أطلّت الشمس على الدنيا باستحياء، ومع حضورها حضر بقية الأعضاء. كان عددهم لا يتجاوز العشرين، وبذلك أصبحوا ثلاثين فردًا بعد أن كانوا فيما سبق بالمئات.
لملموا أنفسهم استعدادًا للذهاب. مشوا في جماعات متفرقة حتى لا يثيروا الريبة ... كانت رينا تمشي بجوار الزعيم، تجر نفسها بوهن بينما تشد على بطنها ..
استأجر الزعيم منزلًا بأحد الأحياء السكنية، واختياره لتلك المنطقة وذلك الحي لم يكن عبثًا، بل علمًا بأن تلك المنطقة تحوي على زوايا وأزقة تخلوا من الأعين الرقمية ...
تتالوا في الدخول بأوقاتٍ زمنية متفرقة. ذاك مرمي في زاوية وعشرة على الأريكة والآخر على النافذة والبقية توسدوا الأرض، فقط الزعيم من كان في غُرفةٍ خاصة، إلا أن غرفته لم تكن واسعة بل ضيقة كالضيق الذي يربض على صدره ...
خرجت أنفاسه من أنفه حارةً، كأنها لجاموسٍ في حلبةٍ أولمبيـة، انقبض فكه وأخذ بتحطيم أثاث الغرفة، ابتداءً بالكرسي الذي أمامه.
رهبة نغزت قلوب الجميع، تزامن مع سماعهم لصوت التحطيم، وبعد أن علموا بأنه الزعيم، هدأوا وعاد كلٌّ منهم إلى مكانه ...
نهضت رينا مستثقلة، وخرجت من الصالة، وقفت عند الدرج ونادت: أبي!..هل أنت بخير؟!
كتم الآخر أنفاسه، محاولًا كتم غضبه، غير أنه لم يستطع فبقي صامتًا لأنه إن تفوه بكلمة لن تكون كلامًا بل صراخًا. لقد كتم غضبه طويلًا تحت الجسر، والآن استطاع أن يفك لجامه حيث تستره الجدران ...
تنهدت وجلست على الدرج، فما عاد بمقدورها أن تصعده. دقائق معدودة، حتى أصبح الهواء خانقًا، والصمت صارخًا، والهدوء مزعجًا ...
في ولاية كاليفورنيا ـ ـ مدينة لوس أنجلوس.
أفاقت يوجيني على رنين منبهها. مدّت ذراعيها في الهواء أثناء كمشها لعينيها، فبدت كقطةٍ مدللة أفاقت لتوّها. لاحظت أن الصخرة ليس بجانبها .. لم تعطِ الأمر بالًا فقد ظنّت بأنه قد سبقها في النهوض.
أخذت حمامًا ثم سرحت شعرها، وأثناء ذلك انكمشت تعابيرها باشمئزاز لفكرة أنها سترى وجهه على مائدة الإفطار، فالجلوس معه يصيب المرء بالكتئاب ويفقده رغبته في الطعام ...
قدّمت لها الخادمة الإفطار بينما تعابير وجهها مملوءة بالخوف والتوتر، عقدت الأخرى حاجبيها وسألتها:
ــ ما خطبك كرستين؟!
(كرستين) بنبرة مرتجفة: سـ..سيدي لم يأ..تي إلى.. إلى الآن!
آعادت نظرها إلى الطاولة بينما تشدت على قبضتيها، وعندها سألتها مجددًا: لمَ لم تخبريني؟!
(كرستين): لم أشأ أن أُوقظكِ يا سيدتي، كما أن السيد من عادته أن يتأخر، إلا أنه قد تأخر كثيرًا هذه المرة!
توجهت نحو الشرفة، فتحتها وأطلت على البوابة معتقدةً بأنه قد يأتي في أية لحظة، مرت نصف ساعة دون ذلك. فبدأ العرق يتقطر على جبينها، لاحظت الخادمة كمية الخوف والهلع على مقلتيها فقالت لها:
ــ لا تقلقي يا سيدتي، سأذهب لأتصل بالشرطة.
(يوجيني): ومن قال لك بأني قلقة؟!
أردفت بنبرة هادئة: لست كذلك، دعينا ننتظره بضع دقائق أُخرى.
مرت أربعون دقيقة دون قدومه. لم تتحمل أكثر فقررت أن تبلغ الشرطة، وقبل أن تفعل ذلك، جاءها اتصالٌ منه.
كادت أن ترد لولا أنها توقفت، وقررت أن تجعله يرن قليلًا حتى لايعتقد الآخر بأنها كانت تنتظر اتصالًا منه أو ما شابه ...
هرعت كرستين نحوها وقالت: سيدتي!..ردي..أرجوكِ ردي!!
(يوجيني): دعيه يرن قليلًا بعد.
(كرستين): سيدتي!..قد يطفئ الخط!..أرجوكِ دعينا نطمأن عليه!!
(يوجيني): بما أنه قد اتصل، ذلك يعني أنه بخير.
أردفت مصححة زلة لسانها: أساسًا لا يهمني إن كان بخيرٍ أم لا! ذلك ليس مهمًا بالنسبة لي.
(كرستين): سيدتي..أرجوكِ!!
قلبت عينيها بملل كما لو أنها مجبرة على الرد. ردت أخيرًا بامتعاضٍ مبتذل:
ــ نعـم؟
ــ لمَ تأخرتِ في الرد؟
ــ ربما لأني اشتقت إليكِ كثيرًا!..ولأني أردتك أن تأتي إلى المنزل فورًا، قررت ألَّا أرد، فأنت قلت لي فيما مضى، إن لم تردِ عليَّ، سأتيكِ إلى المنزل!
بالطبع .. كل ما قالته الآن مبني على مهزلة، خاصةً في المقطع الأخير، فهي لم تكتفِ بترديد كلامه فحسب، بل إنها قد قلّدت صوته نوعًا ما ...
لم ترَ يوجيني كيف أنه قد عض على شفته السفلى في محاولة لكتم ضحكته، وبعد برهةٍ صامته، سألها مجددًا:
ــ ولماذا رددتِ إذن؟!
(يوجيني): لأن كرستين أصرت على ذلك .. ها كرستين، تحدثي!
(كرستين): سعيدةٌ لأنك بخيرٍ يا سيدي!
(ميلڤين): شكرًا كرستين .. والآن أعيدي الهاتف ليوجيني، أريد أن أخبرها بأمرٍ مهم.
(يوجيني): نعم؟
(ميلڤين): يؤسفني يا فضيتي أن أقول لكِ بأني سأجعلك تشتاقين إلي أكثر، فعندي عملٌ طارئ.
أردف بينما الأخرى تعبث بطلاء أظافرها:
ــ هيئي حقائب السفر وسافري إلى سياتل .. اصطحبي معك كرستين وأنا سألحق بكِ خلال أيامٍ قليلة.
توقفت عن العبث بالطلاء وسألته بجدية: لماذا؟ ما الذي يحدث معك؟!
(ميلڤين): سأخبرك بكل شيء عندما آتي إليكِ.
(يوجيني): ولکـ...
(ميلڤين): إلى اللقاء فضيتي.
وهكذا انهى المكالمة وتركها في دوامة من الأسئلة.
ولاية كاليفورنيا ـ ـ مدينة سان دييغو.
لم يعد بإمكانها أن تصبر أكثر، فالقلق عبث بكل جوارحها. أرادت أن تطمئن على زوجها بيدِ أنها تعلم جيدًا بأن والدها لن يسمح لها بذلك.
ولكن ليس ذنبها أن تَرِثَ التمرُدَ عنه ... تسللت بحذر، ومن دون أن يراها أي أحد، خرجت من المنزل. فقط ميلڤين من كان على علمٍ بذلك، فقد شعر بخفة يدها عندما خطفت مفاتيح السيارة من جيبه، غير أنه بقي صامتًا ولم يُبدِ أي اعتراض ...
أثناء عودتها إلى لوس أنجلوس، لاحظت أن سمائها مُثقلة بالغيوم، فبدا لها كما لو أن تلك الغيوم كانت تؤجل بُكائها إلى وقتٍ لاحق ...
لم تكن تعلم إلى أين تذهب أو في أي مكانٍ تبحث، فالبحث عن شيءٍ ضائع يجعلك تضيع أيضًا ...
ولأنها لا تمتلك أدنى فكرة، وجدت نفسها وهي تتوجه نحو الشركة ... أطلت من مكان بعيد، وعندها دُهشت، حين رأت بأن الدخان ما زال متصاعدًا، وأن الأمور قد هدئت للتو، حيث الشرطة تقوم بنقل الجرحى والقتلى إلى سيارة الإسعاف بينما تُكبّل وثاق من لا يزال على قيد الحياة ...
قالت في نفسها،" لقد كابدوا العناء حتى هذه اللحظة!"
أخذت سماويتيها بتبصر المكان، وبالتدقيق في كل آنش إلا أنها لم تجد كاميرون، لا معى الأسرى ولا معى القتلى.
شعرت براحةٍ مؤقتة، ثم قررت أن تقتربَ قليلًا. ذهبت إلى الناحية الخلفية للشركة، معتقدةً بأنه قد يكون مقتولًا أو مصابًا هناك...
رياح خفيفة مرت على المكان، مُسببةً قشعريرة على الأبدان، وبينما الغيوم تتكاثف أكثر في السماء، زادت ظلمة المكان، فبدا كما لو أنهم في نهاية النهار ...
كانت المساحة الخلفية للشركة فارغة من الشرطة، فقط الجثث من كانت تتوسد الأرض وكأنها أزهارٌ ذابلة ...
كانت تضع يدها على صدرها، تشعر بأن قلبها قد بات معلقًا بشريانٍ واحد، وأنه قد ينقطع في أيةِ لحظة...
وفجأةً اتسعت عيناها، عندما لاح لها من بعيد شخصٌ يبدو من هيئته أنهُ كاميرون، لم تركض نحوه مباشرةً فهي لم ترَ وجهه بعد. تسترت بالجدار وأطلت عليه بعينٍ واحدة ...
بقيت تنظر إليه بترقب حتى التفت أخيرًا عندما قام برمي السيجارة ... تراقصت نبضات قلبها كما تتراقص الريح مع النار، وعلى الرغم من حملها توجهت نحوهُ راكضة ...
خانتها أنفاسها، فتوقفت لاستجمعها. تقدم الآخر نحوها وعندئذٍ رفعت سماويتيها إليه بسعادة، تبصرته من أخمص قدميه وصولًا إلى رأسه. ضحكت بخفة لرؤيتها له وهو يرتدي ملابس الشرطة، شدت على كتفه ثم قالت:
ــ يالك من وغد!..يبدو لي أنك قد نهبت شرطيًا مخضرمًا!
أردفت: ما كان عليَّ أن أقلق كثيرًا!
لقد رأته وهو مكتسي ببذلة كحلية، ومن كل تلك الشارت الذهبية، علمت بأنه قد نهب شرطيًا صاحب مكانة عالية، وتنكره ذاك سيجعله ينساب من بين الشرطة من دون أي عناء ...
(رينا): هيا كاميرون.. دعنا نذهب بسرعة.
لفت ذراعه بكلتا يديها، لتجره معها، غير أن الآخر بقي ثابتًا في مكانه ولم يصغِ إليها ...
(رينا): كاميرون!
(كاميرون): .....
لم يجبها، فأمالت رأسها قليلًا في محاولة لتبصر عسليتيه، ذلك دفعه لأن يشيح وجهه عنها تهربًا من عينيها.
(رينا): كاميرون!
(كاميرون): .....
أمسكت بذقنة، لِتُعيد بصرهُ إليها. نظرَ إليها، وتوضحتهُ سماويتيها بقلقٍ فسألته:
ــ أحدثَ لك شيء؟
أسقط بصره إلى الأرض، ولم يُنبس ببنت شفة.
تراجعت إلى الوراء بخطوةٍ صغيرة، وغمغمت "لمَ لا يرد عليّ؟ "
حدقت إليه بصمت، فقامت بتفتيش جيبه بعجلة، لتـنتزع منه برهانًا يُكذِّب شكها. التقطت من جيب بذلته ورقةً سميكة، وبأعيُنٍ باردة نظرت إلى البطاقة لتثبت لنفسها خطأ الفكرة التي راودتها. توسعت بؤبؤتيها عندما وجدت أن الصورة الموجودة على البطاقة هي صورة كاميرون، والأسوأ من ذلك هي تلك العبارة: العميد كاميرون بلاكويل.
Ahed Nasser🍂