رمـى نفسه بعد هذه الجملة، إلا أن أذرعًا رقيقة احتضنت جذعه من الخلف وشدته ناحيتـها.
سقطت فرونيكا على أرضية الشرفة تلاها سقوط كايون بجانبها. تعجب كايون لذلك فهو متأكدٌ من صرفه لكرستين، التفت إلى الخلف مشدوهًا، ليرى وجه خالته مغمورًا بالدموع، وأنفاسها تلحق بعضها بعضًا بطريقةٍ مضطربة.
ومع علو زئير الرعد تلقى كايون صفعةً لم يتلقَ أحرَّ منها في حياته كُلها. سرعان ما ندمت فروني على ذلك فسحبته إلى حجرها وأكملت بكاءها الحار على كتفـه.
.
.
بقيت فرونيكا بصحبته مدةَ أسبوع لتتأكد من أنه لن يكرر فعلته تلك... هي لم تخبر أحدًا بما أقدم عليه من فعل، فقط ميلڤين من أفصحت له عن ذلك:
ــ سأعود إلى منزلي الآن، وأرجو منك أن تكثف الحراسة عليه، فأنا لا أثق به!
ــ هل لكِ أن تمكثي عندنا ثلاثة أيامٍ أُخرى؟ حتى تدعميه ليقابل طبيبه النفسي.
ــ نعم، سأفعل ذلك!
عادت إلى منزل ميلڤين لتجد كايون يجلس على الشرفة بينما يسند خده بكفه. تجهمت فرونيكا ووبخته:
ــ عُد إلى الداخل!.. ثم أني منعتك من البقاء في هذه الشرفه!
(كايون) من دون أن ينظر إليها: لقد وعدتك بأني لن أُعيدها.
(فرونيكا): وتذكّر أن يوجيني لن تغفر لك لو حاولت الانتحار مجددًا!
(كايون) بتبلد: فهمت.
(فروني): بدِّل ثياب نومك واستعد لتقابل الطبيب!
(كايون): لا أُريد.
(فرونيكا): لديك خمس دقائق!
وبعد أن أعطته هذه المهلة، سحبته من الشرفة إلى الداخل، وأغلقت الباب الزجاجي بإحكام، ثم أقفلته بقفلٍ حديدي.
تنهد كايون لذلك، وشرع في تبديل ملابسه.
بعد مرور ساعتين، وبعد انتهاء الجلسة، توجّه السيد آجرست( الطبيب السمين) نحو شركة ميلڤين ليخبره بمفاد تشخيصه وبما عليهم أن يفعلوا.
(ميلڤين): إذن؟
( السيد آجرست): حالته قريبة من متلازمة فيرجولي… وهي اضطراب نادر في إدراك الهوية، وغالبًا ما يظهر بعد صدمات نفسية حادة.
وأضاف إلى كلامه: ومن خلال أجوبة ابنك، علمت بأن تأثيرها قد زال على ما يبدو، وهذا مطمئن، فلن يحتاج إلى الذهاب للمستشفى، ولكن...
(ميلڤين): ولكن ماذا؟!
(الطبيب): عنده اكتئاب حاد، وهذا سيء، فعندما يصاب المرء بذلك قد تخالجه أفكار خطيرة كالانتحار.
دعك ميلڤين ما بين حاجبيه، فأردف الطبيب قائلًا: ما يحتاجه حاليًا هو الدعم العاطفي، والراحة، ويجب ألَّا تسمحوا له بالإنفراد بتاتًـا!
(ميلڤين): أهناك شيءٌ آخر؟
(الطبيب): لا، هذا ما يمكن فعله حاليًا، وإن لم تتحسن نفسيته فلا بدَّ من أخذه إلى مشفى الأمراض النفسية.
تنهد (ميلڤين) ثم أخرج هاتفه وقال: تفقد رصيدك البنكي.
لم يستطع الطبيب أن يمنع ابتسامته من الظهور عند سماعه لذلك.
وبمجرد أن خرج، صدرت عدة رنات إلى هاتف ميلڤين، فتحه ليجد أن المُرسل هو كايون.
أرسل له عدة رسائل مُعاد توجيهها، كانت تتضمن التهديد، مثل" تذكّر.. لوسيندا هي من ستدفع الثمن!"
وعدة رسائل أُخرى تتضمن التهديد بطرقٍ أُخرى، ثم رسالتين من كايون يقول فيها " ما تزال تهددني بابنتك يا عديم الكرامة!"
" فلتوقِـف نباح كلبك قبل أن أضع جثته أمام بابك... ستندمان أنتما الإثنان، أعدك بذلك أيُها الـ***** "
دخل باركر إلى المكتب في تلك اللحظة، فأعاد ميلڤين هاتفه إلى موضعه. تحدّث باركر حينها مع ابتسامة متعجرفة:
ــ كيف حالك اليوم أيُها الزعيم؟
(ميلڤين): ما تزال تهدد كايون إلى الآن؟
(باركر): بلى، لأجل أن أتأكد بأنه لن يتصرف بخرق في الأيام القادمة.
(ميلڤين) مع نظرة حادة: لا تتصرف من تلقاء نفسك في المرة القادمة.
(باركر) بعدم تصديق: ولكن.. كل ما فعلته كان من أجلك!.. حتى أحرص على عدم محاولته لقتلك مرةً أُخرى!
(ميلڤين): فلتحرص على نفسك الآن.
في المنزل....
وضعت كرستين بعضًا من البسكويت والحلوى على الطاولة المقابلة للأريكة، حيث تجلس عليها فرونيكا، وتمسد على رأس كايون النائم بحجرها. تركت لوسيندا ألعابها المتناثرة وقفزت على الطاولة لتسابق الجميع وتحظى بالنصيب الأكبر من البسكوت.
دخل لوثر إلى منزلهم ورمى حقيبته المدرسية على الأرض وركض نحو لوسيندا صارخًا:
ــ هاااي!.. لا تأكليها كُلها!!
اتسعت أعينها لرؤيته فزادت من حشو فمها، في حين وضع لوثر عقله بعقل طفله وشرع يلتهم البسكوت بسرعة. تجهّمت لوسي وسحبت الصحن منه بينما تشتمه بكلمات غير مفهومة لفرط فمها المحشو.
فتح كايون زرقاوتيه لهذه الضجة.. وفورًا توجّه لوثر نحوه مخرجًا من جيبه شوكولاة ذائبة، مدّها إليه وقال:
ــ كلها!
ــ أعطها للوسي.
ــ لا، لقد أحضرتها خصيصًا لك، فهي تحتوي على نسبةٍ كبيرة من السكر.
ــ وهل ينقصني مرض السكري؟
ــ أحمق!.. أوه صحيح، بسبب تغيبك عن المدرسة لم تفهم ما كنت أعنيه.
أردف شارحًا: درسنا بأنه عند تناول الحلويات من دون زيادة، فإنها تنشط هرمون.. آه نسيت اسمه، هذا غير مهم، المهم بأنها تنشط في أجسامنا ذلك الهرمون فتمدنا بالحيوية والنشاط.
ــ وتسمي نفسك حافظًا للدروس!
ــ اخرس!.. لقد تدنى مستواي بسببك!.. عليك أن تعود إلى المدرسة وأن تُراجع لي الرياضيات، فمحصلتي ستسقط إن رسبت مجددًا!
ابتسم كايون على الرغم منه، وقال: ولكنني أنوي التغيب لشهرٍ آخر.
وقبل أن يعترض لوثر، كانت كرستين قد سبقته: ولكنك أخبرتني بأنك ستعود إليها قريبًا..
(كايون): غيرت رأيي.
(فرونيكا): بل ستذهب من الغد!
مر هذا اليوم، ليجبر كايون في اليوم الثاني على ارتياد المدرسة. مر الأسبوع الأول والاكتئاب ما زال يرافقه كظله على الرغم من محاولات لوثر لإضحاكه من خلال بعض النكات التي حفظها عن والده.
ولكن ما لا يعلمانه، هو أن الأسبوع القادم لن يمر كمرور الكرام، فكايون سيخرج من حفرة الاكتئاب رغمًا عنه، حين يتشاجر مع الطالبة الجـديدة.
Ahed Nasser🍂