إيطاليا ـ ـ مدينة تورينو.
توجه الزعيم أمبرا نحو غرفة ابنه هايزك بخطواتٍ تدُك الأرض. فتح الباب بقوة وسرعان ما نهض هايزك من فراشه وأطفأ السيجارة بسبابته، لم يكن خائفًا فعلى ما يبدو أنه قد توقع قدومه غاضبًا ... فقط نظر إليه بتبلده المُعتاد، زمجر الزعيم وسحبه من ياقة ثيابه ليستقيم أمامه ...
(الزعيم أمبرا): أتدرك فداحة ما فعلته؟!!
(هايزك): نعم.
فار الدم في عروق الزعيم فقذفه ليرتطم بالجدار ... لم ينبس ببنت شفة في حين قال الزعيم منفجرًا:
ــ سأخسر عملائي بسببك!.. أندريا لن يشتري منا المخدرات بعد الآن، أيّ جُرأةٍ هذه؟!. كيف تسرق نصف المخدرات التي أوكلتك لتسلمها له؟!.. والأسوأ من ذلك أنه لم يُخبرني بأنك سرقت نصف المخدرات في المرة الأول، فقط أخبرني بعد أن فعلتها للمرة الثانية أيُها السافل!!.. أخبرني أين تذهب بالنصف الثاني؟.. أتعمل في مكانٍ آخر دون علمي؟!
(هايزك): .....
(الزعيم أمبرا): تكلم!!
(هايزك): .....
اصطكت أسنانه وأخذ بركله في أماكن متفرقة، لم يكتفِ بذلك فقد قبض على خصلاته السوداء في نية لقذفه مجددًا نحو الحائط غير أن هايزك اصطدم بالدرج المجاور لفراشه مِمّا أدى لسقوط حوض السمك الصغير على رأسه ثم على الأرض ليتناثر زجاجه إثر ذلك ...
خرج الزعيم بعد أن أفرغ جام غضبه على ابنه، بينما قام هايزك بإرجاع خصلاته المبللة إلى الخلف بعدم اكتراث. أخرج من درجه سيجارة أخرى وأخذ يدخنها بهدوء في حين يراقب الثعبان الصغير الذي يزحف أمامه ... بالطبع هذا الثعبان الصغير هو ما كان في الحوض، ليس وكأن هايزك سيُربي سمكة.
أمريكا ـ ـ العاصمة واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ ضاحية ساوث ليك يونيون.
بقي كايون ينظر إلى ميلڤين بتوجس أثناء توجههم نحو المقر، فقد قال له اليوم:
ــ جهز نفسك وخذ كلبك معك.
تساءل كايون في نفسه"ولماذا يريد مني أن أُحضِرَ كلبي أيضًا؟"
مؤخرًا قبل ستة أشهر قامت يوجيني بشراء كلبٍ من نوع كوكر سبانييل لأجل كايون، في محاولة بائسة للتخفيف من حزنه على فراق أخيه وصديقه ولاسيما بعد أن سمعته في إحدى الليالي وهو يهذي باسميهما" ليون .. لوثر ..."
وطدت أقدامهما على أرضية المقر تحديدًا في المنطقة المُخصصة للرماية ... أحس كايون بأن أحدهم قد سحب رباط الكلب من يده، التفت إلى خلفه فعلم بأن الفاعل هو ميلڤين، عقد حاجبيه في حين تقدم ميلڤين وربط الكلب على مسافة طويلة أمامه ... بقي الكلب يلهث وأعينه الظريفة تحدق بكايون. عاد ميلڤين أدراجه ومدَّ لهُ المسدس لتتسع أعين الآخر بصدمة عندما علم بأن ميلڤين يطلب منه أن يقتل كلبه ...
تبصر ميلڤين وسأله: هل أنت مجنون؟!
لم ينبس ببنت شفة وبقيت خضراوتيه تنظران إليه بحدة، فهم كايون أن ميلڤين ليس مجنونًا بل أسوأ من المجنون، لأن عيناه تؤكدان جدية طلبه، ولذلك قام كايون بالآتي ...
سحب المسدس منه ورماه على الأرض بحنق بينما يقول: لن أفعل هذا أبدًا!
سرعان ماجاءته صفعة جعلته ينظر إلى الوراء، لم يسقط لأنه استطاع أن يوازن نفسه قبل ذلك، حدَّج ميلڤين والذي شد على ياقة عُنقه ورفعه إلى الأعلى، نظر كايون إلى الأسفل وكيف أن قدماه تعلقتا في الهواء. هوى بهِ على الأرض فوضع كايون كفيه خلف عُنقه ليحمي منطقة المُخيخ فلا يفقد وعيه إثر الضربة. أخذ الكلب ينبح بهستيرية ويحاول الركض نحو كايون ولكن دون فائدة، فقد أحكم ميلڤين رباطه ...
نهض بصعوبة، يشعر بأن الألم انتشر على أطرافه بالتساوي، استقام بجذعه فعاد إليه الآخر وانتشله من ثيابه، سحبه أمام الكلب على بعد مسافة معينة، ثم سحب يديه وأطبق بالمسدس على أصابعه. قال له بصوتٍ خشن:
ــ حذارِ من عصياني.
أخذه كايون، ليس لتنفيذ أمره بل ليرميه على الأرض مجددًا، ولكن ليس قبل أن يُفرغ خزانه ويجعل الرصاصات تتناثر على الأرض ...
أثناء ذلك، لاحظ ميلڤين أن كايون ينظر إلى عينيه مباشرةً على غير العادة كما لو أن عيناه ترفع علم التمرد الآن...
وبكل هدوء سحب ميلڤين المسدس من على خصره، ووجّه فوهته نحوه، فتحدث الآخر بكل ثقة:
ــ لا يُمكِنُكَ فعلُ ذلك.
ــ ومن سيوقِفُني؟
ــ لا أحد سيوقِفُك، كُلُّ ما في الأمر أنك لن تنجو بفعلتك، لأن أمي ستعلم بذلك وكذلك الشرطة ستسجُنُك!
ارتفعت زاوية شفته بابتسامة خبيثة لا تخلو من السُخرية، وبعد أن أصبح بمحاذاته إنخفض قليلًا ليُجاري طوله، قبض على فكه لتزداد تعابير الحده على وجه الآخر ، قال له عندئذٍ:
ــ يبدو أنك لا تعرفني!
ــ بلى أعرِفُك، شخصٌ قذر ، مُجرم، يظن نفسه في أعلى الهرم وهو في حضيضه الأسفلِ.
ــ لم تعد تريد الاحتفاظ بلسانك، صحيح؟
ــ ستواجه مُشكلةً كبيرةً مع أمي إن فقدتُه!
ــ فضيتي ستحزن قليلًا عندما أُخبِرها بأن أحدهم قد اختطفك وأنت تلعب مع كلبك في الحديقة، في حين أُقدِّم جثتك لكلاب الحراسة، ثم أُذيب عظامك بالآسيد وبعد ذلك أجبرُ بخاطرِ عزيزتي وأشتري لها طفلًا آخر.
ــ دار رعاية الأيتام لا يقوم ببيع الأطفال.
ــ آوه حقًا؟!.. وكيف حصلت عليك إذن؟.. صحيح أنا لم أُخبرك بأني أعطيت مديرتك هيليناث حقيبة مملوءة بالنقود مُقابل ذلك.
ــ آوه حقًا؟!.. يبدو أن سعري كان غاليًا وخسرت الكثير!
ــ لو أنك غالٍ بالفعل، لما رماك أهلك في ذلك الميتم!
اتسعت بؤبؤتي كايون في هذه اللحظة، وشعر كما لو أن أحدهم قد سكب على رأسه صطل ماءٍ بارد.
برر في نفسه"كلا أهلي لم يرمونني!.. أهلي لم يتخلوا عني!.. أهلي وضعوني هناك حتى يعودوا لأخذي فيما بعد!.. بلا شك لقد كانوا مضطرين لفعل ذلك!"
كان كايون عكس لوثر ، يضع ألف عُذرٍ لأهله، ويتفاءل بأنهم سيعودون في يومٍ ما لأخذه، والآن شعر كما لو أن روحه قد قُطّعت إلى أشلاء جراء كلام ميلڤين القاسي ...
ترقرقت عيناه بالدموع في حين دفعه ميلڤين إلى الأمام موجهًا إياه نحو الرصاص المتناثر آمرًا إياه بالآتي:
ــ أعد تعبئة المسدس.
جلس كايون ببُطء وبأصابعه المرتجفة بدأ بتجميع الرصاص. الرؤية باتت مشوشة وروحه باتت مُنهكة في حين يذرف دمعة مع كُلِّ رصاصةٍ يأخُذها. غمغم أثناء ذلك"بالفعل أنا وحيد، ولن يسأل عني أي أحد، وأمي يوجيني ستصدق حجته وكيف لا وهي لا تعلم بما يفعله؟ هو مجرم ولن يتوانى عن قتلي "
وجّه بصره نحو كلبه وشعر بالغصة تخدش حلقه. أخفض الكلب أُذنيه وتوقف عن هز ذيله عندما رأى كايون ينظر إليه بأعين دامعة. رفع المسدس نحوه وما هي إلا لحظة حتى أخفضه وقال بصوت متحشرج:
ــ أنا .. أنا لـ.. لا أستطيع!
همس ميلڤين في أذنه من الخلف، بينما هو يُلصق فوهة مسدسه بصدغ الذي أمامه:
ــ بلى، أنت تستطيع، إضغط على الزناد فحسب.
ــ ولكن .. هذا كلبي!.. أرجوك لا تقتله ولا تجعلني أفعل ذلك.
ــ الأمر ليس بهذه الصعوبة، أنت فقط من تصعبه على نفسك!
ــ كلا .. الأمر أصعب من ذلك بكثير!
ــ ماذا عن المربية؟!.. أواجهت صعوبةً في طعنها؟
رمش كايون باستيعاب واستطرد قائلًا:
ــ أنا طعنت يدها فحسب ثم أني لم أقتُلها، ولم أُقدم على ذاك الفعل إلا لأجل الدفاع عن أخي!
ــ إذن .. عُدَّ ما ستفعله الآن دفاعًا عن نفسك، هذا الكلب سينهش لحمك إن لم تقتُله الآن!
ــ ولكنه لن يفعل ذلك!!
اصطكت أسنان ميلڤين وزاد من ضغط المسدس على صدغه بينما يقول: إن لم تقتله الآن فأنا من سيقتلك ويقتله!
ــ أرجوك .. أنا ..
ــ واحد!
ــ ولكن..
ــ اثنان!!
عضَّ كايون على شفته. لم تتسارع أنفاسه، لأنها انحبست في صدره وكونت غمامةً في حلقه، وجّه المُسدس نحو كلبه والذي كان ينظر إليه بقلق. تمتم أثناء ذلك: أنا.. آسف.
ضغط على الزناد ببُطء لتنطلق الرصاصة وتخترق صدر الكلب. قفز اللكلب عدة قفزات قبل أن يرتمي على الأرض ويتقلب، كان يُصارع الموت أمام أعين كاين والذي لم يحتمل رؤية ذلك فشهق ناشجًا وغطى وجهه بكفيه، غير أن صرخات الكلب المُتألمة اخترقت أُذناه وترك صدى أنينه ندبةً عميقة آلمت روح صاحبها.
توقفت حركة الكلب وتوقفت أنفاسه اللاهثة، صمت صوت ألمه، فباعد كايون كفيه، ليجد أن كلبه قد فارق الحياة بينما حدقتاه السوداء مصوبةٌ نحوه، وكأن عيناه قد سألتاه قبل أن تُغادرها الألوان " لماذا قتلتني؟!.. لماذا يا كايون؟"
تكور كايون على نفسه وعلا صوت بُكائه مُخلفًا صدىً مُترددًا. تحدّث الحقير حينئذٍ:
ــ لو أنك قد أصبت منتصف رأسه لما مات مُتعذبًا.
غادر ميلڤين المكان، وأوصد الباب خلف ليترك الآخر مع جثة كلبه.
Ahed Nasser🍂