بعد مرور ثمانية أشهر ...
عاد كايون إلى البيت. لم تستقبله يوجيني بعناق كما هو المعتاد، وأخذت تفتش جيوب سترته وصولًا إلى جيوب بنطاله الأمامية والخلفية، لم يعترض الآخر بل بسط ذراعيه حتى يتسنى لأمه أن تفتشه جيدًا، وبعد أن تأكدت من أنه لا يخفي أي شيء، عانقته وطبعت على خده قبله. ابتسم كايون، وقال:
ــ أمي، لا داعي لهذا التفتيش اليومي!
ــ بل إنه ضروري.
ــ لقد وعدتك بأني لن أعود إلى التدخين مجددًا!
ــ وهذا ما يقلقني.. أنك وعدتني!
تنهد وهز رأسه بقلة حيلة. لمح بطرف عينه أخته لوسيندا وهي تستند على الجدار. ابتسامة عريضة تزين وجهها بينما تتقدم نحوه على الرغم من أن قدماها الصغيرتان بالكاد تثبتان على الأرض.
هرول نحوها وهاجمها باحتضان، ثم بقبلاتٍ عنيفة، أخذت تضحك بهستيرية أثناء قذفه لها في الهواء.. ذلك جعل الدم يتجمد في عروق يوجيني.
ــ لااا!.. كايون!
ــ لا تقلقي!
ــ أرجوك توقف!.. توقف!!
ــ آاه، حسنًا!
ناولها إياها، غير أن لوسيندا تشبثت بسترته، فضحك بخفة، وقال: آسف لوسي، ماما تقتل المتعة دائمًا!
انشتلتها منه، وردت عليه: وأخوكِ سيتسبب بإيقاف قلبي في يومٍ ما.
(كايون): لا أمي!.. لا تقولي ذلك!
(يوجيني): لقد نهيتك عن فعل هذا أكثر من مرة ومع ذلك لا تستمع إلي!
(كايون): حسنًا، لن أكررها، أعدك!
هزت رأسها بيأس في حين تبعها الآخر محاولًا إضحاكها بشتى الطرق.
في المسـاء، ...
كانوا مجتمعين في الصالة، يشاهدون التلفاز ويحتسون شوكولاتة ساخنة. لوسيندا تجلس على فرشٍ رمادي، تُقلِّب ألعابها، في حين تجلس يوجيني على الأريكة متوسطةً كايون وميلڤين.
(نشرة الأخبار): ما زالت الشرطة الفيدرالية تبحث عن القاتل المتسلسل، هناك إدعاءات تقول بأن خاطف الجماجم هي ذاتها امرأةُ الساطور، وآخرون يستبعدون ذلك لأختلاف طريقة القتل.
رئيس الشرطة ماكس يظن بأن امرأة الساطور قد اتخذت نمطًا جديدًا بعد اختفائها الغامض، فلا أحد غيرها يستطيع أن يرتكب تلك المجازر دون أن يترك خلفه أي أثر...
بعد أن انتهى المذيع من كلامه تم عرض بعض الصور للضحايا، بعضها أطرافه مقطعة، وآخر من دون رأس، ضحية بجلدٍ مُذاب والعديد من الأمور المشوهة.
همَّت يوجيني بتغيير المحطة بينما تتحدث ونبرتها لا تخلو من الغصة: هؤلاء ليسوا ببشر!.. كيف بإمكانهم أن يرتكبوا تلك المجازر؟!.. وأي سببٍ يستحق ذلك؟!.. أتمنى أن يُدحضوا حتى يعيش العالم بسلام!
وحده ميلڤين من لاحظ تلك العضلة التي اختلجت على فك كايون، ووحده من شعر أن الهواء من حوله قد تبدّل.
وضع كايون الكوب على المنضدة، وقبّل رأس أمه، ثم قال: سأنام مبكرًا فغدًا عليَّ امتحان.
(يوجيني): ليلة سعيدة صغيري.
همس دون أن يلحظ بأنه قد أطال النظر في عينيها: ليلة سعيدة لكِ أيضًا.
أمالت رأسها وارتابت: هل من خطب؟!
تدارك الوضع ونفى برأسه ثم صعد إلى غرفته.
أغلق الباب بظهره، ثم تزحلق إلى الأرض، أسند جبينه على ركبته، وبدأ صدره يعلو ويهبط بسرعة، اتخذت دموعه من يديه مسكنًا، فصرَّ على أسنانه ونبسَ بهمسٍ متحشرج:
ــ لم.. أرد ذلك!.. أقسم.. أقسم.. يا أمي!.. أنا.. أنا.. ما أزال إنسان!.. لأنـ.. لأني.. لست سعيدًا.. لما أقومُ.. به!.. ميلڤـ.. ميلڤين هو.. الو..حش!!.. أنتِ.. يا أ.. أمي.. لا تعلمين.. هل.. هل لو.. كنتِ تعلمين.. بـ.. بأني.. مجـ.. مجرم.. هل.. ستتمنين فـ.. فنائي؟!!.. هل.. سـ.. تتخلين عني؟.. نعم.. ستتخلين عني!!
نهض، وبالكاد تحمله قدماه، فتح درجه وبعثر أغراضه حتى عثر على كيس الكوكايين. نفسه توسوس له"هيا!.. هذا سينسيك ألمك، واحد لن يضر!"
عضَّ على شفته حتى أدماها وفجأةً، اندفع نحو دورة المياه ورمى الكوكايين في المرحاض حتى يتخلص منه. هدأت أنفاسه قليلًا ثم عاد إلى مخدعة، جاعلًا من النوم ملاذًا له، حتى لا يظل هائمًا في الخوف، الخوف من أن تنكسر صورته أمام أمه. ولكن حبل الكذب قصير، ولا بدَّ من ظهور الحقيقة حتى ولو كانت الموت عوضًا عن النجاة.
بعد شهر، في وقت العصر ...
بعد أن أفرغت لوسيندا رضاعة الحليب، أسندها أخوها على كتفه، وأخذ يمسح على ظهرها حتى تجشأت. رفعها لتقابل وجهه، وبعد أن غمرها بالقبلات، حدّثها مبتسمًا: قولي كايون.
ــ كاكو!
اتسعت ابتسامته فظهرت أسنانه، لحظة حتى تبدّلت تعابيره إلى أُخرى ساخرة حين سمع رنة هاتفه، وضع لوسيندا على الأرض ثم نظر إلى المتصل وأغلق الإتصال في وجهه.
أبعد ميلڤين الهاتف عن أُذنه، نظر إلى الشاشة بتبلدٍ شديد في حين ينخر عقله سؤالٌ واحد " كيف تجرأت؟!."
دقائق قليلة حتى فُتِحَ باب مكتبه دون أن يُطرق. تقدّم كايون نحوه بينما يدس يديه في جيبي بنطاله وينظر إليه بازدراء.
لم ينبس ميلڤين ببنت شفة وانتظر الآخر أن يتحدث:
ــ بماذا يأمر جلالتك؟
ردَّ عليه الصمت. مسح ميلڤين على لحيته، محاولًا أن يقرأ الذي أمامه ويعرف سبب تغيره.
دقق كايون النظر في الملف الموضوع على المنضدة، تناوله وقرأ اسم الشخص الذي عليه، أعاد بصره إلى ميلڤين وسأله بجدية:
ــ هل تريد مني أن أقتل هذا الرجل؟
(ميلڤين): .....
ابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه ثم أرخى أصابعه ببُطء ليسقط الملف أرضًا.
بسط يديه على المنضدة وتقدّم نحوه أكثر، سأله حينئذٍ: والآن، ماذا ستفعل؟
(ميلڤين): ....
(كايون): لن تعطيني الكوكايين؟.. احتفظ به!
(ميلڤين): ....
(كايون): لقد عثرت على شخصٍ يزودني بالمخدرات متى ما أردت، لم يعد بإمكانك أن تبتزني بعد الآن.
غادر بعد قوله ذلك، وتعمد أن يترك الباب مفتوحًا.
Ahed Nasser🍂