🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️
سبحان الله، والحمد لله،
ولا إلا إلا الله، والله أكبر،
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️
_____________________________________
لوس أنجلوس، قبل يومين...
أقدمت رينا على الذهاب إلى مطعمها المفضّل، فصادف أن رأت كاميرون يجلس هناك...
رمقها كاميرون وهي تتقدم نحوه، فحدّث نفسه: "جيد أنها قصدتني، أرجو أن تفتح موضوعنا السابق وننتهي من هذا الأمر!"
دنت منه مبتسمة، وسألته بشك:
ــ أهذه صدفة؟ أم أنك تعمدت اختيار مطعمي المفضّل؟
ارتفعت زاوية شفته بابتسامة ساخرة، وأجابها:
ــ بل صادف أن هذا المطعم هو المفضّل لدي أيضًا!
أصدرت صوتًا خفيفًا:
ــ هممم...
أشاحت بصرها عنه ونادت النادل، فركض نحوها واستفسرها باحترام:
ــ أهو الدجاج؟
أومأت بنعم، واستطردت قائلة: اجعله طبقين.
رد النادل: كما تريدين.
تحدث كاميرون متهكمًا:
ــ حتى النادل بات يحفظ ما تريدينه.
أجابت بثقة:
ــ أمرٌ بدهي، فأنا زبونتهم المخلصة.
°
°
صدح صوت المعالق والسكاكين مع بعض الهمهمات في أنحاء المكان، بينما كانت رينا وكاميرون يتناولان الطعام ويتبادلان الأحاديث المقتضبة والأسئلة:
(رينا): أهلك ماتوا إذن؟
ــ نعم.
ــ وكم كان عمرك آنذاك؟
ــ ثلاث عشرة سنة.
ــ همم...
كادت أن تسأله سؤالًا آخر، لولا تهشم زجاج النوافذ فجأة!
شهق الزبائن وانبطحوا على الأرض أسفل المناضد حين تراصت طلقات الرصاص في كل مكان.
هرع كاميرون إلى رينا وبطحها أرضاً بجانبه؛ رأى أمارات الذهول على وجهها، فعلم أن ما حدث للتو لا يمت لعصابة والدها بأي صلة.
وصل إلى مسامعهما هدير دراجات نارية، تلاه اقتحام مجموعة من الشباب الملثمين للمطعم. ضربوا المحاسب على رأسه بمضرب بيسبول، ثم نهبوا النقود وفروا خارجًا.
ظن الناس أن الأمر قد انتهى، فاستقاموا راكضين نحو المخرج...
ساعد كاميرون رينا على النهوض وسألها بالقلق: أأنتِ بخير؟
ــ بلى، أنا كذلك.
باشرا طريقهما مغادرين، وفجأةً انفجر المطعم خلفهما، وخطت بضع رصاصات طريقها في الهواء.
شهقت رينا والتفتت إلى الخلف، فسحبها كاميرون معيداً إياها أمام صدره، جاعلاً ظهره درعاً لها في حال غدرت الرصاصات بهما.
تناست رينا أمر احتراق مطعمها المفضّل، وجعلت جل تركيزها على كاميرون الذي نصّب نفسه حامياً لها في أوقات الشدة.
توضحت رينا عيناه العسليتان وهي تتردد هنا وهناك، تتفحصان المكان الأكثر أماناً؛ فتشبثت بيمينه ونادته:
ــ كاميرون...
أخفض بصره إليها، فاستطردت قائلة:
ــ متى نبدأ موعدنا الأول؟ رسمياً!
فلتت ضحكة من بين شفتيه وسألها مصدوماً:
ــ أأنتِ مجنونة؟! أتذكرين هذا ونحن في وضعٍ كهذا؟!
تبصرته بإعجاب وأجابت: نعم!
هز رأسه يائساً، فأردفت:
ــ هيا.. دعنا نذهب لنشتري خاتم الخطبة!
نطق كاميرون بعدم تصديق:
ــ رينا!..
(رينا): وستأتي معي إلى البيت لنفاتح أبي بقرارنا.
رفع كاميرون حاجبيه، وقل:
ــ أسقط شيءٌ على رأسكِ أثناء الحادثة؟!
أجابت: بلى...
تنهد وقال: عرفت ذلك!
استطردت مكملةً كلامها:
ــ سقطت عليّ عيون العسل خاصتك، وكان هذا أكثر من مرة!
(كاميرون) بجدية: علينا أن نذهب إلى المستشفى!
(رينا): بل إلى محل المجوهرات!
(كاميروز): رينا.. علـ...
قاطعته بانفعالٍ طفيف: قلتُ، محل المجوهرات!
°
°
واشنطن ــ مدينة سياتل ــ حي فريمونت...
بعد مرور فترة...
أطلت الشمس على المدينة بعد طول غياب، ونثرت نورها في جميع الأحياء.
خرج مايكل من منزله بنية شراء بعض الأدوية. كان يرتدي ملابس أنيقة ويُصفف شعره إلى الوراء بإتقان، وأثناء مشيه حرص على ربط وشاحه جيدًا.
وعندما كانَ عائدًا من الصيدلية، وجد امرأة تجلس على قارعة الطريق. خصلات شعرها تنساب بنعومة على كتفيها وكأنها خيوط غُزِلت من ذهب.. ملامح وجهها لا تكاد تُبين بسبب تلك القلنسوة. اتجه نحوها بعد أن غزا الفضول عقله لرؤيتها تجلس بمفردها بينما تُرتب بعض الأشياء داخل صندوق كرتوني.
وقف أمامها، وهي بدورها رفعت رأسها لتتعرف على ضحيتها الأولى ــ أو بالأحرى زبونها الأول.
بقي يحدق بها للحظات، وعندما اتضحت له معالم وجهها التي تجمع بين الدهاء والمكر، سألها:
ــ حسناءٌ مثلكِ، لمَ قد تجلس على قارعة الطريق وتحت حر الشمس؟
أجابت المرأة: لطلب الرزق كما ترى.
نظر مايكل إلى ما في الصندوق ليجد ثلاثة حبال، فشخر قائلًا:
ــ حبـال؟! أأنتِ بائسة لدرجة أنكِ لم تجدي شيئًا غير الحبال لتبيعينها؟!
ردت المرأة: هذه الحبال لها عدة استخدامات، لاسيما أن الطلب عليها سيزداد عندما يتعلق الأمر بداء الدنيا.
نفى مايكل برأسه، ثم قال:
ــ عندي اقتراحٌ أفضل لكِ.
رفعت إحدى حاجبيها وسألت: ومـا هو؟
ابتسم ابتسامة على الجانب وقال:
ــ عوضًا عن البقـاء على قارعة الطريق.. تعالي إلى منزلي لنقضي بعض الوقت معًا، وسأعطيكِ القدر الذي يُرضيكِ من المـال.
احتدت عيناها وكادت أن تندفع نحوه لكسر رقبته، إلا أنها تذكرت البطاقات التحذيرية الموجودة داخل جيبها، والتي كانت الحائل عن فعل ذلك.. تحدثت بنبرة يشوبها التهديد والوعيد:
ــ كرامتي ليس لها ثمن، ولو كانت كذلك لكانت روحي هي الثمن! فلتذهب من هنا أيها السافل قبل أن أجعل روحك تصعد فوق القمم!
أعاد خصلات شعره السوداء إلى الخلف، وهز رأسه بقلة حيلة قائلًا:
ــ لقد جرحتِ مشاعري، أنتِ أول امرأة ترفضني!
كادت المرأة أن تضيف تهديدًا آخر، إلا أن مايكل وضع الأدوية على الأرض فجأة وركض نحو إحدى الأشجار القريبة منها.
ركع على ركبتيه ثم انحنى وأخذ مريه بدفع ما في معدته فتقيأ دمًا! دام تقيؤه الدموي لمدة خمس دقائق متواصلة، ومع كل ثانية تمر كان ألم مريه يزداد بشكلٍ فظيع، وكلما تدفقت الدماء ولامست تلك التقرحات على حنكه الأعلى شعر بألمٍ لاسع وأقل ما يُقال عنه مؤلم.
بعد أن توقف عن التقيؤ، تحدث بنبرة هامسة:
ــ يبدو أني قد أُصبت بقرحة في المعدة..
وأردف:
ــ أو أسوأ!.. قد يكون كبدي في حالةٍ سيئة!
مسح طرف شفته بكم قميصه الأسود، وعندما أخذ الأدوية وبادر بالمغادرة توقف للحظة؛ لأن شيئًا ما قفز إلى عقله للتو. نظر إليها من أعلى كتفه وسألها:
ــ كم سعر الحبل الواحد؟
تكلمت بنبرة باردة:
ــ بخمسةٍ وتسعين سنتًا.
عاد أدراجه وأعطاها النقود قائلًا:
ــ على الرغم من أن هذه سرقة على مرأى العين، إلا أنكِ تستحقينها.
أخذ منها الحبل بعد أن قامت بطوي نهايته على شكل دائرة، ثم أكمل طريقه إلى المنزل.
عندما دخل منزله، وقف أمـام المرآة وانتزع الوشاح، فانكمشت ملامح وجهه باشمئزاز وهو يطالع رقبته التي أصبحت منتفخة بشكلٍ مُقرف نتيجةً لإصابته بالمرض في غُدته الدرقية. تكلّم بنبرة يائسة محشوة بالتعب:
ــ الألم بات لا يُحتمل ولا يُطاق.
وأردف بنبرة أشد يأسًا:
ــ أنـا ميتٌ في كلتا الحالتين..
عاد كُل من كيڤن وفرونيكا مشيًا على الأقدام بعد أن التقيا في السوق، ولأن منزل كيڤن هو الأقرب ودعته لتكمل باقي الطريق لوحدها، غير أن الفضول أوقفها لرؤية أزهار البنفسج التي زرعها كيڤن في حديقته..
عادت أدراجها ودخلت الحديقة في الوقت الذي دخل فيه كيڤن إلى منزله.
بقيت تتأملها وتقول:
ــ حقًا إنها تبعث في النفس شعورًا بالسعادة، كما قال كيڤن تمامًا!
في المطبخ، حضّر كيڤن الأرز وشرع بتقطيع الجزر، توقف، ووضع يده على خفقان صدره وتساءل:
ــ لماذا أشعر بالضيق؟ يومي كانَ جيدًا.
بعد أن أصبح الغداء جاهزًا، أخذ الطبق وتوجه نحو غرفة أخيه، ومع كل خطوة يخطوها على الدرج، شعر كما لو أن الجدران كانت تراقبه.. كانت هذه هي المرةُ الأولى التي يخالجه فيها هذا الشعور.
فتح الباب فأصدر صريرًا أعلى مِن المُعتاد.. كانت الغرفة تعج بظلامٍ مُريب كما لو أن سرًا يختبئ خلف تلك العتمة..
أضاء أنوار الغرفة، فقابلته جثةٌ مُعلقة.
ارتجفت يده فأسقط الطبق ليتشظى على الأرض.
تحدبت عيناه، فتقعرا ثم تجمدت.. ولم يشعر بأن شظايا الزُجاج قد اخترقت جلد قدمه، فبدا كما لو أن جميع خلاياه العصبية قد أصابها الشلل جراء ذلك المنظر.
لم تحمله رُكبتاه لوقتٍ أطول فركع على الأرض.
تمركزت الحرارة على طول أنفه، ودمعةٌ فدمعة، ثم صرخة، هزت أركان المنزل باسمه:
ــ مـــــــاااااااااااايــــــــكل!!!
شدت فرونيكا على قلبها لشعورها بأنه قد كاد يسقط.
كانت على وشك المغادرة فعادت أدراجها بعد أن سمعت صرخة كيڤن. أرادت الولوج إلى المنزل إلا أن البـاب كان مُقفلًا، ففزعت وبدأت بالضرب على وجهها وهي تكرر:
ــ ماذا أفعل؟! ماذا أفعل؟!
هرولت نحو منزلها لتطلب المساعدة من أهلها.. دفعت الباب بقوة وتزامن مع ذلك أن سقطت قارورة النبيذ من يد والدها، التهمتها جميع الأنظار بينما تتكلم بصراخٍ وتلعثم:
ــ كيڤن! أرجوكم بسرعة.. لا أعرف ما الذي حدث.. أرجوكم.. بسرعة، بسرعة!.. ساعدوه!!!
انتفض جميعًا وتوجهوا إلى منزله. هم يعرفونه حق المعرفة؛ فقد كان الطفل الوحيد الذي يلعب مع طفلتهم الصغيرة.
قام أخوها مارتن بخلع البـاب لأن كيڤن لم يستجب لطرقاتهم. تفرقوا في المنزل للبحث عنه، غتوجهت الأم وابنتها الوسطى يوجيني إلى المطبخ، بينما فرونيكا ووالدها وأخوها الأكبر صعدوا إلى الطابق العلوي.
صرخت فرونيكا بفزع عندما رأت مشنقة مُعلقة بمروحة السقف وجثة هامدة بين أحضان كيڤن..
وبعد تلك الصرخة، صعدت الأم ويوجيني وقلوبهما على جمر، قابلهم ذلك المنظر، فشهقت الأم بينما اتسعت عينا يوجيني بذعر.
حاول مارتن تهدئة كيڤن وإبعاده عن الجثة، غير أن ذلك جعله يزيد من تشبثه بها. أذابت الدموع خديه وماتت أحباله الصوتية من بعد تلك الصرخة، فبدا صوتهُ شاحبًا وهو يتوسل:
ــ أرجوكم... لا تأخذوه مني ولا تبعدوني عنه.
بعد سبع ساعات تم دفن مايكل، وسط صراخ كيڤن الذي كان يعلم أنه ميت ولن يستيقظ مهما صرخ ونادها، ولكن ماذا يفعل؟ فقلبه ظل مُعلقًا بأملٍ بائس.
بقيت عائلة فرونيكا في منزله طوال ذلك اليوم يواسونه ويتشاركون معه الألم.
رأى مارتن ورقة على الرف الموجود في غرفة كيڤن، فأخذها، وعندما فتحها اتضح أنها رسالةٌ من مايكل..
عاد مارتن إلى غرفة المعيشة، وأعطاه الورقة على الرغم من علمه بأنها قد تزيد من ألمه، بيد أنها حقٌ له فهي وصية أخيه الراحل.
أخذ يقرأها على الرغم من تشوش الرؤية في عينيه، وقد كان مفادها:
"أنا آسف أخي الصغير، أرجوك سامحني.. لا تحزن لموت عا*ر مثلي، أنت تعلم أن هذا المرض مؤلمٌ جدًا وأني سأموت في نهاية المطاف، وأي شخصٍ سيُفضل الموت على العذاب.. أرجوك قدّر وضعي المزري. أخي، أنت قوي وذكي وتستطيع العيش لوحدك. أرسلت لك رابطًا في الهاتف سيعلمك طريقة التسويق الإلكتروني. أعلم أنك لا تحب هذا العمل وتريد أن تكون طبيبًا، ولكن اجعله مكسبًا لقوت يومك بشكلٍ مؤقت. حافظ على فرونيكا، فهي فتاةٌ طيبة تُحبك بصدق.. كُن بخير.
أخوك الأحمق، مايكل سميث 。:゚"
اعتصر الورقة وأشهج بالبكاء حتى بدا وكأنه يختنق بالهواء، كان صدره يعلو ويهبط بسرعة بينما يذرف دموعه بغزارة.. أخذت فروني تمسح على ظهره تارةً وتكفكف دموعها تارةً أُخرى، بينما كانت يوجيني ووالدتها تبكيان للحالة التي وصل إليها.
مرت بضعة أيام تراكمت فيها الديون على كيڤن؛ فهو لم يتعلم التسويق الإلكتروني كما أوصاه أخوه، فقد بقي غارقًا في الاكتئاب والنحيب عند قبره.
مر شهر أغسطس وكذلك سبتمبر، ونفد منه ما تبقى من المال، فكان العمل قرارًا لا بد منه.
ذهبت فروني إلى منزله كالمُعتاد لأجل أن تعطيه ملخصات الدروس التي بات يتغيب عنها كثيرًا، وعندها وجدت رجلًا يصرخ في وجهه ويقول:
ــ سأمهلك أسبوعًا واحدًا لدفع الإيجـار، ثم لا ذنب عليَّ إن طردتُك!
بقي كيڤن صامتًا؛ فماذا بإمكانه أن يقول مثلًا؟!
" شكرًا لأنك ستمهلني أسبوعًا بالمجان وأنا حتى لا أمتلك ثمن الطعام.."
قَدِمت فروني إليه بعد أن ذهب الرجل، وأخبرته:
ــ يُمكِنُني أن أدفع ثمن الإيجـار.
رمقها بحدة، ثم صرخ في وجهها:
ــ ومن طلب منكِ ذلك؟! هيا اغربي عن وجهي!
تسمرت في مكانها لوهلة، ثم بررت:
ــ لم أقصد إزعاجك، أنا فقط أردت...
قاطعها عندما سحب الملخصات من بين يديها ورماها على الأرض صارخًا:
ــ ها قد أعطيتني الملخصات، والآن اذهبي!!
ضغطت على شفتيها واغرورقت عيناها بالدموع. انخفض حاجبا كيڤن لرؤية ملامحها وهي تتبدل، فتنهد وبرر:
ــ أنا لم أكن أقصد...
أدارت ظهرها لتغادر، فأوقفها بوقوفه أمامها. أشاحت وجهها عنه بينما يقول:
ــ فروني، أنا حقًا آسف..
وأردف: وشكرًا لأنكِ تجلبين لي الملخصات دائمًا.
نفت برأسها بلا بأس، ثم تجاوزته وأكملت طريقها. أراد إيقافها مجددًا إلا أن الكلمات قد خذلته في هذه اللحظة، فطأطأ رأسه وجلس على الأرض غارساً أصابعه في شعره وهو يشتم نفسه:
ــ تبًا لي! ما الذي فعلتُه؟!
كانت هذه المرة الأولى التي يصرخ فيها بوجهها؛ فالظروف جعلت الغضب ظلًا له، لاسيما أن عرضها له بدفع الإيجار جعله يشعر بأنه مثيرٌ للشفقة.
وبينما كانت فرونيكا تسند رأسها على كتف أختها، لاحظت الأخرى ضيقها فسألتها:
ــ فروني.. هل من خطب؟ أنا لا أراكِ بخير.
تنهدت فروني واسترسلت:
ــ كيڤن... تشاجرت معه اليوم. أنا لم أفعل له أي شيء، وهو صرخ في وجهي وأهانني برميه للملخصات أمامي.
تحدثت يوجيني بنبرة هادئة:
ــ كيڤن ما يزال متأثرًا بوفاة أخيه، لذلك صرخ عليكِ.. من الأفضل أن تقللي من زيارتكِ له؛ فالمرء يحتاج إلى الوحدة أحيانًا ليتكلم مع نفسه ويفهمها.
سألتها فروني:
ــ أليس من المفترض ألَّا أتركه في مثل هذه الأوقات الحرجة حتى لا يزداد حزنه؟
ردت يوجيني:
ــ على العكس، فبعض الأشخاص يجدون الراحة في وحدتهم. صحيح أن الوحدة المستمرة قد تبدو مملة، إلا أنها أفضل بكثير من أن تمتلك أشخاصًا يبقون ملاصقين لك كل يوم.
عقدت فروني حاجبيها واستفسرت:
ــ ماذا تقصدين؟
فلتت ضحكة من بين شفتي يوجيني وقالت:
ــ ما أقصده واضح! جميعنا لاحظنا أنكِ في الآونة الأخيرة تزورين كيڤن كثيرًا!
عقدت فروني ذراعيها ونبست:
ــ هذا لأنني صديقةٌ وفية، وأعلم أنه يجب أن أقف بجانبه في مثل هذه الأوقات الصعبة!
ابتسمت يوجيني بمكر وقالت:
ــ هل أخبرته؟! أم ليس بعد؟!
سألت فروني ببلاهة: مـاذا؟
قلبت يوجيني عينيها بملل وقالت:
ــ لا تتغابي! تعلمين ما أقصده.
تنهدت فروني مبتسمةً وقالت:
ــ كلا، أعتقد أنه من الأفضل ألَّا أخبره من الأساس.
عقدت حاجبيها وقالت: ولمَ لا؟!
زمت فروني شفتيها ثم استطردت:
ــ أنظري إليّ، من قد يوافق أن أكون شريكة لحياته وأنا بهذا الشكل؟!
ــ يالكِ مِن حمقاء! صحيح أن شكلكِ يبدو غريبًا بعض الشيء، إلا أنه ليس قبيحًا البتة!
(فروني) وحاجبيها ينخفضان:
ــ أعلم، ولكن... ربما كيڤن يسايرني لكوننا أصدقاء فقط، ولو تطورت الأمور بيننا ربما يجرحني بالحقيقة!
تحدثت (يوجيني) بثقة: تعرفين كيڤن، هو ليس من ذلك النوع، ولو كان كذلك لما بقيتما صديقين حتى الآن!
ــ أتعتقدين ذلك؟
ــ أنا موقنةٌ بذلك!
ابتسمت، وقالت: حسنًا، سأخبره عندما تهدأ الأمور قليلًا.
استطردت يوجيني ممازحةً إياها: ومن الأفضل ألَّا تذهبي إليه خلال هذين اليومين، اسمحي له بالتنفس قليلًا!
ضحكت فروني بخفة وقالت:
ــ من يسمعكِ سيظن بأني أعذبه!
وفي تلك الدقيقة دخلت والدتهما وفي عينيها لمعة مكر، ترافقها ابتسامة صغيرة. تحدثت بصوتٍ مُرتفع:
ــ اسمعوا يا ناس! يوجيني تشجع أختها على الاعتراف بمشاعرها، بينما هي ترفض كل شاب يتقدم لخطبتها أو يصارحها بمشاعره!
ابتسمت يوجيني وسألتها:
ــ لمـاذا تُريدين التخلص مني بهذه السرعة؟!
ردت الأم:
ــ عن أي سرعة تتحدثين؟! لم يتبقَ سوى القليل وتصبحين عانسًا!
ضحكت يوجيني وقالت:
ــ عانس؟! لا أزال في بداية العشرينات!
(الأم) وهي تضع يديها على خصرها: ولم تتزوجي بعد!
(يوجيني) بنبرة واثقة: ولن أتزوج طيلة عُمري!
ــ ستتزوجين رغمًا عن أنفكِ!
أسندت يوجيني خدها على كفها وتكلّمت بملل:
ــ اطمئني، فلن يجرؤ أي رجل على خطبتي بعد أن يعلم بأني قد رفضت عشرة رِجال قبله!
ردت الأم:
ــ سترين! إن لم يتقدم لكِ عريس خلال هذه السنة، فأنا بنفسي سأذهب وأخطب لكِ رجلًا مسكينًا ليتزوجكِ!
تنهدت يوجيني وهزت رأسها، ثم رن منبه هاتفها فبادرت بالمغادرة لأجل عملها. زفرت الأم وقالت:
ــ ما الذي ستستفيدينه من تشويه سمعة الرجال؟!
صاحت يوجيني وهي تفتح مظلتها:
ــ الذكووور!!! وليس الرجال!
في تلك الأثناء وفي غرفة سكنتها العتمة، كان كيڤن يجلس القرفصاء ويحدّث نفسه بندم..
"حتى فروني لم تسلم مني! سحقًا لي، كيف هانت عليَّ مشاعرها عندما رميت الملخصات؟! أي حقيرٍ أنا؟! "
انتقلت هواجسه إلى الديون فغمغم "وهناك صاحب المنزل، عليَّ أن أدفع له الإيجار وفواتير الماء والكهرباء.. والمصيبة أن هناك ديونًا سابقة على مايكل! لمَ لم يأتِ مسبقًا ليطالب بماله؟! هل نسي وتذكر الآن؟! ولمَ لا أزال جالسًا في هذه العتمة كالخنزير؟! عليَّ أن أتعلم التسويق وأسدد الديون!"
نفض عنه غبار الاكتئاب، وأخذ حاسوبه وهاتفه وبدأ بتعلم التسويق الإلكتروني.
مر اليوم التالي دون أن يذهب إلى المدرسة؛ فقد بقي يتعلم التسويق طوال الليل. وعندما حل وقت ما بعد العصر ولم تأتِ فرونيكا كالمُعتاد، أخذ بتحطيم أثاث غرفته والندم يأكل جوفه.
في اليوم التالي قرر الذهاب إلى المدرسة ليراها، وما كان صادمًا له أنها ابتسمت عندما رأته وتحدثت معه بعفويتها المعتادة.
واصل الذهاب إلى المدرسة لمدة ثلاثة أيام، ثم انقطع عن الذهاب كالمعتاد. لاحظت فروني خلال تلك الأيام شروده الدائم، لاسيما في الطريق وأثناء عبورهما للجسر، كان يُطيل التحديق بقاعه، وعندما سألته عن السبب أجاب:
ــ أنا أحاول ترتيب أفكاري، لذلك أشرد في بعض الأوقات.
أثناء انقطاعه، سخّر جُل وقته للعمل في التسويق، لكنه لم ينجح بشكلٍ جيد. ومع ضغط أصحاب الديون، قرر العمل في تحميل البضائع وإدخالها إلى المستودعات، كان عملًا شاقًا فقد تحمل بضائع تفوق وزنه، إضافةً إلى أن المال الذي حصل عليه لا يكفي إلا لقوت يومه.
استطاع كيڤن تسديد نصف إيجار المنزل وطلب إمهاله للباقي، إلا أن صاحب المنزل صرخ في وجهه وأهانه ثم أمهله يومين فقط.
عاد إلى منزله ليلاً، رمى نفسه على السرير بإهمال وهو يشعر بوهنٍ شديد وأفكار تلطم جوفه.. همس بصوتٍ خافت وتسللت دمعة من إحدى عينيه:
ــ هل تراني يا مايكل؟ هل ترى الحال الذي وصلتُ إليه بسببك؟ أهان عليك تعبي؟! أهان عليك حُزني ودمعي؟! أهان عليك شقائـي؟!
قال جملته الأخيرة بصوتٍ صارخ، ثم سحب الوسادة واعتصرها بين ذراعيه.
بعد مدة عاد إلى حاسوبه وهو يلف نفسه بالبطانية، فتلك الليلة الهادئة تحولت إلى عاصفة. تمتم بينما يحدق بالنافذة:
"لمَ لا أذهب إلى مدينة ريدموند وأعيش هناك في كنف أقاربي؟"
ثم أردف بسخرية مجيبًا لنفسه:
"هـه... عن أي أقاربٍ أتحدث؟! عن الأشخاص الذين لم يُكلفوا أنفسهم بحضور جنازة أخي؟! أم عن الذين لم يزورونا منذ وفاة والدينا؟! أساسًا منذ تلك الحادثة أصبحنا غُرباء عنهم وكأننا لا نمت لهم بأي صلة.."
تذكر أن صاحب المنزل سيطرده بعد يومين، والأسوأ أن الرجل الذي أقرض مايكل بضعة دولارات يطالبه بإعادتها فورًا، وقد هدده بأنه سيعطي الشرطة بلاغًا كاذبًا إن لم يعطه المال غدًا صباحًا.
نفث هواءً ساخنًا وأمسك رأسه بكلتا يديه وتذمر:
ــ هذهِ لم تعد حيـاة!
°
°
في يوم السبت من شهر أكتوبر...
تسللت خيوطٌ ذهبيةٌ باهتةٌ من النافذة، فنقشت بنورها ملامح وجهه الذابلة. فتح عينيه فلمعت زيتونيتاه تحت انعكاس الضوء.. نهض بكسل وبملامح خالية من حيويةِ الشباب، اكتفى بشرب كأسٍ من الماء، ثم خرج من المنزل وهو بنفسه لا يعلم إلى أين تأخذه قدماه.
استوقفته امرأة تجلس على قارعة الطريق عندما مدت قبضتها المُمسكة بحبلٍ أمام ركبتيه.. التقت حدقتاهما، وتحدّثت:
ــ هل تُريدُ دواءً لداء الدُنيـا الذي رسم سقمه على وجهك؟
حدق بها بحدة وقال:
ــ لو رغبتُ في ذلك فأنا ما زلتُ مُحتفظًا بحبل أخي!
ردت عليه: أوه... آسفةٌ لأجلك.
تجاهل سخريتها وأكمل طريقه بتقضيبة بين حاجبيه؛ فقد لاحظ أن الحبل الذي مدته له كان كالحبل الذي انتحر به أخوه، بطول عشرة أقدام وبنفس الجودة القطنية.
في تلك الأثناء، صفعت فروني وجهها بالمياه الباردة، تاركةً لها دور الؤلؤ في التلألؤ على وجهها...
ثم خرجت من منزلها والحيوية تُغذي وجهها، تحمل حقيبة وردية تحتوي على بضعة دولارات من جميع أفراد عائلتها..
تحدثت في نفسها:
"اليوم يوم الصدق، سأُخبره بحقيقة مشاعري تجاهه، وسأسدد له ديونه وإن لم يُعجبه ذلك فليضرب رأسه بعرض الحائط!"
توجهت إلى منزله، وعقدت حاجبها عندما رأت الباب مفتوحًا. دخلت وبحثت عنه في كل حجرة، وعندما لم تجده خرجت.
قابلها رجلٌ بكرشٍ ممتلئة وقال لها:
ــ نادي لي على كيڤن، علّه دبّر لي المال!
وفي الوقت نفسه جاء صاحب المنزل ونادى:
ــ هاي يا فتى! هل ستعطيني الباقي أم ستبيت غدًا في الشارع؟!
أجابت فروني:
ــ هو ليس في المنزل.
اقتحما المنزل ليفتشا عنه، وبعد أن قلبا المكان رأسًا على عقب خرجا وهما يشدان على رأسيهما و يشتمان:
ــ ذلك الوغد... هل يا تُراه قد هرب؟!
ــ تبًا له ولأخيه! ليتني لم أُقرضه مالي!
صرخت فروني في وجهيهما:
ــ كيڤن ليس لصًا وليس وغدًا!
ثم رمت الحقيبة الوردية على الأرض وقالت:
ــ فليأخذ كلُّ منكما حقه!
تسابقا في أخذ المال كما تتسابق الكلاب لأخذ العظام..
ركضت فرونيكا إلى اللامكان للبحث عنه، وبعد أن فتشت كل منطقة تعرفها وجدت نفسها تتوجه نحو ذلك الجسر...
وهناك كانت الصدمة؛ رأت كيڤن يقف على حافة السياج!
ولاية كاليفورنيا ــ مدينة لوس أنجلوس ــ حي بيكو يونيون...
شخصان يرتديان السواد يمشيان بارتباك.. أطل أحدهما برأسه على مستودعٍ قديم وهمس لصاحبه:
ــ أظن أن الشرطة لن تعود إلى هنا.
رد عليه الآخر:
ــ ومع هذا فعلينا ألَّا نعود إلى هذا المكان مُجددًا!
ــ ولكن.. لقد مرت سنوات!
ــ الحذر أولى من الندم.
Ahed Nasser🍂