🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️️️
• سبحان الله، والحمد لله، ولا إلا إلا الله،
𑨷والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️️️
_______________________________________
عاد كاميرون والبقية إلى المقر، ثم سأل:
ــ هل الجميع يبيت هنا؟
أجابت رينا: نعم.
استفسر بسخرية: وهل المقر فندق أيضًا؟!
ضحكت بخفة وشرحت له:
ــ لا، ولكن والدي خصص غُرفًا مشتركة للرجال المشردين أمثالك.
سأل كاميرون باستغراب: مشردين؟!
أجابت بينما تتمعن النظر بأظافرها:
ــ الذين هم بلا مأوى، مثلك تمامًا! أنت أيضًا ستشاركهم الغرفة نفسها، والأغطية تجدها داخل الخزانة.
رد بحدة: أولًا توقفي عن إهانتي! ثانيًا لماذا لا يشترون منازل؟ أساسًا يستطيعون شراء قصور!
ــ لأنهم مقطوعون من شجرة، بلا أهل. البعض مثل ميلڤين لا يُمانع العيش في بيت بمفرده، ولكن الكثير من الأعضاء يحبون الجو العائلي، لذلك يعيشون هُنا.
رسم على وجهه ابتسامة مصطنعة وقال
:
ــ لكن الغرف المشتركة ستكون ذا جوٍ ثقيل، لمَ لا تعطونني غرفة بمفردي؟
ابتسمت ابتسامة جانبية، وقالت:
ــ لأنك لست في فندق!
زفر بنفاد صبر، وتوجه إلى تلك الغرفة على مضض...
في الصباح التالي...
وطأت قدما كاميرون المقر، ليجد رينا وجيسيكا وباركر متوشحين بمعاطف الأطباء. مدّت لهُ رينا معطفًا طبيًا، فتناوله منها وسألها متعجبًا:
ــ لماذا علينا ارتداؤه؟!
رمقت رينا باركر، واستطردت:
ــ لأجل أن نُحقق حُلمَ باركر للمرةِ الألف!
صدرت ضحكات خافتة من الجميع عدا كاميرون الذي قطب حاجبيه وقال:
ــ لم أفهم.
قلبت عينيها وتنهدت:
ــ آهٍ منك!
سحبت المعطف من يده وشرعت تُدخل يديه في الأكمام رغمًا عنه، فترنح وتذمر:
ــ هااي! هاي!.. على رسلكِ، أستطيع ارتداءه بنفسي!
ابتعدت ونبست بينما استقرت يداها على خصرها:
ــ ارتده بسرعةٍ إذن!.. لا تؤخرنا!
مرت من جانبه لتباشر طريقها نحو الأمام. تبعها بقية أتباعها، وسمعت وقع أقدام كاميرون الراكضة خلفها، وصوته يتبعها أيضًا:
ــ فقط أُريد أن أفهم!
أجابت دون أن تحيد عينها عن الطريق:
ــ سنذهب إلى المستشفى.
ــ لماذا؟!
تأففت، فأجابت جيسيكا عوضًا عنها:
ــ نحتاج بعض المواد الكيميائية لنُصنِّع المخدرات.
همهم بفهم: هممم.
(جيسكا): كان عليك أن تفهم هذا من تلقاء نفسك بمجرد معرفة أننا سنذهب إلى المشفى!
(كاميرون): وكيف لي أن أُدرك هذا من تلقاء نفسي!؟
(جيسيكا): ولمَ قد تذهب عصابة إلى مستشفى في رأيك؟؟
(كاميرون): آه.. معكِ حق، لم أربط الأمور فحسب.
تكلم باركر بتهكم:
ــ هه.. اعترف أنك أحمق فحسب!
رد بحدة: لستُ كذلك!
وأردف: أكل هذه السخرية لمجرد سؤال؟!
(باركر): ما رأيك أن تبكي؟
(كاميرون): فلتلزم الصمت!
كاد باركر أن يقول شيئًا لولا مقاطعة جيسيكا:
ــ حسنًا حسنًا!.. يبدو أن العضو الجديد لا يُحب المزاح، لذا لن نمزح معه مجددًا.
(كاميرون): كلا، أنا أُحِبُ المزاح، ولكنني أمقُت المزاح المرافق للسخرية!
واصلوا طريقهم بالسيارة في صمت، حتى كسره كاميرون بسؤالٍ وجهه لجيسيكا:
ــ صحيح.. قبل قليل قالت رينا إننا سنذهب لنحقق حُلم باركر، ماذا تعني بذلك؟.. ألم يذهب إلى المستشفى من قبل؟!
شخرت جيسيكا ولوحت بيدها قائلة:
ــ لا، لا.. كان حلمه أن يُصبح طبيبًا!
افترقت شفتاه بذهول، واستدار محدقًا بباركر الجالس خلفه، تأمله من الأعلى إلى الأسفل بينما تعابيره تنضح بالسخرية...
رفع باركر أحد حاجبيه وسأله بنبرةٍ جافة:
ــ ما خطبُ هذه النظرة؟
رد كاميرون وهو يلوي شفته بطريقة مستفزة:
ــ لا شيء البتة.
صرَّ باركر على أسنانه وقال:
ــ تحدث بوضوح حتى لا أهشم لك هذا الأنف الأحمق!
ــ أخفتني على فكرة!
حاولت جيسيكا الفصل بينهم، فقالت:
ــ اهدأوا يا شباب!
(باركر): لن أهدأ وهذا السافل يقلل من قدري!
(كاميرون): هه.. أنت لا تمتلك قدرًا حتى أُقلل منه!
(باركر): أسمعتُن؟...
قام باركر بثني أكمامه وقال:
ــ لا تلوميني يا رينا على ما سأفعله به!
استطردت رينا وهي تُحاول التركيز على الطريق:
ــ يُستحسن أن تبقى في مكانك.
(باركر): وتمر سُخريته مني بسلام؟!
(رينا): لقد سخرتَ منه قبل قليل، وقد أخذ حقه فحسب.
(باركر): كلا!.. الأمر مُختلف.
(جيسيكا): حسنًا.. يكفي!
(باركر) بحنق: حتى أنتِ تقفين معه!
(جيسيكا): لا يا باركر..
وأضافت:
ــ لو كنت طبيبًا فأنا واثقة من أنك ستكون من أفضل الأطباء!
ابتسم بخفة، ولكن ابتسامته انمسحت حين سمع كاميرون يُقهقه. انفرجت شفاه باركر ليقول شتيمة، غير أنه صمت حين سبقه كاميرون بقوله:
ــ حسنًا يا باركر، أتعلم لمَ لا يحق لك أن تحلم بالطب؟
سأله باركر بغطرسة: أجبنا من فضلك؟!
(كاميرون): لأن الطب يستلزم النظافة!
صُعِق باركر، وصدرت عن جيسيكا ضحكة مكتومة، في حين لثمت رينا فمها بقبضتها حتى لا تزلَّ ضحكتها هي الأخرى.
زمجر باركر بعد أن شعر بأن مشاعره قد جُرِحت:
ــ أيرضيكِ هذا يا رينا؟!.. أيرضيكِ أن يصفني بالقذر لكوني أسود؟!
وأضاف بحنق: لا للعنصرية!
لوحت رينا بقبضتها في الهواء وكررت:
ــ لا للعنصريـة!
وأردفت بجدية:
ــ كاميرون!.. سينقص من رصيدك ألفي دولار!.. فنحن لا نتساهل مع العنصرية!
(باركر): أجل!
(رينا): وستُضاف إلى رصيد باركر!
هتف باركر وهو يشد على قبضته:
ــ رائع!
اعترض (كاميرون): مهلًا مهلًا!.. أنا لم أعْنِ هذا!
(رينا): لا تحاول أن تبرر!
(كاميرون): أبدًا!.. إنهُ قذرٌ بالفعل!.. وليست القذارة في لونه، بل في شعره!
صمتوا جميعًا، حتى شرخ الصمتَ صوتُ باركر المستنكر:
ــ شعري؟!.. وما بهِ شعري!؟
(كاميرون): فيهِ خمسون ضفيرة!
(باركر): وما المشكلةُ في ذلك؟!
(كاميرون): تكمن المشكلة في آخر مرةٍ ضفّرتَ فيها هذه الضفائر!
امتقع وجه باركر، إذ إنه بالفعل لا يذكر متى كانت آخر مرة!
ابتسم كاميرون، في حين انفجرت جيسيكا ورينا بالضحك...
هدأَ باركر ثم اعتدل في جلسته وتمتم:
ــ سحقًا لكم!
تلفت كاميرون يمنةً ويسرة، ثم عقد حاجبيه واستفسر:
ــ رينا...
رمقته من المرآة الأمامية للسيارة وأجابت:
ــ ماذا؟
(كاميرون): أليس من المفترض أن تأخذي معكِ حارسك الشخصي؟
(رينا): هه.. ليس عليه أن يحرسني دائمًا.
وأضافت:
ــ أنا لا أُحب أن يحرسني أحد، ولكنني جعلته حارسًا حتى يطمئن أبي لا غير.
(كاميرون): هممم.
واستطردَ سائلًا:
ــ ولمَ لم يأتِ بقية مجموعتك معنا؟
(رينا): أوكلتُ لهما مهمةً أخرى.
واصلوا المسير حتى وصلوا إلى الوجهةِ المقصودة. أخرج كاميرون رأسه من النافذة وحدق بالمبنى العريض أمامه، ثم سأل:
ــ كيف ستدخلون دون أن يُكشف أمركم؟
أجابت جيسيكا:
ــ سندخل إلى المشفى ككوننا ممرضين.
(كاميرون): ولكنهم سيرتابون لعدم رؤيتهم لنا من قبل!
(جيسيكا): وعذرنا أننا جُدد.
كاد أن يضيف سؤالًا آخر، غير أنه أطبق شفتيه حين سمع رينا تقول:
ــ لا عليك يا كاميرون، سندخل وسترى بنفسك كيف تتم الأمور.
وأردفت: تفقد جيب معطفك.
أدخل يده في الجيب، ليجد بطاقة مزورة تحمل صورته واسم رودي غارسيا.
امتقع وجهه وسأل:
ــ رودي!؟.. ألم تجدي اسمًا أفضل من هذا؟!
هزت كتفيها بمعنى لا.
ابتسم باركر وتحدّث بعفوية: واسمي هو الأسوأ!
(كاميرون): وما هو؟
(باركر): سكوير بانتس مايكروتك!
قهقهت جيسيكا وقالت:
ــ أما أنا فلورين هندرسون.
ابتسمت رينا، وقالت: فلورنسا هندرسون.
(باركر) بامتعاضٍ شديد:
ــ ولمَ أسماؤكن جميلة بينما نحن العكس!؟
أجابت رينا: صدفة!
(باركر): ههـه..
ارتدت رينا شعرًا مستعارًا وكمامة، وكذلك الحال مع جيسيكا.
رمش باركر عدة مرات وقال: وماذا عنا؟
(رينا): لم يتسنَّ لي تصويركما بشعرٍ مستعار، ولهذا ستكتفيان بارتداء النظارات والكمامة.
سأل كاميرون:
ــ هذا التنكر هو تمويه لكاميرات المستشفى، صحيح؟
ابتسمت رينا لاستنتاجه وقالت: بلى.
دخلوا إلى المستشفى وتوغلوا بين الأطباء والممرضين كأنهم أفرادٌ منهم... ثم توجهوا نحو الغرفة المخصصة للأدوية. وأثناء مشيهم، جمعهم الرواق مع إحدى الممرضات.
ابتسمت الممرضة ابتسامةً جانبية ونطقت: رينا.
(رينا) مع ابتسامة: سعيدة لرؤيتك فيكتوريا.
صافحتها وأردفت: أيمكنكِ أن تؤمني لنا الغرفة؟
(فيكتوريا): بالطبع، ولكن عليكم أن تتريثوا قليلًا حتى يخرج الممرض رايمند.
أتاهم وقعُ خطوات، فلوحت فيكتوريا بيديها وهمست باضطراب:
ــ اختبئوا في هذه الغرفة!
وبعد أن ابتعد رايمند، فتحت لهم الباب وقالت:
ــ هيا أسرعوا!
هرولوا نحو غرفة الأدوية، وسارع باركر في فتح حقيبة ظهره، وشرعوا بجمع أكبر عدد من الأدوية وبعض المطهرات.
وأثناء ذلك، تحدّث كاميرون سائلًا رينا:
ــ هل فيكتوريا تلك تابعةٌ لعصابة والدكِ؟
أجابت رينا وهي منهمكة بجمع ما أمامها: نعم.
(كاميرون): همم.. شعرت بأني قد التقيت بها مسبقًا.
(رينا): حسنًا، احرص على خفة يدك.
(كاميرون): أوه!.. هي فيكتوريا بيكهام، صحيح؟!
قلّبت رينا عينيها وقالت:
ــ لا!.. هي فيكتوريا روبنسون.
وأردفت:
ــ دعك من هذه الأسئلة، واعمل بسرعة.
(كاميرون): حسنًا، كل ما في الأمر أنني شبهتها بفتاةٍ أعرفها.
كادت عينا رينا أن تخرجان من محجريهما حين لاحظت أن باركر يجمع كل معقم أمامه بعشوائية. سألته وأعينها تخترقه:
ــ أنت لا تطّلع على محتوى المعقم، صحيح؟!!
(باركر): أأ....!
(رينا): أحمق!.. لن نستفيد منها إن كانت خالية من الكحول!!
(باركر): أعلم، ولكننا سنستخدمها في تعقيم جراحنا، وبهذا لن تضيع سُدى!
(رينا): لا تُثر أعصابي!.. نحن الآن بحاجة للمعقمات ذات التركيز العالي، أما هذه فسنستطيع شراءها بكل بساطة!
(باركر): وهذه نستطيع شراءها من الصيدلية بكل بساطة!
(رينا) وقد نفد صبرها: أيُها الـ...
وقبل أن تشتمه، سبقها كاميرون في الكلام:
ــ لا نستطيع شراء كمية كبيرة من المواد الكيميائية دون إثارة الريبة، ولا سيما أننا لسنا أطباء ولا نمتلك مستشفى.
وجهت رينا كلامها لباركر: أفهمت؟
(باركر): ولكن الوقـ...
(رينا): اصمت وأكمل عملك!
تململ باركر ونطق متنهدًا: حسنًا.
اقتربت جيسيكا منه وسألته:
ــ باركر، ما خطبك؟.. هل نمت البارحة جيدًا؟
(باركر): لا داعي للسخرية.
(جيسيكا): أنا جادة!
رمق رينا بطرف عينه، ثم همس:
ــ في الحقيقة.. لم أنم إلا قريب الفجر.
رفعت جيسيكا أحد حاجبيه، وأكملت:
ــ وهذا لأنك سهرت مع ألكس لشرب الخمر؟
استفسرها باركر مخفضًا حاجبيه:
ــ لن تشي بي، أليس كذلك؟!
(جيسيكا) مع ابتسامة: لا تخف، حماقتك في أمان!
وكز مرفقها وابتسم، ثم رأيا رينا وهي متسمرة بهما، فسارعا في الاعتذار:
ــ نعتذر، لن نكررها، وسنعمل بسرعة!!
غرقوا في العمل... وعلى حين غرةٍ منهم، عاد الممرض رايمند ليأخذ المرهم الذي نسيه.
انفرجت شفتاه وهو يراقب عملية السرقة التي تحدث أمامه.
وكان أول من لاحظ وجوده هو كاميرون مما جعله يتجمد مكانه. غضبت رينا لتوقفه فصرخت:
ــ لا تتوقف!.. الوقت ليس في صالحنا!
تمتم كاميرون وعيناه ما تزالان معلقتين بالممرض:
ــ انكشف أمرنا!
رمقت رينا الممرض بحدة والتهمته بقية الأعين، فابتلع ريقه وقال:
ــ ماذا تفعلون؟
أجاب باركر: أأ.. نرتب الأدوية.
رفع رايمند حاجبه بشك وحدق بالحقيبة، لتردف جيسيكا بعذرٍ أقوى:
ــ قسم العمليات طلب منا أن نحضر الكثير من المعقمات.
(الطبيب رايمند): وكل هذا القدر؟
(جيسيكا): نعم، ولأطباء آخرين أيضًا.
(الطبيب): همم.. هل سبق لي أن رأيتكم من قبل؟
(رينا): كلا، نحن موظفون جدد.
(الطبيب): وتوظفتم الأربعة خلال هذا اليوم؟
صمتوا.. فرد عليه كاميرون بتردد:
ــ آا.. نعم.
همهم رايمند وأومأ برأسه هامسًا: حسنًا.
ثم استدار على عقبه مغادرًا. حدجت رينا باركر وأمرته:
ــ إلحق به!
ركض باركر، ولكن الممرض رايمند كان قد فرَّ راكضًا منذ البداية، فحدث باركر نفسه: "كُشِفنا لا محالة!"
لم يستطع اللحاق به، فبعد أن أخذ رايمند ذلك المنعطف بات في مكانٍ يعج بالمرضى والأطباء.
عاد باركر إلى رفاقه وصرخ:
ــ لقد أفلت مني!.. علينا أن نغادر حالًا!
حملت جيسيكا الحقيبة وساعدها باركر في ذلك، ولحق بهما الآخران. ورد اتصالٌ لرينا.. ما كانت لترد، ولكن المتصلة كانت فيكتوريا:
ــ رينا!.. سمعت رايمند يحدث رجلي أمن المستشفى عنكم!
(رينا): لا عليكِ!.. المهم ألا تصوركِ الكاميرات الآن!
(فيكتوريا): لا، أنا في دورة المياه.
أقفلت رينا الخط وباشرت ركضها إلى جانب كاميرون. رمقت جيسيكا وباركر وقد سبقاهما في النزول، ثم... سمعا صوت شرطي من خلفهما:
ــ توقفا وإلا سأطلق النار!
رسمت رينا خطة سريعة في ذهنها: "من الجيد أن جيسيكا وباركر تمكنا من النزول سريعًا... والآن عليّ أنا وكاميرون أن نغير وجهتنا حتى لا يُلقى القبض علينا جميعًا".
أمسكت بمعصمه وجرته معها إلى ممرٍ آخر. أطلق الشرطي الرصاص بينما يصعد الآخران السلالم المؤدية إلى الطابق الرابع؛ ارتد الرصاص على الدرابزين، فصرَّ الشرطي على أسنانه واتصل بزميله ليخبره بمكان اللصين.
دخلا إلى المصعد، وكبست رينا على الأزرار قاصدةً الطابق الأرضي. ثوانٍ فقط حتى وصلا... فُتح الباب بطريقةٍ آلية ليتجلى لهما الشرطي الثاني، وقد كان بانتظار المصعد ليستخدمه.
صُعِقا وجحظت عيناهما، وحين أراد الشرطي الدخول، كبست رينا على الأزرار بسرعة لينطلقا عاليًا!
اتصل الشرطي بزميله الآخر وأعلمه:
ــ وجدت اثنين!.. وقد صعدا إلى الطابق الأخير!
أجابه زميله: عُلم!
وهناك في الطابق الخامس...
واصلا الهرولة نحو الدرابزين المؤدي إلى السطح.
تحدث كاميرون شاقًا أنفاسه الهائجة:
ــ سطح المستشفى ليس خيارًا جيدًا!
(رينا) وقد جفَّ حلقها: ولكنه.. الخيار الوحيد!
(كاميرون): لمَ لا نختبئ وننتظر اللحظة المناسبة للنزول؟
(رينا): كلا، سيجدوننا من خلال الكاميرات.
(كاميرون): آوه.. سحقًا!
وطأا آخر درجة وفتحا الباب... ولجا إلى السطح وأغلقا الباب بالمزلاج.
جلس كاميرون على الأرض متنفسًا الصعداء، بينما رينا راكعة على ركبتيها تحاول ازدراد ريقها.
(كاميرون) وأنفاسه متضاربة: والآن.. ماذا سنفعل؟
(رينا): سنبحث عن طريقة مناسبة للنزول من هنا.
استفسرها: أأنتِ مجنونة؟!
(رينا) مع ابتسامة جانبية:
ــ ماذا؟.. أتخاف من المرتفعات؟!
ــ لا!.. ولكن نسبة نجاحنا ضئيلة!
ردت بتبلد: ألديكَ خطة أخرى؟؟
صمت، فاستدارت موليةً له ظهرها. تقدمت نحو أطراف المبنى وتبصّرت الطريق أسفلهم، ومدى الارتفاع الشاهق الذي يفصلهم عن الأرض.
تنهدت وحدّثت نفسها: "أذكر أن هناك قصبات خارجية للمبنى".
واصلت بحثها، وحين أطلت على الجانب الأيسر من السطح وجدتها... قصبة معدنية مثبتة من السطح حتى الطابق الأرضي.
ابتسمت وأشارت بإصبعيها لكاميرون بالتقدم: تعال!
تقدّم نحوها وسألها: أوجدْتِ طريقة؟
ــ سنستخدم هذه القصبة.
ألقى نظرةً عليها، فعقد حاجبيه وقال:
ــ ربما لن تحتمل وزننا.
هزت كتفيها وقالت: هذا هو الحل المتاح.
ــ تريثي يا رينا، سنجد حلًا آخر.
دوى صوت الباب خلفهما إثر ركلات رجال الشرطة، وصرخ أحدهم:
ــ أنتما محاصران!.. إن لم تفتحا الباب فسنكسره ونزيد من مدة عقابكما!
أعادت رينا بصرها إلى كاميرون، وقالت:
ــ لم يعد لدينا وقت!
وأردفت:
ــ هيا انزل.. واحرص على التشبث بها بأطراف أصابعك حتى لا تُثقِلها بوزنك.
ــ انزلي أنتِ أولًا، فهي لن تحتمل وزن شخصين.
بدأت الطلقات النارية تخترق الباب، أتبعها صوت ضربات عنيف جعل رجيف الباب يزداد.
قبضت رينا على كتفه وتحدثت بصرامة:
ــ كاميرون.. سنكون بخير، هيا.. وإن سقط أحدُنا فعلى الآخر أن يمسك به.
توضحت عينيه لتتأكد من مدى وقع كلماتها عليه. أومأ بشكلٍ خفيف واستطرد قائلًا:
ــ حسنًا، سأنزل أولًا.
صعد على الجزء المرتفع من السطح وتشبث بالأسطوانة المعدنية، زاحفًا نحو الأسفل ببطء. تبعته الأخرى وحاولت التشبث بأصابعها حتى لا تضغط على القصبة.
أخذت رينا تتمتم مع كل حركةٍ تقوم بها:
"بهدوء.. ببطء.. بهدوء.. ببطء..."
اتسعت عيناها السماويتان حين لمحت بعض البراغي تنزلق من مكانها، دق قلبها بوجل وحاولت الإسراع في زحفها قليلًا، وعندها... خرجت إحدى القطع المعدنية عن موضعها؛ إذ أن المسامير الصدئة تحملت طاقة تفوق طاقتها!
سقطت رينا، فشهقت وانكمشت أمعاؤها جزعًا،
اعتصر الخوف قلب كاميرون، وفرغ جوفه من الهواء حين رأى رينا تمر من جانبه كالنيزك. اندفع جسده لا إراديًا، فتدلى وأمسك بيدها في آخر لحظة.
فتحت عينيها ببطء، فتأرجحت الرؤية أمامها، وحدقت بكاميرون الذي يُجاهد ليبقي معصمها محتجزًا بين أصابعه. استنشقت دموعها وأفترت عن ابتسامةٍ ممتنة، فبادلها الابتسامة ولكن بصعوبة.
وفجأةً... اجتاح مسمعهما صوت المعدن ينذر بالانهيار!
لم يلحقا بفعل أي شيء، فانهارت الأسطوانة بالكامل، واستقبلهما الهواء الطلق.
تلاشت شهقتهما في الجو، وشدَّ كلٌّ منهما على يد الآخر بينما يغلقان أعينهما بشدة. لم تكن المسافة المتبقية كبيرة، بيد أنها كفيلة بتحطيم ما يُقارب ثلاثةَ عشر عظمًا.
التحمت أجسادهما بالقاع، وانكتمت أنفاسهما استعدادًا لتلقي الألم... ثانية.. فثانيتان.. ثم ثلاث دون أن يشعرا بأي تهشم.
تزامنت أهدابهما في الرمش، كلٌّ منهما يطالع الآخر بتعجب. لاحت عيناهما في المكان فإذا بهما يستلقيان على أرائك وثيرة ذات جلدٍ أسود... تلفتا يمنةً ويسرة ليدركا أن هذه أرائك سيارة.
جاءهما صوت جيسيكا من مقعد القيادة:
ــ كنتُ دقيقةً للغاية، أعلم!.. لا داعي للشكر!
تنهدا رينا براحة، بينما يطالعهما باركر بابتسامةٍ عريضة.
تحدث بسعادة:
ــ نجوتما بإعجوبة!
همست رينا من دون وعي أثناء تأملها بسقف السيارة المفتوح: نعم.
ثم وجهت بصرها إلى كاميرون واستفسرته:
ــ أأنت بخير؟
أجاب كاميرون وهو ما يزال متسمرًا بها:
ــ نعم.. فقط ظهري يؤلمني قليلًا.
صدرت عنها ضحكة مكتومة، وضاقت عيناها وهي تحاول ألَّا تضحك بهستيرية. راقبها كاميرون بصدمة، ثم ابتسم بخفة وتمتم محدثًا نفسه: "كيف بإمكانها أن تضحك بعد كل ما مررنا به؟!"
°
°
أخذت رينا نفسًا عميقًا لتستنشق به عبق المنزل. رأت والدها وهو يعبث بشيءٍ ما، فاقتربت منه وسألته:
ــ أبي، ماذا تفعل؟
ابتسم أثناء قوله:
ــ أبحث عن الغرامافون.
ــ آه يا أبي.. لم يعد يستخدم تلك الأسطوانة أحدٌ غيرك.
خفت صوته عندما قال:
ــ هذا لأنه آخر ما تبقى من تاتيانا.
انخفض حاجباها، واعتلت شفتيها ابتسامةٌ حزينة. التفت إليها الزعيم وقال مداعبًا:
ــ هيا أميرتي، اذهبي وارتدي فستانًا، أم أنكِ لا تودين رقص الفالس مع والدكِ؟
لوحت بيدها قائلة:
ــ أبدًا، لقد مر زمنٌ طويل على آخر مرة رقصنا فيها الفالس وأخشى أن أطأ على قدمك.
قهقه الزعيم وهز يده بإشارة ــ هيا اذهبي بسرعة.
بشَّ وجهها وصعدت إلى غرفتها. نزلت بعد مدة وقد ارتدت فستانًا زمردي اللون، يميل إلى الأسود من شدة خُضرته.
أفتر الزعيم عن ابتسامةٍ حنونة، ثم وضع الإبرة على أخاديد الأسطوانة ليتضخّم صوت الموسيقى عبر بوق الجهاز.
اقترب من ابنته شابكًا أصابعه بأصابعها، ومسترخيًا بيده الأخرى على خصرها. أمسكت بكتفه، واستقرت عينها السماويتان بسماويتيه.
بدأا بالتناغم مع الألحان، بينما الزعيم يُذكِرُها بالخطوات:
ــ الآن خمس خطواتٍ إلى اليمين.
أخفضت بصرها إلى أقدامهما، فأردف الزعيم ناهيًا:
ــ كلا يا رينا.. على رأسكِ أن يظل مرفوعًا، ولا يجب أن تشرد عيناكِ عن شريكك.
قهقهت واستفسرته:
ــ وكيف أضمن أني لن أدوس على قدمك؟
ــ اتبعيني في كل حركة، وستحفظين خطواتي.
تأملته بصمت مسترجعةً بعض المشاهد من سقوطها، وذلك الشعور. حين ظنت أن هذا هو آخر يومٍ لها. تسللت ابتسامة باهتة إلى شفتيها، ونطقت بنبرةٍ مبحوحة:
ــ أبي..
ــ نعم أميرتي؟
ــ أشعر بأني اشتقتُ إليك.
عقد حاجبيه وسأل:
ــ ماذا تعنين؟ ها أنا أمامك.
ــ لا، لم تفهمني.
شردت عيناها لثانية وأردفت:
ــ في الماضي، كنا نُخصص وقتًا لقضاء الوقت معًا، تارةً تصطحبني إلى المطعم وتارةً تلبي طلبي في زيارة أماكن بعيدة.
ــ هممم.. تعنين أن العمل قلل من وقتنا معًا.
ــ بلى..
ــ ليكن لكِ ذلك.
نطقت بسعادة: شكرًا لك أبي.
لانت تعابيره وقال: وشكرًا لكِ يا وحيدتي.
Ahed Nasser🍂