ابن عـاق

ابن عـاق

54 1

مسحت أعين ميلڤين على مجموعـة رينا المُجتمعة على شكل خُمـاسي، كانت مُدججـة بالأسلحـة الحادة، رينا تضع سكاكين على حمالة جلدية تلتف حول فخذها الأيسر بينما ساطورها مستقر على خصرها ، بقية الأعضاء أيضًا يحملون سكاكين وخناجر وهُناك ثياب ذات قُماشٍ عتيق مطوية وموضوعة على الكنب الأسود الذي يجلس عليه ألكس. بعد فحصه لهم حدق بأعيُن رينا، وتحديقه كانَ سؤالًا صامتًا.. ردت عليه:

ــ سنذهب لاغتيال والد ألكس، ونسب كل أملاكه لابنـه.

نظر ميلڤين إلى ألكس ليجدهُ جالسًا، يلُف حول سبابته بعض خُصلاته اللولبية وملامح وجهه غير مُبالـيـة.

(رينا): أُريـدُكُـم هُنـا جميعًا بعد ساعتين.

(باركر): لمَ لا نذهب الآن؟ أنـا مُتحمِسٌ لذلك؟

(رينـا): كـلا، يَجِبُ أن نذهب في الوقت الذي ستبدأ فيه الحفلـة.

(باركر): آوه ... صحيـح.

(ميلڤين): حفلـة؟؟ سيتواجد العديد مِن الناس وذلك سيصعب علينـا مُهمـة الإغتيـال!

ابتسمت رينا وقامت بدف كاميرون بلطف نحو الباب بقصد المُغادرة، وقبل أن تخطو قدمها للخروج أومأت لألكس بأن يشرح لميلڤين الأمر.

(ألكس): سيُقيم أبي اليوم حفلـة كبيرة على الطراز الفينيسي، سيحضُر فيها العديد من أصحاب النفوذ والسياسيين، واغتياله اليوم سيُبعد الشكوك عني ولن تحوم حولي أي شُبهات فيما إذا كان لي علاقة في مقتله، لأنهُ بالطبع سيتم التحقيق مع السياسيين وذوي النفوذ الذين يعملون معه فمقتله سيعود عليهم بالمنفعة و ستكون لهم مصلحـة في موته، ونحن جميعًا سنذهب إلى هُناك بأقنعة وثياب تنكرية بصفتنا من المدعوين إلى الحفل، وسنُغادر جميعًا قبل أن يتم اكتشاف الجُثـة.

(ميلڤين): ماذا عن بطاقات الدعوة، بلا شك لن يدخل الحفلة كُل من هب ودب!

ابتسم ألكس بخفه ثُم مد له بطاقة دعوة، تناولها ميلڤين وقد توسطت حاجبيـة عُقدة، فشرح لهُ ألكس كيف حصل عليهـا:

ــ أحد رجال أبي يعمل لمصلحتي وقد أخذت الدعوات منـه.

(ميلڤين): وهل أنت واثق بأنه محل للثقـة ؟

(ألكس): نعم فقد رشوتُـه.

ابتسم ميلڤين ابتسامة ساخرة ثُم قال:

ــ ماذا لو أنه احتفظ بما قدمتهُ له ثم ذهب وأخبر والدك بالحقيقـة ووالدك بالطبع سيُكافِئُـه بمالٍ كثير نظرًا لإخلاصه ووفائه، وهكذا سيحصل على مالٍ من كلا الطرفين وبمقدارٍ أكثر، ونحن سنسير على الخيط الذي سيرسمه لنا فيما بعد مع والدك ، وبينما نحن نظُن أن خُطتُنا تسير على النحو الصحيح نكون في طريقنا لفخه، حيث نقدم أنفسنا لهم على طبقٍ من ذهب وحيث لا تتعب الشرطة في البحث عنا أو مُلاحقتنا.

مسح ألكس على ذقنه وعقد حاجبيه، يُفكر فيما قاله ميلڤين وكيف أن ذلك احتمال منطقي وليس وارد فحسب .

بقي صامتًا وهذا كان رده .. بينما قام ميلڤين بالضغط على أرقام هاتفه.

ــ نعم ؟

(ميلڤين): هُـناك ثغرة في استراتيجية الخطة.

سألتهُ رينا بينما هي تتناول قطعة كعك بِمُـربى الفراولـة:

ــ  أتقصد تابع ألكس؟

هُنا... ظهر شبح ابتسامة خفيفة على ثغر ميلڤين لأنه أدرك الآن بأن مثل هذا الأمر ماكان ليغيب عن بالها...

أردفـت: لاتقلق فابنتهُ عندي ولن يجرؤ على ارتكاب أي شيء مُخالف لأمري.

(ميلڤين): أُعذُريني لوقاحتي، كان عليَّ أن أعلم منذ البداية بأنكِ لن تغفلي عن مِثل هذا الأمر.

ضحكت بخفة ثُم قالت:

ــ مِن المؤسف بأن مجموعتي لم يعُد بها إلا وقح واحد يستفسر عن كُل أمر ويُركز على كل ثغرة، على كُلٍٍّ لا تشغل بالك إن لم أخبرك عن مثل هذه الثغرات، فأنا أتكفل بأمره دائمًـا.

(ميلڤين): حسنًا إذن ... استمتعي بما تتناولينه.

انعقد حاجبيها في هذه اللحظة كما لو أنها قد تذكرت شيئًا مُزعِجـًا، وحينها قالت بانزعاجٍ شديـد:

ــ كُنت مُستمتعة بتناول الكعك مع كاميرون حتى اتصلت أنت وأفسدت علينا أجواءنا الرومانسية!

1

فلتت ضحكة صغيرة من بين شفتيه ثُم قال:

ــ أُعذرينـي مُجددًا.

وبعد قوله ذلك تم إغلاق الخط مِن قِبلِ رينا.

همس باركر في أُذن ألكس: أرأيت ما رأيته؟!

(ألكس) بهمس: نعم، لقد ابتسم ثلاث مرات!

(باركر): لابد وأن يسجل هذا الحدث في التاريخ!

كـالفورنيـا ـ ـ لوس أنجلوس ـ ـ بعد ساعتين.

اجتمعت مجموعـة رينا في الوقت المُحدد، وكُل واحدٍ منهم يرتدي ثيابًا فاخرة، ويضعُ قناعًا مُزخرفًا حول عينيه...

قبضت رينا على كتف ألكس وهزته بقوة ثم قالت بنبرة جادة: أنـا أم أنـت؟!

في تلك اللحظة انقبض فك ألكس وبقي صامتًا لوهلـة ... أعادت رينا كلامها السابق وبنفس النبرة:

ــ أنـا أم أنـت؟!

ارتخت عضلاته شيئًا فشيئًا ثُم رفع ناظريه إليها ونطق: أنـا!

أرخت يدها القابضة على كتفه وربتت عليه ثُم حدثت المجموعة كاملةً:

ــ كالكيس سيكون في الحفلة، أنا وكاميـرون سنُجري معه صفقـة أسلحـة وفي الوقت الذي ينفرد فيه السيد مايلز، يقوم ألكس بقتلة وعليك يا ميلڤين أن تُرافقه من باب الاحتياط ما إن وجِد شخص أو شخصين مع  السيد مايلز تكفلت بأمرهِما، أما أنت يا باركر فعليك أن تُراقب كُل شيء، وأن تُحذرنا من أي خطر أو أي شيءٍ مُفاجئ.

أومأو جميعًا بالموافقـة ومِن ثُم أنطلقوا. رينا وكاميرون على سيارة Ferrari Enzo ذات لونٍ عنابي مُميز بينما بقية المجموعة ركِبوا على سيارة أخرى من نوع (bmw (G20/G21 ذاتُ لونٍ فحمي آخاذ وبينما هُم متوجهين إلى موقع الحفلة، تبعثر ضوء الشمس في السماء فانصفت ألوان الشفقِ تدريجيًا، الأزرق الداكن ومن ثم البرتقالي وبعدها الزهري يليه البنفسجي ــ وما هي إلا لحظات حتى أبدلت السماء ثوبها بثوبٍ آخر داكن مُطرزٍ بالنجوم ...

1

خطت أقدامُهم على القاعـة وضربت الثُريا رؤوسهم بنورهِـا الذهبي .. رفعت رينا رأسها لتقابل وجه كاميرون متفحصةً إياه.. ما إن كان على مايُرام، فهي تستشعر توتره قُبيل كُلِ مُهمة ــ أخفض عينيه إليها بعد أن شعر بتحديقها نحوه، وعِندها تجمد بدنُه وانصهر قلبُـه، فبِمُجرد أن نظر إليها سحرتهُ أعيُنها السماوية ولاسيما الطريقة التي انعكست عليها أضواء الثُريها وكيف ازدادت أعيُنها المسحوبة جاذبيةً خلف ذلك القناع اللماسـي ..

بالطبع هذهِ ليست المرةُ الأولى التي يُسحر فيها بجمالها الأخاذ إلا أن جمالها اليوم مُختلفُُ تمامًا ولاسيما لمعة أعيُنها التي تقبع خلف القناع...

لاحظت انحباس أنفاسه وتجمد مكانه فظهر على شفتيها شبح ابتسامة، وعندئذٍ تحدثت بنبرة لا تخلو من الـدلال:

ــ عزيزي كـاميـرون، ركز على المُهمـة!

رمش بعد أن سمع صوتها، وعندئذٍ ابتسم بخفة وقال:

ــ حسنًا ولكن لا تنظري إليَّ مُباشرةً!

ضحكت بخفة وباشرا البحث عن كالكيس بين الحشود المُقنعـة...

كان البحث صعبا بعض الشيء ولاسيما أن الجميع يرتدي أقنعة و أن أغلب الحضور لم يتوقفوا عن الرقص في القاعة.. سبقهـا كاميرون ببضع خطوات عندما رصدت عيناه ثلاثة أشخاص يجلسون على طاولة زُجاجية مُستديرة وكيف أن أكبرهم صاحب الشعر الأشهب قدّم للشابين أمامه شيئًا ملفوف بخرقةٍ بيضاء. شك بأن ذلك الرجل قد قدّم لهُما ممنواعات فقد كان الرجل ينظر يمينًا ويسارًا ليتأكد من أن لا أحد ينظر إليه. وتأكد كاميرون من أنها ممنوعات عندما ناولاه الشابان حزمة من الدولارات الملفوفة بكيسٍ شفاف.

شعر كاميرون بأنه يعرفه فحاول أن يعرف ماهية ذلك الشخص على الرُغم من ذلك القناع المُزخرف.. قطع تبصره بذلك الرجُل صوت رينا التي صرخت باسمه من الخلف، التفت إليها فقالت له:

ــ لماذا أفلتني؟ أتعلم أن مكروها كاد أن يُصيبني؟!

عقد حاجبيه وقال: مالذي تقصدينه؟ أي مكروهٍ كاد أن يُصيبكِ؟

أشارت إلى خلفها حيث كانت ترقص عجوز تبدو في السبعين من عُمرها ...

(رينا): أترى تلك العجوز؟!

(گاميرون): أين؟!

(رينا): تلك التي ترتدي فُستانًا أصفر مُبهرج!

(گاميرون): آه، نعـم رأيتُهـا!

(رينا): أثناء عبوري بجانبها كادت أن تصدمني بـمـ*** اللـ*يـنـ*.

1

ضحك كاميرون بخفة، وشبك أصابعه بأصابعها، ثم قال: حسنًا لن أفلت يدكِ مُجددًا.

سألته وهي ما تزال مُبتسمة: قُل لي بماذا كُنت تُحدق؟

أشار لها بذقنه، حيث يجلس ذلك الرجل.. وضعت يده على فمها ثُم قالت بدهشة:

ــ كالكيس، لقد وجدته!

قال (كاميرون) بدهشة لا تقل عن دهشتها:

ــ لوهلة اعتقدت بأنهُ السياسي هيلسون!

(رينا): كالكيس هو نفسهُ السيد هيلسون.

رفع كاميرون حاجبيه بدهشه وقال :

ــ آهاه… لم أكن أعرف!

تقدمـا إلى الطاولة ثم جلسا أمامه، وبمُجرد أن نظر إلى رينا فهم أن هناك صفقة فأومأ للشابين بالانصراف، وبعد أن ذهبا وأصبحت تلك طاولة تضمهم الثلاثة فقط .. تحدث السياسي كالكيس:

ــ كيف حال الزعيم جيـفرسون؟

ــ بصحـةٍ جيدة.

وبعد قولِهما لهاتين الجُملتين دخلا في موضوع الأسلحة مُباشرةً واتفقا على جودة الأسلحة، نوع الذخيرة وعددها وعلى مكان الاستلام والسـاعة المُحددة وعلى اليوم والمبلـغ المطلوب ..

الحديث بينهما كان خافتًا وهامسًا ورمزيًا بعض الشيء بالرغم من أن لا أحد يراقبهما أو ينظر إليهما فالجميع مشغول بالتمايل على سمفونية الحفل...

وفي اللحظة التي أنهيا فيها المساومة، ظهر السيد مايلز على الدرج ورحب بالجميع بصوته الجهوري:

ــ أهلًا وسهلًا بالجميع، يشرفني حضوركم أيها الحضور الكرام، أُقيمت هذه الحفلة لأجل التبرعات التي ستساهم في نفع المُجتمع، استمتعوا بوقتكم...

الجميع توقف عمّا كان يفعل وأنصت إليـه وبينما الجميع ينظر إليه بأعيُن مُبتسمة كان أحد الحضور ينظر إليـه بأعيُن تحمل حقدًا دفينًا، كانت أعيُن ابنه ألكـس...

الحقـدُ الذي في عينيه كان عبارة عن شريط مِن الماضي مر أمامـه في اللحظة التي ظهر فيها والده وفي اللحظة التي سمع فيها صوته....

FLASHBAK….

بِخُطىً قافزة ونفس دُخاني عاد ألكس إلى البيت،  استقبلتهُ والدته بحضنٍ دافئ .. باعد ذراعيه عنها ببُطء ثم سألها:

ــ أوالدي في البيت؟

عقدت الأم حاجبيها بعد أن وصلتها رائحة أنفاسه السامـة، سألته وقد تغيرت نبرة صوتها إلى مايُشبه صوت الشجن:

ــ ألكس! أعُدت للتدخين؟!

عض على شفته السُفلى وأخفص عيناه إلى الأرض، وهذا كان كافيًا لتعلم بأنهُ قد عاد لعادته السابقة...

هزت رأسها بحسرة ومسحت على كتفه ثُم قالت: اذهب وتناول شيئًا ما حتى لا يعلم والِدُك.

أومأ برأسه ومِن ثُم حرك مُقلتيه ببُطء حيث الرواق الأيمن والذي صدرت منه وقع خطوات...

ــ حتى لا أعلم ماذا؟

جاءهُما صوت الأب بنبرة غليظة وقد ارتسمت على وجهه ملامح الغضب أثناء أرشقته لابنـه...

انكمشت معدتها خوفًا على ابنها وهذا جعلها تدس برأسه على حجرها وتُحكم بقبضتيها على ظهره ــ ردت عليه بتلبُك: کک...كلا، لاشيء مُهـم!

تلبُك الأم جعله يتأكد بأن ألكس قد فعل شيئًا فسحبه من الخلف وانتشله من بين أحضان والدته بِعُنف ــ سقطت الأوراق البيضاء من يد ألكس وتزامن ذلك مع انتشاله ــ ترنح وكاد أن يسقُط هو أيضًا لولا أن قبضة والده على قميصة كانت قوية.. تحدث وهو يصك على أسنانه بغيظٍ مكبوت:

ــ مالذي فعلتـهُ اليوم أيضًا؟!

حدق ألكس بأعيُن والده ورد عليه من بين أسنانه المصكوكة: لا شيء عدا أنني أردتُ أن أُريك درجاتي القوية التي لطالما كُنتَ تؤزني للحصول عليها!

تغيرت نظرات الأب إلى نظرات ساخرة عندما قال:

ــ أؤزك! أتقول هذا الهُراء عني؟!

بقي ألكس صامتًا بينما عيناه تقول الكثير من الأشياء الوقحة ووالده فهم كلام تلك الأعيُن الحقيرة، وماهي إلا لحظات حتى تسللت رائحة الدُخان إلى حاسة والده وفقط في هذه اللحظة وبينما الأم تشد على ثيابها خوفًا من اللحظة التي سيعلم فيها زوجها بالحقيقة، تلقى ألكس صفعةً جعلتهُ يخر على الأرض...

شهقت الأم وهرولت إلى ابنها، حاول ألكس النهوض إلا أن أطرافُـه قد خانته. احتضنته أمه وأخذت تمسح على خُصلاته اللولبية وبينما هي تذرف الدموع لِما حل بولدها، شتمهمُا الأب بصوتٍ اخترق الجُدران:

ــ تبًا لكُمـا! وأنتِ بدلًا من أن تضعي لهذا الأحمق حدا تتسترين عليه، إلى متى سيظل على هذه الحال؟ فالينظـر إلى أخيه وليتعلم منه ولو قليلًا!

ــ كفى، كفى أنت تقسو عليه! هو ما يزال مُراهقًا ولا يجب أن تعاملهُ هكذا، وليس من الضروري أن يكون مثاليًا كهاري!!

ــ بل عليه أن يكون كأخيه! سبب فساده هي تربيتُكِ القائمة على الدلال، أنظري كيف أصبحَ عاطلًا!

ــ أتقول بأني السبب؟! ماذا عن هاري؟ أنا من ربيته ماتفسيرك لإختلافه عن ألكس؟!.. أنت من يُميز ابننا هاري عنه لكونـه البكر، هاري هو هاري وألكس هو ألكس، توقف عن المُقارنةِ بينهُما! لو أنك كنت تهتم بمشاعر ألكس عوضًا عن مُقارنته مع أخيه لما انحرف عن الطريق، كُل خطأٍ ارتكبه كان بسبب إهمالك له!

ــ بل أنتِ من يُميز بينهُما كون ألكس هو الأصغر، لقد وصل إلى هذه الحال بسبب تدليلكِ اللعين!

ــ مُنذ متى وأنا أُفرِقُ بين ولداي؟ أنت من يُفرق بينهما والدليل على ذلك أنك لم تُلقِ بالًا على علامات ألكس وعوضًا عن ذلك ركزت على التبغ ،لتجد سببًا آخر يدفك لضربه!

ــ بالطبع سأركز على التبغ! فهذه المرة الثالثة التي يعود فيها إلى زوجه السيجار، لقد منعته وساعدته على تركها في البداية وها هو ذا الآن يعود إليها مُجددًا!

ــ ذلك لا يُعدُ سببًا لتضربـه!

ــ هذا لمصلحتـه!

أردف الأب بعد قوله ذلك وقد اشتدت نبرتُه غُلظةً:

ــ عُدتَ للسيجارة، لاتقل لي أيضًا بأنكَ قد عُدت لتعاطي المُخدرات!

صرخت الأم: كلا!! لقد تركها منذ سنة ولم يعد إليها أبدًا!

تجاهل الأب كلامها ووجه صُراخه لألكس: هل عُدت للتعاطي؟!

لم يجبه ألكس واكتفى بأن شد على عناق أمه ــ ذلك جعل العروق على طرف جبين السيد مايلز تبرز بشدة  ــ تقدم بخطواتٍ كبيرة في نية لانتشال ألكس مُجددًا غير أن زوجته قد أدارت ظهرها عنه وأحكمت قبضة يدها المُلتفه حول جذع ابنها، وبيدها الأخرى ضمت رأسه إليها كما لو أنها لن تحجب عن جسده الأذى فحسب بل عن ناظريه وعن كُل حواسه أيضًا...

صرخ (الأب): أترين؟! أترين كيف أنكِ تدافعين عنه، حتى بعد أن سكت ولم يُجبني، ذلك يعني أنه قد عاد للتعاطي أيضًا!!

شد ألكس على عناق أمه كما لو أن ذلك سيجعلهُ أكثر أمانًا ومِن ثُم نطق بصوتٍ مُرتجف:

ــ يكفي أرجو..كُما، أنا لمـ... لم أعُـ...د للـ...

كان صوته خفيضًا وبالكاد سمعته أُمه التي انهمرت دموعوها بغزارة لسماعها رجفة صوته .. صرخت الأم بعد أن مد زوجها يده لانتشاله مُجددًا:

ــ ابتعد عن ولـدي!!!

ــ اخرسي يا امرأة السوء!!

ــ بئس العشير وبئس الأب أنـت!!

وبعد قولها ذلك جاءتها صفعه أودعتها أرضًا إلا أن ذلك لم يثنها عن ترك ألكس بل جعلها تزيد من ضمه إلى حجرها..

وعلى هذه الحال تركهما السيد مايلز ومضى في طريقه وهو ما يزال يشتمهما من تحت أنفاسه...

فـي اليوم الذي سيتم فيه الإعلان عن تخرج ألكس من الثانوية العامة، حضرت والدته وأخوه هاري الحفل بينما السيد مايلز قرر بأن يبقى لأنجاز أعماله في الوكالة فذلك أولا من الذهاب إلى الحفل الذي سيتخرج فيه ألكس بالغش، ذلك ماقاله السيد مايلز وما كان موقِنًا به.

بقي الضيق يربض على صدر ألكس وهالة من الغضب تحوم حوله، بسبب كلام والده ولأن الجميع سعيد بينما هو مُتضايق، وبينما هو يربط خيوط حذائه سمع صوت خطواتٍ خلفه، التفت فوجد مُعلم الفيزياء.

استقام ألكس وحدق به بينما المعلم ينظر إليه بطريقة هازئة ــ رفع ألكس حاجبه يطلبُ جوابًا لقدومه ولنظراته هذه، تحدث مُعلم الفيزياء:

ــ اخلع ثوبك حالًا!

وتلقائيًا نظر ألكس إلى ثوب التخرج الخاص به وقال: مـاذا؟!

ــ كما سمعت.

ــ ما خطبُك؟!

(المُعلم): لن تتخرج هذه السنـة.

ــ لست أنت من يُقرر!

ــ نعم، لأن المُدير من سيقرر ذلك عندما أخبره بأنك غششت في امتحان الفيزياء!

عقد ألكس حاجبيه وقال بعزم: لن أعُيد دراسة السنة!

رد عليه المُعلم بنبرة ساخرة: مع الأسف ذلك ما سيحدث أيُها الفاشل!

تخيل ألكس أسوأ سيناريو قد يحدث له عندما يعلم والده بذلك وفي لحظة تهور، سحب سكينًا من جيب بنطاله وأودعهُ في عُنق المُعلم بسرعة .. بالطبع المُعلم لم يمتلك الوقت الكافي لإبداء ردة فعل، الشيء الوحيد الذي استطاع أن يفعله هو أن ينظر إلى ألكس بأعين متسعة قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة...

ليس من الغريب أن يحمل ألكس سكينًا في بنطاله، فعادة الجانحين دائمًا إمّا أن يحملوا مضارب بيسبول على أكتافهم وإمّا سكاكين في جيوبهم... 

ارتجفت يده وسقط السكين من عليها، أخذ يلهث لسرعة تضارب أنفاسه، استدار يمينًا ويسارًا ليتأكد من أن لا أحد قد رآه ، ولحسن حظه لم يكن هناك أي أحد بالفناء الخلفي للمدرسة فقد كان الجميع مجتمعين في القاعة التي سيتم فيها تكريم المُتخرجين، خطف السكين من على الأرض ونقعت أقدامه التراب تاركًا فعلته خلفه...

أخذ يركض ويتلفت إلى اليمين، اليسار، أمامه وخلفه. انخفض إلى الأرض وقام بالمسح على مقبض السكين بطرف ثوبه لأجل أن يمسح بصماته ومن ثم حفر بأنامله حفره صغيره ودسم بها أداة الجريمة، مرر قدمه على التراب ليتأكد بأن السكين قد دُفن تمامًا، ومن ثم ذهب إلى حيث التجمع كما لو أنه لم يفعل شيئًا!

ــ آه بُني أين كُنت؟

ــ أأ... في الحمـام.

ــ آها، هيا اذهب واصطف بجانب زُملائك.

توجه ألكس وجلس بجانب أحد رُفقاءه، رفقاء السوء، بقي ألكس يبتلع ريقه بين الحين والآخر ويمسح كفيه بثوبه نتيجةً لتعرقه المتواصل...

لاحظ رفيقه تعرقة والطريقة التي يهز بها قدمه أسفل الطاولة فوكزه بمعصمه وقال له بنبرة ساخرة:

ــ من يراك سيحسب أنك عروسة خائفة!

ضحك من رأس مناخيره بينما ألكس لم يُلقِ لمزحته أي اهتمام...

توقف رفيقه عن الضحك عندما لاحظ أنه وحده من يضحك على ذلك فوكزه مجددًا وقال:

ــ مابك يا رجل؟

ــ هل تمتلك سيجارة؟

تزامُنًا مع قوله ذلك مد له رفيقه سيجارة وقداحة، أخذها ألكس وفورًا غادر المكان بينما توسطت عقده بين حاجبي رفيقه...

ألكس لم يكن يتعرق لأن الخوف قد استنزف بدنه بل لأن الخوف والتفكير استنزفاه في الوقت ذاته، كان يُفكر بأن عليه مغادرة المدرسة كُلها وليس موقع الجريمة فحسب إلا أن مُغادرته للمدرسة بشكل مُفاجئ ستجعل كل أصابع الاتهام تتوجه نحوه فقرر أن يجعل خيار المُغادرة للجميع...

ذهب إلى مطبخ المدرسة الخاص وتسلل من بين الطباخين كظلٍ لشبحٍ لا يُرى، ولانشغال الطباخين بطبخ أكلات الاحتفال لم يلحظه أي أحد، وبينما هم يطهون الطعام، توجه إلى الرواق الذي تمتد منه الأنابيب، فكَ أنبوب الغاز ومن ثم أشعل السيجارة و وتركها مرمية على الأرض، أغلق الباب ببُطء ثم غادر كما دخل...

بعد وقتٍ ليس بالقصير طغى على ذلك الرواق الغاز المُتكاثف، ما يزال فتيل السيجارة مُلتهب إلا أن الأمر الذي يريده ألكس أن يحدث لا يزال بحاجة إلى عاملٍ ثالث ... الأوكسجين، نعم هو بحاجة إلى الأوكسجين لأن ذلك الرواق إمتلأ بالغاز فزادت نسبته عن نسبة الهواء، وليتم الأمر لا بُد من وجود ــ حرارة، غاز، أوكسوجين...

ــ أتشتم رائحـة غاز؟

جعد الطباخ الآخر أنفه ثم أيده: معك حق!

ــ دعنا نتفقد الأنابيب!

وبمجرد أن فتحا الباب المؤدي لمكان الأنابيب ــ تنفس الرواق أخيرًا فانفجر المـكان ولفحت النار المطبخ و ساحة الغداء وجزء لم يكُن بالبسيط من رُكن المدرسة...

صدعت الصرخات لكن ليس لمن لفح جلده تحت النار بل لمن شهد على الانفجار وهو يلتهم المدرسة، اندمجت أصوات الشهقات مع صفارات الحريق التي لم يعد لصوتها أيةُ فائدة لتحذير الآخرين، فقد سبقتها النار ولفحت من لفحت والتهمت ما التهمت...

جميع من في المدرسة نقعوا بأقدامهم الأرض، مُغادرين المكان وقد سبقوا المُرشدين في اتخاذ قرار المُغادرة، بينما حضر رجال الإطفاء لإخماد النيران الشرهـة...

انتهى الاحتفال الذي لم يبدأ أصلًا وتم نقل الجثث المحترقة ومن بينها جثة مُعلم الفيزياء والتي لم يكتشف أي أحد بأن جثته قد طعنت قبل الحريق فقد باتت ملابسه مُلتسقة بجلدة وكأنها جزءُُ لا يتجزأ من بدنه وبالطبع لن يتم التحقيق عن سبب موتهم لأن السبب واضح وهو تسرب الغاز في مطبخ المدرسة بسبب إهمال الطباخين...

وهكذا تم تعزية أهل المُعلم وبقية الأهالي بموت أقاربهم، وتم إغلاق الأمر على أنه حادث ونجى ألكس بنفسه وراح الكثير من الأبرياء نتيجةً لفعلته تلك..

عادوا إلى المنزل بخطىً بطيئة بينما الأم تردد صلواتها أثناء الطريق وتحمد الله لأن ولداها لم يُصبهما أي مكروه وبمجرد أن قرعوا على جرس الباب، فتح الأب الباب وتقضيبة بين حاجبيه ــ ومن دون أي إنذار تجاوز ابنه هاري حتى وصل إلى ألكس ــ سحبه من ياقة ثيابة بقوة ورماه باتجاه الباب ليتقلب على أرضية المنزل. باشر بركله إلا أن زوجته وابنه هاري اندفعا بسرعة وحاولا جاهدا بأن يُبعِداهُ عنـه...

بصق الأب على الأرض وقال بغُلظة:

ــ أنـا أعلم جيدًا بأن لك يدًا في الحريق!!

(الأم): أوكلما حدثت مُصيبة اتهمت ألكس؟!

ــ أنسيتِ أنه قد أحرق بيت جده فيما مضى؟!

ــ وهل ذلك يعني أن كل حريق سيحدث سيكون بسبب ألكس لمجرد خطأٍ سابق؟!

ــ أُراهن على أنهُ الفاعل، سافل ابن سافلة وأنا أعرفه!

ــ لا يوجد هُنـا سافلُ غيرُك!!

تسارعت خطوات السيد مايلز .. رفع يده في الهواء .. كتمت شهقتها وأغمضت عيناها.. التحـم كفُـه بخـد، لكن ليس خد السيدة مايلز بل بخد ابنها هاري الذي وقف حصنًا أمام بطش والده .. افترقت شفاه السيد مايلز بصدمة وماهي إلا لحظات حتى عادت ملامحه المتجهمة، لم ينطق بكلمة وباشر السير إلى غرفته ولكن ليس قبل أن يركل ألكس على ظهره، وعلى الرغم من أن السيد مايلز لم يرى دليلًا يُشير على أن ألكس هو الفاعل إلا أنـه قد اتبع حدسه وبالفعل كان حدسه في محله...

أخذت السيدة مايلز بتحسس خد هاري وهي تذرِفُ المُزن من عينيها، أمسك بيديها وطبع عليهما قبلة دافئة وأثناء فعله لذلك، قال:

ــ فداكِ يا أمي، فداكِ.

ضاقت أعين ألكس بينما هو ينظر لأخيه ويشعر بالغيض وذلك لأنه أعتقد لوهلة بأن هاري سيسلب منه اهتمام والدته كما فعل مع والده...

في صباح اليوم التالي .. استيقظ ألكس على نقرٍ بزُجاج غُرفته .. انكشفت ابتسامته مع كشفه للستار ورؤيته لعصفورة حمراء .. بدلّ بِجامته الرمادية بسترة بُنية وبنطال جينز أسود، خلل شعره بأناملة.

وضع يده على مِقبض الباب وباشر بفتحه إلا أنه قد فُتح قبل أن يفتحه ليتبين أنها والدته... ومن دون مُقدمات لفت يديها حول جذعة. بادلها العنـاق وبعد وقتٍ ليس بالطويل وبعد أن باعدت الأم يديها عنه برفق، قالت له:

ــ سوف اذهب إلى بافلو، أرجوك لا تفعل شيئًا يجعل والدك يغضب عليك!

أخفض رأسه وقال: هو سيغضب حتى إن لم أفعل شيئًا!

وضعت الأم أناملها أسفل ذقنه ورفعته ليقابل ناظريها ثم قالت:

ــ لا تقلق، فقد أوصيت هاري بأن يحميك ما إن حدث شيءُ في غيابي.

امتعض ألكس لمجرد ذكر اسم هاري، غير أنهُ سرعان ما بدل ملامحه بملامح أخرى أشبه بملامح جروٍ ضائع، قال عندئذٍ:

ــ لم يمضي على عودتك من بافلو سوى أسبوعين! أبهذه السرعة ستغادرين؟!

رق قلبُها وحنّت عيناها، فقالت له:

ــ ليس بيدي أيةُ حيلة فالصحافة تُناديني، هناك مؤتمر دولي لابد وأن أُغطيه!

قضم باطن وجنته وهز رأسه بتفهم إلا أن القلق قد أصبح لصيقة بعد أن عرف بأن والدته ستُغادر ولن تعود إلا بعد عدة أيام...

قضى ألكس نهارة في التسكع مع أصدقائه، هو لا يمتلك أصدقاء سوء في المدرسة فحسب بل يُصادق حُثالـة الأزقة أيضًا...

تحدث ألكس بعد أن أنهى من تنفس سيجارته:

ــ سُحقًا، لقد مر الوقت سريعًا .. عليَّ أن أعود إلى المنزل.

رد عليه صديقه الحُثالة باركر، بنبرة ساخرة:

ــ أما يزال والدك يخاف عليك من أن يختطفك أحدهم؟!

ــ هـه... وكأنه يهتم، هو فقط يُريد أن يقوّض حركتي!

ــ دعك منه وأكمل معنا سهرتنا.

تحدث صعلوك آخر بنبرة ساخرة:

ــ كلا، كلا، إنها السابعة مساءً، سوف يُعاقبه بابا لأنه تأخر!

وتزامُنًا مع انتهائه من قول ذلك ضحكت شلـة الصعاليك ــ امتعض ألكس ونهض من مكانه وتزامُنًا مع ذلك دس قبضتيه بجيوب بنطاله وبادر بالمُغادرة، استوقفه باركر بأن أمسك معصمه، نظر إليه الآخر من أعلى كتفه بينما قام باركر بدس كيسٍ صغير في جيب سترته، رفع ألكس أحد حاجبيه فقال له باركر:

ــ قلت لي بأنها قد نفدت منك.

رد عليه ألكس: نعم، شكرًا لك.

رد باركر: أرجوك سامحني ولكنني لن أبخل عليك إن طلبت مني ذلك!

أمضى في طريقة إلى المنزل وهو يتمنى لو أن بإمكانه أن يتباطأ حتى لا يرى وجه والده بسرعة، غير أن تأخره سيعود عليه بالضرر...

تحمحم ثم ضغط بإبهامه على زر الجرس فإذا بهِ هاري من فتح الباب ... لن يكذب ألكس ويقول بأنه قد انزعج من رؤيته لوجهِ أخيه لأن ذلك أهون بكثير من أن يُقابله وجه والده المتجهم...

مر ألكس من جانب هاري دون أن يتحدث في حين نظر إليه أخوه بنظرات مُنخفضة ومِن ثم سأله بهدوء:

ــ أيـن كُنـت؟

رمى يديه في الهواء بعدم تصديق وقال:

ــ رائـع! يبدو لي أن السيد مايلز قد كلفك بفقرة الأسئلة نيابةً عنهُ في هذا اليوم!!

ــ أين كُنـت؟

انكمشت ملامح ألكس بغضبٍ وصرخ:

ــ لا شأن لك، كونك الأكبر لايعني أن لك الحق في استلام زمام الأمور والتحقيق في كُل شيء!

ــ ليس وكأني سعيدٌ لأني سأُجالس طفلًا وألاحقه أين ما ذهب! أنا مضطر لفعل ذلك لأن أمي أوصتني بك!

ــ من الذي تنعتهُ بالطفل أيها السافل؟!

وبعد قوله ذلك اندفع باتجاه هاري، أعاد قبضته إلى الخلف ثم دفعها إلى الأمام في نية للكلم أخيه إلا أن هاري عاد خطوةً إلى الوراء وبكل بساطة بسط كفه ثم قبضها على قبضة ألكس...

صك على أسنانه لأن هاري قد تصدا لضربته فباشر لركل قدمه غير أن هاري قد سبقه وركله بكاحله خلف رُكبته ليرى ألكس بأن أخوه قد جعلهُ يسقط رأسًا على عقب...

وقبل أن يقوم أي واحد منهما بأي حركة أُخرى سمِعا صوت والدهما من خلفهما، ذلك جعل عضلاتهُما تتصلب...

ــ هـاري، ألكس، ما خطبُكُما؟!

(هاري): لا شيء.

نزع السيد مايلز نظارته ثم وجه كلامه لهاري:

ــ مـالذي فعله؟!

(هاري): لا شيء، أنا فقط قُلت له بأن يعود في وقت أبكر من هذا الوقت.

(السيد مايلز): ولماذا كنتما تتعاركان؟!

في هذه اللحظة انعقد لسان هاري ولم يعلم ما لذي عليه قوله، أخفض رأسه إلى الأرض ليتهرب من عيني والده ــ مرر السيد مايلز مُقلتيه من هاري إلى ألكس والذي كان يصك على أسنانه وينظر إلى الأرض أيضًا...

(السيد مايلز): ألن يتحدث أحدُكُما؟!

لا إجــابـة .....

بقي يؤرشِقُهُما وسرعان ما وقعت مُقلتيه على الشيء الذي يتدلى من سُترة ألكس ــ في تلك اللحظة كادت مُقلتاه أن تخرُجـا من محاجِرهما، تقدم نحوه فكمش ألكس عينيه وانكمشت معه جميع عضلاته استعدادًا لتلقي صفعة أو ركلة ولكن ما حدث كان أسوأ بكثير، فقد شعر بأن والده قد أخرج شيئًا من جيبه...

ارتجفت شفاه ألكس عندما رأى بأن والده قد كمش على الكيس الذي بيده، وسرعان ما سحبهُ من ياقته وأخذ يجره خارج المنزل، حاول هاري جاهدًا أن يمنع والده عن ضرب ألكس إلا أن السيد مايلز قد نهره ... بصق على الأرض ومن ثم قال ما قاله:

ــ  انقلع من أمامي!! وإياك وأن تخطو قدمك على عتبة منزلي مجددًا!!!

(هاري): أرجوك أبي سامحه هذه المرة!

ــ قطعًا لا!!

(هاري): ولكن يا أبي أين سيذ....

قاطعه السيد مايلز قبل أن يُنهي كلامه وقال:

ــ إن لم تذهب الآن يا ألكس فسأتصل بالشُرطة!

اتسعت حدقتاه بعد سماعه لوالده وهو يقول ذلك بينما أمسك هاري بمعصم والده وقال:

ــ أبي! إنهُ ابنُك!

لم يرد عليه وبقي يحدق بألكس في انتظار مُغادرته، استقام ألكس ونفض ثيابه من الغبار ومن ثم نظر إلى والده بنظرات حادة وقال:

ــ أعِدُك بأنك لن ترى وجهي بعد الآن.

أخرج السيد مايلز نفسًا هازئًا ورفع ذقنه بعدم اكتراث وعندها فقط أدار ألكس ظهره وغادر...

هرع هاري نحوه فمنعه والده بأن أمسكه من ذراعه، نظر إليه بحدة ومرر بصره إلى المنزل أمرًا إياه بأن يعود حالًا...

عاد إلى المنزل مُكرهًا إلا أن عيناه بقيت تنظر إلى الخلف حيث يخطو أخوه...

وبينما ألكس يمشي في الزُقاق ركل قارورة بلاستيكية كانت على الأرض، أسند ظهره على الجدار ومن ثم جلس وأخذ يشد على شعره، وفجأةً حدق أمامه أين سمع صدى ضحكات أنثوية، وما هي إلا لحظات حتى ظهرت أمامه امرأتين....

حدقتا به لبرهة ومن ثم نظرت كُلٌّ منهما إلى الأخرى وأعيُنهن تحمل لمعة مكر ــ سألتهُ رينا:

ــ تبدو كجروٍ أضاع أمـه!

قهقهت جيسيكا ثم قالت: مسكين!

رد عليهما ألكس وتقضيبة بين حاجبيه:

ــ مِن الأفضل لكما أن تنقلعا من أمامي فورًا!

شهقتا معًا في الوقت ذاته ووضعت كُلٌّ منهما يدها على صدرها بخوفٍ مُزيف ــ تبادلتا النظرات بأجفان مُنخفضة ثُم قالت واحده تِلوَ الأخرى:

(جيسيكا): آوه... أشعر بأن جسدي يرتجف!

(رينا): وأنا أكاد أُبلـل سراويلي!!

انفجرتا بالضحك وبذلتا جُهدًا كبيرًا للتوقف بينما ألكس يُنقّل بصره من واحده إلى الأخرى باستنكار، لا يعلم لمَ هاتين السافلتين تُريدا أن تزيدا من سوء يومه، استقامت أطرافه بعد أن طفح الكيل ثم صرخ قائلًا:

ــ انقلعا حالًا قبل أن أرتكب فيكما جريمة!!

وهنا توقفتا تمامًا عن الضحك وتوجهت عيناهُما نحوه بنظرات حادة. سألت رينا جيسيكا بنبرة جدية من دون أن تزيح عينيها عن ألكس...

ــ متى كانت آخر مرة لعبنا فيها كُرة القدم؟

ردت عليها الأخرى وبصرها مثبتٌ على ألكس:

ــ  مُنذ أسبوع.

(رينا): هل اشتاقت قدمُكِ للركل؟!

ردت (جيسيكا) مع ابتسامة جانبية: كثـيـرًا!

فلتت ضحكة صغيرة من بين شفاهه وهو لا يعلم لماذا؟ رُبما لأنه قد فهم مقصدهما ولكنهُ سرعان ما أبعد أفكاره وقال في نفسه " كلا بلا شك هُما تقصدان شيئًا آخر فعقلي السافل دائمًا مايربط الأمور بهذه الطريقة، ماذا تقصدان يا تُرى؟؟

فعلًا لقد حاول ألكس أن يُصفي نيته قدر الإمكان وأن يُفسر كلامهُما على نحوٍ آخر إلا أن حبل أفكاره قد انقطع فجأةً وذلك عندما قامت رينا بركله ركلةً قوية تلتها ركلة أخرى من جيسيكا، وبفعلهما لذلك أكدتا لهُ بأن تفسيره الأول كان تفسيرًا صحيحًا...

ركع على رُكبتيه وأحنى رأسه حتى لامس الأرض. أخذ يتقلب يمينًا و يسارًا ويشتِمهُما من تحت أنفاسه بكُلِّ لغات العالم...

وبينما هُما تقهقهان جاءهُما صوتُ باركر مِن خلفهما:

ــ هاي رينا... أعطيني حصتي من المُخدر....

لثم فمه بكفيه عندما لمح أن هناكَ شخصًا آخر معهُما، تقدم ونظر من خلف كتف رينا ليُبعد كفيه عن فمه ويكشف عن شفاهه التي افترقت بصدمة.. نطق:

ــ ألكس!

رفع ألكس ناظريه، وفورًا هرول إليه باركر وأسنده على كتفـه بينما رفعت رينا أحد حاجبيها وسألته:

ــ منذ متى وأنت تعرِفُه؟!

(باركر): مُنذ زمنٍ بعيد، إنهُ أعز أصدقائي!

(رينا)و(جيسيكا)بسُخرية: آسفة لأجلك.

وجّه باركر حديثه إلى ألكس:

ــ أليس من المُفترض أن تكون الآن في المنزل؟!

(ألكس): لقد طردني أبي بعد أن علم بأمر المُخدرات.

شعر باركر بأنهُ السبب في ذلك فنظر إلى رينا بنظرات مُترجيه وهي بدورها رفعت حاجبيها بعدم تصديق وقالت : لا تنظر إليَّ هكذا، يستحيل أن أضمه إلينا!

ــ أرجوكِ رينا، صدقيني أنه وغـدٌ جيـد.

ــ كلا!

شاركتهُما جيسيكا في الحوار وقالت:

ــ ولمَ لا؟ قد يكون جيدًا!

(رينا): هذا ما ينقُِصُني! إن قبلت بهذا فسأضطر فيما بعد لأن أقبل جميع أصدقاء باركر المشردين!

(باركر): كلا، ألكس فقط.

أدارت رينا ظهرها ثُم قالت بحزم:

ــ باركر! نحن لا نضم أي شخص!

(باركر): ألكس ليس كأي شخص!

(رينا): أعطني سببًا واحدًا يجعلني أوافق على انضمامه.

(باركر): هل رأيتي نشرة الأخبار التي تحدثت عن الانفجار الذي حدث في مدرسة طُلاب الثانوية؟!

(رينا): نعـم.

(باركر): ألكس هو من سببه لأجل أن يُخفي جريمة قتله لمعلمه!

وبمجرد أن سمعت رينا ذلك عادت أدراجها ونظرت إلى ألكس بحاجبين معقودين ــ أشاح ألكس عينيه بينما بقيت جيسيكا تنظر إليه بتمعُن...

(باركر): والآن؟!

ردت (رينا) مع ابتسامة جانبية: مقـبول.

ابتسم باركر ونظر إلى ألكس بسعادة فسأله ألكس بتوجُس:

ــ إلى أين ستأخُذُني؟؟

ــ إلى مقرنا العائلي.

end the flashback...........

كُل هذا كان عبارة عن شريط من الذكريات مر أمام عينيه خلال لحظات .. أدخل أنامله في جيبه ليتحسس سكينه ولوهلة شعر بلزوجة الدم عليه لمُجرد أنهُ قد تخيل ذلك...

وبعد أن انتهى السيد مايلز من الترحيـب، توجه إلى الرواق الذي تُـوجد به العديد من الشُرفات وكان هذا ما يُريدُه ألكس بالضبط، توجه بصره نحو ميلڤين ليجده وقد كان ينظر إليه مُسبقًا .. أومأ كُلٌّ منهما إلى الآخر لتبدأ مُهمة الاغتيال.

🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (81)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: نصيحة في مجرى سيل
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: بائعة المشانق
2025/08/07
الفصل 8: معشوق الجاذبية
2025/08/22
الفصل 9: عِراك الكلمـات
2025/08/31
الفصل 10: ابن عـاق
2025/09/08
الفصل 11: كمسرح الدمى
2025/09/28
الفصل 12: ابتزاز
2025/10/09
الفصل 13: عروس على حافة الموت
2025/10/11
الفصل 14: تحت أنقاض الماضي
2025/10/26
الفصل 15: شكوك
2025/10/28
الفصل 16: لا تتأخر
2025/10/29
الفصل 17: تحت الأقواس السبعة
2025/10/31
الفصل 18: عندما يصبح الخير شريرًا
2025/11/02
الفصل 19: عندما يغضب الزعيم
2025/11/04
الفصل 20: لدغة عقارب الساعة
2025/11/06
الفصل 21: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/08
الفصل 22: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/10
الفصل 23: عندما يُقدم الحُب كقُربان
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة الصنوبر
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة