ــ يوووهـووو !
عقدت ميراي حاجبيها لهذا الصوت، فالتفتت إلى الوراء لتجد كايون يُطلُ عليها من طرف باب غرفة المعيشة، تعتلي وجهه ابتسامة جانبيه وأعينه تلمع بلمعـةِ شغـب.
ارتخت ملامحـها، وثقلت أهدابها على عينيها ليدرك كايون بأنها قد شتمته في نفسها بصمت وعلى الأرجح أنها قد قالت "وكأن هذا ما كان ينقصنـي.."
همست أريج من خلفه: أرجوك، لا تُبالغ.
هز كتفيه وكأن لا شأن له، وأكمل طريقه نحو ميراي.
جلس مقابلًا لـها وتعمد أن يرفع قدميه إلى الأريكة ليتربع عليها من دون أن يخلع حذاءه.
حدجتـه ميراي، وانقبض فكها قبل أن تنـهره:
ــ أنزل قدميك من على الأريكة!!
بقي مبتسمًا وهذا ما زاد من استفزازها، فأنزل قدميه بكسل.
رمقت ابنتها وقالت: لمَ جئتِ بهِ إلى هنا؟!!
انفـرجت شفتا أريج لتبوح بكذبةٍ هي لم تخطط لها بعد:
ــ أنا كنت... أعني هو.. أن..
تحدث كايون مما شدَّ تركيز ميراي إليه:
ــ قررنـا أن نتعشى عندكم.
ــ وهل هذا المنزل منزل والدك!؟
ــ ليس من الضروري أن يكون كذلك.
أعادت بصرها إلى ابنتها وسألتها بانفعال:
ــ أتدعينه للعشاء دون إذنـي؟!
ــ لا لا.. أنا لم أفعل!... أعني..
ظهر لوثر من خلفها أخيرًا. ابتسم بتوترٍ وقال:
ــ كلا، أريج لم تدعُنا. كايون كانَ يمزح فقـط.
حدقت بهِ طويلًا، فساد الصمت عليهم جميعًا.
أسقطت بصرها إلى الأرض متنهدة، ثم قالت:
ــ بما أنكم مُصِرون..
رفعت بصرها إليهم وأكملت:
ــ سأجعلكم تنظفون المخزن والحديقة قبل ذلك.
لوح كايون بيُسراه وقال: كلا، كلا، لسنا مُصرين.
انشق وجه لوثر من فرط الابتسام وقال:
ــ يُسعِدُنـا ذلك!
ابتسمت ميراي لا إراديًا، وحدثت ابنتها قائلة:
ــ أحضري مقص النباتات الشائكة وبقية الأغراض.
تقدمت نحوها ودنت من أُذنِ والدتها لتهمس لها:
ــ أمي! من العيب أن نجعلهما ينظفان، أنا وأبي سنتكفل بذلك.
ردت عليها بسخرية، وهي تُشير نحو كايون:
ــ عيب؟!.. العيب عند من يستحي وليس عند هذا!
نظرت أريج ناحية كايون بحرج، فوجدته غير متأثرٍ بتاتًا بل على العكس، من نظراته المبتسمة وسبابته التي يعضها كابتًا ضحكته بها، علمت بأنـه يستمتع بهذا.
.
.
بعد خمسةَ عشر دقيقة، قام كايون بقلب الدلو ليتسنى لهُ الجلوس عليه. بقي يحدق نحو أريج ولوثر وهما يقصان الأشواك بينما يتبادلان الأحاديث الجانبية.. شرد قليلًا فانتزعه لوثر من شروده حينما قال:
ــ هيا اعمـل! لقد استرحت ثلاث مرات منذ أن بدأنا، لا تتحايل عليَّ!
أخرج نفسًا هازئًا وقال:
ــ ألم تقل بأن هذا يسعدك؟ هيا اعمل على سعادتك.
ــ بل قلت يسعدنـا!
ــ لم يقل لكَ أحد أن ترتجل كلامًا من عندك.
ــ كايـون!
ــ .....
تدخلت (أريج): لا بأس لوثر. ليس عليكما العمل من الأساس، فلترتح أيضًا.
ــ أنا لم أعنِ ذلك! حقًا يسعدني المساعدة ولكن مشاهدة كايون لنا وعدم مشاركته يُزعجني.
قاوم كايون رغبته في إعادة ما قاله صديقه بنبرةٍ مُستغبية، لأن وجود أريج بينهما يمنعه من ذلك.
رآهم جيهان حينما عاد من عملـه، ضحك لرؤيتهم وأدرك بأن ميراي قد تحسنت على ما يبدو.
أشار بيده إليهم:
ــ هيا تفضلوا، يكفي ما عملتم.
أول من نهض كان كايون، ثم تبعه البقية إلى الداخل.
أثناء قعودهم أمام طاولة العشاء، لاحظ كايون بأن قطعة اللحم المغمورة بحساء صحنـه تكاد تكون شبه معدومة على عكس بقية الصحون.
لم يشأ أن يتفلسف مع ميراي أمام زوجها فبدأ بتناول الحساء مُهملًا أمر قطعة اللحم الصغيرة.
كانت ميراي تُراقبه مع ابتسامةٍ طفيفة، وعندما رأته يأكل دون تعليق افتتحت معه الحديث:
ــ أتعلم يا كايون..
وجه بصره إليها وانتظرها أن تُردف:
ــ في بيتنا قانون، ألا وهو من يعمل أكثر يأكل أكثر.
انشق وجهه بابتسامةٍ جانبية، ثم أعاد بصره إلى صحنه وقد فهم الأمر.
تبادلت أريج ووالدها ذات النظرات المتعجبة، إذ أنه على ما يبدو بأن هذا القانون قد اخترعته ميراي للتـو.
قلبت ملعقتها في صحنها وغيرت الموضوع بسؤال:
ــ لِمَ لم تُحضِر لوسينـدا معك؟
أجاب: لأنها في الآونة الآخيرة التحقت بمعهد للفنون.
فرح جيهان بهذا فقال:
ــ ممتاز! إنها طفلة موهوبة! وحرصكم على موهبتها سيوفر لها مستقبلًا باهرًا.
أومأ له كايون على مديحه، ثم أكملوا طعامهم مع بضعة من أحاديث جيهان ونكات لوثر.
وعلى الرغم من أن اكتئاب ميراي لم يـزل تمامًا، إلا أن استفزاز كايون لها قد ساعد في كسره نوعًا ما.
.
.
مرت الأيام كلمح البصـر، فقط الصور من تشهد عليها.
كانت أريج مسطحةً على فراشها، ترتدي بيجامة بلونٍ عنابي، تُقلب الصور في الاستوديو.
مررت إبهامها على صورةٍ أُخرى حيث كان لوثر يلف ذراعه حول كتفها من جهة بينما يلف ذراعه الأخرى حول كتف كايون من الجهةِ الأُخرى.
قلَّبت أخرى تُظهِر ثلاثتهم أمام طاولة خشبية، تتوسطها بيتزا بالخضروات.
صورة أخرى تجمعهم في الصف.
صورة أخرى لأيديهم التي تحتوي على براشم الغش...
ضحكت أريج عند هذه الصورة، ثم مررت التي بعدها.
كانت تقف في المنتصف بينهما أسفل شجرةٍ كرز، قرّبت الصورة على وجوههم لتجد لوثر يبتسم ويرفع يده بإشارة سلام بينما هي تمسك بسلة تحتوي على بعض الشطائر، وكايون.. كانت زرقاوتاه تنظران إليها...
تسللت السعادة إلى شفتيها فابتسمت، وقرّبت الصورةً من وجههِ أكثر.
غمغمت في نفسها" كان ينظر أليَّ..."
وأردفت "تارةً يحدق بي، وتارةً يتجاهل وجودي... ولا أدري لمَ لا تختفي ملامحه من فكري"
تساءلت " أهو الحب؟ لا أدري. وهل هو يُفكر بي كما الحال معي؟!.. "
" هل الحب يكمن في نظرة أو كلمة أو مبادرة فعل؟ أجد لوثر يكترث لأمري أكثر، ولكنني لا أشعر بانجذابٍ إليه كما الحال مع كايون.. "
"ولكن ما مفهومي للانجذاب؟ أهو الإعجاب؟ أو أمرٌ يتعدى ذلك؟.. أيعدُّ حُبًا؟.."
سرعان ما هزت رأسها يمنةً ويسرة، وبعثرت شعرها من فرط أفكاره. أنهت هواجسها بـجملة:
ــ لا! نظراته إليّ مجرد صدفـة.
Ahed Nasser🍂