أقدام تتسلل من بين الشُجيرات، ثم.. اتسعت عيناهما واستدارا نحو الصُراخ خلفهما...
رأيا أريج وقد طُرِحت أرضًا، وثلاث فتيات يطفنَ حولها بمكر. قامت إحداهما بشد شعر أريج وهذا ما جعلها تطلق تلك الصرخة..
خدشت أريج أنامل تلك الفتاة، فسحبت يديها وزمجرت: يالكِ من متوحشة!
وبمجرد أن تحرر شعر أريج من أظافر تلك الغِرة، قفزت فوقها وشرعت تلكم وجهها، فهرعت الفتاتان وقُمنا بتقييدها..
(لوثر): أنظر!.. إنها أريج، علينا مساعدتها!
(كايون): هربنا من الحصة لنجد الراحة والآن تريدنا أن نشتبك في عِراك!
وأردف: هذه مشكلة بين فتيات، أي لا دخل لنا بِهُن.
(لوثر): لو كانت أُختك في مكانها أكُنتَ لترضى بهذا؟
(كايون): بالطبع لا!!
(لوثر): إذن؟
(كايون): إذن، فلتمش أمامي، فتلك ليست أُختي.
(لوثر): ولكن لا بدَّ من مساعدتها!
(كايون): أحمق!.. ألا ترى بأنهن يتعاركن أمام دورة المياة الخاصة بالفتيات!.. نحن لا يجب أن نتواجد هُناك!
(لوثر): ولكن.. أنظر كم هي مسكينة!
زفر كايون بنفاد صبر، فأردف قائلًا: يُستحسن أن تستعين بالمعلمة ليلى لتفصل بينهن.
(لوثر): المعلمة ليلى!.. مستحيل أنا لن أجرؤ على التحدث معها!
هز كايون كتفيه علامةً على عدم اكتراثه بالأمر، فاضطُر لوثر للذهاب إلى المعلمة ليلى لوحده.
طرق باب الإدارة ثلاثًا، ثم أطلَّ برأسه لتتوجّه أنظار المعلمين نحوه. تنحنح وقال: معلمة ليلى.. هل يمكنكِ القدوم؟
حدجته المعلمة، وهرست الفطيرة بقبضتها بينما تستفسره: ماذا هُناك؟!
(لوثر): أُريد أن أُكلمك على انفراد في أمرٍ مُهم.
(المعلمة) وقد نهضت بصعوبة بسبب وزنها: ستندم إن لم يكن الأمر مهمًا!
وبعد أن تركت الإدارة، كلّمها لوثر بنبرة مرتبكة: أا.. هناك فتيات يتعاركن أمام دورة المياة.
عقدت المعلمة حاجبيها بغضبٍ وقالت: فلتمشِ أمامي!
وبعدها.. وبينما أعين أريج تتغلف بطبقةٍ زجاجية لرؤيتها لبضع خصلاتها المنتوفة على الأرض.. رأت الفتيات يهربن من حولها بهلعٍ يصحبه الهمسات:
ــ إنها المعلمة ليلى!
ــ أُهربن!
ــ قُضي علينا لا محالة!
كانت المعلمة ليلى تهرول نحوهن كجندي يرى غنيمةً أمامه، وحين وصلت، كانت الفتيات قد تنافرن في طُرقٍ مختلفة، ولكن المعلمة تحفظ أشكالهن جيدًا. تمتم:
ــ سارة، صابرينا، وفيكي. حسابكُنَ عسير.
مدت يدها لأريج، لتساعدها على النهوض، وحين استقامت.. احتضنتها المعلمة حتى كادت أريج تفقد أنفاسها.
نطقت أريج بصعوبة: أنا.. شكرًا، يا معلمة.
(المعلمة ليلى) وهي تمسح على شعر أريج: لا تخافي ستنمو بُصيلاتٌ غيرها، وسأحرص على نتف شعر أولئك الفتيات أمامك.
وعلى الرغم من أن جميع من في المدرسة يخاف المعلمة ليلى، بدءًا من المعلمين وصولًا إلى التلاميذ، إلا أنها تبقى أحنَّ مُعلمة وأكثرهُن رِقة.
ومن بين تلك الشجيرات، حرص كايون على الإندساس بينهن جيدًا حتى ترحل المعلمة.
رآهما تغادران المكان بينما المعلمة تُشير إلى لوثر وتقول: لوثر من أخبرني بهذا، إنهُ فتى مُهذب.
أومأت أريج شاكرة، فاستطرد لوثر مُبتسمًا: هذا واجبي.
وهنا علم كايون بأنه سيبقى لوحده فعندما تُعيدهما المعلمة ليلى إلى الصف، لن يجرؤ لوثر على الهرب مجددًا.
ومرةً أُخرى.. أريج تجلس معهما على نفس الطاولة لمطلبٍ من لوثر، الذي ترجّاها مجددًا وهو يعلم جيدًا بأنها لن ترفض بعد مساعدته لها.
بقي كايون يُسند خده على كفـه، ويرمي بعض الشتائم إلى لوثر عبر زرقاوتيه. فردَّ عليه لوثر بلا اهتمام:
ــ تعلم بأن الفتيات بدأن يتنمّرن عليها حسدًا، ولو أنها بقيت منزوية لوحدها فستزداد نسبة التنمُّر.
تحدّث كايون مستسلمًا غير أن نبرته الهادئة كانت تدل على أن لوثر هو الخاسر بسبب إصراره على بقاء أريج معهما:
ــ لن أغُش لك أسئلة الامتحانات بعد الآن.
شهق لوثر، وأمسك رأسه بكلتا يديه، وهو يقول: أنت تعلم بأني سأرسب!
زمَّ كايون شفتيه بأسف، وكأن لوثر لم يترك له خيارًا آخر،
فأردفت أريج مطمئنةً لوثر:
ــ أنا أستطيع مساعدتك في مذاكرة الدروس.
(لوثر): لا... عقلي لن يستوعب أبدًا!
(أريج): لا يمكن ذلك.. بلا شك، أن تستطيع الفهم.
(لوثر): ولكنني لا أُحب إرهاق دماغي!
(أريج): تعرف بأنه لا بدَّ من التعب لتحصل على التميُز.
(لوثر): أنا لا أُريد التميُّز!.. فقط أُريد أن أنجح!
(أريج) مع ابتسامة معكوسة: هذا أسهل.
(لوثر): ولكنني أُريد أن أنجح دون أن أدرس!
(أريج): يجب عليك فعل ذلك، فإن بقيت معتمدًا على الغش فلن تُفلح في مُستقبلك أو في وظيفتك!
وبينما أريج تُحاول إقناع لوثر، بدا لكايون وكأن الزمان قد توقف للحظات... تلك الابتسامة، جعلته يرى والدته حينما كانت تبتسم بتلك الطريقة.
رمش عدة مرات، وبعد أن أصاب أنفه الاحمرار، نهض موليًا لهما ظهره.
استدارا نحوه بتعجب، وبقي الغموض يُخيم على تصرف كايون ذاك.
مرت أيام الأسبوع بسرعة، ليأتِ يوم العطلة" السبت "
وكعادة كايون في يوم العطلة يستمر بالنوم حتى الظُهر، ومؤخرًا بدأ يتمادى في ساعات نومه لأن خالته فروني عادت إلى منزلها.
ولكن لم يستطع أن ينعم بالراحة المتعبة هذه، فلوثر يتطفّل عليه في كُل يوم.
سحب بطانيته، فصرخ كايون عليه: لوثر!!!
(لوثر): كفاك نومًـا!
(كايون): عُدَّني عبدًا عندك واعتق حُريتي!
(لوثر): عندي فكرة!.. فلنذهب إلى المطعم!
(كايون): اذهب وحدك!!
(لوثر): لا أستطيع، فقد نسيت محفظتي في المنزل!
(كايون): دولابي خلفك، خذ ما يكفيك ولترحل!
(لوثر): أتطردني؟!
(كايون): نعم، أطردك!
هرولت لوسي نحو غرفة أخوها وصرخت مناديةً كرستين: هااي، كرستين!.. لقد استيقظ كايون، هاتِ طعامه بسرعة لا بدَّ وأنه جائع!
باعد لوثر عن ذراعيه ورحبَّ بها: أهلًا لوسي!
ركضت نحوه، وقفزت إلى حجره هاتفة: أهلًا لوثر!
وجّه لوثر بصره إلى كايون وقال: ما رأيك أن نأخذ لـ..
قاطعه كايون بحدة: أُصمت!!
(لوثر): ولمَ لا؟!
(كايون): من الأفضل أن تبقى في المنزل.
(لوسيندا): من هي؟!
(لوثر): يجب عليها أن تخرج، لا تحبسها هكذا!
(لوسيندا): ولكن من هي؟!
(كايون): يكفي أنها تخرج كل يومٍ إلى الروضة.
(لوسيندا): عرفت!.. أنا من أخرج إلى الروضة!
(لوثر): ولكن المطعم مختلف.
صفقت لوسي بحماسة وهتفت: وأنا أُريد أن أذهب إلى المطعم!
وهُنـا... لطم كايون صديقه بالوسادة، فقفزت لوسي وصاحت: حرب الوسائد؟!
جاءت كرستين ووضعت الطعام على المنضدة، فوجّه كايون كلامه للوثر:
ــ ها هو الطعام، فلتذهب ولتأكل أيُها الجائع!
(لوثر): سافل!.. بغيض!
(كايون): أنت ماذا تُريد بالضبط؟!
(لوثر): أكل المطاعم!
(كايون): طبخ كرستين ألذ من طبخ المطاعم.
تورّدت وجنتا كرستين وأخفت ابتسامتها.
أردف لوثر مُحدثًا لوسي: لوسيندا!.. يوجد في المطعم حلوياتٌ شهية!
(كايون): لــوثـر!
(لوثر): ومثلجاتٌ بجميع النكهات!
(كايون): لــوثـر!!
لمعت أعين لوسي، وقالت: كايون!.. أرجوك!.. منذ مدةٍ لم أتناول المثلجات!
(كايون): هذه أيامٌ باردة، ستمرضين إن تناولتها!
(لوسي) وهي على وشك البُكاء: لا!!.. أنا أريد المثلجات يعني أُرِيدُها!
ابتسم لوثر على الجانب لنجاح خطته، فأرشقه كايون ونبّس: ستندم!
وهذبوا جميعًا إلى المطعم بعد معركة الوسائد...
أخذ كُلٌّ من لوثر ولوسي بنهش الطعام، في حين يقلّب كايون معلقته بملل، وكأنه جاء ليدفع ثمن الطعام لا غير.
وكزه لوثر بمعصمه وقال: انظر، خلفنا!
استدار، فوجد أريج مع والديها يتناولون الطعام. تأفف ثم تمتم: أينما ذهبنا نجدها خلفنا.
وقفت لوسي على الكرسي ليتسنى لها رؤية الشخص المقصود، فأجلسها لوثر سريعًا وقال: لا تفضحينا هكذا!
(لوسي): ولكن من تقصدون؟؟
(لوثر): واحدة لا تعرفينها.
عادوا لتناول الطعام بهدوء، ولكنه هدوء ما قبل العاصفة...
مر بعض شباب المدرسة من جانب كايون الذي لم يعرهم بالًا، غير أنه قد استشاط غضبًا حين سمع كلامهم العابر:
ــ أذاك زميلنا كايون ديلفاران؟!
ــ هههه، تغير كثيرًا منذ ماتت أمه!
ــ لوهلة بدا لي كالكلب المشرد!
ــ مُثيرٌ للشفقة!
انتفض من مكانه، ناسيًا بأن أُخته الصغيرة ما تزال جالسةً أمامه وستشهد على عُنفه.
اندفع نحو الشابين الذي سمعمها يثرثران عنه، فلكم الأول وركل الثاني، ومن هنا حمي الوطيس في وسط المطعم.
انقلبت الطاولات، وقرع صوت الزجاج المتناثر على الأرض، فهرع عُمال المطعم وجروهم خارجًا، فتكالب الشابان على كايون ورد كل واحدٍ منها الصاع صاعين، نظرًا لأن كايون قد بات ضعيفًا حقًا...
ــ لم تستطع لكمي قبل قليل إلا لأنكَ باغتني على حين غرةٍ مني!
ــ يبدو أن موت أمه زاد من عجرفته وضعفه!
"ماتت أمه" "موت أمه" هذه العبارتين كانتا كالبارود الذي انكب على جمرة كادت على وشك الإنطفاء فاشتعلت بغـةً.
استعاد كايون توازنه بعد تلك الضربات، فانخفض على الأرض ومرر قدمه عليها في قوسٍ واسع بطح الشابين أرضًا.
قفز فوق أحدهما وشرع يلكم وجهه بوحشية، فاستقام الآخر ودفع كايون إلى الجانب، ثم... انقلب الوضع ليُثبّت كايون على الأرض، وقبل أن تصل لكمة الشاب إلى وجه كايون، كان الشاب قد قُذِف إلى الأمام، فتهشّم أنفه بحجر الرصيف.
بقيت أنفاس كايون متضاربه وظهره ما يزال على الأرض، فمدَّ لهُ لوثر يده ليرفعه. استقام الشابان أيضًا ليبدأ القتال من جديد ولكن بكفةٍ متعادلة...
انحدرت الشمس نحو الأُفق مستترةً بين الغيوم الكثيفة. تناثرت بقايا خيوط الشمس حول السُحب لترسم عليها أشكالًا رهيبة على نحو ثقيل... وحينها، مسح لوثر دماء أنفه وقال:
ــ لقد كانا عنيدان جدًا.
بصق كايون الدماء من فمه وقال: فلنعد إلى المنزل.
ركب لوثر على السيارة بجانبه، وشق كايون الطريق نحو كابيتول هيل. توقف أمام منزل الدون ليڤينو، لينزل لوثر، فيكمل طريقة نحو ساوث ليك يونيون.
ثوانٍ قليلة حتى عقد حاجبيه وغمغم" أشعر بأني قد نسيت شيئًا"
وبالصدفة نظر إلى المرآة أمامه ليرى حالة وجهه الرثة، لم يركز على البقعة البنفسيجة المرسوة على طرف شفته بقدر ما ركز على المقعد الخلفي الفارغ...
شهق: لوسي!!
ثم انطلق عائدًا نحو المطعم بجنون...
أوقف السيارة بمنتصف الرصيف، وهرول نحو المطعم... تباطأت خطواته شيئًا فشيئًا وارتخت ملامحه حين رأى لوسي تقف أمام الباب وهي ممسكة بيد أريج بينما تتناولان دوناتٍ ملونة.
هتفت لوسيندا ولوحت بيدها: أخي!!
بات أمامها، فجلس على إحدى رُكبتيه وضمّها إلى صدره بقوة، متمنيًا لو بإمكانه أن يحبسها بقفصه الصدري حتى يطمئن قلبه.
ــ أخي أنت تخنقني!
أفلتها، ليستقر كفيه على وجنتيها المنفوختين. سألها حينئذٍ: أنتِ بخيرٍ لوسي.. صحيح؟
أومأت مبتسمةً وقالت: الآنسة أريج اهتمت بي جيدًا واشترت لي دونات!.. لقد أبقيت لكَ واحدة.
مدّت يدها إلى خده وسألته بقلق: لمَ تعاركت مع أولئك الفتيه، هل يؤلمك هذا الجُرح؟!
طمأنها بخفوت: أنا بخير.
ثم...
استقام ممسكًا يدها، ووجّـه بصره إلى أريج، أراد أن يشكرها حقًا ولكن لسانه جاحدٌ بطبعه، لا يُقدِّر جميل الآخرين، خاصةً الغرباء.
لم تنتظر أريج كلمةً منه، واستدارت نحو والدتها فور أن نادتها.
Ahed Nasser🍂