ــ أوقف السيارة.
توقف السائق أمام أحد الفنادق كما أمره ميلڤين، نزل بينما يحمل كايون على كتفه. حجز له غرفة وقرر أن يبيت فيها، وآثر السفر المتواصل حتى لا يُنهك الذي ينام على كتفه.
فتح كايون عينيه بصعوبة، وعندما اتضحت له الرؤية، استاقم بجذعه، مشط المكان فرأى ميلڤين وهو مستلقٍ على الفراش الذي يقابله.
لاحظ أنه مُغمض العينين، فقرر أن ينتهز هذه الفرصة، أبعد الغطاء عن قدميه وتوجه نحو الباب بينما يمشي على رأس أصابعه، وقبل أن يضع يده على مقبض الباب، جاءه صوتٌ عميق من خلفه:
ــ الباب مُقفل.
وعلى الرغم من سماعه لذلك إلا أنه قد قبض على المقبض وحاول فتحه ولكن دون فائدة. رجَّ الباب في محاولة بائسة ثم سمع وقع خطوات ميلڤين تقترب منه ...
إلتفت إليه وصرخ في وجهه: أعدني إلى الميتم!
(ميلڤين) متجاهلًا كلامه: عد إلى مخدعك.
اصطكت أسنانه وصاح: إن لم تعدني إلى الميتم، فسوف أصرخ أمام الجميع وأقول لهم بأنك اختطفتني!
(ميلڤين): لن أُكرر كلامي مرتين.
(كايون) بانفعال: وأنا أقول لك للمرة الأخيرة، أعدني إلى الميتم أيهُ اللـعـ**!!
(ميلڤين): أعد آخر ما قُلته وسأقطع لك لسانك.
ولأن كايون التمس في كلامه تهديدًا، ولأنه يمقت أن يهدده أي أحد، أعاد آخر ما قاله بالفعل: أيهُ اللـعــ**!
وبكل هدوء، عاد ميلڤين أدراجه وأخرج من حقيبته حبلًا ، لا أحد يعلم لمَ قد يحشو حبلًا في حقيبته، ولكن على مايبدو أن ميلڤين يأخذ احتياطاته دائمًا ...
بقي كايون يتتبع يديه وما تفعل وكيف أنه قد أخذ مقصًا صغيرًا من داخل أحد الأدراج. عاد إليه بخطواتٍ بطيئة، في حين رمش الطفل عدة مرات، وقال في نفسه"ليس جادًا بالطبع"
تبين له أنه جاد عندما قبض على ذراعه بعنف. قاوم وحاول أن يتملص منه بشتى الطرق، ولكن قبضة ميلڤين القوية آلمته كثيرًا، ولاسيما أن ندوبه السابقة ما تزال تنضخ بألمٍ مضاعف.
ربط كلتا يديه وعقدهما إلى الوراء، في حين ألصق ظهر الصبي بصدرة، ووضع قدمه على ركبتيه حتى يثبته جيدًا ...
أطبق الطفل على أسنانه حتى يمنعه من قطع لسانه إلا أن ميلڤين قد قبض على زوايا فكه بقوة مما جعل الطفل يطلق صرخةً حادة، وفي تلك اللحظة أمسك ميلڤين بلسانه وسحبه إلى الخارج حتى لامسه أطراف المقص. أخذ الطفل يدفع جذعه إلى الخلف ويحاول أن يبتعد عن القاطعين إلا أن محاولاته بائسة فميلڤين يحكم الموقف ...
بات لسانه يتوسط قاطعي المقص، ولم يتبقَ إلا أن يطبق ميلڤين على أصابعه.
صدرَ عن الطفل صوتُ أنينٍ متحشرج، وبطرف عينيه الباكيتين نظر إلى ميلڤين بتوسل. حدق ميلڤين بعينيه للحظات، بينا الآخر أغمضها بقوة وأبعد ناظرية عنه كما لو أنه يشتم نفسه لأنه قد توسله للتو ...
باعد أطراف المقص عنه وأبعد قدمه كذلك، وقبل أن يهم بحل وثاقه سأله ببرود:
ــ أستكرر فعلتك؟
نفى برأسه، وخصلات شعرة ملتصقة بجبينه لشدة تعرقه، وبعد أن حل له وثاقه، احتضن الطفل نفسه وأسند جبينه على ركبتيه المرتجفتين. أمسك ميلڤين بكتفه وحاول إزاحة ياقة قميصه ليرى ذراعه، فمن خلال ردة فعله شكَ بأن بهِ خطبًا ما ...
(ميلڤين): دعني أرى ذراعك.
لم يمانع الآخر وسمح له أن يطّلِع على ذراعه والتي كانت مخططة، بدءًا من أعلى معصمه وصولًا إلى ظهره ... قام ميلڤين بفك أزرار قميصه حتي يتسنى له رؤية مدى امتداد الجروح، فرأى أن جذعه بالكامل مملوءٌ بالندوم ...
من خلال تلك الخطوط أدرك بأن الطفل الذي أمامه قد ضُرب بالسوط ... سأله على الرغم من أنه قد توقع الإجابة: من فعل بك هذا؟
(كايون) بصوتٍ تقطعه الشهقات: الـ..المديرة.
نهض ميلڤين وتوجه نحو حقيبته بينما يقول:
ــ لا ألومها.
أخرج من حقيبته مطهّر جروح وبعض الضمادات، هو بالفعل يأخذ كامل احتياطاته ... عاد نحوه وشرع بتطهير جروحه، لم يجرؤ الآخر على الحركة أو الإعتراض وبقي في مكانه حتى انتهى ميلڤين من تضميد جذعه ... وضع قميصه على كتفيه ثم قال: هيا اذهب للنوم.
أكمل كايون ارتدائه بينما يتوجه إلى فراشه، تدثر بالكامل وعاودت دموعه في الانسياب بصمت ...
أثناء ذلك سمع ميلڤين وهو يحدث أحدهم بالهاتف:
ــ نعم فضيتي.
ــ لم أتوقع أن غيابك سيطول إلى أيام!
ــ لقد أنجزت بعض الأعمال الإضافية.
ــ المهم أخبرني عنك؟
ــ مشتاقٌ لك.
ابتسمت يوجيني بينما تخيّل الآخر ابتسامتها، ساد الصمت للحظات حتى سألته مجددًا:
ــ هل طفلنا بات معك؟
نظر ميلڤين نحو الفراش المقابل له ثم قال: نعم، هو معي.
أمسكت يوجين الهاتف بكلتا يديها ثم سألته بتلهفة:
ــ أيمكنني الحديث معه؟!!
ــ حسنًا سوف أوقِظُه.
ــ لا مهلًا، دعه بما أنه نائم!
ــ حسنًا إذن ... نحن سنصل غدًا على أية حال.
تنهدت براحة ثم قالت: حسنًا إذن ... تصبح على خير.
ــ وأنتِ بخير.
ابتسم بخفة بعد أن أغلق الخط، ثم تقدم نحو الطفل.
شعر كايون بأن فراش السرير قد ثقل، أراد أن يلتفت، ولكنه خشي من رؤية ميلڤين لدموعه، فبقي متدثرًا دون حراك. تمتم الآخر بصوته العميق: كايون.
لم يشئ أن يُجيبه ولاسيما أنه يناديه بغير اسمه غير أنه ما يزال تحت تأثير الخوف. أجابه بتردد: ماذا؟
(ميلڤين): عندما نصل إلى سياتل حذارِ من أن تتلفّظ بالهراء ولاسيما مع أمك يوجيني، لأنني حينئذٍ لن أقطع لك لسانك فقط بل عُنقك أيضًا.
لم يرد عليه ولم يهتم الآخر لذلك لأنه يعلم بأنه قد أوصل له المعلومةَ جيدًا. عاد إلى مكانه بعد ذلك ونام حتى أفاق في الصباح.
ــ كايون... كايون.
بالكاد فتح عينيه وشعر بأن ما تحت أهدابه يلسع ... وذلك طبيعي بما أنه قد نام على دموعه ... أمره ميلڤين أثناء ترتيبه لأغراضه:
ــ اذهب واغسل وجهك ومن ثم تناول طعامك.
بعد أن غسل وجهه جلس على فراشه وبدأ بتناول الطعام، أخذ يسترق النظر نحاية ميلڤين بين الحين والآخر ويلعنه في نفسه ألف مرة...
نظر كايون إلى المباني الشاهقة بشفاه مفترقة، وما أدهشه أكثر هو المنزل الذي خطت قدمها نحوه، كان فخمًا للغاية، يواكب التطور إلا أنه لا يخلو من النقوش والزخارف العريقة. تحركت زرقاوتاه نحو تلك الشرفة والتي خرجت منها امرأة ونزلت إلى الأسفل لترحب بهما ...
فُتِحَ الباب المزدوج على مصراعيه في حين ركضت تلك المرأة واستقبلت كايون بحضنٍ مفاجئ، انكمشت تعابيره لوهلة لأن المرأة كانت تعانقه بقوة غير مدركة بأنها تعانق ندوبه أيضًا.
كان ميلڤين ينظر إليها بنظراتٍ تفيض بالدفئ، وعندما نظرت إليه الأخرى ابتسمت له وسط دموعها. سألها ميلڤين متذمرًا:
ــ هل أنا غير مرئي؟ أشعر بأنكِ لم تريني؟!
اجتاح المكان صدى ضحكاتها العذبة، في حين شدت على يد كايون بيد، ولفت ذراع ميلڤين بيدها الأخرى ...
(يوجيني): لقد جهزت حفلة كبيرة لأجلكما!
(ميلڤين): سعيدٌ لذلك، وأعتقد أن طفلنا كايون سيطير من الفرح.
نظرت يوجيني نحو كايون ومن ثم أعادت بصرها نحو ميلڤين وسألته: أهذا اسمه الفعلي؟.. أم أنك قد اخترت له اسمًا دون الرجوع إلي؟
(ميلڤين) مع ابتسامة: لا أظن أن رأيك قد يختلف عن رأيي.
قلّبت عينيها بملل ثم قالت: لن أجادلك لأن الاسم أعجبني.
توقفت في منتصف الصالة، لتتأمل ملامح الصبي من جديد. أبعد كايون ناظريه بينما تغمره الأُخرى بالقبلات ...
استسلم وسمح لها أن تعانقه بقوة متحملًا الألم وكل ذلك بسبب ميلڤين الذي رفع أحد حاجبيه بتهديد حينما رآه وهو يحاول الإفلات منها ...
جلسوا على مائدة الطعام المصفوفة بأشهى الأطباق، مزينة بأجمل الحلويات، تتخللها شمعدانات مزخرفة تضفي للجو رونقه الخاص من الرخاء ...
دُهش كايون بالفعل في حين قامت يوجيني بغمس معلقتها على إحدى الكعكات ومن ثم مدتها نحوه. تردد لوهلة وهو لا يعلم لماذا، ربما لأن الشخص الذي يعتاد على الظروف القاسية سيشك بكل لحظة سعيدة قد تمر أمامه أو بجانبه.
كانت أعين يوجيني تلمع بترقُّبٍ وسعادة خاصةً عندما ابتلع الصبي أول لقمة من يدها، وهكذا بقيت تطعمه دون أن تأكل، وما هي إلا دقائق قليلة حتى قامت بإطعام ميلڤين هو الآخر ، حتى لا يقول فيما بعد بأنها قد نسيته.
لقد تحسنت علاقتهما مؤخرًا وعلى ما يبدو بأنها ستتحسن أكثر مع قدوم كايون، أو العـكس...
تساءل كايون في نفسه" هل ستكون حياتي معهما نعمةً أم نقمة؟"
حدّق كايون بها لمدة، فلاحظت يوجيني أن عينيه مصوبةٌ نحو شعرها، ابتسمت ورفعت خصلةً فضيةً من شعرها بينما تسألُه: هل أنت مُستغرِبٌ من لونه؟
أومأ لها بنعم، فقالت: لدي أُخت تعاني من طفرةٍ جينية، فامتلكت شعرًا أبيضًا، وأنا صبغت لون شعري حتى لا تشعر أُختي بأنها غريبةٌ عنا.
صنع كايون ابتسامة مزيفة على شفتيه في حين تُردِفُ الأُخرى: سوف أُعرِفُكَ عليها وعلى الجميع!
ثم مدّت المعلقة إلى فمه ليبتلع لقمةً أُخرى.
ما زال يشك في سعادة يوجيني، وما زال يشك إن كانت حياته ستكون بخيرٍ معها أو لا، أمّا الشيء الذي هو موقِنٌ به أنه سيعاني كثيرًا مع ميلڤين، فمنذ اللحظة الأولى التي رآه فيها لم يشعر بالراحةِ أبدًا، وأحساسه كان في محله لأن الأيام القادمة ستجعله يتمنى الموت عوضًا عن العيش تحت جناحه.
Ahed Nasser🍂