بعد أن ضمدت جرحها بالمستشفى، أوقف كايون السيارة أمام بيتٍ متوسط الحجم ذا لونٍ فاقع. الهواء معكّر بالضيق والأعين مغلفة بالشجن.
جرَّ حقيبتها وقادها نحو الباب. وقفت يوجيني أمامه وتحدثت بنبرةٍ حاولت أن تجعلها متماسكة:
ــ سأنتظر زيارتك مع لوسيندا بعد دوامك المدرسي.
رفع زرقاوتيه إليها، وحاولَ يائسًا أن ينطق بأي كلمة، فلم يسعه سوى ابتلاع غصته.
وفي لحظةِ السكون، همست تعابير الوجوه بما شوّه القلوب. لسعت الدموع عينيها فسحبته إلى حجرها في عناقٍ أمومي، وعندها فقط.. كُسِرَ الصمت، وأشهج كايون بالبكاء، كما لو أن مقلتاه كانتا بحاجة إلى جدارٍ يسترهما، وحضنٍ يبتلع صدى شهقاته.
ــ أنا.. أنا.. آ..سف.
ربتت على ظهره، وقبّلت رأسه. همست له: ليس خطأك.
وضعت كفيها على خديه ومسحت مجرى دموعه برفق. سألته بصوتٍ متهدّج:
ــ لمَ؟.. لمَ لم تخبرني بأنه هو من فعل بك ذلك؟
ــ لأن..لأني.. كنتُ.. أُريد أن.. أتجنب.. مـ..ما حدث اليوم.
ــ هذا خطأ.. كان عليك إخباري حتى لو آل الأمر إلى انفصالنا، فالاستمرار بالحياةِ معه مع غفلتي عن أفعاله كان أمرًا سامًا بالنسبة لي!
ــ ........
ــ هل ستكون بخيرٍ عندما تعود؟!
ــ نـ.. نعم.
ــ عدني يا كايون بأنك لن تخفي عني أي شيءٍ بعد الآن.
انعقد لسانه لبرهة. وضع يديه على كفّيها، ونطق: أعدك.
لم يكن كايون يكره الكذب…
كان يكره تلك اللحظة التي يرى فيها الخوف في عينيها، فيختار أسرع طريق لإخماده، حتى لو كان طريقًا لا يقوده إلا إلى كذبةٍ أخرى.
(يوجيني): لا تقلق، سأرفع قضيةً ضده وستأتي أنت ولوسيندا معي.
ردَّ عليها بصوتٍ لم يستطع أن يخفي منه الهلع: كلا!
ــ ولكن لمَ؟!
ــ أمي!.. هو يمتلك العديد من الأعوان، وبعضهم من الشرطة وهم ليسوا رجال شرطة من الأساس!
ــ ولكن لا يمكنني أن....
ــ أمي!.. لا!.. أرجوكي!
ــ كايون!
ــ هذه مخاطرة!.. أنا لا أُريد أن أفقدكِ!
شدَّ على يديها مع آخر جملة، فتنهدت وأومأت موافقةً على وجوم.
.
.
توالت زيارت كايون ولوسيندا إلى أمهما بشكلٍ يومي بعد دوام كايون المدرسي والعملي، وعلى الرغم من أن ميلڤين لم يمنعهما عن المغادرة اليومية إلا أن كايون غلب عليه شعور الحرمان، ولوسيندا تبقى مشغولةً بالصرخ في كل ليلةٍ لا تنام فيها مع أُمها.
بعد مضي شهرين ...
حدث خطبٌ جعل كايون يظن بأن الحياةَ مخمورةٌ بألمه، وأنها على وشك أن تسلبه أعزَّ ما يملك.
Ahed Nasser🍂