صباحًا...
نفثت الرياحُ شراشفَ الستار، فهمَّت أريج بإغلاق نافذتها.
قبلَ ذلك، تبصّرت البيوت المرصوصة أمامها، واستنشقت عبق الهواء الطلق.
شعرت بأن برودة الجو قد تسللت إلى عظامها فسارعت في إغلاق نافذتها مؤجلةً التأمل بأوراق الخريف وهي تتراقص مع نسمات الهواء.
سرّحت شعرها على شكل كعكة لتأخذ حمامًا دافئًا، ثم مشطت شعرها وجعلته مموجًا، وارتدت سترةً تُرابية وتنورةً بذات اللون.
انتعلت جوارب وأحذية سوداء، ثم نزلت إلى غرفة المعيشة.
رأت والدتها تجلس على الأريكة التي تُقابل النافذة، تُسند يدها على خدها وتُحدق بما خلف الزجاج في حين يرسو الشحوب على تعابيرها.
رمقت والدها النائم بجانب أُمها، فاقتربت منه وسألته بقلق:
ــ أبي. لا تقل لي بأن أمي ظلت على هذه الحال منذ ليلةِ البارحة؟
نهض بكسلٍ وقال:
ــ نعم مع الأسف. لقد حاولت أخذها إلى الغرفة ولكنها رفضت ذلك.
تنهدت، واستطردت:
ــ ماذا سنفعل؟
ــ لا عليكِ، كُلُ شيءٍ سيكون على ما يُرام.
ــ ولكـن..
ــ اذهبي وتناولي إفطارك، واحرصي على الانتباه في حصصك.
نطقت قبل أن تستدير على مضض: حاضرة.
.
.
أثناء الدوام المدرسي...
لاحظ الصديقان تغير شيءٍ ما على أريج، ليس صمتها الطويل، فهذه العادة مُلازِمةٌ لها، بيدِ أن صمتها الآن يعتريه القلق الذي لم يُنطق.
لم يُعطِ كايون أي أهمية لهذا، فقد ظنَّ بأن السبب هو ما قاله في الأمس. غمغمَ ساخرًا "هـه.. ماذا تظن نفسها حتى تُمارس عليَّ الصمتَ العقابي؟!.. أرجو بأنها لا تُكِنُ تجاهي أي شيء، فأنا لا أُحب الدراميات "
وأردف "لأجل كلمتين؟!.. فقط لأجل هذا ستستعرض حنقها أمامي؟.. لم أكن أعلم بأنها سخيفة إلى هذه الدرجة."
أمسك لوثر بيدها وسألها بلطف:
ــ أريج، أهناك شيءٌ يُزعِجُك؟
نفت برأسها مُجيبة: لا، ما من شيء.
ــ ولمَ يبدو لي أنكِ قلقة؟
أطلت على شفتها ابتسامةٌ صغيرة، وقالت: كُلُّ ما في الأمر أنني لم أنم جيدًا بسبب سهري ليلةَ أمس.
علا الأرتياح وجهه، فقال: إذن. إياكِ والسهر مجددًا.
وأردف وهو يرفع سبابته: إن أعدتِ فعلتكِ هذه فسأشي بكِ عند والدتك.
ضحكت، فظهرت أسنانه. هزّت رأسها بحسنًا، ثم أكملوا يومهم الدراسي على النحو الطبيعي.
بعد أن أوصلها كايون إلى منزلها، عاد الحزن مرسومًا على وجهها، حين رأت والدتها ممدة في غرفة المعيشة بسكون، بينما يُعِدُّ والدها وجبةَ الغداء.
طبعت قُبلةً على جبين والدتها، ثم صعدت إلى الغرفة لِتُغيرَ ثيابها.
رفعت أكمام قميصها الأصفر، ثم ارتدت المئزر، وعملت على مُساعدة والدها.
قام جيهان بتغطية الطنجرة، ثم تقدم نحو أريج المنهمكة بعصر العصير، واحتضنها من الخلف.
التفت، لِتُعانقه والبسمة تشق وجهها بخفوت.
سألها بحنو بينما يُمسد خدها بإبهامه:
ــ كيفَ كان يوم صغيرتي؟
أجابت: كانَ جيدًا.
ثم رمقت والدتها من الباب المفتوح وأردفت بشجن:
ــ وأمي، هل تحسنت؟
حمل وجهه الإحباط، وأجب بتنهيدةٍ مُتعبة: ستتحسن قريبًا.
استطردَ كلامه في مُحاولة لإبعاد الحُزنِ عنها:
ــ هيا، دعينا نكُمل إعداد الغداء علّنا نحصل على بعض المدح من والدتك.
ابتسمت عيناها وقالت: أنت تعلم بأن أمي لن تعترف بأفضليتنا عليها.
وكز معصمها وردَّ بمرح: دعينا نُحاول.
.
.
في اليومِ التالي، كان الحُزن ما يزال مُتربعًا على وجهِ أريج.
وأثناء تناولها للغداء، بادرَ لوثر في الحديث:
ــ أريج. أنتِ لستِ بخير.
نظرت إليه، فأردف: أخبريني، ما المُشكلة؟
نفت برأسها وتصنعت الابتسام: كلا، ما من شيء.
ــ بلى!.. هيا تحدّثي. الأصدقاء يتشاركون أفراحهم وأتراحهم!
تنهدت، فاستطردت مُلوحةً بيديها:
ــ الحقيقة أنهُ ليس بالأمر المهم!
ــ أخبريني وأنا من سيحكم إن كان مُهمًا أم لا.
أقدمت على الكلام، بينما تُقرِّب سبابتها اليُمنى من اليُسرى:
ــ كُنتُ أقرأُ رواية، وماتت إحدى الشخصيات المُفضّلة لدي، لذلك أعيش فترةً من الاكتئاب.
صفع لوثر جبينه بخيبةِ أمل، وارتفعت نبرة صوته بعدم تصديق:
ــ أأنتِ جادة؟!.. تحزنين لأجل شخصياتٍ خيالية؟!!
هزّت كتفيها وقالت: صدقني إن الأمر ليس بيدي!
غزت الابتسامة ثغرَ كايون رُغمًا عن أنفه، فتكلّم أخيرًا:
ــ أظن بأن الأمرَ يستحق.
وأردف في نفسه "جيد، فحُزنُها لم يكن لي أيُ علاقةٍ به"
تذمرَ (لوثر): هل أنت أحمق؟!.. يكفي أننا نُصاب بالكتئاب في حياتنا الواقعية، فكيف تذهب لتكتأب في الخيال أيضًا؟!
ارتخت عينا كايون قليلًا، وحدّق بنُقطةٍ عمياء ونطق:
ــ الأمر يتجاوز الاكتئاب، فأُمي كانت تبكي لموت الشخصيات.
أطبق على ثلاثتهم الصمت المُطبِق، وأشاح لوثر بصره رامشًا. لوى فكه، ثم استطردَ مُبتسمًا:
ــ لقد فتحوا مطعمًا جديدًا بالأمس، ما رأيُكما أن نذهب إليه؟
(أريج): فكرةٌ جميلة.
رفع كايون بصره إليهما وقال: لا مانعَ عندي.
بعد مرور أربعةِ أيام...
مرَّت كما مرّت الأيام التي سبقتها، عدا أن ميراي بدأت بالسير ذهابًا وإيابًا، بملامح متكدرة، وهيئةٍ رثة.
عادت للجلوس قُرب تلك النافذة، وسرَحَت في الهواجس..
ــ ليتني مِت.
احتضنت نفسها، وأعادت جُملتها: ليتني مِت.. ليتني مِت. ليتني مِت...
جلس جيهان إلى جانبها، وضمَّ رأسها إلى حجره، فنطقَ هامسًا في أُذُنِها:
ــ لستِ المُذنبة.
حرّكت قزحيتيها إليه، وخرجت الحروف من حلقها بصعوبة:
ــ بلى.. أنا المُذنِبة.
ردَّ بخفوت: لستِ كذلك.
مسح عن وجنتيها الدموع، واستطردَ قائلًا:
ــ لو لم يحدث ما حدث، لما تعرفنا على بعضنا.
وأردف: أكُنتِ لتفضلين ذلك؟
استنشقت دموعها وآثرت الصمت، فأتبع جيهان كلامه:
ــ ماذا يا ميراي؟.. متى تنوين الإجابة عن هذا السؤال؟
ازدردت ريقها، وباحت: أخبرتك من قبل.. لا تُخيرني، فهذا مُرهق.
ــ إذن.. تُفضلين الماضي على الحاضر.
انفعلت قليلًا: لا!..
عادت إلى هدوئها، وأردفت:
ــ أنا.. أنا لا أُحِبُ أن أُخيرَ فحسب.
سألها: ألم تجدِ العوض بي وبِـإبنتِـنا؟
كافحت لأجل صُنع ابتسامةٍ باهتة، ثم قالت:
ــ بلى.. وجدت فيكُما العوض الذي أزالَ نصفَ الألم، ولكن...
أخذت نفسًا، وأكملت:
ــ ما يزال النصِفُ الثاني يُرهِقُني.
ــ انسيه.
ــ وكيفَ للمرءِ أن ينسى أهله يا جيهان؟
زفرَ بضيقٍ، وقال: انسي الجانب المُؤلم وتذكري السعيدَ منه.
رفعت يديها المُرتجفتين، وناحت فجأةً:
ــ كيف؟!.. كيف!... أنا لا أستــطيــع!!
زادَ من ضمها إلى حجره، وقد طغى الضيقُ على صدره. حاولَ تهدئتها بالمسحِ على شعرها وبقوله:
ــ إهدئي.. إهدئي يا عزيزتي.
للجُدرانِ آذان، وعلى الرغمِ من أنها تستُرهما إلا أن كلامهما بلا سِتار، فقد سمعت أريج حديثهما من خلفِ الجِدار.
اسنشقت دموعها، ثم عادت أدراجها نوح الباب الذي جاءت منه. فتحته وأغلقته بقوة، ثم استجمعت أنفاسها وهتفت:
ــ لقد عُـــدت!!
رفعت ميراي رأسها عن حجره، وسارع جيهان في مسح دموعها بينما يقول:
ــ لقد عادت ابنتنا، هيا تشجّعـي. كوني سعيدةً لأجلهـا!
هزّت رأسها، ومسحت ما تبقى من دموعٍ وقالت:
ــ اذهب إليها ريثما أغسِلُ وجهي.
ــ حسنًا.
تناولوا العشاء بهدوء، وميراي تُجبر نفسها على الأكل.
شرعت أريج بمعاونة والدها في التنظيف، ورمقت والدتها التي عادت إلى موقعها السابق، مع سكونها المُقلق.
.
.
في المدرسة، أثناء حصة الفـيزياء.
كان المُعلم يشرح الدرس، في حين كانت تغرق في الهواجس المُظلمة.
جسدها على المقعد، وعقلُها في وادٍ سحيق، بينما عيناها شاردتان على النافذة.
تسللت لسعة الدموع إلى قرنيتيها فأدمعتهُما، لكونها عاجزةً عن فعلِ أي شيءٍ تجاه والدتها.
ــ أريج!... أريج جـيـهان!
وجّهت بصرها نحو المُعلم مشدوة، وأجابت بتلعثم:
ــ أأ.. نعـم!
عقد المُعلم حاجبيه، واقترب منها سائلًا:
ــ ما خطبُك؟
التفت جميع التلاميذ نحوها، فتجرعت ريقها وأجابت:
ــ لا، لا شيء.
وشت بها دمعة، فمسحتها سريعًا وقالت:
ــ عيناي تؤلمانني مُنذُ الصباح، لذلك تدمعان.
هزَّ المُعلم رأسه مُتفهمًا، وقال:
ــ فلتذهبي إلى الممُرضة.
ــ حـاضرة.
نهضت، وأعادت مقعدها إلى الأمام قبل أن تُغادر الصف.
سارت نحو الساحة، وجلست على إحدى الأرجوحات الصدئة.
بدا صوتُ الأرجوحة كالأنين الذي يُحاول مواساتها بلغته الخاصة.
رفع لوثر يده، وقال:
ــ أيُها المُعلم، أُريد أن أذهب إلى دورة المياة.
أذِنَ لهُ المُعلِمُ ذلك، بينما يُكمل الكتابة على السبورة.
بمجرد أن غادر لوثر، استقام كايون ولحق به.
قبلها، سألهُ المُعلم عند عتبة الباب:
ــ إلى أين أنت ذاهب؟
لم يرد عليه، وباشر طريقه غير آبهٍ لنظرات الأُستاذ.
أكمل الكتابة متمتمًا بغيظ: يالَ قِلةِ أدبه.
صادف كايون صديقه في الممر وهو عائدٌ من العيادةِ فاستفسره:
ــ لم تجدها هُناك؟
ــ لم أجدها، فلنذهب إلى الساحة.
وقبلَ أن يَرَيَاها، أخبرهما صريرُ الأرجوحةِ عن مكانها.
كانت تُغطي وجهها بكفيها، وتتساءل في نفسها " لمَ أصبحتُ شفافةً هكذا؟.. لمَ لا أستطيع كبح دموعي!.. لمَ لا أستطيع كبت أفكاري المُتضاربة!؟.."
سمعت صوت أقدامٍ تدهس على حجارة الكرِّي بالقُربِ منها، فشتمت القادم في خُلدِها " تبًا للقادم؟!.. هذا ما كانَ ينقُصُني! "
جثى لوثر بجانبها، وسألها بنبرةٍ هامسة:
ــ أريج.. ما الذي يحدث معكِ بحق؟
حاول أن يُزيح أناملها عن وجهها فزادت من ضغطها عليها، وأحنت رأسها إلى رُكبتيها لتمنعهما من رؤيةِ وجهها.
دسَّ كايون يديه في جيبي بنطالة، وتحدّث في نفسه " كاذبة فظيعة. كم كذبةً صدقناها يا تُرى؟.."
جثى هو الآخر بجانبها، وناولها منديلًا.
ــ خُذي هذا المنديل.
أخذته بيدٍ ترتعش قليلًا، ومسحت ماء وجهها وأنفها.
مرت دقائق من الصمت، حتى حاول لوثر أن يجعلها ترفع رأسها.
لم تُصغِ إليه، وتكلّمت بصوتٍ مبحوح:
ــ شكرًا لكما. أرجو أن تتركانني الآن لأبقى مع نفسي قليلًا.
انفعل (لوثر): لن نترُكك!!.. هيا قولي لنا الحقيقة!
ــ لا فائدة من قولها.
ــ سنُساعدُكِ بقدرِ المُستطاع!
ــ أنتما لا تستطيعان التدخل في الأمر، كما أنه لا يخصني.
ــ ماذا تعنين بأنه لا يخصكِ؟
ــ المشكلة ليست فيَّ ولكنها في...
انقطع صوتها لبرهة، ثم أردفت:
ــ في والدتي.
رمق كايون بحدة، ثم أعاد بصره إلى أريج واستفسرها:
ــ هل وبختكِ والِدَتُكِ بسبب كلام كايون لها في ذلك اليوم؟!
هزَّت رأسها نافيةً، وقالت:
ــ كلا، الأمر لا يتعلق بتصرف أيٍ منكما.
ــ إذن؟
ــ هل.. هل يمكِنُني التوقف إلى هُنا.
زمَّ لوثر شفتيه، في حين يقول الآخر:
ــ دعها. يبدو أن المُشكلة عائلية ولا تُريد الإفصاحَ عنها.
ــ أُصمت!
نهره، وحاول أن يجعل أريج تقف على قدميها، بينما يقول:
ــ هيا أريج. سآخُذُكِ إلى مكانٍ آخر بدلًا من البقاءِ هُنا.
التفت إلى صديقه وقال:
ــ وأنت، اذهب وأحضِر قارورةَ ماءٍ باردة.
عقد كايون حاجبيه، وسأل كما ليتأكد:
ــ من تقصد؟.. أنا؟
أعاد لوثر كلامه بطريقةٍ مُستفزة:
ــ من تقصد؟ أنا!.. نعم أنت! ومن غيرُكَ أيُها الأحمق؟!
ــ احترم نفسك ولا تُحدثني من رأس مناخيرك!
ــ أنت آخر من يتحدث عن الإحترام! هيا فلتُسرع!
ركلَ كايون حصى الكرِّيِ واستدار على عقبه ليجلبَ الماء.
أثناء ذلك، ربت لوثر على كتفها، وقال:
ــ هلَّا أخبرتني؟
نفت برأسها، فتبصر عيناها مليًا، وشد على كفِها قليلًا، ثم قال:
ــ ثقي بي.
أجابته، بعد ترددٍ طويل: أمي مُتعبةٌ للغاية.
ــ ما الخطب الذي أصابها؟؟
ــ هي تمرُ بأزمةٍ نفسية، ولا نعلم ماذا نفعل.
ــ لمَ لا يأخُذها والدك إلى طبيبٍ نفسي؟
ــ لقد فعل ذلك، ولكن أمي...
قاطعها كايون بقدومه، وبقوله:
ــ لم تتحسن.
مدَّ لها قارورة الماء فتناولتها وقالت: شكرًا.
استطرد لوثر: ألم تتحسن؟
هزت أريج رأسها بنعم، فأردف (لوثر):
ــ ألم يُشر إليكم الطبيب ببعض النصائح التي تساعدها عند هذه الأزمة؟
ــ لم يستطع أن يُساعد كثيرًا، فأمي لم تتجاوب معه مُطلقًا، فأشار لنا الطبيب بأن نحاول تحفيزها في فعل الأمور التي تُحِبُها.
أخذت نفسًا، ثم أردفت: أمي لا ترد علي عندما أُكلمها، وترفض مغادرة المنزل بشكلٍ قاطع، كما أنها تفقد الشغف بكل شيء.
(لوثر): آه، تبدو حالتها صعبة.
تساءل (كايون): ما الأمر الذي جعلها تصل إلى هذه المرحلة؟
(أريج): صدمة الفقد المرتبطة بالذنب.
استقرت زرقاوتا كايون بنقطةٍ عمياء من الساحة، وظلَ صماتًا.
سألها (لوثر): إذن، فقدت شخصًا عزيزًا عليها؟
(أريج): ليس شخصًا واحدًا، بل كُلُ أهلها.
تملكت لوثر الشفقة، فاستفسرها:
ــ كلهم بالمعنى الحرفي؟! والدها، أخوتها؟
أومأت، ونطقت: وفي يومٍ واحد.
فرهت شفتاه، وقال: كيف حدث ذلك!؟
أجابت: بسبب الحرب.
وقعُ آخر كلمة كان مُرًا على الجميع.
ترك كايون موضعه البعيد، واقترب ليجلس بالقُربِ منهما.
استقر على الكرسي أمامهُما، وحاول أن يسترق نظرة إلى وجه أريج المنخفض مما جعلها ترفع بصرها إليه. سألها حينئذٍ:
ــ قلتِ بأنها صدمة فقد مربوطة بالذنب، فما ذنب ميراي في الحرب؟
أجابته: تلوم نفسها لأنه لم تستطع تحذير أهلها في الوقت المناسب.
(كايون): ليس وكأنها كانت تعلم بميعاد القصف.
هزت أريج كتفاها كنايةً عن عدم الفهم، ثم قالت:
ــ أبي يقول لها لستِ المذنبة ولكنها تصر على ذلك.
وأردفت: ربما تلوم نفسها، لأنها كانت على خلاف مع والدها في ذلك اليوم، فمات دون أن تعتذر منه.
شد لوثر على قبضتيه ونطق:
ــ كم هذا قاسٍ.
شردت عينا كايون للحظة، وابتلع ريقه بصعوبة، وكأن ما قالته أريج للتو قد ذكره بشيءٍ مدفون.
باحَ كايون بصوتٍ خافت:
ــ فعلًا، كم هذا قاسٍ.
من يسمع نبرته هُنا سيظن بإن قلبه من تحدث لا لسانه.
استطرد (لوثر): لا تحزني يا أريج، الزمن كفيلٌ بأن يجعلها تنسى ذلك.
نفت برأسها وقالت: لا أظن، فقد مرت عشر سنواتٍ على ذلك وهي ما تزال هكذا.
(لوثر): عشر سنوات!!
(كايون): وكم طبيبًا عرضتم عليها خلال هذه الفترة؟
(أريج): واحد فقط.
كلاهما أُصيب بالصدمة.
استفسرها (لوثر): واحد لا ينفع! ثم ماذا لو كان طبيبًا غير كُفؤ!
وأردف: أتستسلمون لعلاجها من تجربة أولى فاشلة فقط!؟
وأضاف: هذا غير معقول، والدك مُهمل!
أخفضت بصرها، وصمتت.
تدارك لوثر نفسه، فقال: أعذريني لقول ذلك، لم أكن أقصد.
تمتم: لا عليك.
وأردفت: أنا أيضًا أراه مُهملًا من ناحية العلاج النفسي، ولكنني أره يهتم لأمر والدتي كثيرًا، فيكنس وينظف ويقوم بكل أعمالها عندما تأتيها هذه الحالة.
استغرب، فسألها: ولكن، إن كان يفعل هذا، فلمَ لا يُحاول علاجها بجهد؟!
حركت يديها بإشارة لا أعلم، ثم قالت:
ــ لا أدري، أساسًا هما غير مفهومان بالنسبة إلي. أرى نفسي جاهلةً بينهما، وأعلم بأنهما يُخبئان الكثير عني.
أردفت، وتعثر صوته بغُصة:
ــ ربما.. لا يثقان بي.
قرَّبها لوثر منه، وأحاط بذراعه حولها قائلًا:
ــ هوني عليكِ، لا بدَّ وأن الأمر ليس هكذا.
تكلمَ (كايون):
ــ بعض الحقائق لا تُقال يا أريج، ليس لعدم الثقة، ولكن لأنها قد تُسبب الألم للطرف الآخر.
أيده (لوثر): هذا صحيح، ولأنكِ أغلى ما يملكه والداك، فهذا يعني أنهما يُحاولان الحفاظ عليكِ مما لا يجب عليكِ معرفته.
تأثرت حقًا بكلامهما إلا أن لها رأيًا آخرَ فقالته:
ــ ولكن الجهلَ بالأمور من حولك مؤلمٌ أيضًا.
ردَّ عليها (كايون):
ــ صدقيني إن ألم الجهل لا يُضاهي ألم الحقيقة.
انخفض صوتها عندما قالت:
ــ ولكن بعض ما اكتشفته عن والداي كان من حقي أن أعرفه.
(كايون): ماذا تعنين؟
(أريج): أعني أن بعض ما أخفياه عني كان ليُساعدني على حسن التصرف، وكذلك كان ليُخفف من خوفي.
(لوثر): مثل ماذا؟
(أريج): مثل قصة والدتي هذه، فعندما كانت تأتيها هذه الحالة في الماضي، كُنت أخاف لظني بأنها غاضبة، فلا أقترب منها ولا أجرؤ على مُحادثتها، أمّا بعدما ألحَحتُ على والدي ليُخبرني عن سبب حالتها هذه، فهو بالكاد قصَّ علي قصتها.
رفع (لوثر) حاجبيه وقال:
ــ أتعنين بأنكِ لم تشهدي حدوث قصة والدتك؟
ــ نعم، فقد حدثت قبل أن تلتقي بوالدي حتى.
تحدث (كايون): هذا أفضل.
أخرجت نفسًا هازءً وقالت:
ــ غير أني قد شهدت على ما بعده، ولم يكن الأمر أقل سوءًا.
تبادل الصديقان نظرةً سريعة، فعاد (لوثر) ليسألها:
ــ الحرب مؤلمة، تولد الموت والصدمات، وبما أنكِ قد عشتها فهل.. فـ..
سكت قليلًا وأعاد صياغة ما قاله: أعني، هل تُعانين من صدمةٍ نفسية؟
أردف: نرجو بأن تكوني بخير.
ابتسمت، وقالت: أنا ما أزال بخير.
وأردفت: صحيحٌ بأني قد غادرت موقع الحرب، إلا أن الحرب ما تزال في داخلي.
تدخّل الصمت في حواراتهم مما جعل الجو كئيب، فانفـرجت شفتا لوثر ليقول شيئًا:
ــ أظنني أعلم ما سيجعل والدتك تخرج عن اكتئابها هذا اليوم.
رفعت بصرها إليه، وسألت: حقًا!
هز رأسه، ورمق صديقه قائلًا: نعم.
عقد كايون حاجبيه، وقال:
ــ ما بال هذه النظرة؟؟
ابتسم وأجاب: أنت الوحيد القادر على ذلك.
لوح كايون بيده، وتحدث بنبرةٍ متململة:
ــ الوقت ليس مُناسبًا للمُزاح.
(لوثر): أنا حقًا أعني ذلك! أظن بأن الغضب هو ما سيكسر الإكتئاب، وأنت من يستطيع استفزازها دون عناء.
(كايون): ثم ماذا؟!
(لوثر): ثم تغضب ميراي، وتنسى هواجسها لفترةٍ أرجو بأن تكون كفيلة لتعود إلى حالتها الطبيعية.
(كايون): بل ثُمَّ، أتحمل آلام الصندل لوحدي!
انفجر كُلٌّ من أريج ولوثر بالضحك، فعقد كايون ذراعيه وأردف مبتسمًا:
ــ أخبريني يا أريج، كيف تتحملين ألمها؟ ألديك مرهمٌ خاص؟
نفت برأسها وهي تضحك، ثم استطردت مُجيبة:
ــ لقد حرصت على ألَّا أذوقها سوى مرتين.
ضحك أيضًا، ثم نهضوا، وعادوا إلى الصف ليكملوا يومهم المدرسي.
Ahed Nasser🍂