الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى

الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى

35 2

في اليوم التالي...

دخل كايون إلى المكتب وأغلق الباب بظهره. بقي عند الباب بينما يخفض حاجبيه كمن يبدو مذنبًا ولا يعلم كيف يبرر فعلته.

ــ لا تبقى واقفًا عندك، هيا تقدم.

جرَّ نفسه نحو ميلڤين، أخفض رأسه قليلًا وأمسك بيده ليُقبّلها. مرّت لحظاتٌ صامتة وكايون يحدق بالأرض، فاستطرد الآخر:

ــ إذن؟

ــ استطعت أن أقتل السيد واتسون.

ــ ولكن؟

ــ ولكن.. لم أستطع أن أحصل على الملفات.

ــ والسبب؟

ــ لقد أحرقها حتى لا أحصل عليها.

ــ ولم تُحرك ساكنًا؟

ــ كلا!.. الأمر لم يكن بيدي فهو رماها في المدفئة وسرعان ما احترقت!

ــ الآن أنا لم أستفد من قتلك له بأي شيء.

ابتلع كايون ريقة وبقي صامتًا في حين يستطرد الآخر: بإمكانك أن تعود إلى المنزل.

رفع زرقاوتيه إليه، وتمتم: والكوكايين؟

ــ لن تحصل عليه.

ــ ولكن لماذا؟!!.. لقد نفذت ما طلبته مني!

ــ لأنك فشلت.

بقي كايون ساكنًا في مكانه بينما ميلڤين يُرتّب ما بداخل دُرجه، انتظره طويلًا ظنًا منه أنه سيعطيه المخدر ولكن ذلك لم يحدث فقد شغّل حاسوبه متجاهلًا الذي يقف أمامه. زمَّ كايون شفتيه وشعر بالذل فقرر أن يعود إلى المنزل فحسب.

بمجرد أن وصل إلى المنزل عانق أمه بقوة بينما يقول: لقد اشتقت إليكِ كثيرًا.

(يوجيني): وأنا اشتقت إليك أيضًا.

لطالما تساءلت يوجيني في نفسها"لمذا يقول اشتقتُ إليكِ في كلِ مرةٍ يعود فيها إلى المنزل؟" ظنت أنه مجرد كلامٍ عابر لا يقصد الإشتياق بالمعنى الحرفي ولكنه يعبر عن مدى حُبهِ لها بهذه الطريقة.

لم تُدرك بأن ابنها يقصد الكلمة ذاتها ولا يستخدمها ليرادف شعوره فحسب، فساعة واحدة مع ميلڤين تساوي قرنًا من العذاب، لذلك كايون يقول لها في كل يومٍ اشتقت لكِ فهو يشعر بأنه وأخيرًا قد عاد إلى النعيم بعد أن قضى دهرًا في الجحيم.

توسد حجرها، فشرعت بتمرير أناملها على شعره الهجين، لاحظت بأن البثور على جبينه قد ازدادت فسألته:

ــ أما زِلتَ تستخدم غسول البثور الذي أعطيتُكَ إياه؟

ــ نعم.

ــ لقد لاحظت أن البثور قد خفت قليلًا في الفترة الأخيرة ولكن ها هي ذي تعود وبكثرة!

جاءت كرستين لتُقدِّم لهما الشاي وقد سمعت حديثهما فقالت مُخاطبةً يوجيني: لا تقلقي يا سيدتي، فمن الطبيعي أن تكثر البثور عند المُراهقين.

(يوجيني): أعلم ولكن من المفترض أن تخفَ قليلًا مع الغسول والمرطبات!

(كرستين): صدقيني إن الأمر طبيعي يا سيدتي.

حملت الطبق وغادرت في حين يغمغم كايون" لن تخف البثور وأنا مدمن بالمخدرات."

نهض، ثم أخذ يد أمه التي كانت تمسح على رأسه. قبّلها بحب، وهمَّ بالمغادرة... لحقت به يوجيني وقالت: مهلًا كايون!.. إلى أين تذهب؟

التفت إليها، وأجاب: إلى النوم.

(يوجيني): ولكنك لم تتناول العشاء بعد.

(كايون): لقد تناولت طعامي في المطعم قبل قليل.

ضيقت عينيها بينما تنظر إليه، شعر كايون بأنها ستسأله عن شيءٍ ما فقرر أن يصعد قبل حدوث ذلك. وطدت قدماه على الدرج وقال: ليلة سعيدة.

همست: ليلة سعيدة لك أيضًا.

بقيت تتبصره حتى أنهى صعود الدرج وسمعته يفتح باب غرفته، تنهدت حينها.. ومسحت على أصابعها تشعر بأن خطبًا ما قد لحقَ به. كلامه كان هادئًا، يوحي بأنه بخير إلا أن عيناه تفضحه دائمًا أمام أمه.

لم تسأله عن حاله فهي تعلم الإجابة سلفًا وتعلم بأن ابنها كتوم لا يحب أن يشرح حزنه أو ألمه للآخرين.

جاء ميلڤين فاستقبلته بحفاوة.. جلسا معًا على مائدة العشاء، فتناول ميلڤين السكين والشوكة، وسألها ببراءة:

ــ ألن يأتي كايون؟!

نفت برأسها، وقالت: قال بأنه قد تناول الطعام في المطعم وأنا أعلم بأنه يكذب.

هزَّ رأسه بقلة حيلة، ثم قال: ربما هو لا يشعر بالجوع فقال لك بأنه قد تناول الطعام حتى لا تقلقي عليه وتجبريه على الأكل.

زفرت هواءً حارًا، وقالت: لا، كايون ليس بخير، هناك أمرٌ يؤرِقُه وهو لا يُريد الإفصاح عنه!

(ميلڤين): ربما تكون مجرد مشاكل مراهقين تافهة!

(يوجيني): لا أعلم.

(ميلڤين): لا تبقي مُستاءةً يا فضيتي فهذا سيؤرِقُني أنا الآخر!

أقدمت على تناول الطعام، وقالت: كلا، أنا بخير، وأنت عليك أن تبقى بخيرٍ أيضًا.

ابتسم وابتسمت معه خضراوتيه. مدَّ إليها شوكته لتتناول الطعام من يده، فكشفت عن ابتسامة خلابة وقضمت ما بملعقته.

(يوجيني): ميلڤين؟

(ميلڤين): همم؟

(يوجيني): ما رأيك أن نذهب غدًا إلى شاطئ الزجاج؟

(ميلڤين) بنبرة حنونة: كما تحبين فضيتي.

بعد أن انتهيا من تناول الطعام صعدت يوجيني إلى غرفة كايون لتخبره بأمر سفرهم.

كان مستلقٍ على جانبه الأيسر بينما يُحدق بمنطقة عمياء، والدموع تغلف عينيه. بالطبع هو لا يبكي لأن ميلڤين لم يعطه الكوكايين هذا اليوم، بل لأنه يحمل همَّ الأيام القادمة، يسأل نفسه" أعلى هذه الحال سأظل؟!.. إن نجحت ارتحت وإن فشلت تعذبت؟.. أشعر وكأني عبدٌ عنده!.. يجب علي أن أجد حلًا فأنا لن أستطيع العيش أكثر على هذا النمط!"

كان رأسه يصرخ بصمت يشعر بأن أعصابه تتجمع في عقده على صدغه وتكاد تنفجر، اتسعت عيناه عندما سمع صوت الباب يُفتح، فسأل نفسه"هل هو ميلڤين؟.. هل أحضر لي الكوكايين؟!"

جاءته الإجابة عندما سمع وقع كعبها يتقدم نحوه، فسارع في مسح ما استطاع من الدموع، وغطى وجهه بالوسادة.

وضعت ركبتها على الفراش وزحفت نحوه، أطلت على جانبه الأيسر وحاولت أن تبعد الوسادة عنه، ولكن من دون فائدة.. علمت بأنه يبكي، فاستلقت بجانبه ودفأته جيدًا.

همست من خلفه: كايون.. أنا أُمك!.. لا تُخفي عني أي شيء، قُل لي!.. قُل لي ماذا يزعجك؟!

(كايون): ......

(يوجيني) بينما تمسح على رأسه: لكل مشكلة حل، أنا أستطيع مساعدتك!

تفكّر كايون في نفسه"هل أخبرها؟.. ولكن هذا خطير!.. ثم .. ثم إن ميلڤين.. لا أعلم ما الذي قد يفعله!.. قد يؤذيها؟!.. ولكنه يحبها!.. أساسًا كيف سأخبرها؟!.. أنا متواطئٌ معه، لقد قتلت وتاجرت بالمخدرات وفعلت ما فعله!.. أنا مُذنبٌ بالفعل، إن أخبرتها بأمر ميلڤين فأنا سأشي بنفسي أيضًا!.. ثم أُسجن!.. ولكن.. مهلًا مهلًا يستحيل أن أقول لها، فقد تكرهني أو تتركني عندما تعلم بأمر جرائمـي!.. لا أُريدها أن تكرهني!!!"

ــ كايون!.. أرجوك أخبرني!.. أنت تعذبني بسكوتك!.. أرح نفسك وأرحني!

التفت إليها بأعين محمرة ورمى نفسه على حجرها، تمتم حينئذٍ: قد تتضايقين إن أخبرتك.

ــ لن أتضايق كما أنا متضايقة من عدم المعرفة!

أخفض جفنيه بحزن، ثم رفع عينيه إلى عينيها، وقال: أنا خائف.

ــ مما يا صغيري؟!

ــ من أن تتركيني.

ــ أترُكُك؟!!

ــ فيما مضى كُنتِ تظنين بأنه لا يمكنك الحمل فتبنيتموني، أمّا الآن فلديكِ لوسيندا جميلة.

ــ ماذا تقصد؟

ــ هل ستعيدونني إلى الميتم؟

انتفضت من مكانها، وصرخت: ما هذا الهراء الذي تتفوه به؟!.. نُعيدُكَ إلى الميتم؟!.. من قال لك هذا الكلام؟؟!

ــ لا أحد، هذه أفكار سيئة تراودني بين الحين والآخر.

أغمضت عينيها وتنهدت براحة...

انعكس ضوء القمر على فضيتيها من خلال النافذة.. ضمت رأسه إلى حجرها، وقالت: عزيزي كايون، أنت لم تعد ابن الميتم منذ أن وطأت قدماك على عتبة هذا المنزل، أنا لن أتخلى عنك أبدًا.

شدَّ كايون على عناقها بينما ينظر إليها بأعين اتسعت بؤبؤتيها، فبدا كما لو أنهُ قِطٌ ليلي.

أردفت، وكان هذا أجمل ما سمعه الآخر في حياته:

ــ أنت ابني البكر، تذكر ذلك.

ــ أحبك أمي.

ــ أحبك صغيري.

استلقيا مجددًا وعاودت أمه بالمسح على شعره، تمتم كايون حينها: أمي.

ــ همم؟

ــ أيمكنك أن تغني لي تلك التهويدة؟

طبعت قبلة على رأسه، وتمتمت:

ــ بالطبع.

بدأت بالترنيم:

ــ نم يا صغيري، لا تخشى الليل...

أنا ظلّك الدافئ، أنا نورٌ خلف الغيم...

إن أبعدتنا الريح أو طال المدى... فقلبي رفيقك دائمًا أبدا...

نم يا صغيري، لا تخشى الليل...

تثاءب، وبدأت أجفانه تنخفض شيئًا فشيئًا، كما لو أن صوت أمه ولمساتها أقوى من أي مُخدرٍ آخر، وعلى الرغم من الصداع الذي ينبض في رأسه بألم إلا أنه قد استطاع أن ينام بعمقٍ في تلك الليلة، خفضَ صوتُ يوجيني وتحول إلى همس، وما هي إلا لحظاتٌ قليلة حتى غطت في نومٍ عميق.

وفي الوقت الذي سكن فيهِ الهدوء المكان، لمعت أعين خضراء من طرف الباب، أغلقه بهدوء وعاد إلى غرفته مغمغمًا" تستحق كيس كوكايين صباح الغد."

في الصباح وبينما هم يتجهزون للذهاب إلى فروت أبراج دسَّ ميلڤين كيس مخدرات بجيب كايون والذي نظر إليه بتفاجؤ، ولأن يوجيني كانت في غرفته تُحضّر حاجياته دخلَ إلى دورة المياه حتى يتعاطى المخدر، استنشقه بانتشاء، ثم كمش الكيس في جيبه لأجل أن يرميه في مكانٍ بعيد فيما بعد. فتح الصنبور وغسل وجهه.. نظر إلى انعكاسه في المرآة، فوجد أن وجهه قد أصبح شاحبًا وهلات سوداء متمحورة أسفل عينيه، فصك على أسنانه، ونبس:

ــ عليَّ أن أترك التعاطي، ولكن كيف؟.. لا بأس، عليَّ أن أصمد قليلًا بعد وسأجد حلًا!

جهزوا أمورهم وقضوا عطلة الأسبوع على شاطئ الزجاج. بمجرد أن عادوا إلى سياتل حجز كايون تذكرة ذهاب وعودة إلى لوس أنجلوس من دون أن يعلم أي أحد، وقد اختار الوقت واليوم الذي يناسبه للسفر، والذي هو يوم الثلاثاء.

السفر من سياتل إلى لوس أنجلوس جوًا سيستغرق ساعتين وثلاثين دقيقة، فاختار اليوم الذي تُقلع فيه الطائرةُ ليلًا، بحيث لا يتغيب عن المدرسة أو عن ناظري ميلڤين ويوجيني، وبحيث لا تراه الكاميرات جيدًا أثناء عملية الاغتيال.

ارتدى بنطالًا أسود وكذلك سترةً جلدية باللون ذاته، ملأ خزان مسدسه بالرصاص ثم وضعه على خصره بجانب حزامه، اعتمر قبعة شمسية ثم كمامة سوداء، وفتح درج غرفته ولبس القفازات. بعدها.. أخذ المنديل الذي يحوي على أداته الخفية. دسها في جيبه، وجهّز بعض الأدوات داخل حقيبة ظهر، ثم نظر إلى الساعة فإذ بها الثانيةَ عشرًا.

أغلق باب غرفته بالمفتاح تحفظًا من أن يُكشف أمره ما إن جاءت يوجيني لتتفقده، وعندما أراد أن ينزل من على الدرج.. سمع صوت التلفاز.

أطلَّ برأسه قليلًا، فوجد أن أنوار الصالة مُطفأة في حين يجلس ميلڤين ويوجيني أمام مجموعة من الشموع، والزهور الحمراء، بينما يشاهدان فيلمًا ويحتسيا الكونياك معًا.

نفث هواءً حارًا من خلف الكمامة، وتذمر: ألم يجدا يومًا آخر ليقيما حفلهما الرومانسي هذا؟!.. ثمَّ لمَ لا يجعلانه في غرفتهما؟.. الآن كيف سأخرج؟!!

عاد إلى غرفته وبقي فيها بعضًا من الوقت، خرج وأطلَّ عليهما ليرى بأنهما يتبادلان الكلمات الرومانسية، فقلّب عينيه بملل وعاد إلى غرفته.

بقي يحدق نحو عقارب الساعة بقلق، فقرر أن يُطلَّ عليهما مجددًا. سمع يوجيني وهي تقول: سأذهب لأتفقد كايون.

سارع في العودة... خلع القبعة والكمامة ووضعهما بداخل الدرج، ثم تدثر بالغطاء والتف حوله كالشرنقة حتى لا تراه أمه وهو يرتدي ملابس سوداء عوضًا عن بجامة ميكي ماوس.

أحس بها وهي تضع قبلة على جبينه، وتتأكد من أن النوافذ مغلقة حتى لا يصاب بالبرد.

همست بصوتٍ منخفض بينما تغلق الباب: أحلامًا سعيدة صغيري.

رد عليها في نفسه" أحلامًا سعيدة أماني."

في العادة تقوم يوجيني بتفقده قبل أن تنام، لذلك علم أن بإمكانه الذهاب الآن، عاود ارتداء ما خلعه ونزل من على الدرج بحذر وقد طغى الظلام على الصالة الفارغة.

تسلق السور الخلفي للمنزل، مدركًا بأن حراس البوابة لن يقبلوا الرشوةَ منه.

ركب دراجته المركون بالخارج مسبقًا، ثم انطلق نحو المطار دافعًا الشرار خلفه.

ومن حظه أنه استطاع اللحاق بالطائرة قبل أن تُقلع.

جلس بجانب النافذة وتنفس الصعداء، نظر إلى العجوز الذي يجلس بجانبه وقد لاحظ بأن الآخر ينظر إليه سلفًا وعلامات وجهه تشير إلى التعجب، وهذا لأن كايون يرتدي قبعة شمسية وهم بمنتصف الليل. ابتسم له كايون وسأله: هل تعلم بأني مجنون؟؟

لم يبادله العجوز الابتسامة، واكتفى بأن أشاح بصره عنه وأدرك في قرارة نفسه أن الذي بجانبه مجنونٌ بالفعل فمن ذا الشخص العاقل الذي قد يسأل مثل هذا السؤال؟!!

بعد أن هبطت الطائرة أكمل الطريق مشيًا نحو الميتم بينما يستمتع بكل نسمة باردة تستنشقها رئتيه. حقًا إن هواء الليل يختلف عن هواء النهار.

توجه نحو السور الخلفي للميتم، أخرج حبلًا من حقيبته مربوط عليه حديدة تشبه المرساة. تجاوز السور بسهولة وتوجه نحو المبنى متواريًا خلف الأشجار.

أراد أن يستخد باب السرداب المؤدي إلى المطبخ، وهو يعلم بأنه يترك في العادة مغلقًا دون إقفال، وبينما هو متوجهٌ إليه لاحظ أن النافذة المصاحبة لغرفة المديرة قد كانت مفتوحة، توجه نحوها وأنصت جيدًا وحين لم يصدر عنها أي صوت.. قرر أن يختصر الأمر، وأن يتسلل من النافذة.

بعد أن دخل إلى الغرفة سمع وقع خطواتٍ تقترب، اختبأ خلف الستارة في حين دخلت المديرة وشغّلت الأنوار، جلست على الكرسي المقابل للمرآة وأخذت بتسريح شعرها الطويل بتأنٍ شديد..

وبينما هي تركز على فرك الكريم، رفعت بصرها إلى المرآة فبهت وجهها وشهقت كما لو أنها قد رأت انعكاس شيطانٍ عليها.

لم يستطع كايون أن يمنع ابتسامته الجانبية من الظهور، فابتسم، وتقدم نحوها...

توكَّأ على منضدة المرآة من خلف المديرة، فبات رأسه ملاصقًا لرأسها، وصدره مُلصقًا بظهرها.

دنى منها أكثر، ولامست شفتيه أُذنها وهي تقطر سمًا:

ــ الشوق لم يسمح لي أن أتأخر عنكِ أكثر.

ارتجفت شفتاها، وسألته: كـ.. كيفَ.. دخلت؟!

حدق إلى انعكاسها في المرآة، وهمهم مجيبًا:

ــ همم؟.. أنا من عليه أن يسأل يا هيليناث، لماذا لا تزالين مستيقظة إلى هذا الوقت؟؟

(هيليناث) صامتة بينما جبينها يتصبب عرقًا: ........

(كايون): لا تريدين الإجابة؟!.. لا بأس!.. أنا سأسدي إليكِ نصيحة. لا تتركي النافذة مفتوحة مجددًا.

وصلت إليها المعلومة ولكن في وقتٍ متأخر، لم تستطع أن تصرخ هذه المرة لأن الدم قد تجمد في عروقها عندما أُلصِقَ المسدس بصدغها، ابتلعت ريقها وهمست:

ـً آرثر.. أرجوك.. اسمح لي أن أشرح لك القصة.. أنا.. أنا لم أكن سببًا في موت ليون!

رد عليها بينما تصطك أسنانه: بلى، أنتِ السبب!.. لو لم تبيعيني لميلڤين لما خطر في بالك أن ترممي الميتم بتلك النقود!.. ولو أنكِ لم تبيعينني لبقيت في الميتم ولكنت حريصًا على ليون، ما كان ليحدث ما حدث لو أني كنت موجودًا. أنتم لا تهتمون به كما أفعل أنا!.. كنتم تقسون عليه دائمًا! وأنتِ المسؤولة وموته يقع عاتقًا على رقبتك لأنكِ لم تحرصِ عليه!

(هيليناث): لقد.. لقد وثقت بلوثر لذلك جعلته في أمانته وهو الذي لم يحرص عليه!

(كايون) بانفعال: لوثر كان ما يزال طفلًا!.. أتضعين طفلًا في أمانة طفل!!.. لا تحاولي أن تلقي باللوم على لوثر أيتها الحقيرة!

حفر فوهة المسدس على صدغها أكثر، وأقدم على إطلاق النار، إلا أنها قد أوقفته عندما صرخت:

ــ والدك جاء إلى الميتم!!

عقد حاجبيه، لتردف الأُخرى قائلة: لقد جاء والدك قبل سنتين ليأخذك. طلب عنوان من تبناك فأعطيته عنوانًا مزيفًا، ولكن.. لكن.. إن تركتني حية فسأعطيك عنوان والدك، أقسم أني أمتلكه!

أرخى المسدس قليلًا وأشاح بصره عن المرآة، تضاربت أفكاره وصرخت فيه"أبـي؟!.. عائلتي الحقيقية؟!.. لكن، ماذا عن أمي يوجيني؟!!"

وأردف في خُلده "قبل سنتين؟ أتذكرونني قبل سنتين فقط؟!"

نظر إليها بحدة، وقال بلا مبالاة: لا يهمني.

ــ أنا أحدثك عن عائلتك الحقيقية ألا تفهم!؟

ــ أحب عائلتي الحقيقية ولكني لن أتخلى عن أمي يوجيني أبدًا!

ــ آرثر!.. أتريد أن تعرف مكانه؟

أراد الهروب من الحقيقة، فهمس، وألقى جملته الختامية، بكلماتٍ تعمد تقطيعها:

ــ هيليناث.. أنتِ.. ميتة.

فتحت فمها في نية لقول شيءٍ آخر إلا أن كايون قد ضغط على الزناد وأخرسها.

فقط صوت رأسها من دوى على الأرض، أمّا مسدسه فهو مزود بكاتم صوت.

أخرج من جيبه المنديل ونثر ما به بالقرب من الضحية. بادر بالمغادرة غير أنه توقف، شاعرًا بأن هناك شيئًا ناقصًا.

استقرت عيناه على الجثة، فعاد أدراجه مخرجًا سكينهُ من جيبه. حدق إليها مطولًا، ثم انتشل رأسها، وقام بنـحـره بهدوء.

وقد كان هذا أول رأسٍ بشري يقوم بذبحه.

ثم... لـم يشـعـر بشـيء.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (81)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: نصيحة في مجرى سيل
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: بائعة المشانق
2025/08/07
الفصل 8: معشوق الجاذبية
2025/08/22
الفصل 9: عِراك الكلمـات
2025/08/31
الفصل 10: ابن عـاق
2025/09/08
الفصل 11: كمسرح الدمى
2025/09/28
الفصل 12: ابتزاز
2025/10/09
الفصل 13: عروس على حافة الموت
2025/10/11
الفصل 14: تحت أنقاض الماضي
2025/10/26
الفصل 15: شكوك
2025/10/28
الفصل 16: لا تتأخر
2025/10/29
الفصل 17: تحت الأقواس السبعة
2025/10/31
الفصل 18: عندما يصبح الخير شريرًا
2025/11/02
الفصل 19: عندما يغضب الزعيم
2025/11/04
الفصل 20: لدغة عقارب الساعة
2025/11/06
الفصل 21: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/08
الفصل 22: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/10
الفصل 23: عندما يُقدم الحُب كقُربان
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة الصنوبر
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة