٣٥ دخل عصام على غادة، كان عينيها وأنفها محمران، وعينيها تلمع من كثرة الدموع، ورموشها مبتلة، وبطبيعة عصام المنحرفة رأى أنها مثيرة جداً في هذه الحالة. نهضت واتجهت إليه وهي تترجاه: _عصام باشا، عشان خاطري متخليش نوح يتسجن ولا ياخد إعدام، والله ماكانش قاصد والله. _متخافيش يا روح عصام باشا... اهدي يا حبيبي واقعدي ندردش سوا، متقلقيش. جلست، وجلس هو أمامها، ولاحظ أنها كانت تبكي بصمت وهدوء، وشعرها مبعثر على وجهها ومتلاصق بوجنتها المبتلة، فمد يده ليزيح شعرها عن وجهها ويمسح دموعها فأبعدت وجهها هن يديه ليتوقف، ابعد يده وهو يقول: _عايزك تبطلي عياط ومتخافيش، نوح مش هيتعدم. _بجد والله؟ _بجد والله. حاولت أن تهدأ غادة قليلاً، وأمر عصام الحارس بالخارج أن يأتي بكوب ماء، وهنا قال لها: _الظابط بيشتكي ويقولي إنك مكنتيش عايزة تتكلمي معاه. _والله أنا... كنت خايفة بس عشان أول مرة أدخل النيابة واوضة استجواب وكدة... وكنت بفكر في نوح وخايفة عليه أوي... مكنتش سامعة الظابط وكنت خايفة إنه يضربني ولا حاجة. ضحك عصام، فابتسمت غادة، بعدها قال: _طب انتِ معايا دلوقتي... هتتكلمي معايا ولا هتخافي مني برضو؟ _لا، هتكلم خلاص. صمت عصام قليلاً وهو يتأمل وجهها، ثم قال: _بتحبي نوح يا غادة؟ _أيوة... _متأكدة؟ _آه والله. _يعني لو قولتلك تتسجني بداله هتوافقي؟ _هوافق. _لا يا شيخة؟ _أنا عشت في مكان أسوأ من السجن... فمش هتفرق معايا أوي... صمت عصام قليلاً ثم قال: _متقلقيش، لا انتِ ولا نوح هتتسجنوا... بس جيبوا محامي حلو والدنيا هتمشي. هنا دخل أحدهم بصينية بها كوب ماء، وضع الكوب وخرج، فقال عصام لها: _اشربي يلا واهدي. أمسكت غادة بالكوب وشربته كله، بعدها قال لها: _احكيلي بقى كل حاجة بالتفصيل. صمتت غادة قليلاً وقالت: _مازن... اللي مات، دا طالب معايا عادي...كان بيضايقني من الصبح ولما شوفته اتحرش بيا ضربته بالقلم فطلع مطوته عشان ينتقم مني وكدة وهنا نوح ظهر قدامي عشان يدافع عني... أنا مستوعبتش اللي شوفته بس والله نوح ضربه ضربة عادية جداً بس رأسه طارت، والله يا كأنها اتفكت زي العرايس. ظل عصام صامتاً وهو يشعر بحيرة شديدة ويحدق فيها بشك، ثم قال: _انتِ متعرفيش مازن دا؟ مفيش بينكوا أي حاجة؟ _لا... مفيش. _ولو طلعتي بتكدبي؟ _والله ما أعرفه... _فكرة التحرش مش داخلة دماغي... عايزة تقنعيني إنه ماشي بالمطوة معاه طول حياته؟ مش واخدها مخصوص عشانك؟ _أنا إيش عرفني بقى... وبعدين هيفيد بإيه، دا مات خلاص. _أصل في فرق بين إنه يعرفك... وانتِ تعرفيه... ونوح يعرفه... وقتها الجريمة متبقاش حادث زي ما انتوا بتقولوا وبين لو انتوا متعرفوهوش خالص. _صدقني والله، لا أنا ولا نوح نعرفه. _مصدقك... رغم إنّي صعب أصدق البنات الجميلة. اقترب عصام منها وهو يحدق في عينيها: _وعشان جمالك دا، أنا صعب أصدقك... أنا هصدقك بس عشان انتِ مراته... أصل أنا لو مصدقتكيش وطلعتي بتكدبي تبقى مصيبة عليه نوح مش عليكي... _قصدك إيه؟ _أصل أنا عدت عليا بنات زيك كتير... بس كلهم كانوا ميتين... تعرفي ماتوا ليه؟ _ليه؟ _عشان سابوا حبايبهم،وحبايبهم مستحملوش... فقتلوهم. واختلفت العلاقات بين الضحية والمجرم في القضايا دي، في اللي كان بينهم مجرد ارتباط عادي،في اللي كان بينهم ارتباط مع شوية صور من اللي في بالك، وفي اللي كان بينهم زي اللي بيكون بين المتجوزين بالضبط... وانتِ أكيد فهماني. فقوليلي بقى يا غادة... أصدق كدبتك ونمشي القضية كدة... ولا تقوليلي الحقيقة؟ ظلت غادة تحدق في عصام ولم تتحمل وبدأت الدموع بالخروج من عينيها، ليقول عصام: _لا بقولك إيه، مش هنقضيها عياط كدة يا حبيبتي. انتِ كنتي أي نوع فيهم... الأول ولا الثاني ولا الثالث؟ ظلت غادة صامتة ثم قالت: _مش هقول. _ليه؟ الولد مات خلاص... خايفة من إيه؟ _ما ماتش... مش هو دا... _آه... يعني اللي مات دا مجرد واحد بعته ليكي؟ _أيوة... _لا، راجل ذكي برضو... _أرجوك، متخليش نوح يعرف. _يعرف إيه؟ انتِ قولتيلي حاجة؟ _ما أنا مش هقول عشان ما يعرفش... كل اللي هقوله هيتكتب في القضية، وأنا مش عايزاه يعرف... عشان خاطري، صدقني دا مش مهم. _مش مهم إيه يا غبية؟ واحد بعت واحد عشان يقتلك... لو ما تمسكش هيبعت واحد تاني ويمكن المرة الجاية تموتي فيها فعلاً. _أموت أحسن من إن نوح يعرف. _آه... يعني نوع علاقتك كان النوع الثالث. _لا لا لا والله العظيم لا... اقسم بالله محدش لمسني قبل نوح... والله ما عملت دا اقسم بالله العظيم. _أومال؟ كان فيه صور؟ صمتت غادة الصمت الذي يدل على صحة كلامه، ثم وضعت يديها على عينيها وانهالت في البكاء بندم وحسرة شديدة: _يبقى كان في صور... أخص عليك... _الكلام دا كان من تمن سنين... وقطعت علاقتي بيه من ثلاث سنين لما قررت أتوب وأركز في حياتي أكتر وعملت دا قبل ما أعرف نوح حتى... بس هو من وقتها مش عايز يسيبني... واتجنن لما عرف إني اتجوزت فبعت مازن دا عشان يقتلني. ظلت تبكي بشدة وهي تقول: "والله أنا توبت من زمان وبطلت اعمل كدة كل الصور دي قديمة والله العظيم." ظل عصام يحدق فيها وهو يتأمل ما تقوله...وبدأ يتسائل ما هي التوبة تحديداً؟ هل التوبة تجعل الشخص ضعيف وجبان إلى هذا الحد؟ تلك الكلمة التي يسمعها مرار وتكرار من الناصحين له والتي ضجر منها، ما مقابل التوبة في الدنيا؟ وما هي فائدتها من الاساس، ان كانت التوبة ستجعله ضعيف الى هذا الحد فهو لا يريدها، إستفاق عصام من تفكيره عن هذه الكلمة ثم قال: _بطلي عياط... بطلي عشان بدأت أتعصب. حاولت أن تسكت غادة وتهدئ من روعها، وهنا قال عصام: _يعني إيه توبتي؟ مش فاهم... اللي يعمل اللي بتعمليه يقدر يعملها تاني عادي. نظرت اليه بإستنكار شديد وبنبرة غاضبة قالت له: _إنت إيه اللي بتقوله دا؟ إنت عايز تقارن حالي وأنا عندي أربعتاشر سنة بحالي دلوقتي؟ إنت بكل ثقة كدة بتقول إنّي أقدر أخون جوزي عشان حاجات طايشة عملتها وأنا طفلة؟ إنت مفكر كل الناس زيك؟ ظل عصام صامتاً ينظر إليها ثم ابتسم ابتسامة مستفزة وهو يقول: _مفكرة نفسك شريفة؟ _أنا أشرف منك ومن أي واحدة عرفتها في حياتك. ضحك ثم قال: _ماشي... أما نشوف رد فعل نوح بقى في المحكمة لما القاضي يسرد له اللي إنتِ قولتيه دا... يا شريفة. نهض لكي يخرج، فنهضت هي الاخرة وأمسكت يده وهي تترجاه: _أرجوك متقولش دا في القضية عشان خاطري... ليه مش عايز تسترني حرام عليك. ظل ينظر إليها بسخرية وهو يفكر، ثم قال: _طب بصي... الأوضة دي مفيهاش كاميرات فإحنا واخدين راحتنا على الآخر... محدش عارف اللي بنقوله ولا اللي بنعمله. فلو عايزاني أكتم سرك وأستر عليك... وريني. _أوريك إيه؟ قال وهو ينظر لجسدها: _وريني شوية من اللي حبيبك اللي فات كان بيشوفهم في صورك... بس مش صور بقى... وريني لايف وحصري على الطبيعة... يلا يا حلوة. مد يده لكي يلمسها، فإبتعدت عنه منفره منه بشدة وهي تقول: _يعني إيه؟ أنت بتبزني؟؟ _ايوة... إنتِ مفهمتيش ولا إيه؟ ظلت تحدق فيه وهي غاضبة ومقهورة للغاية واليأس والسخط يفيضون عيونها المتحجرة عليه، كانت تتمنى أن تصفعه صفعه قوية ولكنه طويل للغاية، لذلك كل ما استطاعت أن تفعله هو أنها بصقت على وجهه، فأبعد عصام وجهه ومسح لعابها من عليه وهو في حالة صدمة مكتومة ثم قال ساخرا والغضب يظهر في صوته: _إنتِ اللي اخترتي... مترجعيش بقى تعيطي ولما يطلقك ويرميك... يا شريفة. خرج عصام بخطوات سريعة غاضبة، وخرجت خلفه والخوف والرعب من فضح امرها جعلا ركبتيها ترتعدان، وظهر شحوب شديد في وجهها. كان سليم واقفًل ينتظرها فإقتربت منه وقال لها هنا: _قالك إيه؟ _م... مفيش... استجوبني عادي. _أومال وشك أصفر كده ليه؟ هو عملك حاجة؟ _لا.. لا، ما عملش. ********* قرابة المغرب بعد التحقيقات، وصل عصام إلى مسرح الجريمة مجددًا، وكانوا ما زالوا يحققون في الأمر، ولكن تم أخذ الجثة بالطبع. هنا سأل عصام أحد الضباط: _طلعتوا أي أدلة؟ _مفيش أي حاجة خالص، والأطباء الشرعيين بيأكدوا أن بالفعل رأسه اتقطعت بطريق الشد... غير كده اكتشفوا أن في كسر في ساعد إيده... _اشمعنى؟ هنا سمعوا أحدهم يقول خلفهم: _يعني نوح مسك إيد الضحية اللي كان ماسك بيها شعر زوجته... ومن قوة مسكه نوح القوية لإيد الضحية ادى لكسرها. التفتا ليجدا من قال هذا هو مصطفى... وكان معه علا أيضًا. علا كانت تصور وكان مسموحًا لها كصحفية. نظر عصام إلى مصطفى وهو يقول: _جيت هنا ليه؟ _زوجة نوح وكلتني وهبقى المحامي بتاعه... فجيت أحقق أنا كمان. _قرأت أقواله هو والشهود؟ _أيوة. قالت علا: _مفيش أي كاميرات صورت اللي حصل؟ قال عصام: _دورنا بالفعل، بس كل الكاميرات مغطتش المكان... معرفش مين المتخلف اللي حط الكاميرات في كل حتة ما عدا بوابة الكلية. قال مصطفى: _طب والمحلات والأكشاك دي؟ _مفيش. قالت علا: _طب البلكونات؟ _بلكونات؟ _أه، ساعات في ناس بيحطوا كاميرات مراقبة في بلكوناتهم للأسباب دي. إقتنع عصام بحديثها وقرر ان يأخذ ضابطين ومعه مصطفى وعلا لكي يبدأوا يبحثوا إذا كان يوجد كاميرات. تفرقوا الخمسة وكان مصطفى يسير مع علا، وهنا قال لها وهو منفرد بها: _شكلك زي القمر النهاردة. ضحكت وقالت: _إنت اللي قمر. _عاجبني ستايل لبسك... واسع كده وفضفاض. _أه، بيبقوا أريح في الحركة وشكلهم لايق عليا. ابتسم مصطفى وصمت قليلًا ثم قال: _شكله لايق عليكي ومناسب للبس المسلمة، فلو اتحجبتي بهدومك الحالية نية لإرضاء ربنا هتاخدي أجر كبير جدًا. _عايزني اتحجب؟ _مش أنا يا حبيبتي، دا ربنا عز وجل. _ما عدش بقى في واحدة محجبة يا مصطفى... مظنش أن الموضوع ضروري اوي يعني. _دي عبادة واجبة... وأي عبادة لربنا مهمة جدًا حتى لو كل الناس بطلت تعملها. طب قوليلي، لو كل الناس قررت تسرق، هتشوفي السرقة مقبولة وحلال؟ _أكيد لا. _شوفتي بقى. _طب ولو متحجبتش؟ هروح النار خلاص؟ _مش أنا اللي هحدد مين يروح النار ومين يروح الجنة، بس ربنا فرض علينا عبادات لازم نعملها عشان نقدمهاله يوم القيامة لإثبات رغبتنا في دخول الجنة ورغبتنا في رؤية وجهه الكريم. فإنتِ لو عايزة تروحي الجنة... لازم تعملي اللي ربنا قالك عليه، ولو ما عملتيش... يمكن يغفرلك ويمكن لا. _صدقني يا مصطفى أنا ماليش في الحاجات دي...أكيد ربنا هيغفرلي يعني مادام هو عارف نيتي. كاد ان يرد عليها ليشرح لها الامر اكثر ولكن فجأة سمعوا صوت عصام ينادي عليهم، فاتجها إليه مسرعان. أشار لشرفة معينة بها كاميرا موجهة ناحية الكلية تمامًا. صعدوا جميعًا وحين وصلوا للشقة، طرق عصام الباب بعنف مرة وانتظروا مدة ثم طرقه مجددًا... وانتظروا مدة وكاد أن يطرقه مجددًا لتفتح امرأة مسنّة ببطء وهي تقول بصوت ضعيف: _أ.. أيوة، مين حضراتكم؟ دخل عصام بسرعة وهو يدفعها ويقول لها: _هنكشف على كاميرتك يا حجة. دخل بكل وقاحة هو والضابطان الآخران وعلا خلفهم، أما مصطفى فتوقف على الباب وقال لها: _السلام عليكم... تسمحيلي أدخل؟ _ادخل يا ابني، هي جت عليك؟ خلع نعليه ووقف معها يعتذر لها وقال لها كل شيء ليفهمها الوضع، بعدها دخل الغرفة التي دخلوها. أخرجوا الشريحة من الكاميرا، ثم وضعوها على الحاسوب وكانت علا جالسة أمامه وفتحت الملفات التي بها المقاطع إلى أن وصلوا للمقطع في الساعة نفسها. كانت الكاميرا جودتها غير واضحة والزاوية بعيدة عن مدخل الكلية بقليل، ولكن ظهر في أقصى جانب الصورة الضحية وجزء من نوح. رأوا ذراع نوح بوضوح وهو يلكم الضحية، ورأوا بوضوح رأسه وهي تطير بكل سهولة. صدموا جميعًا من المشهد، وقال أحد الضباط: _مكانش ماسك أي سلاح في إيده؟ قال الضابط الآخر: _لا، واضح أن إيده عريانة. ولما يكشفوا على الفيديو ويوضحوه أكتر هيبان أكيد. قال عصام: _خدوا الشريحة عشان نعرضها عليهم في المحكمة. أخذوا الشريحة التي بها المقطع وخرجوا من المنزل ما عدا مصطفى، نظر إلى المرأة المسنّة التي كانت جالسة تنتظرهم ولا تتكلم، فإبتسم وقال لها: _جزاكِ الله خيرًا، بفضل ربنا ثم الكاميرا بتاعتك عرفنا الحقيقة. أشكرك، محتاجة خدمة أعملهالك؟ _لا يا ابني، كتر خيرك. _أنا آسف على اللي عملوه. _ولا يهمك يا ابني، ولا يهمك. سلم عليها وخرج يتبعهم، وأثناء ما كانوا جميعًا يسيرون ويتحدثون، قال أحد الضباط: ظكل أقوال الشهود تنطبق مع اللي شوفناه... وأقوال الطب الشرعي برضو... وأثبت فعلاً أنها كانت حادثة. قال الضابط الآخر: _مراته اتكلمت؟ _أه، عصام حقق معاها واتكلمت معاه. ضحك الضابط وقال: _متكلمتش إلا مع عصام؟ شكلها اتبسطت منه جامد. توقفوا ثلاثتهم فجأة والتفت عصام وهو غاضب ينظر اليه بإستنكار شديد، وعلى وجه مصطفى ملامح الغضب ذاتها. اقترب عصام من الضابط وهو يقول له: _إنت بتقول إيه؟ _مالك يا أخ عصام... أكيد عملتلها حاجة خلتها تتكلم. إحنا عارفين إنك مبتأذيش الستات، فعارفين كويس جدًا عملتلها إيه. ربنا يكون في عون المدرس لو عرف إن مراته.... كاد ان يقول الضابط كلمة بذيئة عن غادة ولكن عصام لم يسمح له ولكمه قبل أن يكمل حديثه. كانت اللكمة قوية لدرجة أن الرجل سقط ارضًا وهو يصرخ ويتلوى وينتفض من الالم الشديد، ويبدو أن عصام كسر فكه. فأخرج الضابط الآخر مسدسه ليطلق على عصام، ولكن لحقه مصطفى وامسك يده بقوة وعوجها لخلف ظهره بشدة جعلت الضابط يصرخ متألما ويترك المسدس وبدأ في سبهم كلهم حتى غادة. وحين سبها لم يتحمل عصام وامسك برقبة ذلك الضابط وسحبه لأقرب حائط والصقه به وهو يخنقه بقوة: _إياك لا أنت ولا هو ولا أي حد يجيب سيرتها بنص كلمة... ولا حتى تفكروا في كده، عشان أقسم بالله لو فكرتوا في كده... هفضح عرضكوا انتوا واهلكوا وعيلتكم كلها... وانتوا عارفين كويس إني أقدر. ظل عصام يخنق الضابط، وشعر الأخير أنه سيموت أو يفقد الوعي. وفي اللحظة الأخيرة، تركه عصام وسقط ارضًا. كان مصطفى وعلا ينظران ببرود إلى الاثنين وهما على الأرض يتألمان؛ أحدهما لا يستطيع الكلام بسبب إصابته في وجهه، والآخر يسعل سعالاً شديداً بسبب الخنق. وحين انتهى من السعال ورآهم يسيرون مبتعدين، قال لهم غاضباً: _أنتو مفكرين إنكم هتعدوا منها؟ دا أنا أبقى *** لو محبستكوش يا *****. تجاهلوه ثلاثتهم وأكملوا سيرهم تاركينه، كانا مصطفى وعلا ينظران لعصام الذي بدأ يشعر بمسؤولية العائلة بالفعل، يدافع عن زوجة اخيه وشرفها، قد يكون تصرفه غريب خصوصًا بعدما حاوا التحرش بها في صباح اليوم، ولكن يبدو ان البصقة التي استقبلها من غادة جعلته يستوعب شيء حيالها، وهي أنها زوجة أخيه ببساطة وغير مسموح المساس بها، كما هو غير مسموح المساس بعلا أخته، فهو ما زال لم ينسى نظراتها إليه، نظراتها التي ستجعله ينتقم من خالد عما قريب. وفي تلك اللحظة رن هاتف عصام برقم لا يعلمه، وحين فتح ورد، سمع أحدهم يقول: _عصام باشا، في جريمة بشعة جدًا حصلت في بولاق. محتاجينك تحضر بسرعة لأن الضباط مش قادرين يقعدوا في مسرح الجريمة أكثر من خمس دقائق. _طيب، طيب. ابعتلي اللوكيشن وجاي لك على طول. ********** قبل هذا بساعتين: نراه وهو يمضغ الإنديوم في فمه، وجسده مغطى بالدماء وكأنه تحمم به. كان يقف يخيط شيئًا ما على طاولة الطعام في إحدى البيوت التي لا تخصه. لقد كان نور الصاوي، مدرس الكيمياء الجديد. ويبدو أنه كان مستمتعًا بشدة من خياطته ذلك الشيء الذي كان يضعه على الطاولة، وكان الخيط يشبه خيوط الجراحة. بعدما انتهى من الخياطة، اتجه إلى إحدى الشرفات وخلع الستائر التي أمامها، ونزع الستائر من الحامل الخاص بها، ثم أتى بحبل سميك في نهايته طرفاه خطافان. ربط نور الحبل في حامل الستائر بحيث يتدلى من طرفاع الخطافان مستعدان لحمل شيءٍ ما. بعدها اتجه إلى طاولة الطعام وأخذ ما كان يخيطه، وكان يبدو أنه شيء كبير وثقيل الحجم. علق ذلك الشيء بواسطة الخطافين المتدليان من على حامل الستائر، وحين انتهى نور من فعلته، ابتعد وهو يتأمل تحفته الفنية وهو يمضغ الإنديوم بإبتسامة عريضة، وشعور الفخر والكبرياء يعتليانه. أخذ حقيبته وخرج من الشقة إلى الشارع أمام الناس، وهو مغطى بالدماء. رغم ذلك، فلم يلاحظه أحد أبدًا؛ كان يسير بين الزحام وبين التجمعات وبين الناس بدمائه تلك ولم يلاحظه أحد وكأنه خفي. وهنا يظهر أن نور الآخر يمتلك هو أيضًا قوى مجهولة، وهي التي ساعدته على أن يختفي أمام الناس بهذه الطريقة. ********** بعد ساعتين، يصل عصام إلى مسرح الجريمة، وكان يوجد تجمعات من الناس، منهم من يصرخ ويبكي ويهلل ذاكرًا لله من بشاعة الموقف. صعد عصام مسرعًا إلى الطابق حيث المحققون والأطباء الشرعيون. فور وصوله، جاء محقق له: _تعالى يا عصام باشا. أرجوك، تحقق كويس، لأن لا أنا ولا الزملا قدرنا نحقق ما قدرناش بصراحة نقعد نبص في المنظر دا كتير. دخل عصام الشقة حيث مسرح الجريمة وهو يرتدي قفازاته، لتستقبله لوحة فنية مقززة: زوج وزوجة مسنان، جسدهما مقطوعان نصفين بشكل عمودي، نص الزوج مخيط بنصف الزوجة، معلقان بخطافين متدليين من حبل ملفوف بحامل الستائر المعلق على الحائط، وكان كلاهما عاريين. ظل عصام يحدق في الجثتين وهو يتفحصهما، اقترب أكثر ليتفحصهما بدقة ولاحظ أن القاتل لم يخيط جلودهما ولحومهما فقط، بل خيط الأعضاء الداخلية أيضًا: القلب، الرئتين، المعدة، والأمعاء. تعجب عصام من دقة القاتل البشعة، وهنا سمع محققًا خلفه يقول: ظالشهود قالوا إنهم ما سمعوش أي صوت، زي طريقة أدهم بالضبط، بس المرة دي مسرح الجريمة فعلاً هادئ ومفيش أي عنف. قال عصام وهو يحدق في عنق الجثتين: _واضح أن القاتل كسر رقبتهماَ ألاول بعدين قطعهم براحته، على عكس أدهم. أدهم كان هيقطعهم وهما أحياء. _واضح أن فيه قاتل جديد في الساحة، تفتكر هو نفسه القاتل اللي قتل الخمسين راجل؟ صمت عصام قليلاً ثم قال: _لا، مش هو. التفت وبدأ يحقق في مسرح الجريمة في كل غرفة في المنزل. كانت حالة الغرف عادية وطبيعية جدًا. حتى في المطبخ، كان يوجد طعام على الموقد. حين لمسه عصام وهو يرتدي القفازات، شعر بسخونته وكأنهم كانوا على وشك أكله بعد تسخينه. إتجه إلى الحمام ووجده في حالة فوضى لا توصف. سائل أسود متناثر على الحائط ويوجد منه كمية كبيرة على الأرض مصدرها حوض الاستحمام، ورأى طبيبين شرعيين أمام حوض الاستحمام ممسكين بأداة معينة يستخرجون من داخل هذا السائل قطع جلد وعظام صغيرة. فقال عصام مستغربًا بشدة: _هو إيه كل دا؟ قال أحدهم: _دا محلول البيرانا، محلول بيدوب أي حاجة بتتحط فيه. واضح أن القاتل دوب فيه النص التاني من الجثتين. المحلول بيعمل فوران قوي لما بيتحط اي حاجة فيه، عشان كده هو مغرق الحمام زي ما إنت شايف. ظل عصام يتفحص المكان بعينيه، وقال الطبيب الآخر: _مش قادر أصدق أن القاتل قدر يجمع الكمية الكبيرة دي من بيروكسيد الهيدروجين. الموضوع شبه مستحيل. قال عصام: _مش فاهم. عاد وقال الطبيب: _حمض البيرانا مش مخلوق لوحده كده، دا ناتج خلط حمض الكبريتيك وبيروكسيد الهيدروجين، ودا بالذات مستحيل حد يقدر يجيبه بكمية تكفي بانيو. قال عصام: _وكأن القاتل عايز يثبت لنا بكل الأشكال إنه شخص... خارق وغامض، وكأنه عايز ينافس أدهم مثلًا. أكمل عصام تحقيقه وتجميعه للدلائل التي كانت معدومة من الأساس، وبعد سماع الشهود كلهم قالوا إنهم لم يروا أي شخص خرج من العمارة قبل أو بعد الجريمة. ********** في تلك الليلة بعد منتصف الليل وقرابة الفجر، كانت غادة ممددة على سريرها وتراقب هاتفها بعينين شاردتين، هلكت من البكاء على حبيبها، لا تستطيع النوم ولا يتوقف عقلها عن التفكير. كانت خائفة وتخشى المستقبل المجهول. كانت غرفتها بالقرب من باب المنزل، وكان باب الغرفة مفتوحًا. وفي تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات أمام باب المنزل نفسه، فتجاهلت الصوت ظنًا منها أنه أحد الجيران. تلك الرسالة جاءت لها على هاتفها من رقم مجهول، عقدت حاجبيها ونهضت جالسة وهي لا تفهم من هو وماذا يريد. دب الذعر فيها وهي لا تعرف من هو حقًا، جلبت رقم حسن حارس العمارة وظلت تتصل به ولكنه لا يرد. معرفتها لهويته لم تساعدها على الاطمئنان أبدًا، بل زاد الأمر سوءًا. ازداد ذعرها لأن قدومه إلى باب منزلها في هذا الوقت يدل على نيته القذرة. نهضت واقفة وهي لا تعرف كيف تتصرف وأين تذهب، وكلما اتصلت بحارس العمارة لا يرد أبدًا، ويبدو أنها ستواجه هذا المجنون وحدها. تمالكت نفسها وأرسلت له: غادة الآن في موقف لا تُحسد عليه، أقشعر جسدها من الفزع الذي تشعر به الآن. كانت لا تستطيع أن تكتب بسبب ارتعاش يدها وأناملها الشديد من الذعر. وضعت غادة يدها على فمها من الصدمة، فقد ظنت أن تلك الكذبة ستجعله يذهب، ولكن هيهات لما ظنت به، سمعت صوت مفتاح الباب لتنهض راكضة إلى المطبخ وهي تلتقط سكينًا، وهنا رأت باب غرفة أم نوح يفتح على مصراعيه، وكأن الغرفة تخبرها أن تدخل إليها وتختبئ فيها. هنا فتح محمد الباب، ولكن تم إعاقته بقفل السلسلة الخاص بالباب، ورآها بأم عينيه وهي تدخل تلك الغرفة. ظل يضرب الباب مرارًا وتكرارًا إلى أن كسر السلسلة واتجه مسرعًا إلى الغرفة وهو يضربها بكل عنف. _افتحي يا غادة، افتحي يا حبيبتي، أنا بحبك مش هعملك حاجة، افتحي يا غادة. _امشي يا محمد، أرجوك، امشي _مش همشي، مش همشي ظل يضرب الباب بعنف وبقوة لكي يكسره، وغادة تعول وتصيح باكية لتجد من ينقذها من ذلك الوحش وهو يضرب الباب ويدفعه بكل قوته. فجأة سمعت صوته الهادئ، صوته الرخيم الذي جعلها في حالة سكون وذهول تام، لقد كان صوت نوح. _متخافيش، إنتِ عمرك ما هتكوني لوحدك سمعت صوته بوضوح في عقلها، وفي تلك اللحظة فُتِح باب الغرفة وحده ورأت أغرب مشهد قد تراه. فور فتح الباب جحظت عينا محمد مصدومًا وهو يهلع، يرفع نظره للأعلى وهو يبتعد بخطوات للخلف ويكرر بفزع: _إيه دا؟؟؟ إيه دا؟؟؟ ابعد عني، إيه دا؟؟؟ والتفت بسرعة راكضًا وكأنه يهرب من ملك الموت. وحين خرج سمعت غادة أن حسن استيقظ أخيرًا، وأمسك بمحمد وأبرحه ضربًا. وظهرن نساء من الجيران ليطمئنّ عليها، وغادة شاردة تمامًا لا تفهم ما حدث بالضبط.
ROMISAA