🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️
•أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله،
ولا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️
_____________________________________
كان أعضاء المافيا مجتمعين حول طاولة سوداء مستطيلة يتبادلون الأحاديث والنظرات المشحونة.
تحدث أحد أعضاء المجلس بنبرة متوترة:
ــ كيف حدث ذلك بحق الرب؟ كيف ألقوا القبض عليه؟!
رد ألكس مسترسلاً:
ــ عندما ذهبتُ إلى نيويورك، قيل لي إن الشرطة اقتحمت مكتبه وسحبته رغمًا عن أنفه، دون سؤالٍ أو استجواب.
عقّب عضو آخر في الكلام:
ــ هذا يعني أنهم وجدوا دليلاً قاطعاً على إدانته، ولم يجدوا أي داعٍ لاستجوابه.
تدخل شخص ثالث محاولًا التحليل:
ــ لا أعتقد أنه قد يترك أدلة تُدينه؛ رجلٌ مثله حذرٌ للغاية.. ربما خانه أحد رجاله.
تحدث باركر بثبات:
ــ "بلو" شخصٌ حذرٌ جدًا، حتى أنه لا يوكل أتباعه في المهمات إلا وهو يمتلك أمورًا تُدينهم؛ حتى يهددهم بها إن فكروا بالانقلاب عليه.
قرّب كاميرون رأسه من أذن رينا وسألها بصوتٍ خافت:
ــ من "بلو" هذا؟
همست رينا:
ــ "بلو" أحد رفاقنا، كلفه الزعيم بمهمة تبييض الأموال في نيويورك.
استفسر كاميرون: وكيف يبيضها؟
رفعت رينا أحد حاجبيه وقالت: من خلال شركات وهمية.
سأل كاميرون مجددًا:
ــ أتقصدين واجهةً تبدو نظيفة بينما تُستخدم في أمور قذرة؟
(رينا): بالضبط.
استطرد: وفي أي واجهة كان يعمل بلو؟
ــ في مكاتب الصرافة وتحويل الأموال.
عقد كاميرون حاجبيه وقال:
ــ لم أفهم! كيف يستطيع تبييض الأموال من خلال ذلك دون أن يلاحظه أحد؟!
عضت رينا على شفتها السفلى بغيظٍ مكبوت؛ فقد استفزها غباء كاميرون، ثم أردفت لتوضح له:
ــ عن طريق ضخ المال نقدًا في النظام المالي عبر الكازينوهات.
ــ وكيف يغطي ذلك؟!
ــ بتشتيت الأموال بين حسابات متعددة في دول مختلفة، ثم الدمج وتحويل الأموال المغسولة إلى ممتلكات شرعية.
هز كاميرون رأسه ومسح ذقنه مهمهًا ثم قال:
ــ آهاه.. هكذا إذن.
نهضت إحدى عضوات المافيا وضربت كفيها على الطاولة بقوة قائلةً:
ــ أنا متأكدة من أن أحدهم قد غدر به!
رد عليها أحد الأفراد: احتمالٌ وارد.
واستطرد كاميرون:
ــ لا تنسوا أن جيسيكا ما تزال في السجن، قد يقومون بتعذيبها لتعترف.
على الفور، ركلت رينا قدمه من أسفل الطاولة ليتأوه بصوتٍ مكتوم، وضع سبابته وإبهامه على شفتيه مشيرًا لها بأنه سيلتزم الصمت ولن يتفوه بأي شيء آخر.
كاد أحد الأعضاء أن يؤيد كلام كاميرون، لكنه خشي من معزة رينا له، ففضل السكوت.
الجميع يتحدث ويناقش بينما ميلڤين يراقب الحاضرين ويتفحصهم من رؤوسِهم إلى أقدامهم؛ من يراه سيحسبه جهاز أشعة سينية!
أحس كاميرون بنظراتٍ حارقة موجّهة نحوه، فتحركت عسليتاه بشكلٍ تلقائي حيث يجلس ميلڤين، وفعلاً وجد عينيه مصوبتين نحوه كما لو كان يحدق به منذ وقتٍ طويل.. بقيت أعينهما في تواصلٍ بصريٍ مشحون، كلٌّ منهما يحاول فهم أسباب الآخر.
قُطع هذا التواصل البصري عندما دخل الزعيم جيفرسون،
ومع دخوله أصبح الهواء ثقيلاً وخيم الصمت على المكان.
استقامت الأجساد احترامًا لمن دخل، وكانت العيون تسأل سؤالًا صامتًا عن هوية الشخص المبتسم الذي يقف بجانبه.
رمى الزعيم بثقله على كرسي الزعامة وجلس مرافقه بجانبه، ثم أومأ برأسه جميعًا آذنًا للجميع بالجلوس، فجلسوا في الوقت ذاته وكأنهم روبوتاتٌ مُبرمجة.
تحدث الزعيم جيف ليجيب عن تساؤلات العيون:
ــ جمعتكم اليوم ليس لتعلموا من هو الشخص الذي سيتولى مهمة تبييض الأموال فحسب، بل لأعرفكم على عضوٍ جديد وشريكٍ جديد.
في تلك اللحظة، عدّل صاحب الخصلات الكستنائية بدلته، وابتسامته الغامضة لا تفارق وجهه.
أردف الزعيم جيف:
ــ لويجي فيتالي، عميلنا الجديد من إيطاليا.
استطرد لويجي بهدوء:
ــ يمكنكم مناداتي بالدون ليڤينو، فهذا هو اللقب الذي أستخدمه في العمل.
سأله ألكس:
ــ هل كنت تعمل تحت واجهةٍ خاصة للمافيا الإيطالية؟
رد الدون ليڤينو:
ــ نعم ولا أزال كذلك.. أنا هنا كجسرٍ لامتداد الشراكة والتحالف بين الزعيمين جيفرسون وأمبرا، وسيوضح لكم الزعيم ذلك.
همس كاميرون في أذن رينا بتذمر:
ــ هذا غير عادل! لمَ هيأ الزعيم هذا الاستقبال الفخم لأجله وجمع جميع الأعضاء، ولم يفعل هذا عند قدومي؟ ألم أملأ عينيه أم ماذا؟!
وكزته بمعصمها فتأوه، ثم صك على أسنانه وقال بصوت خفيض:
ــ سأشكوكِ إلى الرب!
ردت (رينا): هشش.. دعني أستمع!
تحدث الزعيم جيف:
ــ الدون ليڤينو سيوقع على أوراق الشراكة بيني وبين الزعيم أمبرا، والتي تنص على أننا سنعمل معهم في الصفقات وتجارة المخدرات؛ وبذلك سيزداد الربح لكلا الطرفين، فنحن كما تعلمون نمتلك أتباعًا في المكسيك وكولومبيا يصنعون لنا الممنوعات، بينما المافيا الإيطالية تمتلك أنابيب سرية للتهريب والعديد من الأساليب الأكثر أمانًا للتجارة، وهذا سيوفر علينا التعامل مع النواقل البشرية، ولن نضطر للتعاون معهم أو رشوتهم بعد الآن.
استأذن ميلڤين الزعيم في الحديث، فأومأ بأن يتفضل.
(ميلڤين) ببرود:
ــ لا أقصد التشكيك في قرارك بالتعاون معهم يا زعيم، ولكنني أرى أننا في غنى عن هذه الشراكة؛ فنحن نستطيع تهريب الممنوعات في نواقل شحن المواد الغذائية أو الأثاث عوضًا عن النواقل البشرية.
رد الزعيم قائلًا:
ــ ولكن العمل مع من هم في الميدان ذاته أأمن بكثير، كما أن الأرباح ستتضاعف بالتعاون معهم في تصدير المخدرات لأكبر عددٍ ممكن من الدول؛ فهم مافيا متشعبه في إيطاليا ولهم أتباعهم المنتشرون في العديد من المناطق الأخرى.
أردف (ألكس):
ــ كما أن العمل بيدين سيكون أفضل بكثير من العمل بيدٍ واحد!
استطرد (ميلڤين) وظلمة المكان تزيد من قتوم خضراوتيه:
ــ ولكن الثقة بيدٍ ليست يدك قد يكلفك الكثير.
عقد الزعيم جيف حاجبيه واستفسر:
ــ ماذا تعني بكلامك هذا؟
رد ميلڤين بثبات:
ــ إن بين حبر الصفقات نوايا وأفكار خفية لم تُكتب على الورق، لكنها ستظهر في المستقبل.
اتسعت الابتسامة على ثغر الدون ليڤينو وقال:
ــ نحن يا عزيزي نوثق عهودنا بالدم لا بالحبر.
عقد ميلڤين أصابعه ونظر إليه ببرود ثم قال بهدوء:
ــ وهذا يدل على تدنيس العهد لا على توثيقه.
في هذه اللحظة، فلتت ضحكة من ألكس، فالتهمته جميع الأنظار؛ تحمحم ليمسح حشرجة حنجرته ثم طأطأ رأسه متمنيًا لو أن الأرض تنشق وتبتلعه.
(رينا): أوافق ميلڤين، ما الدليل على أنهم لن يأخذوا الفائدة الأكبر وينقلبوا علينا؟
تحدث الدون ليڤينو:
ــ الأمور لا تسير بهذا العبث، المسؤولون عن التجارة والتصنيع سيسجلون الكميات المباعة والمصنعة على مدار السنة، كما أن التجار سيكونون من أتباعكم وأتباعنا لضمان التساوي.
مع انتهائه من القول، بدأت الهمسات تتصاعد بين الحاضرين، بين مشككٍ ومؤيد.
في الوقت ذاته، نطقت رينا وميلڤين بصوتٍ واحد:
ــ بعض الأتباع يُشتروا بالمال.
رفع الزعيم جيفرسون يده منهيًا الجدال، وقال بنبرة حاسمة:
ــ لقد اتخذت القرار مسبقًا، هم وثقوا بنا ونحن سنثق بهم.
عندئذٍ وضع الزعيم الأوراق على الطاولة، وشهد الجميع على هذه الشراكة المشبوهة. فرأس التجارة سيكون في إيطاليا، وحتى لو وُجد أتباع أمريكيون، فمن يضمن ألا يخونوا زعيمهم لأجل المال؟ بالمختصر، الزعيم جيف لا يحب تعقيد الأمور والتدقيق في كل تفصيلة صغيرة، ويمنح كل شخص فرصة واحدة لنيل ثقته، على عكس ابنته وميلڤين؛ فمن الصعب التعامل معهما أو نيل ثقتهما، إذ لا يسمحان للخطأ بأن يحدث من الأساس.
نقش كلٌّ منهما توقيعه، وأضاف الدون ليڤينو لمسته الخاصة عندما قام بعض إبهامه وتبصيم الأوراق بدمه، ثم أردف وابتسامة جانبية تعتلي شفتيه الداميتين:
ــ بالدم يبدأ عهدنا، وبسفك الدم ينتهي عقدنا.
أي أن المافيا التي تقتل عضوًا من المافيا الأخرى تعلن رسميًا بانتهاء عقد الشراكة وبداية عهد العداوة.
مع انتهائه من قول ذلك، ازداد الجو ثقلًا والأنفاس انكتامًا، وسكنت الهمسات.
انكسر الصمت المفاجئ عندما سأل باركر:
ــ ماذا عن الشخص الذي سيتولى مهمة تبييض الأموال؟
أجاب الزعيم جيف:
ــ الدون ليڤينو سيتولى الأمر، ولكن هذه المرة في سياتل وليس في نيويورك.
استفسر الدون: ولمَ ليس في نيويورك؟
أجاب الزعيم: أُلقي القبض على أحد أتباعنا هناك وازدادت الرقابة، ولأنك ستقوم بالعمل ذاته، فيفضل اختيار منطقة أخرى.
ابتسم الدون وأومأ برأسه.
همس كاميرون في أذن رينا مجددًا:
ــ لماذا يوزع المدعو لويجي الابتسامات منذ أن دخل؟!
ردت رينا: وأنت ما شأنك؟
ثم وضعت يدها على فمها للحظة إدراك وأردفت بدهشة:
ــ أيعقل أنك تغار من وسامته؟!
رمش كاميرون عدة مرات،ثم عقد حاجبيه وسألها مستنكرًا:
ــ وسامته؟! أتقولين هذا الكلام أمامي؟!
رفعت رينا أحد حاجبيها وسألت:
ــ ولمَ قد أقول ذلك من خلف ظهرك؟
لم ينبس ببنت شفة، بينما رينا ترمقه بطرف عينها مستمتعةً بالتلاعب بأعصابه.
°°°
واشنطن ــ مدينة سياتل ــ بعد عدة سنــوات...
امرأة ترتدي معطفًا بقلنسوة كبيرة تخفي ملامح وجهها، تمشي بخطىً بطيئة وتنظر إلى الناس بنظراتٍ متفحصة.
وبينما تحرك حدقتيها كالصقر، رصدت محفظةً على الأرض، فسارعت لأخذها، ثم قالت:
ــ الآن أستطيع شراء الغداء!
فتحت المحفظة ووجدت فيها بضعة دولارات تكفي لشراء الطعام لمدة ثلاثة أيام فقط.
فقالت في نفسها "سأشتري قطعة خبز لأسد بها رمقي، والباقي سأدخره حتى أجد عملًا"
تنهدت، ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت:
ــ أردت الحرية، وليس التشرد.
شد ناظريها شاشة تلفازٍ مثبتة على أحد المباني، حيث كانت تتحدث مذيعة الأخبار:
ــ مازالت الشرطة الدولية تطارد بقية أفراد المافيا بلوس أنجلوس حتى الآن، لتوفر الأمان للبلاد، و......»
قلبت المرأة عينيها وأكملت طريقها متجاهلة نشرة الأخبار.
°°°
في حي فيرمونت.
كان يومًا مدرسيًا عاديًا، خالِيًا من المشاكل والتنمر.
عاد كيڤن إلى المنزل وهو مُرهق من يومٍ طويل ممتلئ بالحصص والأنشطة... نادي بصوتٍ عالٍ:
ــ لقد عُدت! سوف أنام قليلًا، أيقظني بعد نصف ساعة وضع حصتي مِن الطعام في المايكرويف!
لم يرد مايكل، ولكن ذلك لم يُقلق كيڤن؛ لأنه يعرف أن أخاه غالبًا ما يسمعه ولا يرد عليه، هذه هي عادتُه.
بقي نائمًا لمدة ثلاث ساعات، وعندما استيقظ تمتم بغضب:
ــ تبًا! مرت ثلاث ساعات ولم يوقظني! متى سأتعشى؟ ومتى سأكتب؟ ومتى سأدرس؟ ومتى سأعمل على بحث المقال؟!
نزل مِن غُرفته وهو يهز الدرج بأقدامه، ومِن الواضح أن هذه الأقدام تنوي رفس أحدهم! ومع نزوله وجد مايكل يدخل البيت ويُغلق الباب بيد، وباليد الأخرى يُمسك كيسًا مملوءًا بالأدوية.
عقد كيڤن حاجبيه باستغراب وسأله:
ــ ما خطب هذه الأدوية كُلها؟
بقي مايكل واقفًا عند الباب لوهلة يُدلك صدغه، ثم صعد على الدرج ووضع يده على كتف كيڤن وقال:
ــ اعذرني، لن أستطيع أن أُعد العشاء اليوم.. حضّر لنفسك بيضًا مقليًا أو أي شيء، أنا لست جائعًا.
ثُم أكمل صعوده، فتبعه كيڤن وسأله بقلق:
ــ ما خطبُك؟ من ماذا تُعاني؟
أجاب مايكل:
ــ أنا فقط مُصاب بالحُمى، بالإضافة إلى أن رأسي يؤلمُني قليلًا.
استفسر كيڤن:
ــ إذا كان هذا فقط، فلمَ كُل هذه الأدوية؟!
ضحِك مايكل بخفة وقال:
ــ تعرفُني، أُحب نفسي كثيرًا!
تنهد كيڤن أثناء مُراقبته لأخيه وهو يدخل غرفته. ذهب إلى المطبخ وحضّر بيضًا مقليًا وبعض الخُضار المسلوقة، وبعد انتهائه من تناول العشاء شرع في إنجاز فروضه ودراستها، غير أنه لم يستطع حفظ أو فهم أي شيء؛ ففِكره بات مشغولًا للغاية.
قرر الصعود إلى غرفة مايكل والاطمئنان عليه؛ قام بفتح الباب بِبُطء كي لا يصدر صريرًا، ووقف أمام سريره فوجده وقد غرق في نومٍ عميق. قرر كيڤن أخذ الأدوية ليعرف مِمّ يُعاني مايكل بالضبط، فأخذ يبحث عنها وقد ازداد قلقه وهو يسأل نفسه: "لمَ قد يقوم بإخفائها؟!"
استعان بإضاءة خفيفة من هاتفه وأخذ يبحث في الخزانة، وتحت السرير، وداخل الأدراج، وكل ذلك دون فائدة. جالت عيناه في المكان حتى رصد جُزءًا بسيطًا من الكيس، كان موضوعًا على الرف ومخفيًا خلف صندوق خشبي. تناول الكيس بحذر ثم خرج من الغرفة وجعل الباب نصف مُغلق حتى يُعيد الأدوية فيما بعد دون أن يُصدر أي صوت.
جلس على الأريكة ووضع الأدوية والحبوب على المنضدة. الشيء الغريب أن جميع الأدوية لا تمت للحُمى بصلة؛ إذ كانت مُسكنات لآلام المعدة، والرأس، والقولون، والعظام، والتقرحات... لا يوجد دواءٌ للحُمى أو حتى دواء للرُشاح إن كان قد أُصيب بنزلة برد.
أخذ يُمرر سبابته وإبهامه على ذقنه، وبينما هو يفعل ذلك لمح طرف ورقة وردية داخل علبة إحدى الأدوية، فانتشلها وأقدم على قراءتها.
إفترقت شفتاه وتوسعت حدقتاه بجزع عندما علم أن تلك الورقة تنص على أن مايكل مُصابٌ بمرض الإيدز!
غرس أصابعه في فروة شعره، ثم أخذ يزف البيت من زاوية إلى أخرى وهو يُعيد قراءة ورقة الفحص. لا يعلم هل هو بذلك يحاول إقناع نفسه بتصديق الفحص أم بتكذيبه.
رمى نفسه على الأريكة بيأس، وذلك بعد أن تغلفت عيناه بطبقةٍ زُجاجية، وبدأ صدره يعلو ويهبط بسرعة مُستوعبًا أنه قد فقد أخاه لتوّه. تمتم بكلامٍ خافت:
ــ هذا المرض لا يوجد له علاج!
الإيدز يجعل الشخص كفريسة مكشوفة أمام قطيع مِن الضباع، وتلك الأدوية التي اشتراها ما هي إلا لتخفيف الآلام التي ستُتبعها حملة من الأمراض التي بدورها ستهجم على جسده وتُمزّقه بشراهة.
بقي مُستيقظًا حتى ارتسمت خيوط الفجر الذهبية في السماء، فغفى من السهر ومن كثرة ما أهطلت عيناه البارحة. لم تدم غفوته خمس عشرة دقيقة حتى استفاق نتيجةً لطرق أحدهم الباب. دعك عينيه ثم نهض بكسل وفتح الباب، لتقابله فيرونيكا بابتسامةٍ مشرقة.
قالت: صباح الخير!
رد كيڤن مع ابتسامة صغيرة: صباح الخير.
عقدت فيرونيكا حاجبيها واستفسرت:
ــ لمَ عيناك مُحمرتان؟ هل من خطب؟
وضع كيڤن يده خلف رأسه وقال:
ــ أنا بخير، مُجرد إنفلونزا ستمنعني من الذهاب إلى المدرسة.
أخفضت فروني حاجبيها بحزن وقالت:
ــ كُنت آمل أن نذهب إلى المدرسة سويًا عندما رأيت أن دراجتك لا تزال في الحديقة، لكن لا بأس، أرجو لك الشفاء العاجل. انتبه لنفسك وابقَ مُرتاحًا واشرب قهوة ساخنة.
أغمض الآخر عينيه وقال: حاااضر!
ضحكت فروني بخفة لتمثيله دور الفتى المطيع، ثم قالت:
ــ لا تقلق من ناحية دروس اليوم، سوف أُلخصها كلها ثم أعطيك إياها.
ــ هذا لطفٌ منكِ.
لوحت له بيدها ثم عدّلت خوذتها وولّت إلى المدرسة بدراجتها الهوائية.
بقي كيڤن يتأملها للحظات وهي تبتعد، وما إن أصبحت لا تُرى حتى أغلق الباب واستدار، لتقابله أعين مايكل المُتقدة بالغضب.
بقيت أعينهما في التحام مُباشر، مرت لحظات والصمت يسود المكان، فحرك كيڤن مقلتيه من مايكل إلى الأدوية.
وعندما افترقت شفتاه بنية الحديث، أخرسه مايكل بصفعة! صفعةٌ أدارت وجهه إلى الخلف فالتحمت عظام وجهه بالجدار. صرخ كيڤن بصوت مكظوم ووضع يده على عمود أنفه.
ابتعد مايكل وقام بجمع الأدوية، ثُم مزق ورقة الفحص ورماها في سلة المهملات بإهمال، ثم نظر إلى كيڤن وقال له بنبرة باردة:
ــ لا تعبث بأشيائي مُجددًا.
توجه كيڤن إلى غرفته وهو ما يزال يضغط على عظام وجهه، وأغلق الباب بعنف مُعبرًا بذلك عن غضبه وألمه.
توجّه مايكل إلى المطبخ ليُحَضِّرَ الإفطار، وتزامُنًا مع ذلك نظر إلى كفه وقال في نفسه: "لم أكن أقصد أن أصفعه بهذه القوة.."
بقي كيڤن حابسًا نفسه في غرفته وأضرب عن الطعام، فوضع مايكل طعامه أمام الباب علّه يجوع في أي لحظة ويأكله.
قاربت الشمس على الغروب، والأطباق كما هي، فتنهد مايكل وطرق الباب ثلاثًا... لم يرد عليه، فأسند رأسه على الباب وترجى:
ــ كيڤن، أنـا حقًا آسف!.. أرجوك تناول طعامك!
ولكن لا إجابة...
زفر مايكل بنفاد صبر وجمع الأطباق، وأثناء نزوله سمع أحدهم يطرق الباب... فتحه ليتضح أن الطارق هي فيرونيكا، سألها:
ــ ما الذي تُريدينه؟
أجابت (فروني): أين كيڤن؟
لوى مايكل شفتيه بانزعاج لأن فيرونيكا ردت على سؤاله بسؤال، فأردفت فروني بعد أن لاحظت انزعاجه:
ــ أردت أن أُعطيه ملخصات لدروس اليوم.
مد مايكل يده وقال: هو نائم.
سألته بعد أن أعطته الملخصات:
ــ هل تحسنت صحته؟
عقد حاجبيه فعقدت هي حاجبيها، وفورًا أدرك أن كيڤن كذب عليها، فقال لها:
ــ نعم، لقد أصبح أفضل حالًا.
ــ هل سيستطيع الحضور غدًا؟
ــ نعم.
وعندما اطمأنت على كيڤن لكونه بخير، التفتت بنية للمغادرة، ولكن مايكل استوقفها عندما قال:
ــ شكرًا لأنكِ تهتمين بأخي.
ابتسمت وقالت:
ــ هذا لا شيء مُقارنةً باهتمامه بي!
(مايكل) بنبرة يتخللها الحزن:
ــ أرجو أن تبقي هكذا.
عقدت حاجبيها لأن نبرته بدت غريبة. وبمجرد أن غادرت، صعد مُجددًا إلى غرفة أخيه ثم كلّمه من خلف الباب:
ــ كيڤن، لقد جاءت فيرونيكا وأحضرت معها ملخصاتك المدرسية.
فتح الباب وأخذ الملخصات من يده دون أن ينظر إليه. راح ليغلق الباب مجددًا، إلا أن مايكل أدخل قدمه لتكون حائلًا عن ذلك. هُنا فقط التقت عيناهما ببعضها البعض.
تحدّث مايكل:
ــ لا تكُن حساسًا إلى هذه الدرجة!
رد كيڤن:
ــ لست أنت من شعر بالصفعة لتتحدث عن الحساسية!
ــ لقد اعتذرت لك.
ــ وهل اعتذارك ضمد وجهي؟!
تنهد مايكل وحاول المراوغة عن خطئه فقال:
ــ ما كان عليك العبث بخصوصيتي!
صرخ كيڤن بنبرة حادة:
ــ وهل الاطمئنان على صحتك يُعد عبثًا بخصوصيتك؟!
ــ وهل أخذك لأغراضٍ قُمتُ بتخبئتها لا يُعد انتهاكًا للخصوصية؟!
ــ أغراض؟! هي أدوية! لماذا تُخفي عني حقيقة مرضك؟!
ــ لأني لا أُريدك أن تقلق، فأنت دائمًا تُضخم الأمور!
قام كيڤن بشد خصلات شعره واستفسر بغضب:
ــ عن أي تضخيمٍ تتحدث؟! أنت من لا يُعطي الأمور قيمتها! الإيدز مرض فتاك، قاتل، مميت.. ألا تُدرك حجم المصيبة؟!
رد مايكل بنبرة ضجر:
ــ قاتل، مميت.. أساسًا أنا أعيش وأعلم بأني سأموت في نهاية المطاف!
ــ وهل تعتقد أنكَ ستموت مرتاحًا؟! سوف تموت بسبب تكالب جميع الأمراض عليك، ثم إن حياتك باتت أقصر!
رمى مايكل يديه في الهواء وقال:
ــ أوه! هي مُجرد تقرحات خفيفة وألم طفيف في العظام.. أخبرتك أنك تُضخم الأمور!
نتف كيڤن شعره وصرخ:
ــ أنت لا تفهم! هذه هي البداية فحسب!
أوقف مايكل الجدال بأن لوّح يده بإهمال ثم غادر.
مرت بضعة أيام وصحة مايكل تتدهور، بينما أصبح كيڤن يُهمل دروسه وينصرف للأمور المنزلية على الرغم من أن الامتحانات النهائية باتت على الأبواب. كان مايكل يخبره:
ــ ركّز على دراستك واترك مهام البيت لي.
ولكن الآخر رفض ذلك وأصر على العمل؛ لأنه يعلم جيدًا أن مايكل يُكابر فحسب.
انتهت الاختبارات، فتفرغ كيڤن بالكامل وسخّر وقته للعناية بأخيه.
كان كيڤن يُعدّ الغداء، فوضعه على المنضدة ونادى:
ــ هاي! مايكل، الطعام جاهز!!
ــ ........
ــ مايكل!
ــ .......
ــ مــايــكــااال!!
جف حلقه دون فائدة، فقرر الصعود إليه وقلبه على جمر. خطوةٌ ثم خطوة وكلٌ منها بدت أثقل من السابقة، وكأنه يمشي على رمال الصحراء. أمسك مقبض الباب بيد، والأخرى وضعها على خفقان صدره، وداهمت عقله الأسئلة: "لمَ لم يرد علي؟ هل مات؟!"
فتح الباب ببطء فأصدر صريرًا، واستقبله الظلام الدامس. تقدم إلى السرير، فوجد أخاه متغطيًا بالكامل، سحب البطانية ببطء بينما تزداد وتيرة خفقانه، ومع سحبه للبطانية التفت إليه مايكل مما جعل كيڤن يزفر براحة.
وبخه بعد ذلك:
ــ أيُها المعتوه! لقد جف حلقي وأنا أناديك!
أجاب مايكل: لست جائعًا.
ــ يكفي أنك رفضت الإفطار، والآن عليك أن تتناول الغداء رغماً عن أنفك! تناوله حتى إن كانت شهيتُك معدومة.
تأفّف مايكل: أف.. دعني أنام!
ــ لقد بقيت نائمًا طوال اليوم! على جسدك أن يتعرض لأشعة الشمس، هيا ولو لخمس دقائق فقط!
غيّر مايكل الموضوع وقال:
ــ أعطني الإيبوبروفين من على الرف.
ــ كلا، هذا الدواء يجب شربه بعد الأكل حتى لا تتهيج معدتُك.
امتعض مايكل ووجه قزحيتيه إلى السقف، ثم همس:
ــ أنا لم أعد أستطيع أن آكُل...
جلس كيڤن على طرف السرير وقال بشجن:
ــ هل زادت حدة التقرحات في فمك؟
هز مايكل رأسه بنعم.
ــ سأهرس لك الأرز وأجعله رطبًا جدًا.
(مايكل) وهو يواصل التحديق بالسقف:
ــ لا داعي لذلك، أساسًا بالكاد أستطيع بلع الماء.
ــ تبًا لك! عليك أن تأكل حتى وإن آلمك ذلك!
أدار مايكل ظهره وقال:
ــ كلا يا كيڤن.. هيا، اذهب.
استفزه كلامه فقال له:
ــ أحمق! عليك أن تتحمل نتيجة أفعالك وأن تحاول محاربة المرض حتى إن لم تقدر عليه! لا تبقَ بائسًا هكذا!
ــ ........
أردف كيڤن بصوت أخفض قليلًا:
ــ فقط لو أنك استمعت لنصائحي.. أكثر من مرة حذرتُك بشأن هذا المرض.
بقي مايكل على صمته والندم يُذيب جوفه، لا يُريد الاعتراف والقول: "فعلاً كان كلامُك صحيحًا، ليتني استمعتُ إليك"
فمنذ أن عرف كيڤن بمرض أخيه وهو يُكرر هذه الجمل:
لقد حذرتُك، لقد أخبرتُك، لقد نصحتُك! حتى كاد مايكل يُقسم أن أذنيه قد أصابها الصمم بسبب تكرار كيڨن لهذه الجمل.
ذهب إلى المطبخ وقام بهرس الأرز مع البطاطا، ثم صعد ووضعه على الطاولة بجانب سرير مايكل وقال:
ــ إياك أن أعود والطبق لا يزال كما وضعتُه!
وقبل أن يخرج استوقفه مايكل بسؤال:
ــ هل ستشتاق إليّ عندما أرحل؟
تحركت تفاحة آدم الخاصة بكيڤن جراء بلعه لريقه، ثم وجه زيتونيته حيث يجلس مايكل على السرير، وقال:
ــ توقف عن الفلسفة! على ما يبدو أني سأُعاني منك فترةً طويلة.
ابتسم مايكل وقال: أحقًا؟ ألن تفتقدني؟
أشاح كيڤن وجهه مبتسمًا وقال بسخرية:
ــ على العكس! سأستطيع تناول البيتزا كل يوم وسوف أصادر ألعاب الفيديو الخاصة بك!
خرج بعد قوله هذا الكلام وأغلق الباب خلفه، وسرعان ما اجتاحه الوهن؛ شعر كما لو أن شيئًا عالقًا في حلقه ثم بحرارة تصعد إلى عمود أنفه. تغلفت عيناه بطبقةٍ زجاجية، فرفع معصمه ومسح محجريهما، ثم أنفه بواسطة كُم قميصه التركوازي.
توسعت بؤبؤة عينيه عندما سمع الباب الذي خلفه يُفتح.. لم يلتفت وباشر النزول، إلا أن مايكل استوقفه بأن احتضنه مِن الخلف وهمس في أُذنه:
ــ أنـا أعلمُ بأنك تتألم...
في هذه اللحظة وضع كيڤن يديه على أذرع أخيه الملتفة حوله ثُم شهق شهقة خفيفة نتيجةً لكبحه البكاء.. التفت إليه ودس وجهه في صدر أخيه ثم أشهج بحرقة. بقي مايكل يمسح على شعره تارةً ويُقبل رأسه تارةً أخرى. تحدث كيڤن من وسط دموعه:
ــ أنا.. لا أستطيع العيش.. من دونك!
رد (مايكل): بلى، أنت تستطيع.
بقي كُل منهما محتضنًا الآخر لوقتٍ ليس بالقصير، ولم يفصل ذلك العناق سوى طرق أحدهم للباب.
تمتم كيڤن:
ــ تبًا للناس! ما الذي يريدونه منا؟!
ــ علها صديقتُك فيرونيكا.
ــ لا، فروني قالت إنها ستأتي الساعة الثالثة لندرس سويًا.
ــ اذهب وألقِ نظرة.
ــ حسنًا، وأنت اذهب واستلقِ.
ذهب كيڤن ليرى ذلك الزائر، وعندما فتح الباب قابلته امرأة طويلة شقراء، تضع أحمر شفاه فاقع اللون وتمضغ العلكة بشكل مُستفز.
عقد حاجبيه لأنه لا يعرفها فسألها: من أنتِ؟
لم ترد عليه، وبكل جرأة دخلت البيت من دون أن يسمح لها بذلك؛ على ما يبدو أنها تظن أن هذا المنزل ملك لأبيها!
وضعت يدها على خصرها ثُم تحدثت بعد أن أصبحت في وسط غرفة المعيشة:
ــ أين جروي اللطيف؟
رد كيڤن بنبرةٍ غاضبة:
ــ وأنا ما أدراني؟! اذهبي وابحثي عن جروكِ في الشارع!
ابتسمت ورفعت أحد حاجبيه بينما تقول:
ــ كُنتُ أتحدث عن مايكل.
في هذه اللحظة ارتكز عرق على جبين كيڤن، فقام بسحبها بقوة ودفعها خارج الباب. من يرى الطريقة التي سحبها بها لن يحسبه ولدًا ما يزال في الصف التاسع، وإنما مصارع صقل ذراعيه في حلبات المصارعة!
بعد أن أخرجها صرخ قائلًا:
ــ أيتها السافلة، اذهبي إلى الجحيم! بسببكِ أنتِ وبقية العا***أخي يُعاني الآن!!
قام بدفع الباب بنية إغلاقه إلا أنها وضعت كعب حذائها على العتبة لتمنعه، غير أن كعبها الرخيص لم يصمد أمام دفعة كيڤن القوية. احتضنت إصبع قدمها الصغيرة إصبعها الكبيرة فتأوهت وأبعدت قدمها، ولما وجدت لسان كعبها قد قُطع قامت بخلعه، ثم مسحت على أصابعها المحمرة وشتمته:
ــ عليك لعـ** إبليس!
خطت أقدام كيڤن على الدرج، وتزامن مع ذلك أن فتح مايكل باب غرفته وهو يعقد حاجبيه. سأله:
ــ من أتى؟! وما تلك الضجة؟!
أجاب كيڤن: لقد طردتُه.
لوّح مايكل يده باستغراب: من هو؟ ولماذا طردته؟!
ــ إنهُ أحد زملائي في المدرسة، أتى ليفتعلَ مشكلةً معي لأني رفضت إعطائه الحل أثناء الاختبار.
ابتسم مايكل وقال:
ــ يالك من أناني! لو لم تكن أخي لكرهتك!
دخل كيڤن غرفته التي تُقابل غرفة أخيه، وقبل أن يُغلق الباب خلفه قال:
ــ أنا لم أُخلفه وأنساه!
ردّ مايكل في نفسه: "يا لك من دافور وغد!"
Ahed Nasser🍂