثم قفز داخل الفتحة الأرضية، دون أن يفكر، مدفوعًا برغبة جارفة في التكفير... في الإنقاذ... أو حتى في الفداء. هبط نوح في عتمة موحشة كثيفة تسبح في أرجائها كما لو أنه استقر في قعر المحيط الأسود، يبتلع كل شكل وكل معنى. الهواء ساكن حدّ الرهبة، كأن الزمن توقف منتظرًا شيئًا مفزعًا أن يحدث. شعر بانقباضة قوية في قلبه؛ لأنه يعلم أن هذه الغرفة هي ذاتها غرفة الألعاب التي لطالما يراها ويستعملها فيها في أحلامه، وهي ذاتها التي حُبست فيها غادة... الغرفة التي كان يراها مزدانة بالألوان والفرح. أخرج هاتفه بيد مرتجفة، وفعّل ضوء الكشاف. شعّ النور الباهت في العتمة، ثم انسكب على ما حوله كاشفًا الحقيقة... وتجمّدت أنفاسه. اصطدمت عيناه بمشهد مقبض لا يُحتمل... كل الألعاب التي تملأ الغرفة، إن كانت دُمى حيوانات محشوّة أو عرائس فتيات، كبيرة كانت أو صغيرة، كانت جميعها بلا استثناء ممزقة البطون، ومنها تنسدل دماء كثيفة، لزجة، قطراتها لا تزال تتساقط على الأرضية بصمت مروّع. الدماء لم تكن مجرّد طلاء أحمر، بل كانت تنبض بالحقيقة... بحرارة الفقد، وبرائحة الموت الطفولي. كان بعضها يقطر على الأرض، يترك بقعًا كالندوب، وبعضها يسيل من فوق رفوف الألعاب، ليُشكّل مجاري صغيرة تلمع تحت ضوء كشافه الباهت. ارتجف نوح، وتراجع خطوة. لم تكن هذه غرفة ألعاب... كانت مقبرة للبراءة، مذبحة خرساء، كُتبت بلغة لا يعرف تفسيرها، لكنها تفهمه، تذكره، تحاسبه. _ماما... نوح... هتيجوا تاخدوني إمتى؟ عايزة أروح. ما إن تناهى إلى سمعه صوتها من خلف الباب، حتى ارتجف قلبه خفقة لا تشبه سواها. اندفع نحو الباب بخطى متوثبة، تتقافز بين أمل مجنون وذعر لا قرار له. فتح الباب... فإذا به لا يرى نورًا، ولا منزلًا، وإنما وجد نفسه على عتبة ممر ممتد كالأبد، لا نهاية له، يغمره عفن الموت المتحلل، وعبق الدماء اليابسة، وروائح عتق العفن التي تشبّثت بالأرض والجدران كوشم أبدي لا يُمحى. ضوء هاتفه الخافت بالكاد ينجح في اختراق الظلمة، كأن جدران هذا السعير تمتص النور كما تمتص الأرواح، تخنق كل بصيص كشفٍ وتخفي ما خلفها من أهوال. الهواء ثقيل مشبع بأنين بعيد، كأن أرواحًا تائهة لم يُكتب لها العبور ما تزال تهمس، تتلوى، تصرخ في صمت كالح. الزنازين مصطفة على جانبي الممر كقبور لم تُغلق، أبوابها الحديدية الصدئة نصف مواربة، يئن بعضها عند لمسة خفيفة، كأن الحديد ذاته يبكي. _هربوا وسابونا لوحدنا... هيرجعوا ياخدونا إمتى؟ إحنا كمان عايزين نرجع زي ما هما رجعوا. تردّد صوت نور في أرجاء المكان، كصدى ماضٍ غابر لم يفقد قدرته على الإيلام. وتقدم نوح، مشدوهًا، ملهوفًا، يفتح الزنازين الواحدة تلو الأخرى، يتتبع صوتها، كل زنزانة يفتحها تُقصيه عن الأمل وتُقربه من الجنون... فما وجده خلف كل باب، كان أقسى من أن يُحتمل. _أنا جيت المكان ده عشان إنت تعيش، وعشان إنت تعيش كان المفروض أنا أعيش برضو، كان المفروض أعيش حياة طبيعية بعد ما إنت تنقذني، أنا ضحيت عشانك ليه مضحيتش عشاني يا نوح. على صوت نور، كان نوح يرى مشاهد تنغرس في ذاكرته كطعنات لا تُشفى: جسد مبتور الأطراف، مبعثر كدمية سُحقت تحت وطأة الطغيان. هيكل عظمي مسجى في ركن الزنزانة، وحوائط الجدار مشوّهة بخدوش أظافر محفورة بيأسٍ أزلي. جثمان بلا عينين، وقد نُزعت مقلتاه بعنف، الدماء المتجلطة حول محجريه كدوائر من لعنة أبدية. رجل مشنوق بسلك صدئ، يتدلى لسانه في جمود أبدي، وآخر مُعلّق من قدميه، يتأرجح في الهواء كأضحية، جلده مسلوخ، لحمٌ نيء يقطر صمتًا. وآخر احترق حتى التفحّم، جلده كالسخام، وعيناه شاخصتان لا تعرفان الإغماض حتى بعد الموت. يبدو الصرخات التي كانت تنطلق يومًا منهم ما زالت معلّقة في الهواء، ترفرف في صمت...، والصمت الذي أعقبها أشد فتكًا من كل العويل. _كان مستهدف قوتك أكتر من أي قوة تانية، كان بيدور عليها زي المجنون، لحد ما وقع الاختيار عليا أنا وإنت... وليلى ادتني ليه على أساس إن القوة فيا أنا مش فيك... ادتني ليه وهي عاملة حسابها إنك لما تستخدم قوتك تنقذني منه وتنقذ الناس منه والحياة تبقى وردي وجميلة، بس إنت أدمنت، اتجننت، ضيّعت حياتك وحياتنا، وماتت ليلى بخطة فاشلة، وبسببك. صوتها ونبرتها، كان كموجٍ عاتٍ اجتاح داخله، يمزّق بين أضلاع قلبه ما تبقى من اتزان. كلماتها لم تكن مجرد صدى يتردد بين الزنازين، بل كانت كالسكاكين تُغرس في أعماقه، تُدوّي في صدره بندمٍ ثقيل، وتأنيب يتجاوز قدرة الإنسان على الاحتمال. _ن... نور... إنتِ فين يا حبيبتي... أنا أهو... أنا جيتلك خلاص... أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أرجعك يا حبيبتي والله، أنا اتعلمت من غلطي، إديني فرصة أصلحه وأرجعِك... _بقالي سنين بحاول أوصلك، بقالي سنين بظهرلك، وإنت كنت شايفني مجرد وهم... مجرد طيف مالوش لازمة... مع إني مكنتش كده بالنسبالك قبل ما تنساني... قبل ما تنساني كنت أهم حاجة في حياتك... بس دلوقتي... دلوقتي أنا بقيت بالنسبالك عرض بيروح بحباية ملهاش لازمة. أنا كنت بتعذّب هنا وبنادي على اسمك كل يوم، وإنت... ناسيني. اللوم في صوتها لم يكن غضبًا، بل وجعًا... وهذا ما جعله أكثر قسوة. كانت تتكلّم من موضع الجرح، لا الاتهام. في كل جملة تقولها، كان يشعر بوزن التضحيات التي قدّمتها نور من أجله، يُدرك ثمن نجاته الذي لم يدفعه بنفسه، بل دفعته هي... من جسدها، من عقلها، من حياتها. وكان كمن يستفيق على حقيقة لم يشأ أن يراها: أنّه لم يكن المُنقذ بل السبب، لم يكن البطل بل البداية لانهيارها. _إنتِ فين يا حبيبتي، أنا بدوّر عليكي أهو، أرجوكي عايز أشوفك. _هتشوفني لما تبقى تعوز تشوفني بجد يا نوح... وما إن انتهت كلماتها حتى شعر بها تتسلل من خلفه، كما لو أن الصوت قد نُزع من الجدران وزُرع في الهواء من ورائه مباشرة. استدار بفعل الفطرة، بعنف الخوف ولهفة الشوق، فإذا بها... واقفة. كانت هي، رغم سماع صوتها وهي طفلة، ولكن من رآها كانت فتاة شابة، ذات الرداء الأبيض الملطخ بالدماء، والوجه الباهت الذي لا يزال يسكن زوايا ذاكرته منذ أن رآها وسط ثلوج روسيا، كطيفٍ مستحيل في عالم لا يرحم. الدماء تنسدل من بطنها، وتتبعها خطوط دامية على ساقيها، بدا هذا الجرح في بطنها تحديدًا يأبى أن يندمل، يأبى أن يُنسى. ارتسمت ملامحها أمامه بوضوح لا يقبل التشكيك، لا ينتمي للوهم، بل للواقع الذي لا يرحم. ومع ذلك... لم يتحرّك. وقف نوح جامدًا، ساكنًا، وعيناه ثابتتان في ملامحها، يفيض منهما الصدمة والذهول وحده، فعقله لا يتّسع لمعادلة ما يرى، وقلبه تلبّك من فرط المشاعر المتداخلة: الرعب، الحنين، الذنب، الارتباك، الندم، والشوق الذي يخنق أكثر مما يحرّر. جسده ظل واقفًا، لكنه من الداخل كان يتهاوى، يتفتّت على مهل، بلا صوت، بلا حيلة، بلا نجاة. _نور... إنتِ نور... إنتِ في سجن روسيا، صح؟ أكيد... أنا شوفتك هناك. ظلّت نور تحدّق فيه بملامح ساكنة، ملامح أقرب إلى الغياب منها إلى الحضور. لم تجبه، لكنها لم تدر وجهها عنه، وكأن صمتها ذاته محاكمة. _إنتِ عايشة، صح؟ لسه عايشة ومستنياني أنقذك... صـ... صح؟ _لو أنا عايشة... فهتقدر تقف على رجليك وتيجي تنقذني. وما إن أنهت جملتها حتى انطفأ ضوء الهاتف فجأة، واختفى معها كل شيء. شعر نوح كأن الأرض تهوى به إلى غياهب العدم، وارتطم جسده بقوة، وانزلق وعيه في فزعٍ داخليّ لم يعرف له مثيل. انفتح جفناه على شهقةٍ مرعوبة، وصرخة تمزقت من حنجرته كأنها ولادة ألم جديد: _نور!!! كان ما زال ممددًا على أرض غرفة أمه، وعالمه الحقيقي يبتلع تفاصيل الكابوس شيئًا فشيئًا، لكن الألم لم يغادر، بل تغلغل أعمق، واكتسح روحه بغصّة شائكة لا توصف. وانهار باكيًا، بحرقة نازفة، يُخفي وجهه بكفّيه المرتجفين، وكأن يديه تحاولان احتواء خزيه الذي فاض. لم يعد يتحمّل وقع الذنب، ولا ظلّ الخيانة التي يشعر بها تجاهها، تجاه عمر، تجاه الجميع، تجاه نفسه. _أنا السبب... أنا السبب... أنا السبب... في تلك اللحظة، دخل كل من غادة وإبراهيم وهاجر الشقة، عائدين من العزومة. وما إن عبروا العتبة حتى تناهى إلى مسامعهم نحيب نوح، فاندفعت غادة كالسهم إلى الغرفة، وحين رأته ممددًا على الأرض، صرخت بصوتٍ متكسّر من الخوف: _نوح!! نوح، مالك يا حبيبي؟ قوم، مالك! لم يسمعها نوح من شدّة عويله، أو أنه سمع وعجز عن الرد؛ فلم يكن في وسعه سوى ترديد الجملة ذاتها، في دوّامة تتسع داخله: _أنا السبب... أنا السبب... أنا السبب... ثم دخل إبراهيم مُسرعًا، وحاول أن يسنده، أن يرفعه، أن يعيد إليه توازنه، لكن نوح كان كأن جسده قد انفصل عن إرادته. كل محاولة للوقوف باءت بالفشل. ساقاه لم تعودا تستجيبان، كأنهما لم تعودا له. _امسك نفسك يا نوح، مالك؟ في إيه؟ اهدى! لكن نوح لم يهدأ. اشتد بكاؤه وصدره يتمزّق، يتضاعف ألمه بذكرياته، بحسرته على نور، وبحرقته على فُراق عمر، وبالذنب الذي نخر قلبه كالسوس. وبينما يحاول عقله استيعاب مشهد نور، وسجنها، وصوتها، ومعاتبتها، اكتشف الحقيقة المُفجعة: إنه لا يشعر بقدميه. جسده، الذي اعتاده آلة للهرب والنجاة، بات مقعدًا. وأعراض التهاب دماغه التي يتجاهلها دائمًا عادت تتجلّى عليه بقسوة... نوح أُصيب بشللٍ نصفي.
ROMISAA