صراع بين الحياة والموت

صراع بين الحياة والموت

55 0

ضمّت الغرفة ثلاثة رجال يرتدون بِدَلاً كُحلية. أخرج الرئيس ملفًا ووضعه أمام الشرطيَّيْن الآخَرَيْن، ثم تكلم بصوتٍ أجش:

​ــ تم تحويل هذه القضية إلينا.

​وأردف: وسأوكلكما بها، يجب أن تُحل خلال شهر، وإن انقضت المهلة قبل ذلك فعودا إلى مواقعكما.

​أجاباه: أمرك سيدي.

​ثم تناول الملف صاحب الخصلات النحاسية، وقرأت عيناه أول ما دُوّن عليه:

​"جريمة قتل السيد جين بمدينة سياتل. هناك أربعة أشخاص مشتبه بهم، إلا أن قلة الأدلة أدت إلى عدم معرفة هوية القاتل. أحد المشتبه بهم يرقد في مستشفى هاربورفيو الطبي."

​استقام الشرطيان وبدأا بتجهيز حقائبهما للسفر...

​في عصر ذلك اليوم... حين تشابكت أنامل الغيوم والتحمت ببعضها، ذهب كايون ليرى أمه كالمعتاد، إلا أن الباب لم يُفتح. نادى أُمه ثم جدته لكن لم يأته رد.

​أخرج هاتفه ليتصل بأُمه، وعلى غير المعتاد لم يصله جواب، فقلّب الأرقام واتصل بخالته فيرونيكا.

​فُتح الخط، وقبل أن ينطق، عاجلته: تعال إلى مستشفى هاربورفيو الطبي!

​سألها بارتباك: ما الذي حدث؟.. هل أمي بخير؟.. من المريض؟!

​اكتفت بأن قالت: تعال بسرعة!

ثم أغلقت الخط...

​تسارعت أنفاسه، فشدَّ على صدره وترجى: أرجو ألا تكون أمي.

​أثناء شقه للطريق، زرع الخوف في صدره ألف شوكة بذورها الشك؛ بدأ عقله يسترجع الأيام الخوالي، وكيف أن وجه أمه كان شاحبًا دون مرض. هزَّ رأسه مبعثرًا أفكاره وسار إلى داخل المستشفى.

​تضاربت أنفاسه مع رائحة المطهرات، وكان الهواء محملًا بمشاعر المترقبين لأي خبر يبين مصير أحبائهم. تراجع كايون إلى الوراء قليلًا عندما هرع الأطباء نحو غرفة الطوارئ جارين معهم عربة يصارع عليها مريض بين الحياة والموت.. ارتعدت أوصاله حين خُيِّل إليه أنها أمه.

​كانت أصوات أجهزة المراقبة تصم الآذان، وأنين المرضى يعشعش في زوايا المكان. تردد في أذن كايون صدى نواح جدته، فهرول نحو الصوت، وكان قلقه في محله حين رأى عائلة يوجيني على كراسي الانتظار.

​(كايون) بجزع: ما الذي حدث لأمي؟!

​أفرغت فيرونيكا الهواء من صدرها ثم قالت: لقد صدمتها سيارة.

​(كايون) وهو يصارع لالتقاط أنفاسه: كيف حدث ذلك؟! ومتى؟!.. هل هي بخير؟!.. أخبريني!

​(فيرونيكا) بنبرة مغمومة: لقد دخلت في غيبوبة، وفقدت الكثير من الدم.

​(كايون): أين هي؟!!

​أشارت له بإصبعها فهرع نحو الغرفة المقصودة. لسعت حرارة الدموع عينيه حين رآها من خلف الزجاج؛ كانت كالجثة، ووجهها شاحب إلى حد البياض. انتصب إلى جانبها حامل معدني يعلق كيس دم موصل بأنابيب واخزة في أوردتها.

​أمسك بمقبض الباب فشدت فيرونيكا على ذراعه وقالت: لم يُسمح لنا بالدخول بعدُ!

​انتزع ذراعه وأقدم على فتح الباب، فاعترضه ثلاثة أطباء لعزله عن الدخول. دخل معهم في مشادة واشتباك، فصرخ أحدهم:

​ــ نحن نقدّر وضعك ولكن لا يُسمح لأحد بالدخول الآن لتجنب أي تلوث، المريضة في حالة حرج!

​دفعهم وتجاهل تحذيراتهم، وتوجه نحو الباب مجددًا قبل أن يعترض طريقه شرطي. احتدت تعابير كايون وقال:

​ــ ابتعد عن طريقي، أريد رؤية أمي!

​(كاميرون) وفي عينيه برود قاتل: سمعتَ كلام الأطباء على ما أظن.

​اختلجت عضلة في فك كايون وواصل تقدمه، مما جعل كاميرون يدق صدره ويدفعه إلى الخلف بقسوة، ثم أردف:

​ــ أي اعتراض آخر وسأأخذك معي إلى المخفر.

​غرس كايون أظافره في راحة كفه وأدار ظهره للشرطي. تقدم جده ناحيته وحط يده على كتفه، وقال بصوت مهزوز:

​ــ هدئ من روعك يا بني، يوجيني في حالة حرجة ولا ينقصها أي جراثيم أو توتر.

​ارتخى كتفاه قليلًا، واكتفى بالنظر إلى أُمه من بعيد، ثم سأل خالته وهو يدعك ما بين عينيه:

​ــ ما تقريرها الطبي؟!

​(فيرونيكا): قال الطبيب إنها سـ...

​انعقد حاجباها، وارتجفت الكلمات على شفتيها:

​ــ ستفارق الحياة إن لم نجد من يتبرع لها بالدم في أسرع وقت ممكن.

​(كايون) بسخط: ولم أراكم جالسين على مقاعد الانتظار عوضًا عن البحث؟!

​رطبت شفتيها وأوضحت: لأن زمرة دمها هي O سالب.

​أغمض عينيه، ومسح وجهه بكفه الباردة. أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره، واستطرد سائلًا:

​ــ ألم تجدوا في المستشفى من يمتلك زمرة الدم نفسها؟ لا يمكن!.. هذا مستشفى ضخم ويجب أن تتوفر فيه أكياس دم لجميع الزمر!

​(فيرونيكا) بصوت متحشرج:

ــ الطبيب استخدم الكيسين الأخيرين للزمرة السالبة غير أنهما لم يكفيا..

​(كايون) بحدة وتخبط: وماذا عن مستشفى "سويديش" ومستشفى "فيرجينيا ميسون"؟ إنهما على بُعد شوارع من هنا! ألم يتصلوا ببنوك الدم القريبة؟!

​(فيرونيكا) والدموع تمتلئ بها عيناها:

ــ تواصل الأطباء مع كل المستشفيات المجاورة وبنك الدم الإقليمي في سياتل يا كايون.. هناك عجز حاد في الفصيلة السالبة منذ البارحة، والمستشفيات القريبة استنزفت مخزونها بالكامل صباح اليوم بسبب حادث السير المروع على الطريق السريع! لم يتبقَّ كيس واحد في المدينة كلها، ونقل الدم من مدن أخرى سيستغرق وقتًا لا نملكه!

​(كايون): إذن ماذا نفعل؟.. لا يجب أن نبقى مكتوفي الأيدي!

​(فيرونيكا): أجرينا اتصالات بجميع من نعرفهم لطلب المساعدة في العثور على متبرع بشكل عاجل.

​(كايون): أبلغيني فور حدوث أي جديد!

​(فيرونيكا): مهلًا!.. إلى أين تذهب؟!

​(كايون): للبحث عن متبرع بنفسي!

​أخذ كايون يجوب الشوارع ويسأل المارة بترقب ولهفة. توجه نحو رجل يجلس على درج أحد المحلات، وشد على كتفه قائلاً بلهفة:

​ــ أرجوك!.. أمي تحتضر، ما هي زمرة دمك؟!

​الرجل بنبرة مرتجفة ومندهشة: ماذا دهاك؟!.. أنا لا أفهمك!

​(كايون) بصراخ اضطرابي: قل لي ما هي زمرة دمك؟!!

​تجرع الرجل ريقه وقال: O.

​(كايون) بأعين متسعة: سالبة؟

​الرجل: لا، موجبة.

​تركه وانطلق نحو شخص آخر:

​ــ أنت!.. ما هي زمرة دمك؟

​(المسن): لا أذكر يا بني.

​(كايون) وقد انتفخت عروق عنقه: كيف لا تذكر؟!!

​(المسن): نسيت يا بني.

​لمح عامل توصيل فهرول إليه:

​ــ زمرة دمك؟! ما هي؟!

​العامل: موجب AB.

​دخل إلى أحد المحلات وراح يسأل مرتاديه واحدًا تلو الآخر، ولسوء حظه كانت أغلب الزمر تتراوح بين (O+) و(B+) و(AB+).

​ظل يفتش في الطرقات والأسواق، حتى تصبب جبينه عرقًا وتصلب كتفاه. شرب ما تبقى في قارورة الماء، وبينما هو يجلس على دراجته، نوى الاتصال بصديقه لوثر ليساعده في البحث. وقبل أن يضغط على اسمه وردته مكالمة، فصك على أسنانه وقال ممتعضًا:

​ــ هذا ليس وقتك!

​كاد أن يغلق المكالمة لولا سؤال خطر بباله: "هل لو أخبرته سيساعدنا؟ هو يمتلك الكثير من المعارف والأتباع، ولكن..."

​مرر إبهامه وأجاب: نعم؟

​ــ لديك مهمة.

​ــ لن أستطيع المجيء، فأمي...

​ــ ماذا؟

​تكلم وهو يترقب رد الآخر: لقد تعرضت لحادث وفقدت الكثير من الدم، وأنا أبحث عن متبرع الآن.

​ــ ..........

​كُوَّر كايون قبضته حتى ابيضت مفاصله، ورطب شفتيه قبل أن يقول:

​ــ هل تعرف شخصًا يحمل زمرة الدم (O- )؟

​أغلق الطرف الآخر الخط!

​شتمه كايون بغضب حارق: الـ****! ابن الـ*****! ما الذي كنت أتوقعه من حقير مثله؟!!

​أجرى مكالمة أخرى مع لوثر الذي سارع لسؤال والديه، ولما تبين عدم تطابق فصيلتيهما خرج ليعاون كايون في البحث.

​وما هي إلا لحظات من وصول لوثر حتى ورد كايون اتصالٌ من خالته. رمش عدة مرات بينما تزاحمت في رأسه التساؤلات:

​"هل وجدوا متبرعًا؟ أم أنها قد... لا!.. لا يمكن!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (86)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: عندما جلبكِ القدر أليّ
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: الفريسة المُفترسة
2025/08/07
الفصل 8: عهـد بالــدم
2025/08/22
الفصل 9: بائعة المشانق
2025/08/31
الفصل 10: معشوق الجاذبية
2025/09/08
الفصل 11: مُهمة، ووجوهٌ مُقنعة
2025/09/28
الفصل 12: حقد دفيـن
2025/10/09
الفصل 13: كمسرح الدمى
2025/10/11
الفصل 14: ابتزاز
2025/10/26
الفصل 15: عروس على حافة الموت
2025/10/28
الفصل 16: القانون لا يحمي المغفلين
2025/10/29
الفصل 17: لا تتأخر
2025/10/31
الفصل 18: تحت الأقواس السبعة
2025/11/02
الفصل 19: لدغة عقارب الساعة
2025/11/04
الفصل 20: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/06
الفصل 21: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/08
الفصل 22: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/10
الفصل 23: تحت أنقاض الماضي
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة البلوط
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24
الفصل 82: كرات ثلج
2026/08/30
الفصل 83: ذو العين الواحدة
2026/09/13
الفصل 84: خيط 36
2026/09/21
الفصل 85: أثرهم دُخان
2026/09/24
الفصل 86: ...🍁
2026/10/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة