🔸🔹🔸🔹🔸🔹🔸🔹🔸🔹🔸🔹🔸🔹🔸
•لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
•أستغفرك وأتوب إليك. لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.
🔸🔹🔸🔹🔸🔹🔸🔹🔸🔹🔸🔹🔸🔹🔸
_____________________________________
صدق المتنبي عندما قال:
إذا رأيتَ نيوب الليثِ بارزةً ... فلا تظُنَّنَّ أنَّ الليثَ يبتسِمُ.
((تنويه: هذا المقطع يحتوي على مشاهد دموية!))
قرع السيد مايلز كأسه بكأس أحد رجاله بينما كانا يقفان في الشرفة المطلة على ليلةٍ ممطرة. سقط كأس النبيذ من يد السيد مايلز عندما رأى سكينًا يخترق عنق زميله..
جفلت عيناه وبالكاد حرك رقبته للالتفات، مما جعل عينيه تجحظان.. فلم يستغرق وقتًا طويلًا حتى يتعرف على ابنه ألكس...
وبينما ميلڤين يعدّل قفازيه، تحدث ألكس بنبرة ساخرة:
ــ هل اشتقت إليَّ يا أبي؟
لم ينبس الأب ببنت شفة، وحرك مقلتيه من ألكس إلى ميلڤين لشعوره بأن السكين المغروسة في عنق زميله عائدة له...
تقدم ألكس بخطوات ثابته بينما بقي والده على حاله الجامدة... أخرج سكينه المزخرف دون أن يُبعد بصره عنه، وبإبهامه أزاح غمده ليكشف عن نصله الذي انعكس عليه وجه السيد مايلز...
نقل ألكس عينيه من والده إلى السكين بين أنامله، انتظر أن يجد منه ردة فعل أخرى؛ كأن يدفعه، أو يصرخ، أو يهرب، ولكن ذلك لم يحدث.
زم ألكس شفتيه عندما نطق والده بكلمة واحدة وبنبرة هادئة: افعلها.
انقبض فكه، وأحكم قبضته على سكينه، ثم اندفع بسرعة لغرس النصل بعنق الآخر إلا أنه توقف، وأبقى السكين ملامسةً لوريده دون قطعه...
ــ أأنت خائف؟ لمَ توقفت؟ لا أحد يراك.
صرخ ألكس بانفعال: اخـرس!!
أخذ قلبه يدق بعنف، وأنفاسه تتضارب وتخرج حارة على عكس النسيم البارد، وتبدّلت نظراته الحادة إلى أخرى مترددة. ضغط على السكين بقوةٍ أكبر لشعوره بأنه بدأ يفقد السيطرةَ عليه ولم يعد بإمكانه أن يخفي رعشة يده.
نوى سابقًا أن يقتل والده ولن يكذب لو قال إنه كان متعطشًا لفعل ذلك، ولكنه الآن ولسبب ما، اجتاح صدره الخوف والتردد، وبدأت عبارة تخز عقله:
"إنه والدك! إياك وأن تقتله، انتبه! انتبه! لا تفعل! سيبقى والدك مهما فعل!"
تحدث السيد مايلز:
ــ يا حسرتي، كنت قد نويت أن أعلن عن تبرؤي منك في هذه الليلة وأمام الجميع، إلا أنني غيرت رأيي في آخر لحظة.. ليتني فعلت ذلك، ليتني فقط فعلت.
رد عليه ألكس ولم يستطع أن يخفي رجفة صوته:
ــ أساسًا.. أنت تبرأت مني منذ.. منذ سنوات!
(السيد مايلز) بنبرة جزلة: لقد طردتك لتفكر في أفعالك علك ترجع عنها، إلا أنني أخطأت.. فالسافل يبقى سافلًا!
زفر ميلڤين بنفاد صبر ثم قاطعهما قائلًا:
ــ ألكس! أسرع.
بقي ألكس على حالته المترددة، يضغط على مقبض سكينه للدرجة التي جعلت راحة يده تتشنج.. وفجأةً، وفي تلك اللحظة، ظهر هاري في ذلك الرواق...
كان يمشي بخطى هادئة، يرتدي بدلة سوداء وقناعًا ذهبيًا يحيط بقزحيتيه.. تلبد في مكانه عندما رأى أن ألكس يوجه سكينًا نحو عنق والده، حرك الأب مقلتيه حيث كان يقف هاري ثم صرخ:
ــ هـاااري! اذهب من هنا حالًا!
انقبض فك هاري، وتقدم بخطى تكاد تُحفر في الأرض لشدة وطأتها، وعندها زمجر:
ــ ألــــكــس!!!
صك ألكس على أسنانه ونظر نحوه بامتعاض شديد بينما صرخ السيد مايلز مجددًا:
ــ إنهم مدججون بالأسلحة! غادر!
لم يتوقف هاري وباشر تقدمه، فأخرج ميلڤين سكينًا آخر من جيب سترته، حرك أنامله بخفة، وقذف بسكينه ليشق الهواء نحو هاري...
بقي كلٌّ من ألكس والسيد مايلز ينظران حيث هاري، أحدهما اتسعت عيناه بخوف، بينما الآخر ينظر بترقب ممزوج بالقلق...
وبقبضة قوية، أمسك هاري السكين قبل أن يلامس عنقه. تجهم ميلڤين وأخذ يفرقع رقبته لأن الأمر على ما يبدو سيحتاج إلى قتال ولن يكون سهلًا البتة؛ فمن الواضح أن هاري ليس ندًا سهلًا، فلياقته البدنية قوية وتركيزه عالٍ كونه استطاع أن يمسك بسكين قُذف في الهواء بسرعة...
اندفع كل واحد منهما باتجاه الآخر وأخذا يتقاتلان بضراوة، وجّه ميلڤين طعنته نحو صدر هاري، غير أن هاري تصدى لها بالسكين القابض عليه بقبضته الفولاذية. صدح صوت الحديد وتطايرت الشرارات نتيجةً لاحتكاك السكاكين...
صك السيد مايلز على أسنانه وقبض على رسغ ألكس؛ لقد أراد أن يتدخل للدفاع عن ابنه، إلا أن ألكس لم يسمح له وقام بدفعه ليلتصق ظهره بالجدار. حدقا ببعضهما وومضة حادة قطعت قزحيتيهما، وبعد التواصل البصري العنيف تحدث السيد مايلز:
ــ سترى أيها العاق، هذه المرة أنا بنفسي من سيُدخلك إلى السجن!
رد ألكس: هذا إن بقيت حيًا!
وعلى الرغم من قوله ذلك، لم يستطع قتله واكتفى بتثبيته والنظر إليه بحدة.
في تلك الأثناء وبينما هاري وميلڤين يتقاتلان، كانت رينا وكاميرون في وسط القاعة، تحت الثريا، وعلى الكراسي المزينة...
تساءلت(رينا): ألا تشعر بأنهما قد تأخرا؟!
رد (كاميرون): نوعًا ما.
(رينا): بلى لقد تأخرا، قتل شخص واحد وفي مكان معزول لا يحتاج كل هذا الوقت!
وبعد قولها ذلك شرعت في تفحص الحضور، وعندها فقط اتسعت عيناها على مصراعيهما وشهقت، وتزامُنًا مع ذلك استقامت في جلستها.. وضع كاميرون كأسه بهدوء ثم نظر إليها ومن ثم نظر إلى حيث تنظر، فاستقام هو الآخر أيضًا...
رأيا باركر الذي كان من المفترض أن يبقى على مسافة قريبة من الدرج للترصد ومنع أي أحد من الصعود، والذي كان من المفترض أيضًا أن يتفرس في الناس ويراقب كل إنش في القاعة.. وعوضًا عن ذلك، كان يتمايل مع امرأة يبدو من شكلها أنها آسيوية، ليس ذلك فحسب، بل كان يقهقه أيضًا وبسعادة مخمورة.
ومضت عينا رينا لوهلة، شدّت على فستانها المخملي ومن ثم قرعت الأرض بكعبها وقالت بنبرة غاضبة: اتبعني!!
تبعها كاميرون وهو يكتم ضحكته بقبضته متمنيًا من أعماق قلبه بألا تلتفت إليه؛ لأنه لو حدث ذلك فسيدفع الثمن غاليًا ولاسيما أن رينا في ذروة الغضب.
الموضوع جدي وخطير، وإهمال باركر وعدم مراقبته للدرج لن يتسبب في فشل المهمة فقط بل في كشفهم أيضًا.. لذلك وعلى الرغم من أن رينا أرادت بشدة أن تقذف بساطورها وتفتق جمجمة باركر، إلا أنها أجلت ذلك وركزت على المهمة، ومحاولة إبقاء الأمور تحت السيطرة قدر الإمكان.
وطأ كعبها على الدرج بسرعة وهي تنظر إلى الأمام بتركيز، وضعت يدها على خصرها حيث يستر القماش ساطورها. سرت في ذهنها أسوأ الاحتمالات، فهي تعلم في قرارة نفسها أن قتل ثلاثة أو حتى خمسة لن يصعب على ميلڤين، ولكن خوفها الأكبر أن ذلك سيغير من مجرى الخطة، فهدفهم الأساسي هو السيد مايلز، وكثرة القتلى ستُفسَّر على أن هناك عصابة قد قامت بذلك وليس رجل أعمال أو سياسي كما هو مخطط له.
توقفت فجأة عندما همس كاميرون من خلفها:
ــ أحدهم يصعد خلفنا!
نظرت إلى الخلف فرأت رجلًا ببذلة بنية كان يحدث رجلًا آخر يجلس على مقعد قريب من الدرج، سمعته وهو يقول:
ــ سوف أذهب وأنادي على سيد الأعمال الخيرية.. كيف يترك ضيوفه هكذا؟!
رد عليه الآخر:
ــ أسرع، فقد بدأ الناس يتهامسون بأن تصرفه غير لائق.
ــ سحقًا! حتى في مثل هذه الأمور عليَّ أن أعلمه؟!
قهقه الآخر وقال:
ــ هذا واجبك كونك صديقه.
ــ وماذا عنك؟!
ــ ما بيني وبينه علاقة عمل لا غير.
أخرج نفسًا هازئًا وأكمل صعوده، بينما تباطأت خطوات رينا حتى أصبحا في المستوى ذاته وصعدا الاثنين معًا. نظر إليها نظرة سريعة وباشر طريقه.
وحينئذٍ وطأت رينا على فستانها الطويل بالخطأ، ومن غير قصد سقطت أمام ذلك الرجل وتشبثت ببذلته حتى لا تقع.. وعلى الرغم من أن المساحة أمام الدرج كانت واسعة وفارغة، إلا أنها بالمصادفة لم تجد مكانًا تسقط فيه إلا أمام ذلك الرجل.
رفعت عينيها السماويتين البريئتين لتقابلا عينيه المجعدتين، وعندها فقط همست بصوت أرق من صوت المها:
ــ المعذرة سيدي.
ثمل بعينيها فابتسم بحماقة وقال:
ــ لا عليكِ يا سيدتي، المهم أنكِ لم تُصابي بأي مكروه.
صنعت رينا ابتسامة خفيفة على ثغرها أثناء قولها:
ــ لولاك لكنتُ في خبر كان.
اتسعت ابتسامة الأحمق وقال:
ــ لم أفعل شيئًا يا سيدتي!
سقطت تعابير كاميرون أثناء تحديقه بالمسرحية التي تحدث أمامه، لم يكن هذا من ضمن الخطة، وقد أراد حقًا أن يتدخل إلا أنه شعر بأن هناك سرًا في الأمر، فقرر الصبر لدقيقة أخرى فقط...
عدّلت له بذلته وأخذت ترتب ما أفسدته أناملها بينما الآخر يتبصر ملامحها بسكر، وبعد أن انتهت أعادت إحدى خصلاتها المتمردة خلف أذنها ثم سألته بذات النبرة:
ــ إلى أين كنت تنوي الذهاب يا سيدي؟
ــ أردت أن أنادي السيد مايلز ليشارك ضيوفه الحفل.
وضعت يدها على شفتيها ثم قالت:
ــ يا للمصادفة! أنا أيضًا كنت ذاهبة لأناديه!
ــ هل أنتِ إحدى أقاربه؟
ردت: لا، أنا سكرتيرته في العمل، ولذلك قلتُ إنه من واجبي أن أناديه حتى لا يتهامس الحضور من خلفه.
أردفت قائلة:
ــ سوف أذهب وأناديه ومن ثم سننزل معًا ونجلس على الطاولة ذاتها التي تجلس عليها، لأجل أن نُكمل حديثنا وأتعرف عليك أكثر.
اتسعت ابتسامة رينا وظهرت أسنانها بعد قولها ذلك، فبادلها الابتسامة بأخرى ساذجة وأيدها:
ــ بالطبع، لنتعرف أكثر!
وفي تلك اللحظة مر سؤال في ذهنه مفاده أن سكرتيرة السيد مايلز ليست هذه التي أمامه، إلا أنه أجاب نفسه في الوقت ذاته بأن السيد مايلز قد غير سكرتيرته على ما يبدو...
انقطع شروده عندما حركت أناملها بإشارة "أراك لاحقًا" ومن ثم باشرت سيرها، ليزفر كاميرون براحة لأن هذه المهزلة قد انتهت أخيرًا؛ فخلال ذلك الوقت كان يكتم أنفاسه ويعد الثواني في دماغه...
ــ مهلًا! هلا قلتِ لي ما اسمكِ يا سيدتي؟
انكتمت أنفاس كاميرون مجددًا وأعاد حساب الثواني كما لو أنه قنبلة موقوتة، بينما توقفت رينا ونظرت إلى الرجل من أعلى كتفها وردت:
ــ اسمي كلوي.
أومأ لها ونطق اسمها بخفوت، بينما تنهد كاميرون مجددًا وراقبه بطرف عينه أثناء نزوله الدرج.. وفي تلك اللحظة التي مر بها الرجل من جانبه، كاد كاميرون أن يضع قدمه أمام قدم الرجل ليتسبب في دحرجته، إلا أنه قد تراجع عن الفكرة في آخر لحظة خوفًا من أن يصدر جلبة فتقوم رينا بتمثيل مسرحية أخرى وبذبحه فيما بعد.
وبينما هي متوجهة إلى رواق الشرفات، توقفت والتفتت إلى الخلف لعدم شعورها بخطوات كاميرون... رفعت أحد حاجبيلها وسألته:
ــ ما بك؟ لمَ أنت واقف؟
عقد ذراعيه، ورطب شفتيه قبل أن يتحدث بجدية:
ــ رينـا!.. مثل هذه التلامسات لا أريدها أن تتكرر مجددًا، لأنه لو حدث ذلك... (توقف لوهلة ثم أردف): حتى أنا لا أعلم ما الذي قد أفعله!
احتدت تعابيرها وكادت أن تفتح مع جلسة تحقيق لتستفسره عما إذا كان قد هددها للتو؛ ولأن الوقت لم يكن في صالحها، قررت أن تجعل الأمر يمر على خير، فعادت أدراجها وأخرجت بطاقة من بين ثيابها ورفعتها أمامه بينما تقول:
ــ هل كنت لتستطيع جلبها لي لو طلبت منك ذلك؟!
بقي صامتًا، يحاول بصمته أن يخفي دهشته، إلا أن ملامح وجهه لم تساعده.. ولذا وبعد أن رأت رينا بأنه قد فهم الأمر، وسينظر إليه من زاوية مختلفة، تركته خلفها وباشرت تقدمها.. ومع كل خطوة تخطوها، كان يصل إلى مسامعها صوت السكاكين وهي تُشحذ...
وصلت في اللحظة التي غُرس فيها السكين في كتف ميلڤين؛ أعتقد هاري أنه وأخيرًا استطاع إصابته، إلا أن هذا ما أراده عدوه، أن يسمح له بطعنه ليجعل كل تركيزه في هذه التسديدة، فيودع هو الآخر سكينه في موضع نبضه.
تجمد هاري واتسعت حدقتاه، وما هي إلا لحظة واحدة فقط حتى بصق الدم من بين شفتيه.. رفع بصره إلى ميلڤين بأعين محتقنة بينما الآخر ينظر إليه ببرود.
ارتخت عضلاته، فسقطت يده القابضة على السكين المغروس في كتف خصمه، ترنح وفقد توازنه فهوى على صدر ميلڤين...
لف ميلڤين ذراعه حول هاري ووضعه على الأرض بهدوء، سحب سكينه من أعماق ضحيته ليسحب معه رمقه الأخير...
كانت عينا هاري مصوبتين نحو والده، لقد كانت نظرة الأخيرة التي احتشدت عليها دموع الوداع...
تجمدت عروق السيد مايلز وارتجفت شفتاه، وتجمعت الدموع في عينيه.. رأى ولده يُقتل أمامه في سبيل الدفاع عنه بينما هو لم يستطع أن يفعل لأجله أي شيء.
وفي ذلك الوقت اجتاحت الحسرة صدره لأن كل هذا حدث تحت أنظار ابنه ألكس وتحت إرادته ورضاه أيضًا...
ألقت رينا نظرة على جثة هاري الممددة فلوت شفتيها وقالت في نفسها "سحقًا! لمَ صعد هاري من بين الجميع؟!"
تقدم كاميرون أيضًا وألقى نظرة تملكت فيها عيناه الشفقة ...
تحدث ميلڤين:
ــ أعلم أنه من المفترض أن نقتله بعد أسبوع، إلا أنه رآنا فحُتِمَ عليَّ قتله اليوم.
لفت أناملها حول ذقنها ثم ردت عليه دون أن تشيح بصرها عن الجثة:
ــ كل هذا بسبب السافل باركر! والآن وبعد موت الأب وابنه في اليوم ذاته، ستستنتج الشرطة أنه قد يكون لألكس يد في مقتلهما، وسيجرون تحقيقًا معه ويضعون عدة احتمالات ضده.. وحتى لو ألقينا التهمة على شخص يعمل مع السيد مايلز، فإن الشكوك لن تتبدد حول ألكس؛ فرجل الأعمال لن تكون له مصلحة في قتل هاري كما هو الحال مع ألكس.
سأل كاميرون:
ــ والآن ماذا ستفعلون؟
نظرت إليه ورفعت أحد حاجبيها، بقيت صامتة لوهلة ومن ثم استطردت:
ــ علينا أن نخفي جثة ها...
قاطع ميلڤين كلامها عندما تنهد وأومأ باتجاه ألكس قائلًا:
ــ الأب لا يزال حيًا.
اتسعت حدقتاها والتفتت إلى الخلف بسرعة لتجد السيد مايلز جافلًا على الأرض، بينما ألكس يقبض على السكين دون حراك. سحبت ساطورها وأقدمت نحوه بخطوات غاضبة بينما تحركت عينا ألكس نحوها. تحدث بصوت منخفض:
ــ أعتذر لكوني لم أسـ...
لم تسمح له بأن يكمل كلامه؛ فقد قاطعته بأن سحبته من ياقة بذلته ودفعته إلى الخلف ليتسنى لها استلام زمام الأمور.. رفعت ذراعها اليمنى والتي تمثل امتدادًا لساطورها بدئًا من بنانها وصولًا إلى نبضها. رفع السيد مايلز عينيه المكسورتين عندما وجد أن الضوء اختفى وسقط عليه ظلٌ أظلم من باقي الظلال، وبمجرد أن رأى "امرأة الساطور" أعاد بصره إلى الأرض، مستسلمًا لمصيره المحتوم...
هوت بساطورها على كتفه الأيسر فتلطخت الأرض نتيجةً لذراعه المبتورة، أطلق صرخة مكتومة، ووضع باطن يمناه على طرفه المقطوع وأخذ يئن ويهسهس...
وبعد بترها لليسرى، بقيت تحدق به بأعين مظلمة ولم تباشر تقطيعه إلى أشلاء كما المعتاد.
أخذ ميلڤين يتبصرها ويتبصر عينيتها السماويتين بالتحديد، محاولًا أن يفهم عدة أمور، كتسمرها بالضحية عوضًا عن إكمال تقطيعه، وعن سبب بدئها بكتفه الأيسر عوضًا عن الأيمن، فهذه ليست طريقتها في القتل...
وبالنسبة لألكس، فقد أعرض بوجهه عاجزًا عن مواجهة عيني والده وهو يُقطّع، فتوجه إلى الشرفة ملقيًا ظهره للجميع.. تبعه كاميرون وأدار ظهره هو الآخر عن رينا وعن السيد مايلز وعن مجزرة الساطور؛ فقد سأم من رؤية المجازر التي ترتكبها، وسأم من الأفكار التي تنخر عقله عندما تتحول هذه المرأة من رينا التي يحبها إلى امرأة الساطور...
بعد مدة لم تتجاوز سبع دقائق، أكملت امرأة الساطور ما بدأته، سلخت كتفه الأيمن، ومن ثم قدمه اليسرى تليها اليمنى.. وكالعادة، فتق الجمجمة هو الجزء الأخير والجزء المفضل لديها. ارتفعت زاوية شفتها بابتسامة مريضة عندما سمعت صوت العظام، وكان جفناها منخفضان أثناء تحديقها بالمجزرة، كما لو أن ما فعلته قد أراحها، تمامًا كما يرتاح المسن عند تدليك أكتافه.
انتقلت إلى الجثة الأولى (جثة تابع السيد مايلز)، وشرعت في تقطيعه كما قطعت سيده بالضبط. في هذه اللحظة ظهر شبح ابتسامة على ثغر ميلڤين؛ لأنه أدرك أخيرًا لمَ غيرت رينا طريقتها في القتل...
قام ميلڤين بحمل هاري، بينما دست رينا بطاقة هوية في راحة يد السيد مايلز المبتورة، ثم أسدلت كم بذلته عليها مخفية إياها.
أخرج ألكس هاتفه وتحدث:
ــ جيمس! أعطنا سلمًا، نحن في الجناح الأيسر للمنزل.
بعد قوله ذلك ألقى نظرة سريعة على تلك المجزرة، ولن يكذب لو قال بأنه قد شعر بالضيق وهو ينغز صدره...
توجهت رينا نحو الشرفة المفتوحة فرأت جيمس يهرول نحوهم وبيديه سلم خشبي رُبطت أطرافه بحبال سميكة، رفع ذراعيه وقذف السلم بقوة لتلتقطه رينا.. ربطت أطرافه بالدرابزين الرخامي ومن ثم أومأت نحو كاميرون وميلڤين ليكونا أول النازلين.. وطأت أقدامهما على السلم، ونزل كاميرون أولًا بينما تبعه ميلڤين...
أشارت رينا بذقنها نحو منطقة معينة في الأرض، ففهم ألكس مقصدها، ولحق بهما بعد أن مسح الدماء عن المنطقة التي كان يتمدد عليها هاري، وارتدى بذلته السوداء بسرعة لأنه مع الأسف اضطر لاستخدامها كممسحة.
سار جيمس نحو رينا وأمسك بمعصمها، وقبل أن ينطق دفعته باشمئزاز.. كادت تسمعه تهديدًا آخر إلا أنه سبقها عندما قال بصوت مرتجف:
ــ أ.. أرجوكِ أخبريني، هل ابنتي بخير؟!
قلبت عينيها وقالت:
ــ الأمر ما يزال معتمدًا عليك.
(جيمس): لقد أعطيتكم بطاقات الدعوة للدخول وسرقتها من الحارس قبل قليل، كما أنني ساعدتكم للخروج.. لمَ لا تعيدين لي ابنتي؟! ما الذي تقصدينه بأن الأمر ما يزال معتمدًا عليَّ؟! لقد فعلت كل ما أمرتني به!
تنهدت رينا بملل ثم قالت:
ــ ما يزال الحبل معلقًا، قم بإخفائه، وغدًا ستعود لك ابنتك.
هز جيمس رأسه بِذُلٍ وقال: حاضر، سوف أفعل ذلك.
توجهوا نحو سياراتهم وقد ساعدهم ظلام الليل في إخفاء الجريمة الملقاة على كتف ميلڤين.. كان ألكس خلفه تمامًا يضيء بهاتفه على الأرض، يتتبع خطواته بأعين متسعة، ويراقب سقوط أي قطرة دم حتى يقوم بمسحها على الفور. ركبوا سياراتهم، شغلوا مصابيحها ومن ثم انطلقوا...
كان روبن يسند خده على كفه منتظرًا أن تعود كلوي.. كلم صديقه بضجر:
ــ بحق الرب، لماذا تأخرت عزيزتي كلوي؟!
ابتسم صديقه بسخرية وقال:
ــ أأمست عزيزتك بهذه السرعة؟!
رد عليه بنبرة مخمورة:
ــ التواصل البصري الذي دار بيننا جعلني أشعر كما لو أنني عشت معها ألف سنة!
هز الآخر رأسه بقلة حيلة ثم استطرد:
ــ آه منك يا روبن... ألا ترى أنك قد أصبحت مسنًا؟ تلك الكلوي لن تكترث بالعجائز أمثالك!
تجهم وجهه ثم قال بغضب:
ــ أنا ما أزال شابًا، وأعلم جيدًا أن كلوي قد أحبتني لأنها... (توقف لوهلة ثم أردف): قالت لي فلنتعرف أكثر!
هز الآخر رأسه مجددًا ثم قال:
ــ زوجتك ستتقلب في قبرها.
رد عليه بنبرة تدل على عدم اكتراثه:
ــ لو أنني مت قبلها، لتقلبتُ في أول يوم لي في القبر.
وبعد قوله ذلك نهض وعدل هندامه، ووطأت قدماه على الدرج صاعدًا للقاء عزيزته كلوي.. افترقت شفتاه بصدمة عندما لاقته جثث مقطعة!
تجمد لبرهة وتسارعت دقات قلبه عندما استوعب عقله الصدمة؛ أخرج هاتفه ودق على رقم الشرطة بأصابع ترتجف، ثم هرع نازلًا وأنبأ زميله بما رأى، استقام الآخر وجرى صاعدًا ليرى تلك المجزرة...
سرعان ما وصل إلى مسامعهما صوت صفارات الشرطة، تجمهر الحضور على الشرفات والنوافذ وغزا التوتر قلوبهم عندما رأوا الأضواء المضيئة...
دفع باركر قطعة الحلوى التي قدمتها له المرأة الآسيوية؛ فرؤيته لسيارات الشرطة أخرجته من غفلته وهذيانه،
وقشعريرة سرت على طول بدنه عندما تذكر أمر المهمة.
مرر ببصره في كل مكان باحثًا عن أفراد مجموعته غير أنه لم يجد أحدًا. ازداد قلقه وقرر أن يبقى غارقًا بين الحضور، لاسيما عندما دخلت الشرطة المكان وبات من المستحيل عليه الصعود للأعلى أو البحث أكثر...
ــ يُمنع خروج أي شخص من هنا!
ــ تجمعوا في مكان واحد!
ــ سيتم تفتيش الجميع... نرجو منكم الهدوء!
ومع ازدحام الناس، أخرج باركر سكينه وغمسه في قطعة الكعك...
وُضِعت الشرائط الصفراء حول موقع الجريمة، وتم التخطيط بالقلم الأبيض حول الجثتين والأطراف المتباعدة.. وبينما كان الشرطي يحاول البحث عن الأدلة، لاحظ أن هناك شيئًا ما يختبئ تحت أنامل السيد مايلز، عقد حاجبيه وتقدم، أخرج منديلًا أبيض والتقط البطاقة.. اتسعت عيناه وسارع نحو سيده، أراه البطاقة وعندها صرخ الشرطي موجهًا إصبعه نحو أحد الحضور:
ــ اقبضوا عليه!
سارع رجال الشرطة وطوقوا ذراعي روبن إلى الخلف، وأطبقت الأصفاد على رسغيه وأحكموا وثاقه، فجفل في مكانه واتسعت عيناه بفزعٍ وصرخ:
ــ ما الذي يجري هنا؟! أنا لم أفعل شيئًا!
صك الشرطي على أسنانه وقال بغيظ: اصمت!
ناح روبن بهستيرية عندما بدأ رجال الشرطة بجره نزولًا:
ــ أنا بريء! أنا بريء! أنا بريء!!!
بدأ الحضور يتهامسون في ما بينهم عندما رأوا روبن يُجر خارجًا:
ــ يا إلهي! السيد لاندكروزر هو الفاعل؟!
ــ هذا مستحيل!
ــ السيد مايلز والسيد لاندكروزر أصدقاء، لمَ قد يقتله؟!
ــ كيف له أن يقتل بتلك الوحشية؟!
شهق زميل السيد لاندكروزر (والذي كان الشاهد الوحيد الذي يعلم أنه بريء وأنه كان برفقته طوال الوقت)، شد على شعره وقال في نفسه: "يا إلهي! ما الذي يجري؟"
تم زج السيد لاندكروزر في الزنزانة مع الخوف والفزع والضياع، أسند ظهره على الجدار إلا أن شدة الثقل على صدره جعله يتزحلق إلى الأرض.. وفي تلك اللحظة حين كاد فيها أن يبكي، سأل نفسه: "كيف لبطاقتي أن تصل إلى يد السيد مايلز؟!"
اتسعت عيناه بصدمة؛ لأن الأحمق أدرك لتوّه أن كلوي التي اصطدمت به هي الوحيدة القادرة على سرقة بطاقته!
قبض روبن على القضبان وناجى:
ــ هاي! أنا بريء! أنا سأخبركم كيف وصلت بطاقتي إلى يد الضحية، وعندي شاهد على ذلك!
حوار الشرطة ــ التحقيق في القضية:
أشار أحد رجال الشرطة إلى الصور التي التقطوها من مسرح الجريمة وأخذوا يتناقشون ويتساءلون:
ــ انظروا إلى هذه الصورة! من الواضح أن القاتل هي "امرأة الساطور"!
ــ وما تفسيرك لبطاقة السيد لاندكروزر؟ انظر، من الواضح أن السيد مايلز بذل جهدًا لإخفاء البطاقة ليترك لنا دليلًا!
ــ لكن كيف؟ الجثتان مقطعتان! أتعتقد أن السيد لاندكروزر قد يقوم بذلك؟
ــ معك حق! كان ليكتفي بغرس سكين، لمَ قد يُقطِّع؟!
ــ ماذا لو أن السيد لاندكروزر قد حاول تقليد امرأة الساطور ليبدو الأمر كما لو أن هذه هي إحدى جرائمها المتسلسلة؟!
ــ هذه وجهة نظر!
ــ لاحظوا أن هناك سكينًا في عنق إحدى الضحايا! لمَ قد تستخدم امرأة الساطور سكينًا؟
ــ كما أن البصمات على البطاقة كانت لشخصين فقط.
ــ ماذا عن أداة الجريمة؟!
ــ بلا شك لن يصعب عليه غسل الساطور وإعادته إلى المطبخ.
ــ أشعر أن هناك الكثير من الأمور التي غفلنا عنها.
ــ أنا أشك في أن السيد لاندكروزر يمتلك شريكًا في هذه الجريمة.
ــ هل تأكدتم من أن لا أحد غادر موقع الجريمة في ذلك الوقت؟
ــ نعم، أخذت بطاقات الدعوة من الحارس ووجدت أن عددها بعدد الحضور.
ــ أنا أجريت بحثًا يخص السيد لاندكروزر والسيد مايلز عما إذا كانت هناك عداوة سابقة.
ــ وما نتائج البحث؟
ــ لم تكن هناك أي مشاحنات بينهما، بل على العكس؛ صديقان وشريكان في العمل، وفي الآونة الأخيرة اشتركا في شراء بضاعة فرنسية ستصل غدًا.
ــ هذا فقط؟
ــ لا، علمت أيضًا أن السيد لاندكروزر يدين للسيد مايلز بمبلغ من المال.
ــ أيعقل أنه قتله حتى لا يسدد ما عليه من دين؟
ــ احتمال وارد، أو أنه قتله حتى يستلم البضاعة وحده.
أصبحت الشرطة في دوامة من الأفكار.. استمر التحقيق لعدة ساعات وأثناء ذلك قُرع الباب.
دخلت شرطية وناولتهم بضعة أوراق تنص على نتائج الطب الجنائي. تناول الشرطي الأوراق وشرع في قراءتها، فاتسعت عيناه وقال:
ــ كما توقعت، السيد لاندكروزر هو الجاني!
ــ ماذا؟ ما النتائج؟!
ــ أرني ما تنص عليه الأوراق!
ــ انظروا هنا، طبيبة التشريح أكدت أن أطراف الضحيتين اليسرى قد قُطعت أولًا!
ــ إذن امرأة الساطور ليست الفاعلة!
ــ أضف إلى ذلك أن الضحية الأولى قُتلت أولًا من خلال الطعنة الموجودة بعنقه.
خطت قدما الشرطي في الممر الذي يفصل بين الزنزانات، وكان وقع خطواته واضحًا لشدة هدوء المكان. أطل السيد لاندكروزر من بين القضبان، وقبل أن يتفوه بكلمة وجد أن الشرطي جاء لإخراجه ليتم التحقيق معه مباشرةً في مكتب الشرطة. صحيح أنهم قد توصلوا لحل القضية، إلا أنه لا بد من الاستجوب ومراقبة حالة الجاني النفسية...
شرح لهم روبن كل ما حدث وأخذ يدافع عن نفسه ويقدم البراهين، وأخبرهم عن سكرتيرة السيد مايلز وكيف اصطدمت به وقامت بسرقته دون أن يدري.. أخذت الشرطة كلامه على محمل الجد ورأت أن كلامه منطقي وممكن الحدوث، ولأجل أن يحكموا بالعدل أحضروا سكرتيرة السيد مايلز إلى مكتب الشرطة، وهي بدورها دافعت عن نفسها:
ــ كلا يا سيدي أنا لم أحضر الحفل! لقد اعتذرت للسيد مايلز وأخبرته بأن أمي مريضة وبأني سآخذها إلى المستشفى!
مسح الشرطي على ذقنه ثم أوكل مهمة تحقيق أخرى للتأكد من صدق كلامها. أعطتهم الأوراق التي تنص على مرض والدتها، وتأكدوا من صدق كلامها عندما ذهبوا إلى المستشفى وتأكدت ادعاءاتها...
تحدث الشرطي:
ــ الكذب لن يزيد إلا من مدة سجنك يا سيد لاندكروزر!
أخذ روبن يقسم أنه بريء وأنه لا يكذب، فقاموا باستدعاء السكرتيرة لمواجهته، فسقطت تعابيره وقال بخيبة:
ــ صحيح.. هذه ليست من اصطدمت بي! تلك الخبيثة.. لقد كذبت عليَّ!
بقي الشرطي يحدق به، وما دار في عقله الآن أن روبن اعترافه بأن هذه ليست المرأة ذاتها مجرد تمويه بعد فشل كذبته الأولى لتظهير نفسه كالمخدوع.
تحدث الشرطي بينما يثقب الذي أمامه بعينيه:
ــ لقد وجدنا بصماتها امرأة غيرها على البطاقة!
تنهد السيد لاندكروزر براحة ثم قال:
ــ ولماذا كل هذا التحقيق إذن؟!
رفع الشرطي أحد حاجبيه واستطرد: لأجل أن نتأكد.
ــ البصمات موجودة، من ماذا تتأكدون؟!
ــ من كذبك!
ــ أنا لا أكذب!
وضع الشرطي قدمًا على قدم، ثم أخرج قداحته من درج مكتبه ليشعل بها سيجارته. أخذ وقته في التدخين بينما الذي أمامه متسمرٌ بقلق.. تحدث الشرطي أخيرًا:
ــ أأنت متأكد؟!
أومأ الآخر، ليضيف الشرطي:
ــ أتعلم؟! نحن لم نجد سوى بصماتك وبصمات السيد مايلز فقط!
اكفهر وجه روبن وتكلم بتوترٍ شديد:
ــ آه صحيح! ذ.. ذلك لأنها.. لأنها كانت ترتدي قفازات!
غمس الشرطي سيجارته في الصحن أمامه كمطرقة قاضٍ قد أصدر الحكم النهائي:
ــ آهاا... لمَ لم تقل ذلك منذ البداية؟ لماذا ارتحت في حين أنك تعلم بأنها كانت ترتدي قفازات؟ من أين ستأتي بصماتها في رأيك؟؟ أمِن خيالك؟!
ــ أعتقدت أنكم فعلًا وجدتم البصمات لأنك.. لأنك قلت ذلك، ولذلك لم أقل بـ.. بأنها ترتدي قفازات!
ابتسم الشرطي لأن طريقة روبن في الكلام أكدت له النتيجة؛ وهي أنه يحاول التمويه والتملص.
وُضِع روبن تحت الشبهة القاطعة، ولم يتبقَّ إلا حضور الشاهد الذي يتحدث عنه...
إنهُ بطاقته الأخيرة، فهل يا تُراها ستكون الرابحة؟..
Ahed Nasser🍂