ألقى ذو العين الواحدة نظرةً سريعة في المرآة الجانبية، فرأى لوسيندا تسند رأسها بكتف سمانثا غارقتين في سُباتٍ عميق.
أعاد بصره إلى الأمام، وامتدت يده على مقبض القيادة ليبطئ من سرعته قليلًا.
انحرفت السيارة نحو المنعطف الجبلي حيث تبدأ أغطية الأشجار بالحجب الكثيف، وتتوارى أعمدة الكاميرات الحكومية شيئًا فشيئًا. وفي المساحة الترابية المنعزلة بين التلال، كانت الشاحنة الغذائية متوقفة ومحركها يدور بهدوء، وإلى جانبها تقف السيارة الأخرى.
ترجل (بارودZ) بسرعة خاطفة دون أن تنبس شفتاه بكلمة، بينما فتح (070) الباب الخلفي للشاحنة.
قام ذو العين الواحدة بفتح باب سيارته الخلفية، وامتدت ذراعاه لتحمل لوسيندا فتدلى رأسها على ذراعه، ثم أدخلها بتجويف الشاحنة. مشى إلى جانبه (070) ووضع سمانثا بجانب لوسي حيث تُجلسان داخل صندوق خشبي.
بسط ذو العين الواحدة قرطاسًا عريضًا فوقهما، وألقى عليهما نظرةً باردة قبل أن يُسقط باب الشاحنة تاركًا العتمة تبتلعهما.
عاد إلى سيارته السابقة، ووجه هيكلها مباشرةً نحو الجرف الجبلي. انحنى نحو الأسفل، وضغط على دواسة البنزين بقوة حتى زمجر المحرك، ثم أحكم تثبيتها بحجرٍ ثقيل انتشله مُسبقًا من الطريق المُثلِجة.
قام بنقل مقبض القيادة إلى وضعية الحركة، وقبل أن تنطلق، سحب يده بسرعة مرتدًا إلى الخلف..
اندفعت السيارة بجنونٍ متصاعد، كاسرةً الحاجز الخشبي المتهالك على طرف الطريق، لتطير في الهواء للحظات قبل أن تسقط مستقرةً في عمق الوادي.
انفجر الجزء الخلفي منها مع شدة الارتطام، فتناثر شرار المعدن، واندلعت ألسنة اللهب مُلتهمةً هيكلها...
خطت قدماه ببطء نحو طرف الجرف مراقبًا النيران فترةً بسيطة وهي تلتهم سيارته..
استدار على عقبيه عائدًا أدراجه، ثم استقل الشاحنة بينما ركب (070) السيارة الثانية وسبقهما...
لم يسبقهما للمضي إلى الأمام، بل عاد أدراجه نازلًا من الطريق، ورسامًا وجهةً جديدة في طريق بعيدة...
أجرى ذو العين الواحدة اتصالًا بصاحبه الذي لم يتوقف معهم عدا خمس دقائق واستفسره:
ــ عين الليل، أوصلتَ إلى المكان؟
أجابه عين الليل من بين أنفاسٍ باردة:
ــ بتُّ قريبًا منه، بإمكانك التحرك الآن.
أقفل الخط، ثم نظر إلى (بارودZ) الذي أخرج إطار العجلة الاحتياطية للشاحنة، وسحب سكينًا من جيب بذلته ثم ثقب الإطار وتركه مرميًا على العشب المخالط للثلج.
ركب بجانبه في المقدمة، وضع الحزام، ثم تابعا المسير نحو وجهتهما.
°
°
في مركز الشرطة..
وردهم بلاغٌ من دورية الطرق السريعة يفيد بوجود حريق ناتج عن انفجار سيارة أسفل جرفٍ محاذٍ لـ ممر سنوكوالامي الجبلي، بالقرب من حدود غابة سنوكوالامي الوطنية...
انطلقت أضواء سيارات الشرطة الحمراء والزرقاء مُخترقةً العتمة، والمطَرة الخفيفة على امتداد ممر سنوكوالامي الجبلي، كانت هناك شاحنة إطفاء تقف عند حافة الجرف، بينما يحاول رجال الإنقاذ السيطرة على بقايا النيران التي التهمت هيكل السيارة المغطى بالصخور في أسفل الوادي.
ترجل المحقق (ميلر) من سيارته، واضعًا يديه في جيبي معطفه وهو ينظر نحو أعماق الجرف حيث يتصاعد الدخان الأسود بين أشجار صنوبر غابة سنوكوالامي.
اقترب منه أحد ضباط الدوريات السريعة ومعه جهاز لوحي ينبعث منه ضوء أزرق، ونطق بنبرةٍ حادة:
ــ المحقق ميلر.. عثرنا على لوحة الترخيص ملقاة في العشب قبل الحافة بمسافة خمسين مترًا. تم طمس أرقامها عمداً، لكن خبراء الأدلة الأدلية يرجحون أنها تعود للسيارة المشبوهة ذات اللوحة المنتهية بـ (36).
عقد ميلر حاجبيه وهو ينظر نحو الأثر العميق لضغط الإطارات على الثلج، وتساءل:
ــ والضحايا؟ هل كانت الفتاتان بالداخل؟
هز الضابط رأسه نفيًا وأجاب:
ــ طاقم الفحص الحراري يرى أن هيكل المقاعد الأمامية والخلفية كانا فارغين قبل الارتطام بالإضافة إلى..
ازدرد ريقه وقال: انظر هنا..
أشار الضابط إلى موضع دواسة البنزين بين بقايا المعدن المتفحم ثم أضاف:
ــ لقد ثبتوا الدواسة بحجرٍ ثقيل وأفلتوا السيارة نحو الجرف. هذه ليست محاولة هروب فاشلة ولا حادثًا عارضًا.. إنها عملية تمويه مجهزة بعناية لتضليلنا، بينما الخاطف وعصابته يسلكون طريقًا آخر الآن!
تطلع المحقق ميلر نحو أفق الغابة الكثيفة الممتدة في الظلام، وغمغم بغضب:
ــ أبلغ نقطة التفتيش الشرقية فورًا.. أُريد مراجعة تسجيلات كافة المركبات التي عبرت الممر الجبلي خلال الساعة الأخيرة!
وفي تلك الأثناء، وفي مكانٍ آخر من سياتل، كان كايون مُركزًا على الطريق أمامه، حتى توقف فجأةً...
شعره أشعث، وعيناه محمرتان. لا فائدة، فقد تسلل اليأس إلى قلبه؛ فإلى الآن لم يعرف من أصحاب الكاميرات المحلية غير أن هذا الطريق قد سلكته سيارة يتضمن آخر رقمين من لوحتها الرقم 36، وها هو الآن يقف في المنتصف بين مفترق طرق.
أيسلك يمينًا أم يسارًا؟
احتشدت الدموع في زرقاوتيه من جديد، فمسح على وجهه ورُدد بصوتٍ مبحوح:
ــ ليس الآن يا كايون، ليس الآن.. عليك أن تتحمل.
أخرج الهاتف من جيب معطفه ليتصل بأصدقائه علّهم وصلوا إلى شيء..
وعندما مرر يده على الشاشة، اتسعت عيناه للحظة إدراك فنطق:
ــ الهاتف!.. أستطيع تعقب موقعها من خلاله!
ضحك على الرغم من توتره، وهز رأسه متمتمًا: لمَ لم أفكر بهذا؟!
تعقب هاتف أخته عبر جوجل من خلال بريدها الإلكتروني، وبالفعل وجد نقطةً حمراء تومض في وسط الخريطة.
تهللت تعابير وجهه وهتف: ما تزال في سياتل!
أدار عجلة القيادة ليتتبع مسار الخريطة.
دقائق معدودة حتى بات في الموقع الذي ترتكز عليه العلامة الحمراء..
عقد حاجبيه، ومرر بصره في الأرجاء، فإذ بعينيه تثبتان على منزله...
منزل ديلفاران!
أصابه التشوش وهو يحدق بالمنزل بصمت...
ثوانٍ قليلة حتى احتدت عيناه كالنصل، وتسلل الغضب من بين شفتيه على هيئةِ جملة:
ــ أياتُراه قد فعلها بي؟!.. أميلڤين من اختطفها وخطط لهذا كُلِه؟!
Ahed Nasser🍂