استيقظ لوثر بمنتصف الليل إثر شهقة اندفعت من صدره بقوة.
أخذ الهاتف ليتصل، وبعد دقيقة أجابه الآخر...
ــ ما بالك تتصل بهذا الوقت؟
ــ لوسي!.. أنا لا أذكر بأنها قد صعدت معنا إلى السيارة!.. هل هي معك؟؟!
ــ أتمنى لو أنك أمامي لأبصق على وجهك.
ــ ماذا!.. لماذا؟!.. أوليست لوسي معك؟!
ــ لو أنها لم تكن مع، أستظن بأني كُنتُ لأُجيبك؟
ــ لا، إذن هي بخير!
ــ لو أن مكروهًا حدث لها كان ليكون بسببك!
ــ أنا!.. ولكن ماذا فعلت؟!
ــ أنت من أجبرتنا على الخروج!
ــ وأنت لو لم تنصرع وتقيم ذلك العراك ما كُنا للننساها!
ــ هل تحاول إلقاء اللوم علي!؟
ــ المهم الآن بأنها بخير. عمت مساءً.
ــ وأنت أيضًا.
في يوم الأثنين...
لم ينبس كايون ببنت شفة عندما شاركتهما أريج الطاولة، مما جعل لوثر يُطالعه بتعجُّب.
وبعد مرور ثلاثة أيامٍ أُخرى، دون أن يصدر من كايون أي تذمر أو أي إشارة. ذهبت أريج لتجلس على طاولةٍ أُخرى، متحاملةً على نفسها ضجة الطلاب والأصوات التي تصدر من أفواههم.
بقي لوثر مترقبًا قدومها، وكذلك كايون دون أن يعي بأنه ينتظر دوخلها.
عقد كايون حاجبيه حينما لمحها من بعيد، فاستطرد قائلًا:
ــ هُناك، لقد ذهبت لتجلس بين الجماعة.
احتدت تعابير لوثر وسأله: هل طردتها!؟
ــ لا!
ــ إذن لماذا ذهبت؟!
ــ وأنا ما أدراني؟
ــ لا بدَّ وأنك أشرت لها بعينيك!
ــ اذهب واسألها!
وبالفعل نهض لوثر وتوجه نحوها. نقر على كتفها بسبابته، فاستدارت، ليسألها الآخر:
ــ أريج!.. لمَ أنتِ هُنا؟
ــ لأن مهمتي قد انتهت.
ــ ولكن الشهر لم يمر بعد!
ــ ولكنني لم أعدك بأني سأبقى لشهر، وأيضًا شاركتكما الطعام مدة ثلاثة أيام من نفسي، فقد رددت الجميل لكايون ولم يعد هناك أي داعٍ لأن أردَّ له الجميل بنظرية انطوائي وانطوائي، والتي لم أقتنع بها أساسًا.
ــ لم أفهم.
ــ لقد اعتنيت بأُخته لوسيندا حينما نسيها في المطعم، وبقيت معها حتى عاد لأجلها، وبذلك رددت له الدين.
وأردفت قبل أن ينطق الآخر: وأنت، سأغش لك امتحان الأحياء في الغد وبذلك نصبح متعادلين..
امتقع وجه لوثر ونبس منزعجًا:
ــ عندما أنقذكِ كايون لم يكن ينتظر منكِ شيئًا، وأنا أيضًا!.. لم أُساعدك لأجعل ذلك دينًا بيننا!.. كُنتُ أظن بأننا أصدقاء، ولكنني كنتُ مُخطأً!
وغادر، تاركًا عباراته العاتبة تخترق دفاعات أريج.
تمتم في نفسها"حقًا؟.. أكان يعدَّني صديقة!؟"
هزت رأسها يمنةً ويسرة، وعاد إلى ذهنها أعين والدتها الحادة حينما حذّرتها من الاختلاط.
نفث لوثر أنفاسًا حاره مع سحبه للمقعد، ورأى كايون العقدة الصغير التي تربط حاجبيه، فسأله:
ــ ما خطبك؟
ــ لا شيء!
تنهد لوثر بعد ذلك، وارتخت تعابيره قليلًا بينما يُقلّب الطعام بالملعقة.
ابتلع كايون اللقمة، ثم قال: أكل هذا الغضب لمجرد أن أريج رفضت أن تشاركنا الطعام؟
(لوثر): .......
(كايون) بنبرة عابرة: هذا أفضل، فقد بات بإمكانك أن تأخذ راحتك وتمضغ الطعام بفمٍ مفتوح.
صُعِقَ لوثر وقال: ولكنني لا أفعل ذلك!
(كايون): لم تعد تفعل ذلك بعد أن نصحتك.
(لوثر) وهو يُكافح أن يبقى الغضب جليًا على وجهه: وأنا أعطيتك الوصفة التي خلصتك من القشرة!
(كايون) وهو يتبصّر ما حوله: هل تحاول فضحي بصوتك المرتفع؟
(لوثر): أنت من كان صوته مرتفعًا!
(كايون): وما دخل قولي في قولكَ هذا؟!
(لوثر): أنت من بدأ بسرد الفضائح!
(كايون): ولكنني لم أسرُد شيئًا بعد!
(لوثر): من الأفضل لك أن تصمت!
أفتر كايون عن ابتسامةٍ عريضة، فعجز الآخر عن كبت قهقهته وقال:
ــ عندما تراني غاضبًا لا تُضحكني حتى لا أفقد الكاريزما!
ضحك كايون وصرّح: ولكنك لا تمتلكها أصلًا فكيف ستفقدها؟؟
(لوثر) مع سخط ممزوج بالضحك: كايــــون!!
(كايون): حسنًا حسنًا، أسحب كلامي، هيا كُل طعامك.
وبعد أن رن الجرس وانفضَّ الطلبة، حدّث كايون صديقه:
ــ فلتسبقني إلى الصف.
(لوثر): لماذا؟
(كايون): سأذهب إلى دورة المياه.
(لوثر): حسنًا إذن.
بعد أن تأكد كايون من أن صديقه قد غادر، راح ناحية أريج قبل أن تبتعد.
ناداها: أريــج!
التفتت إليه وسألت متعجبة: ماذا؟!
رطب شفتيه واستفسرها: ماذا قُلتِ للوثر؟.. لقد بدا لي متضايقًا جدًا، ولا أظن بأن هذا لمجرد رفضك للقدوم معه.
أضاف: لا بدَّ وأنكِ قد قلتِ لهُ شيئًا مُزعجًا!
رمشت أريج عدة مرات ولم تعلم بما تُجيبه، فأردف كايون بحدة:
ــ إن تحدّثتي مع لوثر مجددًا فيستحسن بأن تزني كلماتكِ جيدًا يا آنسة.
شعرت بأن في جملته رسالة مبطنة، وبعد أن ألقى لها جملته استدار مغادرًا، إلا أنه توقف، وابتلع ريقه بصعوبة ثم قال: وشكرًا لاعتنائك بلوسي.
في صباح يوم الثُلاثاء...
مرَّ لوثر وكايون من جانب أريج بعد الطابور، فأبعدت نظرها عنهما، غير أن لوثر توقف أمامها ومدَّ يده ليصافحها قائلًا:
ــ صباح الخير.
صفاحته بترددٍ، وردّت: صباح الخير.
كان كايون ينظر إلى الجانب الآخر وكأنه لم يرها، وتوقفه هنا كان بالصدفـة فقط.
ومن ثم أدخل كفّيه بجيوب بنطاله وأكمل مسيره.
خلل لوثر شعره وبرر فعل صاحبه:
ــ يبدو بأنه مستعجل.
ثم أردف: أمستعدة للاختبار؟!
أومأت برأسها وقالت: إن كنت ما تزال تريد المساعدة فسأُساعدُك.
(لوثر): أممم؟.. في الحقيقة.. صديقي الأحمق لا يجيد الحفظ جيدًا لذا نحن حقًا بحاجة إلى المساعدة.
وأردف: ولكننا لن نقبل المساعدة منكِ إن كُنتِ ستقدمينها كرد الدين وليس لكوننا أصدقاء!
اتسعت عيناها قليلًا وحدّثت نفسها" ما يزال يعُدُّني صديقة؟"
تجلّت على شفتيها ابتسامةٌ صادقة وقالت: لكوننا مثل الأصدقاء!
هزَّ لوثر سبابته يمينًا ويسارًا وقال: بل لكوننا أصدقاء وليس لكوننا مثل الأصدقاء!
كشف ثغر أريج عن أسنانها الأرنبية، فقالت: حسنًا، ولكن علينا التخطيط أولًا.
أشار لها بالتقدم، بيد أنه زمّ شفتيه وقال: لن أجبركِ على التخطيط بطاولتنا، سنخطط حيث تشائين.
انزوت شفة أريج إلى الأسفل مجددًا وغمغمت شاعرةً بالذنب" إنهُ طيبٌ للغاية، لو كان شخصًا آخر ما كان ليكلف نفسه حتى بالنظر إلي... أسلوب لوثر في الكلام معي لا يوحي بأني قد جرحت مشاعره بالأمس دون أن أقصد"
أردفت بصوتٍ مسموع: لن أرفض الدعوة إن دوعتني!
(لوثر): رائع!!.. تفضّلي إذن!
(أريج): أممم، بخصوص الأمس أنا...
(لوثر) وهو يلوح بيده: لا عليكِ.
بعد التخطيط، وأثناء الإختبار...
لم تكن أريج معتادةً على نقل الغش بل على تدوينه وحفظه في المنزل، وهذا ما جعل الأمر صعبًا بالنسبة لها هذا اليوم.
مر أكثر من نصف الوقت، فبدأ جبين لوثر بالتعرق في حين يغمغم كايون" ماكان علينا أن نثق بها!"
انهت أريج نسخ الحل في ورقة خارجية، مستغلةً اللحظات البسيطة التي تبتعد فيها أعين المعلم عنها.
اقشعر بدنها حين مر المعلم من جانبها متوجهًا نحو نهاية الصف ليُراقب الطلبة من الخلف، فأمالت أريج نفسها على المنضدة لتحجب الورقة القابعة بالدُرج.
وبعد أن رأت المعلم يمر من جانبها عائدًا إلى كرسيه، دست بالورقة داخل جوربها.
انتظرت اللحظة المناسبة، وبالكاد استطاعت أن تُخرج الورقة من جوربها حين ألقى لها المعلم ظهره.
رمتها ناحية لوثر وسرعان مالتقطها وشرع يفتحهها ببطءٍ بينما عيناه على المعلم.
وفي هذا الوقت رفع كايون يده ونادى المعلم: يا معلم!.. تعال من فضلك، لم أفهم ماذا تقصد في هذا السؤال!
راح المعلم ناحيته، وقال: أرني.
وسأله كايون مجددًا: هل تعني أن أذكر لك النقاط كرؤوس أقلام أو أعطي كل نقطة رئيسية مع نقاطها الثانوية ومع الشرح؟
(المعلم): فقط النقاط الرئيسية.
وقبل أن يذهب المعلم ناداه كايون مجددًا: مهلًا يا معلم!.. هذا السؤال، هل كان في السطر السابع من درس علم الوراثة؟!
(المعلم): لا أستطيع أن أقول لك.
(كايون): ولكنني مرتابٌ من جوابين وأخشى أن أخلط بينهما، فقط قل لي نعم أو لا وأنا من سيحل!
وأثناء محاولة كايون لإقناع المعلم، أصدر لوثر سعالًا مكتومً، ورمى الورقة ناحية أريج، وعندها... رفع لوثر يده وقال:
ــ من فضلك يا معلم!.. لم أفهم هذا السؤال!
توجّه المعلم نحوه، وبمجرد أن ألقى ظهره لأريج، وضع كايون يده على مؤخرة رأسه، فدست أريج الورقة بين أصابعه، ليمسكها وينحني على ورقته، ليبدأ النسخ.
رفع المعلم رأسه ليأخذ نظرة ماسحة على الصف، فناداه لوثر مجددًا: معلم!.. أعرني انتباهك قليلًا!
وعندما أعاد المعلم بصره إلى لوثر، قام كايون بفتح الورقة.
تفاجأ نوعًا ما، لإجابات أريج الدقيقة ولِخطِّها، فغمغم" على الرغم من انتقالها إلى الولاية مؤخرًا، إلا أن خطَّها في الإنجليزية جميلٌ جدًا، وكذلك لغتها ممتازة، وكأنها تربت هُنا!"
ولو أن المعلم كان يعلم بأنه يسير جيئةً وذهابًا على نسيج الخطة.. ربما كان ليعتزل التدريس.
Ahed Nasser🍂