أمريكا ـ ـ ولاية كاليفورنيا ـ ـ مقاطعة لوس أنجلوس ـ ـ منطقة ألتادينا/ باسادينا.
كان عُملاء البناء يعملون على ترميم الميتم في حين يبحث لوثر عن ليون الذي اختفى من المهجع فجأةً ...
ذهب للبحث عنه في الساحة وعندها اتسعت حدقتاه، حين لمح الحجر يهوي من أعلى السقالة. صرخ: لااا!!.. ليون انتبه!!!
لم يفهم ليون شيئًا واكتفى بالتحديق نحوه، انطفأ بريق عينيه عندما خسف الحجر على رأسه وأطبقه أرضًا.
هرع لوثر نحوه وبالكاد تحمله رُكبتاه، انهمرت الدموع من عينيه عندما وجد ليون هامدًا من دون حراك، وبيديه المُرتجفتين أزاح الحجر من على رأسه.
رأى رأس ليون وهو مفتوقٌ إلى نصفين بينما تفور منه الدماء ودماغه مهروس بزاوية الحجر. نفرَ منه وتقيأ كُلَّ ما في معدته.
تجمعت المُربيات وكل عمال الميتم إثر هذه الفاجعة، توقف العمل، وأقبلت سيارات الإسعاف والشرطة.
ارتعد أحد العمال خوفًا من أن يتم سجنه لعدم انتباهه على الحجر الذي وضعه بطريقة غير مستوية، وليبعد المصيبة عن نفسه ادعى قائلًا:
ــ هذا الطفل سحب خيط البكرة فزحزح الحجر وسقط عليه!
أمسكت المربية بذراعي لوثر في محاولة لرفعة، غير أن وهنه لم يسمح له، فحتضن ساق المديرة بينما يبكي بصوتٍ شاحب.
(المديرة) موجهة كلامها لإحدى الرمبيات: نيرلي!.. خذي لوثر وبقية الأطفال إلى المهجع، ولا تسمحي لهم بالخروج!
أمريكا ـ ـ العاصمة واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ حي كابيتول هيل.
كانت جيسيكا تشكو من خطبٍ ما، فلقد مرت ثلاثة أيام وهي تشعر بالإرهاق الشديد، أخذها لويجي إلى المستشفى وهنا كانت الصدمة، عندما أخبره الطبيب بالآتي:
ــ زوجتك تعاني من تمزق حاد في الرحم بسبب ورم ليفي كبير ويجب عليها أن تخضع لعملية جراحية بأسرع وقتٍ مُمكن.
(لويجي) بقلق خالطه السخط: وماذا تنتظرون؟!.. أجروا لها العملية حالًا!
(الطبيب): أردت أن أُخبرك أولًا بأنك ستخسر الجنين الذي في بطنها مع الأسف وهي أيضًا لن تقوى على الحمل مجددًا.
(ليوجي): هذا غير مهم!.. حياتُها هي أولويتي!
(الطبيب): حسنًا إذن .. لا تقلق، كُلُّ شيءٍ سيكون على ما يرام.
بعد أسبوع ...
كلنت جيسيكا مستلقية على الأريكة بينما تتوسد حجرها طفلتها الصغيرة فابيولا. دخل لويجي إلى غرفة المعيشة ووضع الغداء على المنضدة. كمشت الطفلة ملامحها وقالت بتقزز:
ــ أنت بالفعل سيئٌ في الطبخ، يستحيل أن أتناول ما قدّمته!
(لويجي) بعدم اكتراث: ليس أسوأ من طبخ والدتك.
تدارك أن جيسيكا ما تزال متعبة فتراجع عن كلامه عندما قال: أقصد .. أنا أمزح!
ابتسمت جيسيكا وهزت رأسها بقلة حيلة في حين اقترب منها لويجي وقال بنبرة هادئة:
ــ كيف تشعرين؟
(جيسيكا): بالتحسن.
ذبلت ابتسامتها بعد أن قالت ذلك وكان الحزن جليًا على صوتها ... عقد لويجي حاجبيه وأمال رأسه قليلًا ، سألها متوجسًا: هل من خطب؟
تنهدت ثم قالت: لقد كنت تتوق للحصول على ولد ليساعدك في تجارتك ولكن الآن.. لم أعد....
لم تكمل كلامها لأن لويجي أخرسها عندما وضع سبابته على شفتيها، واستطرد قائلًا:
ــ حياتكِ هي كُلُّ شيءٍ بالنسبة لي يا جيسيكا.
أردف: أمّا عن تجارتي فصغيرتنا فابيولا ستفي بالغرض.
(فابيولا) بتغنج: أنا فتاة رقيقة فلا تحملني أعباء عملك.
ابتسم بسخرية ووضع كلتا يديه على خصره فقد أبهرته طريقتها الجديدة في التدلّل ... استطرد قائلًا:
ــ لطالما تساءلت عن الشخص الذي أخذتِ منه لسانه الطويل؟!
مسحت فابيولا على خصلاتها الكستنائية وقالت: ألم تعلم بعد؟!
عضّ لويجي على شفته وسرعان ما انهال عليها وقوض يديها الصغيرتين إلى الخلف وشرع بدغدغتها ... كانت جيسيكا تنظر إليهما متبسّمة في حين تضحك فابيولا بهستيرية وتحاول أن تبعد معدتها عنه قدر الإمكان، أخذت تصارع بقدميها وهي تتقلب في الأرض، وعندما عجزت عن الإفلات صرخت قائلة وسط ضحكها:
ــ أرجوك .. توقف!.. أرجوك!.. أنا أعتذر .. توقف أرجوك!!
كانت هذه طريقة لويجي في تربيتها، فعندما تتطاول عليه أو على والدتها يقوم بدغدغتها حتى تعتذر ...
عندما أخلدوا إلى النوم، بقي لويجي يحدق بالسقف بينما يتوسد ذراعيه المشبوكتين خلف رأسه. غمغم أثناء ذلك" أنا حقًا أرغب بصبيٍ يخلِفُني ويكون ساعدي الأيمن .. فابيولا لن تساعد كثيرًا فذهنا متمسك بعالم الفساتين والمساحيق الملونة، وتجارة المخدرات عملٌ صعب .. لقد كانت على حق، ليس عليَّ أن أُحملها أعباء عملي ثم ماذا لو كبرت وعقلها يرفض عالم الجريمة؟.. عليَّ أن أعلمها بعض الأمور حتى لا تصدني أنا ووالدتها حينما تكبر وتعلم بحقيقة عالمنا المظلم "
العاصمة واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ ضاحية ساوث ليك يونيون.
كان كايون يجلس في غرفة المعيشة ويُحدق بشاشة التلفاز المُطفأة، سارعت يوجيني في خُطاها نحوه. عقدت الشال جيدًا على عُنقها ثم طبعت قبلة دافئة على خده. نظرت إلى شاشة هاتفها ليتبين لها أن وقت برنامجها يكاد يبدأ، فلوحت له بأناملها مودعةً ولكنها عادت أدراجها عندما لاحظت اكتئابه ...
(يوجيني): كايون.. أما زلت تعاني من الاكتئاب؟!
(كايون): لا أظن، أو ربما.
(يوجيني): أخبرني هل شتمك أحدهم أو ضربك في الآونة الأخيرة؟!
(كايون) متنهدًا: لا، أنا أشعر بالضيق من دون سبب!
(يوجيني): أمتأكد؟.. ألا تشعر بالألم أو الغثيان أو ...
(كايون): كلا كلا أمي!.. لا أشعر بشيءٍ من هذا القبيل.
(يوجيني): حسنًا إذن .. سوف أذهب إلى العمل وإن احتجت لأي شيءٍ أثناء غيابي فيمكنك أن تُخبر كرستين.
رمى نفسه بين ذراعيها بينما يقول: لا تتأخري!
بادلته العناق وقالت: لن أفعل.
ولأنه يوم السبت بقي كايون في المنزل ينتظر عودتها بفارغ الصبر، فقد أصبح يحبها للغاية ...
كان لا يذهب إلى المدرسة حتى يُقّبل رأسها وبمجرد أن يعود منها يرتمي في حضنها. أصبحت كلمة أمي سلسة على لسانه وأصبحت هذه الكلمة كـترنيمة علقت في رأس يوجيني. أمّا علاقة كايون بميلڤين فهي أشبه بعلاقة السمكة مع اليابسة ...
كان كايون يشاهد التلفاز، فزفر بضيقٍ عندما سمع صوت ميلڤين من خلفه:
ــ جهز نفسك.
كايون يعتقد أن ميلڤين يأخذه معه إلى الشركة في كل سبت وأحد حتى يُحسّن من علاقتهما إلا أنه قد استبعد ذلك في الآونة الأخيرة، لأنه بمجرد أن يصل إلى الشركة يتركه مع باركر ليلعبا معًا بالمُسدسات المائية بينما يبقى هو في مكتبه ...
(كايون): لقد مللت من اللعب مع باركر ثم أني لم أُحببه أبدًا!
(ميلڤين) وهو يعدل ربطة عُنقه:
ــ ومن طلب منك أن تحبه؟.. هيا اسبقني إلى السيارة.
قلّب عينيه ونهض على مضض في حين قال لهُ ميلڤين محذرًا إياه من تصرفاته:
ــ لا أعتقد بأنك تريد مني أن أفقأ لك هذه الأعيُن.
قلّب عينيه مجددًا بينما هو يربط خيوط حذائه ولحسن حظه أن ميلڤين لم يره ... وصلوا إلى الشركة، وكالعادة توجه إلى مكتبه وترك كايون مع باركر والذي سعد كثيرًا بقدومه ...
(باركر): كيف حالك يا فتى؟.. المدرسة أشغلتك كثيرًا!
(كايون): .....
(باركر): ما رأيك أن نغير اللعبة هذا اليوم؟
(كايون): .....
(باركر): أأكل القِطُ لسانك؟!
(كايون): .....
(باركر) متنهدًا: حسنًا لا بأس.
مد له مسدس بلاستيكي ولكن ليس الذي اعتاد عليه بل آخر بلونٍ أسود ... تناوله كايون من يده وحدق به لفترة في حين أحضر باركر اللوحة التي يصوبان عليها، كانت عبارة عن ورقة عُلّقت بين عصوين من البلاستيك ...
(باركر): الورقة السابقة كانت تُثقب بالماء أمّا هذه الورقة فهي أسمك منها بقليل لذلك أعطيتك اليوم مسدس خرز.
تراجع حتى أصبحت المسافة متوسطة بينه وبين الورقة، رفع يده في الهواء وضغطت سبابته على الزناد ، لتنطلق الكرة الصغيرة وتثقب الورقة تحديدًا في النقطة الحمراء المرسومة عليها...
(كايون): حسنًا .. أظن أن هذا أفضل من مُسدس الماء.
(باركر) وهو يصفق: أحسنت يا فتى، لقد أصبحت تجيد الإطلاق بدقة مُمتازة!!
استمرّ هذا الروتين فترة مؤقتة حتى استبدله ميلڤين بجعل كايون يلتحق بنادٍ مُخصَّص لتدريب الكاراتيه ... وبمجرد أن يعود كايون إلى المنزل يأخذه ميلڤين إلى الشركة لمدة نصف ساعة حتى يختبر مهارته القتالية وذلك بجعله يُقاتله ..
لم يتساهل معه أبدًا في حين لم يتذمر كايون من ذلك فهو الآخر كان يُقاتله بشراسة ليس لأنه يريد أن يطور من مهارته فحسب بل لأنه يكره ميلڤين أشدَّ الكُره ويحاول أن يسدَّد له ضربةً موجعة ... يوجيني كانت تعلم بأمر التحاق كايون بنادي الكارتيه ولكنها لم تكن على علمٍ بأنّ ميلڤين يعطيه تدريباتٍ أخرى في مقره أو شركته أيًّا كانت ...
وفي أحد الأيام قررت يوجيني أن تتوقف عن عملها في برنامج الدفاع عن حقوق النساء والذي تحول من ذلك إلى برنامج انتقاد للذكور .. قررت أن تتوقف لأنها شعرت أن وقتها مع عائلتها قليل وبأن العمل يأكل جُزءًا كبيرًا من وقتها، فاختتمت برنامجها بجملة أخيرة:
ــ الذكور كائناتٌ قذرة، والتساهل معها أشبه بأن تضعي يدكِ بين أضراس كلب شوارع، إياكِ ثم إياكِ وأن تثقي بهم .. أمّا الرجال فهم كالنساء لا فرق بينهما، وآخر نصحية سأُقدمها لكُن،َّ هي ألَّا تصمتنَ عن حقوقِكُنَّ حتى لا يعطوكُنَّ إياها من باب الإحسان عوضًا عن باب الواجب.
عادت إلى منزلها بعد هذه الجملة الختامية .. تشعر بأن الهواء لم يعد ثقيلًا ، سعادة غامرة تغمرها لأن وقتها الآن سيكون لكايون وميلڤين فقط ...
مرت الأيام وميلڤين يأخذ كايون إلى مقره كل يوم بحجة أنه يريده أن يكون مُلمًا بإدارة الأعمال، في حين يعطيه تدريباتٍ إضافية وعنيفة كذلك، ولاسيما أن نادي الكاراتيه لا يُعلّم ملتحقيه بالضربات التي قد تؤدي إلى قتل الخصم أو إيذائه برضوضٍ مزمنة، ولكن كايون قد باتَ مُلمًا بها ...
باركر كان يتساهل مع كايون في القتال أمّا ميلڤين فقد كان جديّ للغاية حتى أن كايون قد فقد وعيه أكثر من مرة بسبب عنف الآخر ...
مع مرور الأيام بدأ ينظر إلى ميلڤين بطريقة مختلفة، على الرغم من قسوته، كان ينظر إليه بإعجابٍ خالطة السخط، تارةً يُركز على هيبته وقوته، وتارةً يقمع إعجابه به عندما يُذكّر نفسه بأن الذي أمامه قد فرّقه عن أخوه وصديقه، وأنه كاد أن يقطع له لسانه في أحد الأيام.
Ahed Nasser🍂