بعـد مرور سنــة...
حفيفُ ريحٍ عاصفة تطرق النوافذ...
التحف كايون ببطانيته، ودفأ أُختهُ معه مقربًا إياها إليه، ثم انتزع الهاتف منها بلطفٍ قائلًا بخفوت:
ــ يكفيكِ مشاهدةً هذه الليلة.
تبرمت ملامح وجهها، والتفتت إليه مُنبسة:
ــ ولكن الحلقة لم تنتهِ بعد!
ــ آوه، الكرتون هذا لا ينتهي أبدًا.
ــ ولكن!
ضمها إلى حجره، وقال:
ــ سنكملها في الغد صغيرتي.
وبعد قوله لهذا، بدأ بالهمهمة على لحن تلك التهويدة، فتناست أمر الهاتف وأرخت جفنيها غارقةً في دفئه.
°
°
فـي الصباح..
ارتدى معطفَ فروٍ أسود، وقبعةً شتوية بذات اللون.
عدَّل القبعة الزهرية الخاصة بلوسي، وربط لها الخيوط أسفل ذقنها.
ابتسم وهو ينظر إليها، وهي الأخرى بادلته الابتسام ببراءة.
ذهبا بالسيارة ليصطحبا لوثر وأريج، وعندما دخلت أريج بذلك المعطف الأبيض الذي يفوق وزنها ويُشبه سترةَ النجاة إلى حدٍ ما، ابتسم لوثر، وقال:
ــ صباح الخير.
ردت ببشاشة: صباح النور.
وجهت بصرها إلى الأمام، لتجد زرقاوتي كايون تطالعانها بابتسامةٍ مراوغة، زمت شفتيها في محاولة لإسقاط ابتسامتها، ولإدراكها بأن كايون سيعلق على معطفها الآن.
ثوانٍ قليلة حتى عقدت مرفقيها إلى صدرها وقالت:
ــ وماذا الآن؟
نطق: قُـطبي يُحب السلاحف.
انفجروا بالضحك من دون استثناء، ثم استطردت أريج أثناء تحديقها بمعطفها:
ــ قطبي هو الدب المفضل لدي أساسًا.
وأردفت بينما تفتح غطاء قارورةَ الماء:
ــ ومع هذا، تعليقك لن يمر على خير.
تراجع إلى الخلف وتكلم بجدية:
ــ الماء، كلا!.. تعلمين أن الجوَ بارد!
°
°
بعد الدوام المدرسي...
خرج الثلاثة للتسكع بين الطرقات، وأثناء مشيهم، سألت أريج كايون:
ــ ألن تذهب لتأخذ لوسي من المدرسة؟
عطـس ثم أجاب: اليوم هو يوم رحلتها المدرسية.
ــ آها. إلى أين؟
ــ إلى حديقة ديسكفري.
ــ هممم.
تحدث لوثر: ليس من عادتك أن تسمح لها بالذهاب إلى هذه الرحلات.
(كايون): لقد أصرت على الذهاب، ولأن الرحلة ستكون إلى آخر نهار هذا اليوم فقط، وافقت.
°
°
في حديقة ديسكفري..
اصطف الأطفال أمام المعلم، ليأخذوا شارة الطفل المهذب.
تقدمت لوسيندا، وألصق المعلم الشارة بمعطفها، وقال:
ــ أحسنتِ لوسيندا، فتاة مهذبة!
ضحكت وشكرته: شكرًا!
هتفت المعلمة: ابقوا هادئين يا أعزائي، وكلٌّ منكم سيحصل على شارته!
وهناك خلف إحدى الأشجار، انتصب رجلٌ عريض المنكبين، يضع كمامةً سوداء، ونظارةً شمسية لتغطي عينه المفقوءة.
أجرى مكالمة، وتحدث بصوتٍ خافت:
ــ ثمانية.
رد عليه الآخر: لا تكسر العدد.
ابتسم صاحب النظارة وتنهد قائلًا:
ــ آهٍ منك يا أمبرا، كنت أعلم بأنك ستقول ذلك.
تجلت على شفتي أمبرا ابتسامةٌ جانبية، وقال:
ــ لا تعد إلا بعشرة.
استطرد الآخر: هذا أكيد.
انتهت المكالمة، فدس هاتفه بجيب قميصة قصير الأكمام، ثم تقدم خطوةً خاطفةً ناحية المعلم مستغلاً انشغال الجميع.
تبادلا نظرةً سريعة ذات مغزى، ثم قاد الرجل عربته النقالة تجاهه، وناولة قارورةَ ماءٍ وتمتم: ينقصنا اثنان.
رد المعلم بالهمس ذاته: اشغل المعلمة، وعندما أذهب، اذهب نحو الحمام الخلفي، رقم اثنين.
الرجل: تم.
ناوله المعلم عملة ورقية ثمنًا لمشروبه، ثم ولى كُلٌ منهما في طريقة.
شرع الرجل بإلهاء المعلمة عن طريق الحديث معها:
ــ عفوًا يا آنسة.
رفعت رأسها إليه بينما تحاول ترتيب بقية الأطفال، فبدت عليها الحيرة من مظهره لكنها ابتسمت وقالت:
ــ أيمكنني مساعدتك في شيء؟
تنهد ومسح على وجهه بهمٍ وقال:
ــ هل رأيتِ ابني هنا؟ لقد هرب مني بينما أبيع السوائل للناس، وأنا الآن أبحث عنه منذ نصف ساعة.
انخفض حاجباها وسألته: صفه لي.
أعطاها مواصفاته، فهزت رأسها وقالت:
ــ كلا، لم أره، أنا آسفة.
دعك ما بين عينيه من أسفل النظارة ثم ترجاها:
ــ هلَّا ساعدتني؟ أرجوكِ!
ــ أود ذلك حقًا، ولكن لدي أطفال كما ترى، وعليّ مراقبتهم.
وأردفت: يمكنك أن تبلغ...
توقفت عندما قال المعلم (جون): فلتساعديه يا معلمة ربيكا وأنا سأحرص على الأولاد.
ــ آ.. حسنًا.
نطقت على مضض، ثم سارت مع صاحب النظارة الشمسية.
وبعد فترة ليست بالطويلة، صدر صوت رنة من هاتف الرجل، ففتح الخط وأجاب:
ــ آه حقًا؟ شكرًا لك، أنا قادم.
ثم التفت إلى المعلمة وقال:
ــ أنا ممتن لكِ يا آنسة، لقد وَجَدَهُ أخي.
ابتسمت وقالت: لم أفعل شيئًا.
ثم عادت إلى مجموعة الأطفال.
بدأت بتنظيمهم من جديد مع المعلم، ثم أخرجت لائحة وبدأت بسرد أسمائهم حتى تتأكد من أنهم موجودون جميعًا.
بهت وجهها، ورمقت المعلم هاتفة:
ــ لوسيندا وسمانثا ليستا هنا!
لوح المعلم بيده وطمأنها: لا تخافي، الفتاتان استأذنتا للذهاب إلى الحمام قبل قليل ودليتهما على الطريق.
تنهدت براحة، ثم توجهت نحو الحمامات لترى ما إن كانتا قد انتهيتا.
طرقت باب دورة المياه الأول ثم فتحته، ولم تجدهما.
طرقت الباب الثاني، ثم فتحته، ولم تجدهما.
فتحت الثالث ولا أحد، ثم الرابع، ووجدته مغلقًا.
طرقت الباب، ونادت: سمانثا، لوسيندا! أتسمعانني؟!
ردت امرأة: أنتِ مُخطئة، لست عمن تبحثين.
شرعت تناديهما وتفتش عنهما في الأرجاء بأنفاسٍ لاهثة ونبضاتٍ مضطربة.
رجعت إلى المعلم وأخبرته بينما تُمسك بكتفيه بقوة:
ــ الفتاتان! الفتاتان!
(المعلم جون) وقد رسم على وجهه تعابير قلقة: ما خطبهما؟!
المعلمة: لم أجدهما!!
Ahed Nasser🍂