أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢

أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢

33 0

٧٦ _أيوة يا سليم، عايزك تسمحلي أخش المختبر المصري...... آه، في حاجة عايز أحللها أخدتها من مسرح جريمة....... لا، مينفعش لأن محدش هيصدقني....... ماشي تمام....... يلا مع السلامة. أنهى عصام مكالمته مع سليم وهو ممسك بذلك الكيس البلاستيكي الصغير، الذي كان بداخله تلك الشعرة غريبة اللون. كان جالسًا أمام حاسوبه كالعادة، يتابع تعليقات الناس على منشوره الذي نشره منذ أربعة أشهر لصورة ابنه ونداء بالبحث عنه. يتابع كل تعليق على حدة، متأملاً وجود تعليق واحد يدله على مكان ابنه. نعم، فرغم ما فعله به، فهو ما زال يريد لقائه راغبًا في الاعتذار لعله يسامحه، خصوصًا بعدما علم أنه ليس قاتل رحمة. كم هي مزرية حالة عصام الحالية، نرى الحروق اكتوت طبقات روحه من شدة الذنب، أنامله متآكلة من استمراره في قضمه لها من شدة الندم. بدأ يستوعب بعد توبته حياته المنهارة المخسوفة من قبل خطاياه وتهوره. فشهواته وأهوائه كانت تعمي بصره وبصيرته. كان أعمى إلى حد أن لون سواد حياته لم يكن يراه... كان أعمى عن السواد، وإن كان يوجد لون أكثر قتامة من السواد، كان قد رآه. أغلق حاسوبه بضربة استياء وبدأ يحدق في الفراغ بتجهم وشرود بعينَيه المنهكتَين. رغم تسلل أشعة شمس العصر الصيفية من النافذة، إلا أنها لم تنجح في تبديد العتمة المستوطنة في أركان غرفته، تمامًا كما فشلت سنوات عمره المتبقية في محو أفعال ماضية التي تشبه لطخات الحبر الأسود على صفحة بيضاء. كما لو أن منزل عصام عائم في عتمة تشبه عتمة روحه، مهما أنير فيه من الأضواء. الوحدة التي يعيشها ليست مجرد غياب للأشخاص من حوله؛ إنها وحش جاثم على صدره، يهمس في أذنه كل ليلة، يذكّره بكل خطيئة وبكل جرح سبّبه. إنها حصاد أيامه، دين مستحق عليه أن يدفعه حتى آخر نفس. وفي تلك الوحدة القاتلة، لم يكن عصام بحاجة إلى عقابٍ آخر؛ فضميره كان السجان والقاضي، وبيته كان الزنزانة، والوحدة... كانت الحكم الأبدي. وتلك الوحدة كانت متمثلة في صوت وحضور... سلمى. _عينك هي أول حاجة دفعتك تعمل كده فيا. سمع صوت سلمى يحدثه ليلتفت بحركة باردة تظهر اعتياده على صوتها وحضورها الوهمي، وجدها واقفة عند مدخل غرفته. _عينك... عاقب عينك... وفي طرفة عين، وهو يناظرها، اختفت فجأة. وهنا تنهد عصام وقام عن جلسته وخلع قميصه، ليظهر أن الحروق التي تم ذكرها لم تكن مجازية، بل كان عصام يحرق نفسه بين الحين والآخر بالفعل. كان كلما يشعر أن الذنب يحرق روحه، يبدأ في حرق جلده وجسده. ذراعيه، بطنه، اكتافه، ورقبته، كلها مليئة بالحروق من جميع الدرجات، وفوقها جروح بآلات حادة. كانت كثرة الحروق في جلده تكسو عضلاته الجذابة. أصبح لدى عصام نمط سلوكي مضطرب يدعى بإيذاء النفس غير الانتحاري، يتعمد فيه عصام إلحاق الأذى بنفسه دون قصد الانتحار لتفريغ مشاعر الذنب والندم والحسرة والغضب. فكل تلك المشاعر لا يستطيع التعامل معها بأي شكل إلا بأذى نفسه، حيث ذلك يعطيه شعورًا زائفًا بالراحة. ولا يعلم عصام متى يأتي اليوم الذي سيتوقف فيه عن تلك العادة المؤذية. أطاع عصام سلمى المتمثلة على هيئة وحدته وضميره، ودخل المطبخ، أشعل الموقد، التقط بسكين رفيع، ووضعها على النار ليزداد انصهارها. فور احمرار معدنها، رفع السكين أمام عينه اليمنى في استعداد لطعنها. لم يظهر على عصام التردد أو الخوف أبدًا. كان مستعدًا ومتحفزًا وكأن ألم الندم والذنب كان حارقًا وموجعًا أضعاف ألم السكين المنصهر في العين. وها هو في طريقه لطعن عينيه. ليستوقفه صوت جرس الباب، توقف عصام منتفضًا بعدما كان يصب كل تركيزه في طعن عينيه وزفر بضيق وخرج إلى باب المنزل وفتحه في حركة سريعة وعنيفة تدل على احتدامه. ليجد أمامه يمنى، يمنى جارته التي سمعت صوت طلق النار في يومها، وهي من طلبت الإسعاف والشرطة وأنقذته وقضت معه فترة علاجه في المستشفى، كانت واقفة ممسكة بصندوق حفظ الطعام وفور أن فتح لها، وهو مرتدية فانلة مكشوفة الذراعين والصدر، ممسك بسكين في مشهد مربك وغريب. قالت بصوت مرتجف وعينيها متشربتين بالحيرة والخوف: _م...ماما بعتتلك الغدا وقالتلي أجي أقعد معاك شوية. كان عصام يحملق إليها بعينيه المنهكتين بإمتعاض وغضب، ثم قال لها: _خشي حطي الغدا وارجعي لامك، مينفعش تقعدي معايا. _هي عايزاني أقعد معاك. _وأنا بقول مينفعش، مش كل مرة هي. كانت تلك عادة يمنى ووالدتها طوال الخمسة أشهر، كانت تجبرها أمها أن تنزل لعصام بالطعام وتجلس معه وحدها، وكانت توافق يمنى وتجلس معه مطمئنة نظرًا لأنه لم يعد رجلًا بشكل كامل كبقية الرجال. سكتت يمنى في ارتباك وهي تقول: _عادي بقى يا عصام، مفيهاش حاجة بما إنك... سكتت يمنى فجأة لكي تكبح نفسها عن إحراجه، فإتسعت عينيه في احتدام وقال لها بنبرة صارمة وهو يقرب السكين منها: _بما إنك إيه يا يمنى؟! بما إنك إيه؟! كملي!!! ابتعدت يمنى في خوف وارتجاف قوي في جسدها، وحين لاحظ عصام أنه أخافها بشكل مبالغ، استنشق نفسًا ليهدأ، ثم قال بنبرة بها قليل من اللين ليضبط انفعاله: _خشي يا يمنى، خشي خلينا نخلص. دخلت يمنى وقد بدا عليها الإجبار وعدم رغبتها في ذلك، كما لو أن أمها تجبرها لسبب معين. جلست في الصالة ووضعت صندوق حفظ الطعام، وهي تقول: _ماما عملالك فراخ وبطاطس. نظر عصام للصندوق وهو واقفًا ما زال متشبثًا بالسكين: _شكرًا. لاحظت هنا أنها تخلع حجابها كعادتها حين تجلس معه، فهي تعامله على أنه صديقتها الأنثى تمامًا. تلك الحركة كانت تشتد من غضبه وامتعاضه، فقال لها بصرامة: _البسي حجابك!! _عادي يا عصام، هي مش أول مرة يعني. قال عصام وهو يقترب منها في حركة سريعة أدخلت الذعر في قلبها، وتقفقفت ضلوعها منها: _مهو عشان مش أول مرة أنا أقولك البسيه وبطلي تعملي كدة. رفع السكين لعنقها وهو يقول بنبرة مرتجفة كما لو أن احتدامه يرتطم بحنجرته: _أنا راجل غصب عنك يا يمنى!!! راجل من يوم ما اتولدت وراجل لحد أموت، ما دام أنا كروموسوماتي XY وأطول منك بمترين وأقدر أفعصك بصباعي يبقى راجل غصب عن أي حد، البسي حجابك واحترمي نفسك واحترمي إن فيه راجل معاكي فهمتي؟؟!!! هنا تلامس معدن السكين المنصهر بعنق يمنى لتنتفض وهي تصرخ متألمة من الحرق، لينتفض هو أيضًا مبتعدًا في ذعر وقلق شديد، ألقى بالسكين وهو يقول لها: _إنتِ كويسة؟! إنتِ كويسة؟! وريني!! وريني!! جلس بجانبها وهو يتفحص عنقها ليجد خط حرق خفيف جدًا وبسيط، وهي كانت تكبح هلعها منه ومن سلوكه. انفجر هذا الهلع في جسدها المرتجف ارتجافه قوية، وثب مسرعًا والتقط مرهمًا للحروق وأتى بجانبها بسرعة وهو ينهال عليها بوابل من الاعتذارات: _أنا أسف، أنا أسف، أنا أسف والله معلش، حقك عليا، حقك عليا، سامحيني والله أسف، سامحيني، سامحيني. أخذ مسحة من المرهم وبدأ يضعها على إصابتها وينشر المرهم بأنامله لها، فقالت له هنا: _و... ولا يهمك أنا أسفة، أنا اللي استفزيتك، خلاص ولا يهمك مفيش حاجة. انتهى عصام ووضع المرهم جانبها وابتعد عنها في جلسته وظل صامتًا، لاحظت يمنى انكساره العظيم في عينيه المرتعدتين، لتقول له وهي تضع الحجاب على رأسها وتعتذر منه: _ه.. هو إنت ليه أصلاً ماسك السكينة دي من الأول، ومسخنها كده ليه؟ إنت لسه بتعذب نفسك وبتحرق نفسك يا عصام؟ أومأ عصام رأسه في صمت لتردف: _نفسي أعرف ليه بتعمل في نفسك كده، إيه الدافع اللي يخليك تعمل كده في نفسك؟ سكت عصام برهة من الوقت كما لو أنه متردد في الإجابة، ثم قال: _ب.. بهيأ نفسي على نار جهنم. من شدة غرابة تلك الإجابة جعلت يمنى في حالة من التهيع التي حجر جسدها، قاطبة حاجبيها وهي تحدق فيه والعديد من الأسئلة في عقلها تتضارب ببعضها عن صحته العقلية، وكل ما قالته هو: _يعني إيه؟ وإنت إيش عرفك إنك هتروح جهنم؟ قال عصام بنبرة واثقة يائسة: _هروح، أنا عارف إني هروحها. _ربنا غفور رحيم يا عصام... وبعدين نار الدنيا مش زي نار جهنم. _عشان كده بحاول أعود نفسي على نار الدنيا، على الأقل أكون متعود على نوع عذاب يخليني مهيأ لعذاب أكبر. ظلت يمنى جالسة في حالة سكوت وثبات يظهر اضطرابها تجاه عصام الذي يزيد يومًا بعد يوم، فمن شدة الأجواء المضطربة التي تخوضها معه حاليًا شعرت بضيق ولم تطيق ذلك الجو فارتدت حجابها وقالت وهي تنهض: _ط.. طب أنا همشي بقى... عن إذنك. رفع عصام بصره لها بينما كان جالسًا ويناظرها بنظرات متفاجئة ومتحسرة تدل على أنه لا يريد منها الذهاب: _اقعدي شوية... _إنت لسة كنت عايزني أمشي... سكت عصام في استياء وقال وهو يبعد بصره: _خلاص ماشي، مع السلامة. اتجهت لباب المنزل وخرجت بخطوات سريعة صاعدة لمنزلها، وعندما وصلت إليه ودخلته رمقتها أمها وهي تنهرها: _إيه يا بت اللي جابك دلوقتي؟! مش قولتلك اقعدي معاه أكتر؟! قالت يمنى حانقة والدموع متحجرة على مقلتيها وهي تنزع حجابها: _ماما والله العظيم مبقتش قادرة أقعد معاه، الراجل ده مجنون ومرعب، طوله مرعب، صوته مرعب، تصرفاته مرعبة وكل حاجة فيه مش مظبوطة، ده كان هيدبحني بسكينة مولعة، بصي عمل في رقبتي إيه؟؟!!! نهضت أمها وهي تقبض على ذراعها بضغطة قوية مؤلمة: _بقولك إيه يا بت إنتِ، إنتِ لو منزلتيش دلوقتي وكملتي قعاد معاه عشان تعجبيه أنا مش هرحمك، إنتِ هتتجوزي يعني هتتجوزي!!! والمجنون ده يناسبك لأنك مجنونة زيه. _مش هتجوزه يا ماما، مش عايزة أتجوزه، ده راجل ناقص، ناقص إيه ده مش راجل خالص أصلاً، إنتِ عايزاني أتجوز واحد زي صاحبتي؟؟! صفعتها أمها صفعة قوية ثم جذبتها من شعرها بشراسة وهي تصيح ساخطة: _يعني بعد ما عملتيه في طليقك ولسة عندك الجرأة إنك تتشرطي يا بت؟ إنتِ معندكيش دم؟ إنتِ كنتي تستحقي القتل أصلاً يا بنتي!! أنا لو كان بإيدي اقتلك كنت قتلتك!!! بعدها تركتها أمها وهي تدفعها دفعة قوية أسقطت يمنى أرضًا، وأمها تردف: _اعملي حسابك إني مش هسيبك كده من غير جواز، يا تتجوزي واحد **** زي عصام يا أما أجوزك راجل عجوز أكبر مني أنا شخصيًا. وتركتها أمها وحدها وهي جالسة ارضًا تبكي وتنحب بحرقة شديدة.                           ********** وصل عمر إلى شقة نوح وطرق الباب، وبعد برهة فتح نوح له، ليتفاجأ عمر بمظهره الحالي. تزاحم الشيب في رأسه ولحيته التي طالت وكثُفت، وازداد نعاس عينيه من شدة إنهاكهما. حين رآه عمر بهذا المظهر، شعر وكأن خمس سنوات قد مرت، وليست خمسة أشهر، رغم أن الشيب كان يظهر تدريجيًا بين شعيرات نوح، ولكن هذه المرة كان الشيب صارخًا حقًا. إن نوح رجل قد نحتت الأيام ملامحه بإزميل الزمن والوحدة، وزرعت السنين والمعاناة في رأسه ولحيته شعيرات بيضاء كأنها رايات استسلام رفعها الشيب أمام جحافل الهموم. ورغم ذلك، لم ينقص الشيب من جماله المتواضع شيئًا، حتى لم تكن هناك تجاعيد شديدة على وجهه. وسامته لم تكن صاخبةً أو متكلفة؛ كانت كصخرة شامخة نحتتها الرياح والأمطار، فأكسبتها جمالًا مهيبًا لا يبهرك من النظرة الأولى، لكنه يأسر قلبك كلما تأملته. عيناه الغائرتان النعستان، رغم انطفاء بريق شبابه، رغم انه ما زال شابًا، بقيتا نافذتين إلى عوالم أعمق من مجرد الرؤية. كانت عيناه تتحدث بلغة القهر، تحكي حكايات مأساوية لم تُروَ بعد، وتبث مرارة المعاناة الأبدية في هذا العالم. وصوته الرخيم، كما لو كان قادمًا من بئر غور، تحمل نبراته ثقل التجارب وإرهاق البحث عن الذكريات الضائعة. أما لحيته، التي اختلط سوادها ببياض الشيب، فكانت كخارطة صبرٍ طويلة، حتى غدت رمزًا لرجل عاش كثيرًا رغم شبابه، وفقد أكثر من ذكرياته، لكنه ظل واقفًا رغم ثقل الهموم التي انحنت أكتافه منها. مظهر نوح الحالي لم يكن مجرد مظهر يوحي بالعظمة المنكسرة، بل كان روحًا مرهقة تحمل فوق كاهلها حكايات عن أحلام الناس التي أُجهضت من قبل السلطة الفاسدة، وعن نفسه السابقة التي لطالما تمنى تذكرها، وقد اتخذ من الشيب تاجًا ومن الهم درعًا، مُدركًا أن الحياة ليست سوى ساحة معركة طويلة، لا ينجو فيها إلا من يُتقن فن الصمود. جلسا كلاهما وعمر يحدق في مظهر نوح بإرباك وهو صامت، ليقول نوح: _ها بقى يا عمر؟ إيه المشكلة؟ إيه اللي حصل؟ قولي. سكت عمر قليلًا وهو يتأمل في وجه نوح ومظهره، وقال: _نوح، إزاي كل الشعر الأبيض ده طلع عندك في الخمس شهور دول بس؟ رفع نوح منكبيه بلا مبالاة وهو يقول: _قولتلي قبل كده إن الموضوع نفسي، ومايا قالي إن ده بسبب استخدام قوتي بشكل مستمر. طال صمت عمر، وقد تنبأ نوح من نظراته المتهيعة ما يدور في باله، ليقول نوح: _مش فاهم حاجة صح؟ _لا يا نوح، مش فاهم. على كده بقى، أنا حكيتلك في الخمس شهور دول إن أدهم جالي العيادة؟ قطب نوح وجهه في صدمة، وهو يجيب: _إيه؟! مين ده اللي جالك العيادة؟ إمتى ده؟! _من خمس شهور... بدأ عمر في سرد كل ما حدث منذ بداية دخول أدهم عليه مكتبه وقيام الجلسة، ثم طعنه، ومن بعدها تبدأ محطات الأوهام من رؤية جثة شيماء، وانتقالها لقريته، وانتقاله للريد مونكي، إلى أن استيقظ بعد خمسة أشهر. كان نوح منصتًا له مقطبًا حاجبيه من غرابة ما يحكيه عمر. وانتهى حديثه حين رفع قميصه لنوح ليريه ندبة طعنة الخنجر، وهو يقول: _أنا مكنتش مصدق إن زيارته ليا كانت بجد، بس ده أثبتلي إنه زارني فعلاً. أنا من الصدمة مجاش في بالي حاجة غير إني أجي أحكيلك، حتى مجاش في بالي أروح العيادة وأشوف وضعها إيه، أو أشوف الدفتر اللي كتبت فيه ملاحظاتي عن أدهم. ظل نوح صامتًا، والأسئلة تتكاثر في عقله وتزدحم بداخله حتى كادت أن تفجره. كيف تلاعب أدهم في الزمان والمكان بهذا الشكل في عقل عمر؟ أهي قدرة من القدرات؟ ولكن أي قدرة منهم؟ لماذا لم يقتل أدهم عمر؟ كيف عاش عمر طيلة الخمسة أشهر بشكل طبيعي ثم فجأة يصحو كما لم يكن؟ من عاش بدلًا عن عمر في تلك الخمسة أشهر؟ تنهد نوح بتكدر، ثم قال: _كونك إنك متعرفش أي حاجة حصلت في الخمسة شهور دول... ده معناه إنك متعرفش إن مراتك حامل صح؟ استقام عمر في جلسته واتسعت عيناه من شدة المفاجأة، وهو يصيح: _شيماء حامل؟؟!! قال نوح بنبرة استياء وضجر: _هو أنا مكتوب عليا أعرف الستات حوامل قبل رجالتهم ليه؟ اه يا عمر، حامل، بس متسألنيش في الشهر كام لأني معرفش. ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتي عمر ولمعت عيناه حبورًا وهو يحدق إلى فراغ في ثبات تام، فمن عظمة سعادته وكثرة التخيلات المبهجة، جعلته في حالة من شلل. سينضم فرد جديد في عائلتهم من ذويهم، سيهتمون به، سيأتون بملابسه وطعامه ودروسه، سيكون له صديقًا وونيسًا وفلذة كبده، سيتسكعون في منتصف الليل معه لينام، سيسهران لأجل راحته، سيجتهدان ليرث كل ما هو جميل منهما. _تحب أعملك شاي؟ قطع صوت نوح تلك التخيلات الوردية التي جعلته شاردًا، ثم نظر إليه وهو يومئ برأسه: _م..ماشي. كان منزل نوح ضيقًا لا يسع سوى لفردين فقط. كان يتشبع بالسكوت الصارخ المقبض للقلب، تمامًا كما كان منزله السابق قبل قدوم غادة. ما زال عمر متحيرًا، لا يعلم ما سبب رغبة نوح في ترك عائلته والذهاب إلى الوحدة بإرادته التامة، بل جعل مكانه وتواصله سرًا على أقرب الناس له. ما المغزى من ذلك؟ نهض عمر ووقف مع نوح في المطبخ، وهو يقول: _مش كنت بتبغض الوحدة؟ ابتسم نوح ونظر لعمر وهو يقول: _كنت... _بقيت بتحبها دلوقتي؟ _مش فكرة بحبها، بس اكتشفت إن الحاجة الوحيدة اللي تناسب إنسان زيي هي الوحدة فعلاً. عقد عمر حاجبيه في تعجب وحيرة، فقد كانت الوحدة هي كابوس نوح الأبدي القاتل. _إيه اللي خلاك تكتشف حاجة زي كده؟ ذلك السؤال جعل ابتسامة نوح تندثر، وأجاب وهو يشيح ببصره محدقًا في الفراغ من شعوره بالعار: _اللي خلاني أكتشف كده هي أمي، وغادة، واحتمال رشا، وممكن شيماء. أنا إنسان لا يصلح للصحبة، أنا إنسان لا يصلح للرفقة. كنت هخلي غادة تموت مرتين، زي ما كنت هخلي أمي تموت بسببي. أمي ماتت، ومش هستنى غادة تموت هي كمان. مهما بقى قلت إن ده مش قصدي وإن ده عشان مرضي النفسي، في كل الأحوال أنا مؤذي، ومفيش حاجة تبعد أذيتي عن اللي بحبهم غير لو أنا اللي بعدت. _أذيتك ليها علاج يا نوح، لو أديت لنفسك الفرص الكافية، ممكن تتخلص من العقدة دي. ابتلع نوح ريقه من شدة تبرمه من حديث عمر عن العلاج المستمر، والتزم الصمت دون رد على حديثه. فأردف عمر متسائلًا: _أنا بس عندي فضول أعرف أنت ازاي تأقلمت مع الوحدة؟ ازاي تأقلمت مع أكتر حاجة مكنتش طايقها في حياتك؟ استمر سكوت نوح دون رد، وهو يتابع غليان المياه. وصلت المياه إلى نقطة الغليان، أمسك نوح بالغلاية وصب المياه داخل أكواب الشاي، ثم حمل الصينية وهو يقول: _تعالى نقعد في البلكونة. خرجا كلاهما إلى الشرفة التي كانت تطل على ملعب كرة القدم الخاص بنادي الغابة، جلسا كلاهما وبدأ نوح يشاهد الشباب في ميعة الصبا وهم يلعبون كرة القدم بنشاط وشغف قوي، يضربون الكرة بأقدامهم بقوة تظهر قوتهم البدنية، يفكرون في استراتيجية لفوز فريقهم أثناء اللعب تظهر قوتهم العقلية، منهم من يضحك ومنهم من يصرخ محتدمًا، مشاعر متعددة تنسكب كالشراب الحلو في كوب هوية واحدة ولعبة واحدة يتشارك فيها الكثير. _كل يوم أقعد أتفرج عليهم. قال نوح تلك الجملة، فنظر عمر إليه بعدما كان يشاهد الشباب وهم يلعبون، ثم أردف نوح: _وبقعد أفكر... أنا كنت بلعب كورة زيهم كده ولا لا؟ عمري ما عرفت أنا كنت عامل إزاي وأنا تسعتاشر سنة، كنت عامل إزاي وأنا تمنتاشر، كنت عامل إزاي وأنا خمستاشر، كنت عامل إزاي وأنا عشر سنين، ساعتها كنت مؤذي بطبيعتي من صغري زي دلوقتي... ولا كنت مختلف؟ سكت نوح ليشرب رشفة من الشاي ويكمل: _مش فاكر غير من وأنا عشرين سنة... ومش فاكر فيهم قد إيه أنا كنت شخص مؤذي للي حواليا، حتى اللي آذوني زي رشا مثلاً، بدأت أقنع نفسي إنهم آذوني لسبب منطقي، أكيد أنا استحق الأذية. نظر نوح لعمر وهو يسأله لكي يغير من سير حديثهم: _أنت لعبت كورة قبل كده في طفولتك؟ لم يتوقع عمر اهتمام نوح بماضيه فابتسم وسكت قليلاً وهو يتذكر، ثم قال: _يعني... كنا ساعات نلعب أنا وإخواتي بكورة مقطوعة معفنة كده، كانت ماما تحدد لنا معاد معين بعد العصر والشغل في الغيط عشان نلعب، وعلى المغرب ندخل بيوتنا على طول وننام. ابتسم نوح وهو يقول: _لسه واخد بالي إن عمرك ما حكيتلي عن عيلتك خالص. أومأ عمر برأسه وهو مبتسمًا، ثم قال وهو يرفع منكبه: _مفيش حاجة تتحكي أصل... _مفيش حاجة تتحكي ولا أنت مش عايز تحكي؟ سكت عمر وابتلع ريقه بعسر كما لو أنه يحاول إزالة الغصة في حلقه حين تذكر ذلك المشهد، وحين لاحظ نوح لمعان عيني عمر من القهر ورجفة شفتيه الخفيفة، قام نوح بالاقتراب بجذعه إلى عمر أمامه أثناء جلوسه وهو يقول: _عايزك تعرف... لو في حاجة حصلت.. أنا أقدر أجيب حقك.. أو حق اللي بتحبهم. _هتجيبه إزاي؟ قال نوح وهو يعود ليتكئ بظهره، وهو يقول: _آه صح... أنت نسيت. استنشق نوح نفسًا كي يستعد في سرد هذا مجددًا، وبعد أن شرح له قوته قال: _نوعًا ما استوعبت إن الألم ممكن يكون وسيلة لاكتشاف ذاتي أو لاكتشاف العالم... بعد التعذيب اللي حصلي، وبعد التعذيب اللي أخدته وأنا بتعالج، كل دي مراحل ألم مستحيل كنت أتخيل إني أحس بيها أو ممكن أي حد يحس بيها في العالم، كان المفروض الألم ده أكتشف من خلاله حاجة جوايا أو حواليّا، حاجة كنت برفضها وكل ما برفضها كل ما جنوني يزيد واضطراباتي النفسية، بس لما أدّيت لنفسي فرصة أشوف الجمال ورا الألم اللي حسيت بيه ده، بدأت أتأقلم مع الوحدة. أومأ عمر برأسه وهو يقول: _شوبنهارو كان شايف إن الألم جزء أساسي من وجودنا، ومن غيره الحياة هتبقى فارغة. وافقه نوح بإيماء رأسه وهو يقول: _"من رحم المعاناة يولد النقاء". _مكنتش أعرف إنك بتقرأ لنيتشه. ابتسم نوح وكذلك عمر، ثم أردف عمر بسؤاله: _وأيه النقاء أو الجمال اللي اكتشفته من ورا ألمك ده يا نوح؟ قال نوح بابتسامة شاسعة تفيض بالفخر والرضا: _العدالة. سكت عمر سكوتًا يدل على عدم فهمه لمقصده، فأردف نوح: _الألم ولد جوايا حافز لنشر العدالة، ولد جوايا شغف في زرع النقاء في صدور المستضعفين، ولد جوايا رغبة في نشر الجمال في البلد بواسطة إني أنهي على كل الظالمين، المجرمين، وأصحاب السلطة الفاسدة. بدأ عمر في تفهم حديث نوح إلى ماذا يقود، فقال له: _العدالة مفهومها معروف عند كل الناس، بس مش أي حد يقدر ينفذها، تنفيذ العدالة حاجة حساسة جدًا وبتطلب تخطيط وتدبير وتدريس أكتر من فرد، فهل تحقيقك للعدالة... كان من نفسك ولا استعنت بحد؟ _استعنت بألمي، استعنت بقوتي، وبضميري، وبرغبتي في الوصول للحق، كل دول أحسن بمليون مرة من عشرين راجل في البلد دي، لأن ماعدش فيها عدالة بسبب السلطات الفاسدة اللي طفحت فيها، هستعين بمين يعني؟ مفيش غيري أنا اللي أعرف كويس معنى العدالة إيه هي. صمت عمر برهة وهو يحدق في نوح بإرباك مكبوح، ثم قال: _نوح، تقدر تقولي بتنفيذ العدالة دي إزاي؟ قال نوح بنبرة ثابتة بها بهجة خفيفة تلقائية: _بتخلص من المجرمين بكل بساطة، أول ما أعرف إن فيه جريمة حصلت في الوقت ده، بجهز قوتي وبستخدمها في التخلص من المجرم أو تهديده، وبس....، معرفش أنت فاكر الخبر ده ولا لأ، بس معدل الجريمة في مصر الفترة دي قل ١٠٪ بسببي وبسبب خوف المجرمين مني. كانت عيون عمر التي لا تطرف ثابتة على نوح وهو يتأمل نظراته وطريقة حديثه التي لم تفرق شيئًا عن أدهم. كانت نظرات عمر بها استياء عظيم، مقهورًا على ما وصل إليه حال نوح. كانت قهرته ناتجة عن فقدان صديقه نوح الحساس صاحب القلب اللين إلى الأبد. _قتلت كام واحد؟ سأله عمر هذا السؤال بنبرة يظهر عليها كبح قهرته ليجيب نوح بنبرة الثقة والفخر ذاتها: _تقريبًا عشرتلاف... وظهرت لأربعين ألف، مقتلتهمش بس هددتهم وممكن أكون عذبتهم شوية من غير ما أقتلهم يعني على حسب الجريمة اللي هما عملوها. _وهي دي نظرتك في نشر العدالة؟ دا أسلوبك في نصرة المستضعفين؟ قال نوح وهو يومئ برأسه بثقة وهو مستغرب من حزن عمر: _أيوة. وضع عمر كوب الشاي بحركة بطيئة متنغصًا مهمومًا، ونوح يترقب تعابير وجهه مستغربًا: _مالك اتضايقت أوي كده ليه؟ أنا بعمل كده في ناس تستحق. _لو شايف اللي أنت بتعمله حاجة حلوة... ليه مرجعتش لغادة وفضلت مع عيلته وأنت مستمر في اللي بتعمله ده؟ أظن اللي بتعمله ده بيغنيك عن إنك تإذيها مش كده؟ سكت نوح وتحولت ملامح الثقة والفخر إلى ملامح مرتبكة متكدرة بشكل طفيف ليردف عمر: _أنت قولتلي، رفضك لاكتشاف معنى الألم اللي مريت بيه هو اللي خلاك تتجنن وتإذي غادة، بل وممكن هو اللي خلاك تإذي نفسك في ماضيك، فبما أنك قبلت الألم ومعناه وبقيت بتستخدمه في العدالة... ليه مترجعش لعيلتك؟ بلع نوح ريقه وأشاح ببصره إلى الملعب وهو يقول في أسى: _الراجل اللي عنده ضمير ميقدرش يقاوم الضعف اللي بيحس بيه بين عيلته، العيلة... والبنات... والأطفال، حاجات بتخلي الراجل يعيد تفكيره في كل حاجة مليون مرة. أنا لو قعدت بينهم... مش هقدر أكمل اللي بعمله، مش هقدر أبص في وش غادة وأنا بقتل وبعذب ناس حتى لو هم يستحقوا. قال عمر منفعلاً وهو يقترب جالسًا: _طب ما توقف يا نوح!!، وقف وارجع لاهلك وخلاص! قال نوح بنفس النبرة المنفعلة: _لو وقفت اللي بعمله هأذي غادة، مفيش فايدة يا عمر، مفيش حل وسطي... في تلك اللحظة سمعوا رنين جرس الباب ليتفاجأ عمر وهو يقول: _هو في حد بيجيلك هنا غيري؟ قال نوح وهو ينهض: _تلاقيه أشرف أو رشا، أصل هما بيجيبولي معلومات عن القضايا والمجرمين وكده، بقوا بيشتغلوا معايا يعتبر. نهض عمر هو الآخر وهو يتبع نوح: _إنتوا بقيتوا عصابة بقى، وبعدين إنت معرف رشا مكانك ومش معرف مراتك؟! اتجه نوح للباب وقرر عمر أن يجلس في الصالة التي كانت مقابلة لباب المنزل. فتح نوح الباب معتقدًا أنه سيرى أشرف أو رشا، ولكن من رآه لم يكن أحد منهما. كان شخصًا يزوره نادرًا، ففي كل مرة يظهر له يثبت له أنه يعلم مكانه ويعلم ما يدور حوله، وقدومه دائمًا ما يكون لسبب. فكان الطارق هو نور الصاوي.                           *********** حل المغرب، وتقف غادة في إحدى معامل المختبر المصري حيث كان سليم يعطي لها عشرات العينات ليقوم بتدريبها على مهارة الملاحظة والتسجيل التلقائي السريع فور أن تتمعن فيها. كانت تقف وحيدة في ركن المعمل، تُحيط بها أدوات التجارب وأنابيب الاختبار التي تعكس بريق المصابيح العلوية الناصعة. بدا التعب جليًا على وجهها الشاحب، وعينيها المثقلتين بالأرق الدائم، الأرق الذي جف عيونها وكمش عقلها من اشتداد التفكير المفرط في نوح وفي حالتها وفي شيء آخر يبدو مجهولًا لنا. واقفة، وبيديها المكسوتين بالقفازات ممسكة بقلم تسجل وتكتب بحركة كتابة سريعة للغاية بدقة نتائج العينة الأخيرة، وبصرها يتقلب بين دفترها وبين العينة في سرعة حدقة عينيها، بينما صوت جهاز القياس يملأ الفراغ بصوتٍ رتيب، يُعزز الشعور بالعزلة. معطفها الأبيض، رغم نظافته، بدا وكأنه يحمل آثار يومٍ طويل من الجهد. شعرها البني المُنسدل تحت غطاء رأسها كان يعكس إهمالًا غير مقصود، فهو آخر ما تفكر فيه وسط زحام الأفكار والواجبات والهموم. بين لحظة وأخرى، كانت تُغالب نظراتها الشاردة، تحاول استجماع تركيزها، لكن كل مرة تُعيد نظرها إلى الورقة أمامها، كان ظل غيابهما يطغى على كل شيء. داخل صمت المختبر البارد، لم يكن هناك سوى صدى أنفاسها المتعبة، ودقات قلبها التي تحمل قلقًا صامتًا عن مستقبل غامض. كانت تُحارب، ليس فقط الجهد الأكاديمي الذي يُثقل كاهلها، بل أيضًا غياب نوح وإبراهيم، ذاك الغياب الذي يحوّل الوحدة إلى حملٍ أثقل من كل المعادلات والنتائج التي تسعى إلى فهمها. لم تعتقد أن ثقل غصة صدرها سيتضخم أكثر مما تضخم من غياب إبراهيم، ليأتي غياب نوح ويزداد من ثقلها وانصهارها لتصعد حرارتها لحلقها. _أزيك يا غادة؟ أومال سليم فين؟ كان السائل شابًا يدعي بمهاب، شديد الوسامة يقترب وسامته من وسامة الشباب الآسيويين، حيث كان شديد البياض، شعره شديد السواد، وعينيه حادة ولطيفة في الوقت ذاته. كان مربوع الطول وبدا أن جسده رياضي ممشوق. دخل إلى المعمل وهو يسألها بنبرة هادئة وبدا عليه الانجذاب لغادة. أجابت غادة وهي تناظر العينة بينما كانت تكتب: _سليم مشي من شوية. أتى مهاب بجانبها وهو يقول: _أشمعنى؟ مع إنكم كل مرة بتروحوا سوا. تجاهلته غادة وانتقلت للعينة الأخرى وظلت تسجل ملاحظات عنها، ومهاب يشاهدها ويتابعها بأعين تبحران في عمق جمالها وجمال تفاصيلها المنهكة. مهاب هو أحد العلماء الشباب ومن أقرب تلاميذ يوسف إمام، وابن أغنى رجال الأعمال في مصر، شاب صاخب ذو شخصية رشيدة، ورغم رزانه تصرفاته، إلا أن إعجابه الشديد بغادة ومحاولاته المستمرة للتقرب منها كانت تأتي دائمًا بنتيجة غير مرضية من طرف غادة، حيث تتجاهله وتنهره في الغالب. _لو كده تسمحيلي أوصلك؟ _لا شكرًا. _أنسة غادة، مينفعش تروحي لوحدك. المنطقة دي شبه صحرا. وأنا أخاف عليكي. لو سمحتي، خليني أوصلك. انتهت غادة من تسجيل آخر عينة، فقامت بنزع القفازات بانفعال وتلهف كما لو كانت تتخلص من أصفاد مقيدة لروحها. خلعت غطاء الرأس، والتقطت حقيبتها ودفترها واتجهت بخطوات سريعة إلى باب المعمل، فسبقها مهاب ووقف أمامها وهو يقول: _غادة، مينفعش تسيبيني بالشكل دا وأنا بكلمك. توقفت غادة وقالت بضيق صدر: _أنا آسفة يا مهاب... بس أنا معنديش طاقة أتكلم وأتناقش... مينفعش يا مهاب بقى خلاص. _هو أنا بقولك تعالي البيت عندي؟ أنا بقولك أوصلك. يا ستي اعتبريني أوبر! فجأة وسعت عينيها بشكل طفيف وارتسمت ابتسامة خبث خفيفة على شفتيها كما لو كانت تذكرت شيئًا وقالت: _طب بص... أنا مش هخليك توصلني إلا لما تعملي خدمة عايزاها منك. كانت غادة تعلم أن طلبه لتوصيلها ليس إلا وسيلة للتقرب منها أكثر، لذلك قررت أن تستغل رغبته القوية تلك لمصلحتها. _اتفضلي قوليلي. خلط لمعان عينيها بشحوبها وهي تقول له: _عايزاك تروح مختبر البروفيسور وتجيبلي كمية كبيرة من "الأبموف". من صدمة مهاب ابتعد خطوة عنها، وأعينه شاخصة مما تفوه به لسانها، وهو يقول بنبرة مصدومة: _إيه دا؟؟! إنتِ إيه اللي عرفك بالأبموف؟! وإزاي أصلاً تقوليلي أجيبه كده؟! إنتِ عايزة تموتيني؟! قالت غادة وهي ترفع منكبيها بلا مبالاة: _خلاص، لو مش عايز، مش مشكلة. هروح لوحدي بقى. يلا سلام. أوقفها مهاب بسرعة وهو يقول: _ط...طيب هجيبهولك...خلاص استنيني بس وممكن أطول تمام؟ _تمام. بعد دقائق، أتى مهاب بذلك الشيء الذي طلبته، بعدها سارا كلاهما إلى مخرج المختبر، وأثناء سيرهم قال مهاب بنبرة بها احترام وتردد في الوقت ذاته: _أخبار جوزك إيه؟ لسه مرجعلكيش؟ سكتت غادة دون إجابة، ليردف مستغربًا وممتعضًا: _أنا مش عايز أبوظ علاقتكم والله والجو دا، بس... مفيش أي مبرر يسيبك كل المدة دي كلها، الموضوع غريب. إزاي راجل يسيب مراته كده لوحدها في الحياة؟ _نوح ليه مبررات محدش هيفهمها غيري يا مهاب... رغم إن المبررات دي مش داخلة دماغي، بس على الأقل داخلة دماغه هو. صمت مهاب في حيرة وامتعاض ثم قال: _على فكرة، دينيًا من حقك تطلقي لو الزوج بعد عنك ست شهور، يعني فاضله مهلة شهر لو مش عايز يفرط فيكي... هيرجعلك قبل الشهر دا. حديث مهاب احتد من الوساوس في عقل غادة، قبض قلبها وزاد من أشواك الشك والقلق بداخلها. فقد خشيت أن يتركها نوح حقًا للشهر السادس. أسيتركها؟ ألن يعود أبدًا؟ إلى متى سيظل مختفيًا؟ إذا تركها للشهر السادس فستتأكد غادة هنا أنه لا يحبها ولا يكترث بها، وفي تلك اللحظة ستتشجع لرفع قضية الطلاق لا محالة. في تلك اللحظة، يصل عصام إلى المختبر المصري بعدما قام بركن سيارته في ساحة الركن الخاصة بالمختبر، ثم خرج واتجه للباب الرئيسي ليتفاجأ بغادة تخرج منه ويتقابل أعينهما ويتوقفان في دهشة: _عصام باشا؟ أزي حضرتك؟ من زمان مشوفتكش. _أ... أزيك يا غادة. نظر عصام لمهاب الذي بجانبها لتقول غادة هنا وهي تأتي بجانب عصام وتنظر لمهاب: _ماشي يا مهاب، خلاص مع السلامة أنت، وأخو نوح هيوصلني. قطب مهاب جبينه بشكل طفيف وهو يقول ممتعضًا: _ب... بس إنتِ... قاطعته غادة وهي تعتذر: _خلاص بقى معلش هو جالي، يلا سلام. أمسكت بذراع عصام وجذبته ليذهب معها، فسار عصام متعجبًا متحيرًا وهو يقول لها: _بس أنا جيت هنا عشان... قاطعته غادة وهي تقول: _نركب عربيتك الأول وبعدين نتكلم يا عصام، معلش. ذهبا إلى سيارة عصام، التي كانت مبددة قديمة لا تسع طوله ولا كانت في أحسن حالتها في سيرها، فتلك كانت سيارة مختلفة عن سيارته التي باعها وكانت تليق بإيجارها البخيس. دخلا كلاهما السيارة وعصام يقول: _أنا سعيد أني شفتك بجد ومستعد أوصلك لأماكن انتِ حضرتك عايزة تروحها، بس أنا بجد محتاج سليم عشان يحلل لي حاجة لقيتها في مسرح جريمة. نظرت غادة إليه بتعجب وشفقة: _بجد؟ معلش والله سليم مشي من زمان. قطب جبينه وهو يقول غاضبًا: _يمشي ليه؟ هو قالي إني أجي في الوقت دا. _والله معرفش، جاتله مكالمة خلته يمشي بسرعة. طب جيبلي الحاجة وأنا أحللهالك في البيت إن شاء الله، وبكره هاجي المختبر عشان أطلع نتيجتها، ولا يهمك. لانت نظرة الامتعاض في وجهه وابتسم ابتسامة فخر وهو يقول: _شكلك بقيتي دكتورة شاطرة. ابتسمت غادة في استحياء، وأخرج عصام الكيس البلاستيكي وأخذته غادة، ووضعتها في حقيبتها، وانطلق عصام بسيارته. كان متوترًا بعض الشيء فكان ذلك أول لقاء بينهما بعد زمن طويل. ولم ينسَ عصام ما فعله بها فقرر أن يصارحها: _غادة، عايز أعتذرلك على اللي قلتهولك زمان... أتمنى تسامحيني. نظرت إليه مستغربة، ونظرتها تدل على عدم تذكرها: _مش فاهمة، قولتيلي إيه زمان؟ _إنتِ مش فاكرة؟ _لا بصراحة، معلش فكرني. سكت عصام مدة طويلة يظهر عسر نطقه لتلك الكلمات: _لما نوح قتل الواد دا و... وحققت معاكي وكنت... كنت هتحرش بيكي وكده. أومأت غادة برأسها بعدما تذكرت، ثم قالت وهي مبتسمة ابتسامة ضعيفة: _خلاص، ولا يهمك... مسامحاك. اتسعت عيناه في دهشة وصدمة عظيمة ونظر إليها: _مسامحاني؟؟!! توترت غادة وهي تقول له في خشية: _لو سمحت بص في الطريق العربيات قدامك. عاد ونظر أمامه، وأردفت غادة: _آه، مسامحاك عادي... أنا مريت بالأبشع من كده من بعد اليوم دا. الحمد لله اللي عمل فيا كده خد الشر وراح. لم يستطيع كبح ابتسامته العريضة وهو يقول: _إنتِ أول واحدة تسامحني بجد، شكراً ليكي. ابتسمت غادة وسكتت، أثناء سيرهما بالسيارة كانا يقابلهم عشرات الصور واللوحات الصغيزة والكبيرة لوجه مصطفى وصوره التي تمجد فيه تحت الكثير من المسميات مثل "فاتح مصر"، "جيفارا مصر"، وما إلى ذلك، وكان يلقب "بأبي مريم". كان وجه مصطفى الجميل البشوش كما لو كان زينة للناظرين في جميع أنحاء الشوارع المصرية، ففور أن يبصره المرء تتغلغل المشاعر الإيجابية التلقائية داخل أوردة قلبه، وينشرح صدره ولا يستطيع أن يكف النظر إلى عيني مصطفى، عينا مصطفى التي كانت تومض بالعزة والإيمان والهيبة والنصر المبين، تلك العيون هي عيون رجل بحق. _أحسن حاجة حصلت في العشرين سنة دول إن مصر شالت صور فاروق اللي كانت مالية الدنيا وحطوا بدالهم صور مصطفى، بس اللي يقفلنا من البلد دي هي صور نور اللي منتشر أكتر والتماثيل الغريبة بتاعته. بعدما قالت غادة ذلك ابتسم عصام وهو يوافقها بإيماءة رأسه ثم قال: _أخبار مراته الدكتورة إيه؟ ماكنتش أعرف إنها حامل إلا من قريب. _كويسة الحمد لله هي في الشهر السابع دلوقتي وما شاء الله حملها ماشي كويس، وهي برضو بقت تشتغل في عيادة خاصة ليها بعد ما استأذنت مصطفى وسمحلها. اندهش عصام وهو يقول: _طب وجابت العيادة منين؟ _أصل فيه رجل أعمال اسمه ياسر صلاح الدين، ده بقى قائد في جيش مصطفى وبقى شريكه ومرات الراجل ده أعجبت بنجلاء وذكائها وحبت تهديلها شقة كده يعملوها عيادة عشان شافت إن حرام علمها مستخدموش لفايدة الناس. أومأ عصام برأسه مجددًا ثم سألها عن هاجر: _هاجر بقت راجل البيت حرفيًا، لما مصطفى سمح لنجلاء تروح للعيادة اللي جنب العمارة أصلاً اشترط عليها إن هاجر تنزل معاها وتقعد معاها طول وقت الشغل، وهي اللي بتجبلنا الأكل وتوصلنا وبتأدب مريم، حرفيًا هاجر مش مخليانا محتاجين راجل في حياتنا. كلما كانت غادة تتحدث كلما تزداد ابتسامة عصام شساعة إلى أن قال بتهدج خفيف: _و... وعلا... علا بتجيلكم؟ سكتت غادة قليلاً ونظرت لعصام برأفة وشفقة حين لاحظت عينيه المغرورقتين فور تذكر علا. _آه... بتجيلنا دايمًا عشان تقعد معانا وتطمن على نجلاء. _الحمد لله... واضح إن كلكم لسة مع بعض.. الحمد لله.. دي أهم حاجة.. الحمد لله. _وأنت؟ سليم بيزورك أو حاجة؟ _هو قالك إنه بيزورني؟ حركت رأسها بالنفي ليردف بنبرة ازداد ارتجافها الدال على كبح بكائه: _محدش بيزورني بصراحة... ولا حد بيسأل عليا إلا نور ساعات بييجي ويزورني بس مش كتير، بس عادي أنا عاذرهم.. أنا برضو لو كنت مكانهم كنت هسيبني. سكتت غادة وهي مشفقة عليه ثم أكمل قائلًا: _معرفش أنا زعلان ليه... أنا متعود أكون لوحدي من زمان حتى أنا كنت بصد ابني لما كان بيعوز يقعد معايا.. كنت بصد النعمة... دلوقتي أنا محتاجه أكتر من أي حد في حياتي.                              ************ يكبس سليم زر جرس منزل يوسف في تلهف وعجلة وهو لا يطيق انتظار رؤية يوسف أخيرًا بعدما غاب عنه أربعة أشهر بسبب عمله وانشغاله خارج مصر. فتح يوسف الباب ورحب بسليم، وبعدما أدخله قال: _عرفت إزاي إني جيت؟ كنت لسه هعرفك. _لا، مهو نور قالي. سكت يوسف وهو يحرك بؤبؤ عينيه بشكل دائري كما لو نفذ صبره من ذكر سليم لنور، ثم أردف سليم بسؤاله متلهفًا: _طلبت فريدة صح؟ طلبتها؟ _تعالى يا سليم، تعالى نقعد وهفهمك كل حاجة. دخلا غرفة المكتب الخاصة بيوسف وجلسا مقابل بعضهما. كانت ملامح يوسف تتشرب بالجدية والقلق الطفيف، والذي أقلق سليم بقوة. ليبدأ يوسف حديثه بقوله: _أول ما خلصت شغلي جيت مخصوص عشان أطلب فريدة، زي ما وعدتك بعد ما غابت عنك أربع شهور، بس لما كلمتهم هم امتنعوا، وامتناعهم عن إرسال أي حد للدعارة بيكون لسبب واحد بس. _وهو؟ _عيد الأضحى. ازدادت عقدة حاجبيه في تهيع، ثم حرك رأسه باستفهام وهو يسأله في صمت ليجيبه يوسف مردفًا: _في كل عيد أضحى... بيحبوا يصفوا المسلمين اللي عندهم ويعذبوهم قدام السياسيين والوزراء والنجوم وألاعيان وعلية القوم بشكل عام. بيحتفلوا بالعيد ده بشكل ساخر ويدبحوا المسلمين على طريقة دبح الأضاحي. بيجمعوا كل مسلمين السجن كله وبيقتلوهم اليوم ده، وقليل جدًا منهم اللي بينجوا. فقبل عيد الأضحى بشهر، بيمتنعوا عن إرسال أي حد برا دارين عشان يجهزوا للعيد ده. شعر سليم بأشواك منصهرة تغرز في رئتيه، جعلت أنفاسه تتثاقل ويكبحها حرارة قهره. وثب واقفًا وهو يقول بصوت ثابت من هول الصدمة: _يعني إيه؟ ده فاضل أسبوعين على عيد الأضحى، كده فريدة هتروح يعني؟ فريدة وأبوها وإبراهيم كلهم هيروحوا؟؟ وقف يوسف وهو يقول بنبرة هادئة محاولًا تهدئة سليم: _بص، آخر مرة فريدة كانت موجودة، أنا أدّيتها مادة تعمل تفاعل قوي ومميت مع تركيبات السم اللي اتبنت في أجسادهم من اللي إبراهيم كان يحطهم في أكلهم وهدومهم. المادة دي لما تتفاعل مع السم البطيء هينتج رد فعل أسرع، مش هتزيد عن مدة الأسبوعين، فانت ادعي إنهم يهلكوا قبل عيد الأضحى. قال سليم منفعلًا بنبرة محتدمة: _أنا أصلًا مش فاهم ليه تخليهم يعيشوا في عذاب طول السنين دي لأجل سم بياخد سنين على ما مفعوله يطلع؟ ما كانت تديلهم سم سريع وخلاص!!! _سليم، أكتر حاجة واحد زي إبراهيم محتاجها في المكان ده هي بناء الثقة. لما يقعد يعملهم أكل لمدة سنين وما يحصلهمش حاجة ده ثقة. لما ندى تديلهم الأدوية وتجهز لهم هدومهم وما يحصلهمش حاجة دي ثقة. وكمان الموظفين ليهم ورديات في الأكل والنوم، فلو حطولهم سم سريع مش كل الموظفين هيموتوا زي ما هما عايزين. جزء منهم بس اللي أكل أو لبس في المدة دي هو اللي هيموت، والجزء التاني اللي مأكلش وملبسش هيقتلوا كل اللي شاركوا في الموضوع ده وهيعذبوهم. السم البطيء هدفه بناء الثقة لوضع سم أسرع، ولنشر السم في كل موظف في المكان ده من كبيره لصغيره، والمادة اللي أخدتها فريدة هي اللي هتبقى فيهم نهايتهم خلاص. _طب وقفهم يا بروفيسور! هو مش سردار ده رئيسهم ده يكون صاحبك؟ كلمه ووقفه، أبوس إيدك، مينفعش تسيب الموضوع يعدي كده. أنا مش هسيب فريدة تموت أنا! حين ذكر سليم اسم سردار، ظهرت نظرة غريبة على عيني يوسف رغم برودتهما. اسم جعله يسكت ويسرح في مشاهد الماضي التي تتوالى في عقله بينه وبين ليلى. بدا عليه الحسرة الطفيفة على صديقه، ثم قال: _وهو لو لسة صاحبي كنت عملت الخطة دي مع إبراهيم؟ وهو لو أنا كنت قادر أكلمه زي زمان كنت عملت كل ده؟ سردار اتحول... وبقى راجل أجن من أدهم نفسه. أدهم بقدر أتكلم معاه وأهدده وأتخانق معاه وأهزر حتى معاه. إنما سردار... مقدرش حتى أشوف شعره منه. ظل سليم يحدق في يوسف متحسرًا مرعوبًا على زوجته حتى لاحظ دمعة تنساب من عينه، فمسح يوسف تلك الدمعة ووضع كفه على وجنته وهو يقول: _مش عايزك تقلق... فريدة بنت قوية وأنا واثق إنها هتنجح وهتنجو. عايز أقولك إن فريدة بسببها كلهم هينجوا لأن أنا بطلت أطلب بنات من هناك من سنتين، وهي الوحيدة اللي رجعت بأقوى مادة أنا عملتها لحد دلوقتي. أوعدك إن المادة هتتفعل قبل ما يحصلهم حاجة. بعدها جذب رأس سليم إلى منكبه وعانقه بكل حنين ومواساة في مشهد دافئ يظهر تطور علاقة كليهما ببعضهما. لم يتوقع سليم قط أن يقوم يوسف بتلك الخطوة، ذلك العالم القدير المشهور العبقري الذي لم يتخيل ولو للحظة أن يتبادلا النظرات، ها هو يجذبه لحضنه ويواسيه ويطمئنه. ليستوعب سليم أن يوسف يتخذه كابن له وليس تلميذًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة